أُكْذُوْبَةُ اَلْحِصَارِ اَلْأَمْرِيْكِيِّ عَلَى اَلْسُّوْدَاْنْ ..!

فيصل عوض حسن
2017 / 1 / 18


كعادتهم في إلهاء واستغلال الشعب السُّوداني، مَارَسَ المُتأسلمون (الكذب) و(التضليل) بنحوٍ كثيف عقب قرار أمريكا بشأن حصارها على السُّودان و(ليس الكيزان)، وملأوا الدنيا ضجيجاً حول إيجابيات القرار، وتصويره كخلاصٍ لأزماتهم (المصنوعة) التي أغرقونا فيها منذ سَطْوِهِمْ على السلطة، وتحاشوا الحديث تماماً عن تقييم وتقويم تجربة المريرة تلافياً لفَضحِهِم وإدانتهم.
ولكي ما يكون حديثنا عن الحصار المزعوم عادلاً وموضوعياً، ثَمَّة أسئلة منطقية يتحتَّم الإجابة عليها لعلَّ أبرزها معرفة المُتسبِّب في ذلك الحصار وهل طَاله وتأثَّرَ به فعلاً تبعاً لمُبرِّرات الحصار (المُعلَنَة)؟ وما أسباب الحصار و(المُستجدَّات) التي استدعت (إلغاؤه)؟ والأهم من هذا وذاك، أليس واجباً (مُساءَلَةِ) و(مُعاقبة) من تسبَّبَ في كارثة الحصار التي دفعنا ولا زلنا وسنظل ندفع ثمنها؟ بالنسبة للسؤال الأوَّل والخاص بالـ(مُتسبِّب) في الحصار، نجد بأنَّ العداء الأمريكي بدأ منذ (سَطْوْ) البشير وعصابته على السُلطة عام 1989، تبعاً لخطابهم العدائي للعالم بصفةٍ عامَّة وللغرب بنحوٍ خاص، وتَصَاعَدَ عقب غزو العراق للكُويت وتأييدهم (باسم السُّودان) لذلك الغزو، وتطوَّر أكثر باحتضانهم للجماعات المنبوذة ورعاية أنشطتها، كحالة أُسامة بن لادن وغيره من زعماء ورُعاة الإرهاب، مما أدخل السُّودان في ما يُسمَّى قائمة الدول الراعية للإرهاب عام 1993. ورغم تخفيف البشير وجماعته لخطابهم العدائي وطردهم لأسامة بن لادن عام 1996، إلا أنَّ أمريكا قامت بتشديد الحصار الاقتصادي (على السُّودان) عام 1997، وارتفعت وتيرةُ العداءِ بقصف صنع الشفاء عام 1998 ثمَّ تخفيض ديبلوماسي لدرجة قائم بالأعمال، وتَعَقَّدَت الأمور بتصنيف السُّودان ضمن الدول التي يُمكن مُحاصرتها اقتصادياً عقب أحداث 11 سبتمبر 2001.
العرض المُختصر والمُوثَّق أعلاه، يُؤكِّد بوضوح تسبُّب البشير وجماعته في الحصار بتصريحاتهم ومُمارساتهم العدائية دولياً وإقليمياً، ومع هذا فإنَّ الحصار طَالَ فقط السُّودان (الكيان والشعب)، وبدا أثره السلبي والقوي مُباشراً على مُؤسَّسات الدولة الرئيسية (حصراً) كالخطوط الجوية والبحرية والسكك الحديدية والنقل النهري، ومشروع الجزيرة وقطاع الخدمات كالسياحة والاتصالات، التي بِيْعَتْ بأبخس الأثمان رغم نجاحها بعدما كانت مملوكة للدولة كدار الهاتف وتوابعها، وتَرَاجَعَت الزراعة وارتفعت تكاليفها وتَعَثَّرَتْ البعثات والمِنَحْ الدراسية وعمليات استيراد أدوات المعامل والمُختبرات ومُتطلَّبات العملية التعليمية عموماً، عدا أجهزة الـ(تجسُّس) والـ(تلصُّص) على الشعب السُّوداني! وهناك العمل المصرفي تبعاً لسيطرة أمريكا على مُؤسَّسات المال العالمية، كصندوق النقد والبنك الدوليين وغيرهما من مُنظَّمات التمويل والتنمية، واصطدام جميع برامجها في السُّودان بذلك الحصار. غير أنَّ الأخطر في الأمر، هو ارتباطُ الحصار (المُباشر) بتمزيق البلاد ومُساهمته بنحوٍ كبير في (فَصْل) الجنوب، باتفاقية نيفاشا التي أتت برعاية وضغط أمريكي (مُقابل) رفع الحصار، كما أشَاعَ المُتأسلمين والأمريكان والمُغامرين معهم آنذاك!
