السياسة والجنس

سامي عبد العال
2017 / 1 / 21

الفصلُ بين "الجنسي" sexual و"السياسي" political- عند مستوى الممارسة- أمرٌ خادعٌ. ربما تظل السياسة مأخوذة بحدة الاحداث وتأثيراتها فوق السطح. وهو ما يغطي أية مكونات شهوية أخرى. فالاثنان يعكسان بعضهما البعض كرقائق سرية لرغبات عميقة بعمق الحياة. ولو كانت المسألة غير ذلك ما كان لطاقات الأفعال الإنسانية التأثير في الواقع. هذا الواقع المتراكم كأرصدةٍ غرائزية نتيجة الشهوات والاحتياجات داخل المجتمع. إذ ليست الحياة مادة حيادية، لكنها نطاق لحساسية الرغبات القابلة للتداول.
إنَّ ما أرغبه أنا يبقى موقعاً لرغبة سواي والعكس صحيح. لدرجة تكوين شبكة مركبة ومتنوعة بحجم الثقافة الجارية. من هنا تأتي إمكانية كلِّ مستوى سياسي محتمل. ولأنَّ السياسة آفاق ممكنة فإنَّها رغبة مؤجلة تأخذ مداراتها مع الآخرين. على سبيل المثال: لماذا يختار الناخبون فرداً معيناً هو الرئيس لجكم البلاد؟ ما السر وراء انهماك السياسي في ألعاب ممتعة وخطيرة؟
الناخبون كفاعلين لا يطرحون تلك الإمكانية فردياً بل ضمن رغبة أكثر عمومية. من هنا كانت القدرة على الاشباع السياسي لا تقل عن الاشباع الجنسي في مداه البعيد. حيث الثقة والتعاطف والميل والنظر بالكيان والامتاع والسيطرة. جميع هذه الأشياء تظل متأججة في زخم السياسة بمعناها الشهوي. وينصرف إليها الناس حينما تلتقي خارج ذواتهم لتصبح ملتقى غايات سواهم. إن الانجذاب إلى النقيض يتأتى في السياسة من التمثيل العام للأفعال. حتى وإن كانت مستحيلة. لأن رجل السياسة يفعل ما يرغب وما لا يرغب، ما يريد وما لا يريد. وقمة إثارته الفعلية عندما ينخرط في ممارسة تلبي احتياجات غيره. مع أنه يأتيها كاحتمال لقدرته على التلّون البرجماتي.
هذا أساس وصف السياسيين بتعدد الوجوه. هم يتقلبون كما تتقلب الحرباء في بيئتها الطبيعية. فالسياسي لا يكف عن اقتراف التعدد الرغبوي تجاه المناوئين، أمام الاغيار. ومن جانب كون التعدد رغبة الآخر سيكون ممتعاً ومبذولاً لاستغراق ما، لانكشاف ما، لتلصص غريزي ما. والغواية أنْ تصبح مفارقاً لذاتك مع آخر هو الشحم الدسم للممارسة السياسية. والأمر ليس ترفاً لكنه بنية حاملة لجميع علامات الرغبة وجذورها التي لا تقف عند هذا الحد القريب.
إن الاغواء حركة سارية في السياسة حتى الثمالة. هل هناك ما هو أكثر بريقاً من الهيمنة على الجموع؟ كيف يقارن السياسي بسواه إذا احتكم إلى أصدائه لدى الحشود؟ ما هذا الانصات كله والولَّه بالسياسيين أثناء الاحداث الجسام؟ لما ينتظر الناس منهم رد فعل على ذات المستوى؟ كثيراً ما انتظر الناس رغباتهم المبتغاة في بطل قادم من باطن المستقبل ليحل لهم المشكلات. إن الخيال الشعبي يصنع هؤلاء الأبطال السياسيين مع دورات التاريخ. هذا المخلص الكوني بدون ديانة مسيحية وإن كان يعمل الحلم به على منوالها.
بالطبع قد يحس السياسي الرغبات والآمال كما لو تأخذه ارتعاشات حية. إنه في الوقت عينه مرآة وراء ومرئي، صورة وكيان، واحد ومنقسم، ذات وموضوع، كلٌّ وفرد. يعيش بصيغة الجمع إلى ما لا نهاية. لحظة من الحماس المصيري والطاقة القصوى للانغمار بروح الحياة. وفوق هذا ما أعمق أن يرى ذاته متجسداً بشكل عمومي!! تلك مكانة اجمالية لا يبلغها إلاَّ إله. حيث تكون الذات حاشية المتعة القصوى بالإيجاد، الأمر، الوجود المشبع بالتوحد.
