اهل الدين .. و العلم

مولود مدي
2017 / 1 / 21

لا يدرك مشايخنا الكرام لحد الأن ان عصر الدعاء و المعجزات قد ولى و انتهى فلن تتكرر معجزات تحول العصا الى ثعبان او خروج الناقة من صخرة او نزول الملائكة لتقاتل الى جانب المسلمين, انّ العصر الحالي هو عصر التقنية و عصر التقدم و العلم ان تغفل ليوم واحد عن مجاراة عدوك في التقدم العلمي فستجده يسبقك بمراحل كثيرة, لقد انتهى عصر الدعاء على الاعداء بالفناء و بتفريق الشمل و بجعل كيدهم في نحورهم كما تعوّد مشايخ المسلمين على ترديد تلك الادعية في المساجد التي تحرّض المسلمين على الكراهية, بدون ان نتغاضى عن الخطابات الوهمية الحالمة التي لا علاقة لها ابدا بواقع المسلمين.
لا يعي مشايخنا الكرام الذين لا يزالون يعيشون على حلم عودة عصر ’’ خير القرون ’’ ان العلم ليس فقط في القرآن و كتب الفقه و الحديث, انما العلم في نتاج عبقرية الانسان في انتاج وسائل تزيد من مستواه الحضاري و تسهّل عليه الحياة , فمن الغريب على رجال دين القرن الواحد و العشرين لا يتقنون الا علوم الشريعة و ترديد الحديث و العنعنة و يعجزون عن معالجة القضايا الفقهية بمنهج علمي موضوعي و البعد عن نسخ و لصق اجتهادات رجال دين القرن العاشر , لكن اذا عرف السبب بطل العجب فغالبية مشايخ المسلمين غير مطّلعين تماما على العلوم الأخرى مثل الرياضيات او علوم الطبيعة الا ما تعلموه في المرحلة الابتدائية ثم تتطور تلك العقلية المتخلفة الى عقلية احتقار العلوم غير الدينية لأنها حسبهم علوم دنيوية لا تستحق بصاحبها الاهتمام الكبير لأن الدنيا متاع و غرور فليس من الغريب من تدني مستوى بعض المشايخ اللذين لا يجيدون الحفظ و التكرار و يظنون انهم بهذه الطريقة علماء.
لا يدرك مشايخنا ان عليهم احترام العلوم الدنيوية و يجب عليهم حث المسلمين على الاجتهاد في طلبها مادام المشايخ هم اسياد المساجد و المسلم لا يثق و لا يسمع لأحد الا رجال الدين, فعوض الدعوة الى الكراهية و التكفير من معابد المسلمين و الخطابات الافلاطونية و الطوباوية فالأجدر بهم ان يعلّموا الناس ان العلماء ليسوا عبارة عن رجال دين فقط, بل رجال ضحوا بأنفسهم و بكل شيئ من اجل العلم و سعادة البشرية و لكي يرتقوا بالبشرية الى اعلى مستويات الحضارة و الرفاهية, فليس من الواجب ان يكون سبينوزا او ايديسون و هيغل من الصحابة حتى نحترمهم و نقدم لهم الاجلال الذي يستحقّونه.