وبمعنىً آخر، فإنَّ المُتأسلمين (ككيان/أفراد) لم يتأثَّروا رغم (صناعتهم) المُتَعَمَّدة للحصار، بل العكس تماماً، إذ سيطروا على مفاصل الدولة وأحدثوا بها تراجُعاتٍ مُدمِّرة، واتَّضح (جلياً) أنَّ الحصار استهدف تدمير السُّودان ومُقدَّراته، بتنسيقٍ إسلاموي/أمريكي (فاضح) ومُشاركة عدد من المُغامرين، وذلك استناداً لعددٍ من المُعطيات (الواقعية)! فالتواصُل الإسلاموي/الأمريكي لم ينقطع أبداً، وفي أخطر الجوانب وهي الأمنية والاستخباراتية، وفقاً لإقرارات الطرفين، كتصريحات سفير المُتأسلمين لصحيفة واشنطن تايمز في مايو 2016، وإقرار مدير أمنهم السابق (قوش) في يناير 2014، عن التعاوُن الوثيق بين جهاز أمنه ونظيره الأمريكي، بـ(موافقة) و(إشراف) البشير المُباشر شخصياً. ثمَّ تصريحات القائم بالأعمال الأمريكي بالخرطوم في يوليو 2016، بشأن تدريب عناصر جهاز الأمن بإشراف الاستخبارات الأمريكية، ومُؤخَّراً تصريحات مدير أمن المُتأسلمين (المُوثَّقة) عقب صدور قرار الحصار! هذا بخلاف بناء أكبر سفارة أمريكية بأفريقيا والشرق الأوسط بالخرطوم، وحصول رؤوس الفجور الإسلاموي وأُسرهم والمُغامرين معهم على جوازاتٍ أمريكية، وأسفارهم المُتلاحقة واستقرار العديدين منهم بأمريكا، وهي في مُجملها مُعطيات تُؤكِّد حقيقة واحدة فقط، وهي أنَّ (السُّودان) وحده هو المُسْتَهْدَف، رغم التضليلات الإعلامية المُشتركة (إسلاموية وأمريكية)، والمُتأسلمون يتحمَّلون ما جرى للسُّودان من ذلك الحصار ويتوجَّب مُحاكمتهم عليه تبعاً للأضرار التي لَحِقَتْ بالبلاد ومُقدَّراتها.
وبمُراجعة أسباب الحصار – وفق مَزاعم الأمريكان والمُتأسلمين – نجدها ما زالت باقية، فالإجرام الإسلاموي (داخلياً وخارجياً) في تزايدٍ مُستمر، فالتشريد والقتل والاغتصاب والتجويع الجماعي والفردي للشعب السُّوداني يقف شاهداً (واقعياً) على ذلك، وبلغ حدوداً غير مسبوقة باستخدام الأسلحة الكيماوية والبراميل المُتفجِّرة، وتقنين وشَرْعَنَة وجود القَتَلَة والمُجرمين وترسيخ بقائهم، كحالة مليشيا الجنجويد التي (فَصَّلوا) لها القوانين أكثر من مرة بدلاً من مُحاكمتها. وعلى الصعيد الخارجي، انتقل المُتأسلمون من الإرهاب (المُبَطَّن/المُسْتَتَرْ نسبياً) للارهاب الفاضح بإرسال (المُرتزقة) لليمن وقتل العُزَّل والأبرياء هناك على مرأى ومَسْمَع العالم أجمع، ورعاية وتنسيق تجارة البشر في أبشع صورها وأشكالها وغيرها من أنواع الإجرام، بخلاف تدخُّلاتهم السافرة في شئون الغير وإيوائهم للمشبوهين والمنبوذين دولياً وإقليمياً، مما يعني انتفاء حِجَجْ (فَرْض ورفع) الحصار في آنٍ واحد.
والراجح، أنَّ رفع الحصار أتى كسيناريو (بديل) و(مُكمِّل) لتمزيق ما تبقَّى من البلاد، بعدما تعذَّر تنفيذ مُثلَّث حمدي الذي حَصَرَ السُّودان في محور (دنقلا، سنَّار، الأُبيض) واستبعد ما يقع خارجاً، والمُنفذون هم المُتأسلمين الذين ساهموا بفصل الجنوب، وتركوا حلايب وأقصى الشمال للمصريين وتخلَّصوا من باقي الأراضي بالبيع والرهن، وصَمتوا على الاحتلال الإثيوبي لأراضي الشرق ويسعون للتخلُّص من البقية (بما في ذلك الموانئ الرئيسية) لعددٍ من الطامعين! فعَثَرةُ المُثلَّث الرئيسية بدارفور والمنطقتين، نتيجة لعدم استجابة أهلنا هناك لضغوط البشير وعصابته الرَّامية لدفعهم للمُطالبة بالانفصال، وتحمُّلهم للإجرام الإسلاموي المُتزايد ودَفْعْ الثمن الأكبر للحفاظ على ما تبقَّى من السُّودان (مُوَّحداً) حتَّى الآن. ويُمكن إدراك الهدف (الحقيقي) لرفع الحصار، من الاشتراطات المُصاحبة للقرار الأمريكي، الذي ربطها بتحقيق تغييرات (جذرية) في مسار السلام، أي أنَّ هناك (إملاءات) أمريكية ودولية مُحدَّدة آتية في الطريق، ويجري الآن إلهاء العامَّة وإضفاء صِبْغَة شرعية وإنسانية على (أكذوبة) الحصار، تمهيداً لتكرار مأساة (نيفاشا) بدارفور والمنطقتين (تحديداً)، خاصَّةً وأنَّ مُهندسي نيفاشا الرئيسيون حاضرون ويتحفَّزون لاستكمال أدوارهم الدنيئة بالاشتراك مع المُتأسلمين، وتحت رعاية وتغطية دولية وإقليمية سافرة والسُّودان وأهله هم وحدهم الضحايا.