من تلك الزاوية لا يخلو كل فعل سياسي من رغبة جنسية ما. دلالة شهوية تتم بالاستحواذ على الآخر. وتعتبره موضوعاً للانكشاف تحت النظر. ولهذا يكون السياسي المحنك عاشقاً قدر ما يفعل. والعلة وراء ذلك أن السياسة ليست تقديراً لموقف ولا إدارة لشأن عام ولا مشاركة في انجاز اعمال الدولة. هناك تقلب مع المجهول كما لو كان حساً حيوانياً داخل الإنسان. وهناك انجذاب الكيان، تفتقه وتفجره في مراحل الممارسة مع حركة الجماهير. وبالمقابل فإن السياسي كصفة يصح إطلاقها بلغة ناعمة تماماً لدلالة الجنس.
المظهر الأوضح بروزاً هذا المشهد الانثوي الطاغي وراء رؤساء الدول والمسؤولين هنا أو هناك. سواء بفضل زوجاتهم أو عشيقاتهم اللائي يكرسن لطفاً غرائزياً بالملابس والأجساد. لدرجة تحويل النظر إلى شحنات نفسية وجسدية هشة. وكان يستحق الفوز السياسي اطلاقاً لمظاهر الغلبة والاحتواء. ومؤخراً جاءت زوجة ترامب عارضة أزياء سلوفينية. لا تمتلك في عالم السياسة إلا المظهر الجذاب والقوام الرشيق والوجه المتراكم وراء المساحيق. وحينما تتكلم يسبقها المظهر الأنثوي قبل الحضور السياسي. كحال جميع رؤساء الدول الأوروبية إذ يحرصون على اصطحاب زوجاتهم في المشاهد العامة. وترامب هذا يدخل السياسة بجسده. لأن مظهره يحمل علامات تجميل لا تخطئها العين. كما أنه يتهيأ للكاميرا بشغف حسي غير الشغف الذي يدعه موظفاً عمومياً بمرتبة رئيس. وعندما أراد خصومه محاربته أظهروا صوراً عارية لزوجته. إنَّه الفهم الغرائزي لعالم معجون بالرغبات.
من زاويةٍ أخرى تعد السلطة بمثابة التجسد الشهوي بشكل ما. هي جسد يرغب بذاته، يتمركز حوله، يتكون كلياً إلى درجة الجنون. ولا توجد هكذا دونما اتصال بالخفاء الممتع. إذ تتردد في أجساد أصحابها وأخيلتهم على هيئة رغبة كلية هادرة. السلطة من تلك الجهة غريزة تستمر في الجري وراء أشباحها، صورها، ماهيتها. ولهذا هي تخلق أثيرها الشفاف والكثيف معاً. وتحدد نطاقاً من الحقائق التي تلون تأثيرها كلما كانت ناشطة في تضاعيف الحياة السياسية.
السلطة كتلة من اللهب الجنسي الحي. لأنها تنطوي على عدة أشياء:
1- تبقى السلطة مرغوبة كممارسة سادية إزاء أناس يتقبلونها بنفس الايقاع.
2- تتميز السلطة بدمج الحواس في دلالة الهيمنة والقدرة على الترقب. وتلك خاصية تجعلها سلطة غامضة، ضبابية. وتحولها إلى ممارسة غريزية ترتبط بإحساس بدائي سحيق.
3- ترتبط السلطة بالآثار الراجعة للإشباع النفسي وتفريغ شحنات العنف بآليات تخفيها.
4- تفرز السلطة لدى ممارسيها احساساً مخدراً. ذلك نتيجة انعدام الاعتناء بالواقع. كما أنها ترسخ تكذيب الحقائق.
5- تضخم السلطة اللاوعي بصورة خيالية. لأنه ينسخ الأشياء على نحو مخل بأوزانها النوعية في الحياة. وهي بالتوازي الوسيط الذي يكشفه بأفعال مباشرة.
6- تزيد السلطة نسبة التحرش السياسي الشهوي بالآخرين. فلا توجد سلطة لا تتحرش بأعدائها ومعارضيها.
7- تنتج السلطة معالم وقدرات مناسبة لأصحابها. مثل تغيرات الشكل والخشونة والتنطع والتكالب على المصالح والزلاقة اللفظية.