لا نعرف متى سيتخلى مشايخنا عن حكايات الاساطير و نظرية المؤامرة لتبرير انحطاط المسلمين , فعوض الاعتراف بأن سبب تخلف الامة المسلمة هو ابتعادهم عن العلم و اكتفائهم بالتصديق بالخرافات و الخزعبلات القائلة بأن الله سينصرهم عاجلا ام اجلا, و لأن ثقافتنا الواحدية و الشمولية الكاملة التي لا يأتيها الباطل من بين ايديها و لا من خلفها, تفترض اننا أمة متكاملة و مثالية لأنها خير أمة اخرجت للناس والفكر الديني المتطرف الذي علّم المسلمين ان تحضّر الامم الاخرى هو فساد و الحاد فنحن فقط من نستحق التطور و الحياة فليس من مستوانا ان نلتفت الى عوامل الضعف و التخلف في داخلنا, فأخذنا نبحث طول الوقت عن الجن و الشياطين التي تقف وراء المؤامرات التي تحاك ضدنا, فلن نستغرب كيف تجرعنا الهزائم المروعة و الساحقة لأن المشايخ لديهم دائما الاجابة و هي لأننا تخلينا عن الله فلو التزمنا الصلاة و النوافل و اللحى و استخدام السيف و الرمح لهزمنا اسرائيل و بالتقصير في العبادات تخلى عنا الله ولكن كيف يتخلى الله عنا و نحن خير امة اخرجت للناس ؟ و كيف ينصر الله حزب الشيطان ضد حزب الله ؟
للأسف تجرع المسلمون اكذوبة ان العالم يعضّ علينا الانامل من الغيظ و هو غير منشغل الا بعالمنا المتردي المتخلّف الذي لا يبدع الا في انتاج الارهاب و النزاعات الطائفية, و بسبب هذه العقلية الكارثية اصبح العلم البشري بكل منتجاته حليف لحزب الشيطان , فلا داعي لكي نقرأ لماركس و داروين و فرويد لأنهم كفّار و يجب علينا ان نشتغل بتكفيرهم و البحث عن عيوبهم و شتمهم لاننا حزب الله و لا شك ان حزب الله هم الغالبون.
ان الربط بين الاسباب و النتائج ليس من مستوى حزب الله فالحل هو استحضار قوى السماء و العودة الى فتح بلاد الكفّار و احتلالها و فرض الجزية وهم صاغرون و سبي نسائهم و هو الأمر الذي لن يتحقق الا بالعودة الى السلف الصالح و الالتزام الحرفي بكل سيرتهم و حتى اخطائهم و الادعية و التداوي ببول البعير كفيل بإحداث المعجزات.
انّ هذا الوضع المخزي هو بسبب اصرارنا على الثبات و عدم التغير بحجة الخوف على الدين فمن كان مؤمنا حقيقيا فلن يخاف على دينه فعندما انفتح المسلمون على الحضارات الغربية مثل الرومانية و الاغريقية و ترجموا علومهم و فلسفتهم و استفادوا منها تقدموا و تطوروا حتى انّهم فسحوا المجال للفلسفة رغم ما فيها من كفر صريح في بعض جوانبها حسب وجهة النظر الاسلامية لكن الحقيقة و الواقع يقول ان الفكر الديني المتحجر الممثل في الشيوخ و نجاحهم في تسويق الخرافات على المسلمين هو سبب التخلف ففكرهم الظلامي يأمرك بالخضوع الى الحاكم المستبد و حتى ان سرق مالك و اغتصب زوجتك و فكرهم يأمرك بأن لا تتعلم الا العلوم الشرعية و حفظ القرأن لأن الدنيا لهو و متاع غرور , فكرهم يعلّمك بأنك عندما تفجّر نفسك في بلاد الكفّار هو جهاد في سبيل الله, فكرهم يعلّمك بأن لا تنتج الا ما يفيد المسلمين و حدهم فقط و المسلم اخو المسلم و ليس الانسان اخو الانسان...
فبهذه الطريقة فقدنا القدرة على التكيف مع المستجدات و التعايش مع الأخرين حتى و ان كانوا على ديننا ففكر الشيوخ يهوى قتل المخالف فلا مجال للاختلاف في نظر الشيوخ, ان هذا الوضع الكارثي يفرض علينا طرح تساؤلات جديدة لم نعتد سماعها, تلك التساؤلات ترتكز على الموروث الديني - الذي هو نقطة قوة هؤلاء الشيوخ و منه يقتاتون - الذي يتطلب النقد و التحليل و الغربلة لأنه هو مفتاح الحضارة و التقدم.