قد يقول قائل بأنَّ للقرار الأمريكي منافعٌ كثيرة خاصَّةً الاقتصادية، إلا أنَّ هذا الاستنتاج يُجانب الثوابت الاقتصادية والعلمية والمنطقية، فالقرار لن يقود لرفع قيمة الجنيه السُّوداني (مُباشرةً) كما يُشيع المُتأسلمين وإعلامهم (الجاهل) والمأجور! فسعر الصرف – وفقاً للمبادئ الاقتصادية الرصينة – له مُتطلَّبات/مُقوِّمات، ويتأثَّر بمجموعة من العوامل، لعلَّ أبرزها تضخُّم الأسعار ومُستوياتها النسبية، وحجم الطلب على العملة المحلية ونسبة تغيُّر مُعدَّلات الفائدة، ومُستوى عجز الحساب الجاري أو عجز حساب التجارة بين دولةٍ وأُخرى، وحتمية الإنتاج القابل للتصدير والمُنافسة العالمية والإنتاجية العالية والجيدة بتكاليفٍ أقل، ومدى أفضلية السلع الأجنبية مُقارنةً بالمحلية. وهناك القروض الخارجية والاستقرار السياسي والأداء الاقتصادي العام، وحجم المُضاربة بسوق العملات والكساد وغيرها من العوامل والمُتطلَّبات الاقتصادية الحتمية. ولا ينخدع العامَّة بانخفاض قيمة الدولار وغيره من العملات الأجنبية عقب صدور القرار الأمريكي، فهو ليس مُؤشِّراً إيجابياً بقدر ما يعكس (هَشاشَة) اقتصادنا وهُلاميته واعتماده على القيل والقال بعيداً عن المُؤشِّرات الاقتصادية الأصيلة، لأنَّ أسباب تراجُع الجنيه السُّوداني هيكلية ومُعقَّدة، ويصعُب مُعالجتها بمُجرَّد قرار لا يزال محل لغط كبير على أكثر من صعيد، وبالتأكيد وجدها المُتأسلمون فرصة لالتهام العملات الأجنبية التي يحتفظ بها بعض السُّودانيين بأبخس الأثمان. وما يُمكن تأكيده هنا، أنَّ الجنيه السُّوداني سيتراجع أكثر تبعاً للطلب المُتوقَّع على العملات الأجنبية لتغطية تكاليف الواردات عموماً والأمريكية خصوصاً أمريكا، خاصَّةً مع توقُّف عجلة الإنتاج وحاجة القطاعات الإنتاجية والخدمية لإعادة تأهيل شاملة، وبالتالي تراجُع الجنيه وارتفاع حِدَّة التضخُّم والحديث يطول في هذا الجانب، ورُبَّما نُفرد له مساحة خاصَّة مُستقبلاً.
وبما أنَّ المُتأسلمين كانوا – ولا يزالون – الأداة الأداة الفعلية لتدمير السُّودان (الكيان والشعب)، فإنَّ العقل والمنطق يُحتِّمان علينا عدم الاستجابة لإلهاءاتهم الهايفة والتقاط ما يسقط ما منوائدهم المسمومة، وإنَّما الإسراع باقتلاعهم واللحاق بما تبقَّى من بلادنا ومُحاسبتهم ومُعاقبتهم على جرائمهم المُتراكمة والمُتزايدة ضد السُّودان وأهله بما فيها الحصار، وهذه مسئولية كل سُّوداني شريف وعاقل وسَوِي. ولنُسقِط العالم الخارجي تماماً من حساباتنا، والذي لم يكتَفِ بموقف المُتفرج وإنَّما ساهم بفعالية في صناعة وتعميق أزماتنا، كما يتوجَّب علينا إسقاط وتجاوُز كل من يسعى للالتفاف وشق الصفوف أو يلهث خلف أطماعه الشخصية، فنحن فقط من دفعنا الثمن وستدفعه أجيالنا القادمة لو استمرَّت العصابة أكثر من هذا.. وللحديث بقية.