8- تتخفى السلطة على المستوى الاعتيادي سوى أنها تتراكم عند المواقف الحدية. وتتجلط كدلالات خارج الزمن كما لو كانت لا تزول إطلاقاً.
9- لا تمثل موضوعاً قائماً بذاته مثلها مثل الرغبات الأخرى. ولكنها تحتاج موضوعاً جديداً لإظهار قدراتها. إنها تأتي خلال ممارسات بصرف النظر عن الحقول الإنسانية التي تجوس خلالها.
ولهذا تعد السلطة السياسية شهوياً نوع من التكرار الذي لا يُمل. إنها تكرار ينسي نفسه ومحيطه حتمية هذا التكرار. حتى يكاد ذلك يمثل قانوناً فيما وراء الظواهر الناتجة عنها. وهكذا الجنس على ذات الطريق هو تكرار فوق مستوى التكرار(تكرار التكرار). لأنه يفيض بتفاصيل لا تخضع لمعايير ولا مقاييس. ويبقى محكوماً بنقطة بداية تترحل إلى الأمام، إلى انهماك جديد. وإلا لما استمرت الشهوات الجسدية منذ وجود الإنسان حتى الآن. وقد اسفرت لاحقاً عن هذه الأعداد والحيوات الهائلة بتنوعها وتاريخها.
والتكرار نوع من استغراق السياسة والجنس في العمل. فليس أكثر من السلطة التي تحقق وجودها على هذا الصعيد. ولا توجد تلك الخاصية بعيداً عن علاقة الأنا – الآخر. لأن السلطة كشهوة تفترض، بل تمتد بامتداد هذه العلاقة. والشهوة تحتم كذلك علاقة قاهر ومقهور، غالب ومغلوب. وفي التراث الشعبي المصري يقال" يا بخت من بات مغلوب ولا غالب". في اشارة إلى قمع السلطة المقام على شهوة النيل من الآخر. غير أن اللافت هو ترجيج المبيت في وضعية المغلوب عوضاً عن ممارسة الظلم.
وعلى أنَّ العبارة أخلاقية الجانب بيد أنها تتكتم سراً عن سفالة السلطة التي تدمر كل المعايير الإنسانية. ومن تكرار هذا الظلم يود الفرد العادي المبيت مغلوباً، مقهوراً دون أي شيء سواه. ولعلنا لاحظنا أثناء الربيع العربي هذه الحشود التي تعتبر أمواجاً جسدية في المقام الأول. إنهم نسبة التجلط الحسي لشهوات الجموع سياسياً. لأنها كانت في حالة استنفار دائم. اتصال جسدي هو القطيع الملتحم كرغبة عامة. إذ ذاك يتحرك كحال التفريغ الحسي للمكبوت النفسي وإفرازاته المادية.
والأجساد ليست مجازاُ لكنها فعل قيد الممارسة. ولهذا فإن التجلي غير المباشر للشهوات هو التراص الجسدي السياسي. وكانت غرائز الجموع هي المحرك الذي دفعها في بع ض الأحيان إلى الانزلاق نحو التدمير والعنف. كما حدث مع الاشتباكات التي جرت آنذاك. ونظراً لأن الشهوات الجنسية في المجتمعات العربية مقموعة باستمرار فإنها تأخذ أبعد الطرق للتعبير عن مكنوناتها. بالتالي تنقلب الشهوات وترتفع إلى عمل سياسي مشهدي. ومع ضبابية المشاهد كنا نسمع كيف تحارب الأنظمة الاستبدادية هذه الجموع. فقبل سقوط نظام مبارك قيل أن هناك تحرشاً جنسياً داخل المظاهرات. والوصف ينضح بالوجه المقابل للقهر السياسي. لتفريق المتظاهرين وبث الخوف لدى النساء لمنعهم من المشاركة. ثم كانت نفس التهمة في عهد الاخوان(حكم مرسي) حيث قيل إن المتظاهرين ضد الشرعية أغلبهم من العصاة وراغبي التحرش الجنسي بالفتيات. والسؤال: كيف يجتمع نظامان نقيضان(مبارك- الاخوان) على وصف واحد؟ يصح الوصف باعتبار أن التحرش الجنسي يساوي التحرش السياسي ويتبادلان الأدوار. فالجسد واحد والرغبة متصلة وقابلة للانقلاب والتحول.