هويته قيد التصنيع

ابراهيم زورو
2017 / 1 / 22

هويته قيد التصنيع
ابراهيم زورو
عدنان حسن اغترب عن كل شيء وخاصة الشعر ليعود إليه فيما بعد، تركه ليختمر في سياقه الجميل، ظن الجميع بأنه لن يعود إليه، وقد أتى عدنان شاعرا ليحترم الكلمات والصور الشعرية بل يبجلها إلى حدها الأعلى، كأنها طفلة تحبو بين يديه يعلّمها فن الكلام وسيرة الدلال، وهذا ما نلمسه في أولى قصائده باللغة الكوردية بعنوان: الغريب،
ترى أي غريب يتصادق مع نفسه بعد سنوات طوال، بل أي علاقة عتيقة تجمع بين عدنان الغريب وعدنان الشاعر، يأتي عدناننا ليقول: لست غريباً بالمعنى المعهود والقديم للكلام، بل الغريب هو الذي يترك معطف حنينه على كتف رجلاً كان يبحث عن ذاته، وما جعلت تلك العلاقة مشدودة على وتر طنبوره الذي يبكي بين يديه بينما هو يضحك، ضدان يجتمعان بلحظة جميلة، /فها هو الغريب يكسر مشط الخريف بين شعور السنديان في الغابات التي تتبجح بعنجيتها الجميلة/،،، ويجمع الغريب بين لحظتين في موقف واحد، ليلتقط طلوع الشمس وغروبها في وجد وعلى أمل أن يعود في وقت باكر حينما يكون الكل نائمين إلا الغريب الذي يشعر بنشوة غربته، يتذكر أمه وهي تطبخ له شوربة العدس في صباحات ذات رائحة بصلية بود جميل، ويتلمس قلبها ليحملها بين يديه ليعيده إلى صدر أمه بعد قليل، والأب يلتقط أنفاس وجوده في باكر الصباح ويقول لأمه أي زوجته صباحك مثل وجه الغريب تشرق في كل صباحاتنا كما لو انك جديدة على عالمنا، حياتنا، في كل يوم.
الغريب جملة موسيقية وحيدة وقلقة...
أيها الغريب كنت تسافر مع الحزن وتجره في زوايا قلبك الجميل
لتبحث عن رأسه وتترك القلب لوقت آخر...
أيها الغريب طالما تكلمت عن الفلسفة بلباس أدبي جميل، حتما أن وجودك غير قابل للتفاوض مع اليأس والحزن وأمطار الذاكرة قد تدل على مكامن الضعف في حياة أي غريب استعاد ذاكرته بعد لأي.
الغريب يفر من لوحة ناقصة الألوان إلى حيث يتيه الطبع عن طبيعتها الغريزية ..
الفراشات تترك طريقها لتلتقي في وئام نفسها رغم ضياعها المستمر على دروب حفظته عن ظهر قلب غريزتها التي لا تخطأ...
عبثا تعيد الفراشات إلى وجودها إلا لكي يحكي الغريب عن نفسه الجميل وهو ينتظر غروب شيئاً ما من مكان ما، سيدي أنك تنزف رغبتك في البقاء. الحنين لا يركن الى الهدوء وانت تهرب من بيت لبيت عسى ان تلتحف ذاتك ولكن عبثا...
الغريب يئن من وحدة قاتلة، هو والوحدة صديقان لا تغيير في لون معطفهما، وحيث إن ذاكرة الغريب تضغط عليه احيانا بلمسات جميلة في سياق ألم يومي، وذاكرة من تكرار لغوي لمتن لغة تساعده في تكوين قلب جديد! ربما قد يستوي الغريب مع ذاته عبر حديث ساخن لا يركع الى معناه سوى الغريب، الغريب هو أن تشوي ذاتك الجميل لتضاف إلى سجلات الغرباء الذين انتعلوا وطنهم لسبب ما،،،
ايها الغريب أنك تبكي عندما تتلمس ذاكرتك قبل وبعد المطر
الهواء يتواتر قبل أن يصبح مطرا/ دموعاً ينسج في مقلتي الغريب ولادة ما،
فياغريب لا تكن يانيئاً، تلّون بفكرة ما/تأخذك افقاً نحوه...لا تكن برزخا من الانتظار الممل، "...اوقف حصانك تحت نخلتنا ياغريب واكتب معي رسالات السماء..." هكذا يخاطب محمود درويش غريبه/ربما مغتصبه، بينما عدنان يخاطب الآخر الذي ذاق الغربة في العمق/ الذي يبحث عن أمل هارب بطريقة ما،
البرق/ الرعد أصاب ظهر/مفاصل الجملة التي استغرقت مليا في تكوين وجودها/ ربما هذا الاستغراق هو التفكير بحد ذاته،
الغريب في حالة محمود درويش هو الآخر لست أنا/معاناته من فعل الآخر موجه ضدي/معاناتي في العمق، ربما مارس نوعاً من المازوشية ضد ذاته، هو نفسه أي الغريب يشعر بحالة سادية مع مغتصبه. بينما في حالة عدنان هو أنا، نفسي/معاناتي. أناي مع أنا الذي هو أنا، يسوق الليل ظلامه ضد خيالي/ ذاتي يزجيني ميؤوساً وهي حالة راقية، استعداد نفسي ضمن وحدته المفتتة إلى شظايا ربما الشاعر لوحده لا يستطيع أن يقاوم وهو أمر بحاجة ربما إلى الاخر كي أكون بجانب نفسي/ذاتي...
هذا الاستغراق في عمق نفسه يجعلنا أن نعيد حساباتنا الآنية والمستقبلية في صرة جدتي، الجدة التي تفتح الفأل أيامنا بود ربما بتأوهات متقطعة تحوم حول الصور الشعرية التي تسقط من شعره، فيقول:
مازال الامل يحوم في سماءه..
الامل يستعصي في لحد قبره..
الأمل في السماء كما في الأرض لا محل له في حياتنا، وهو أمل مرتبط بواقع الغريب الذي لا يتكأ على ذاته قيد شعره، وجوده قلق لا يستريح على مكانه، فهو دائم الحركة لا يستكين، ربما كان بوده أن يقول أصل الحركة هو السكون وليس القلق الذي يعلمنا أن نكون صاحب ذات لا ننسى انفسنا قيد شعرة وربما وهي سمة للقلق.