بلد التناقضات...

غسان صابور
2017 / 1 / 18

بــلــد الــتــنــاقــضــات...
أتذكر عندما كنت فتى يافعا, بالخامسة عشر من عمري.. كنت أعمل أيام العطلة الصيفية, لدى بعض المخلصين الجمركيين, بمستودعات مرفأ اللاذقية, وكنت بارعا حذقا شاطرا, وهذه النعوت تعني شطارة بالمشرق, لكل من يستطيع مناورة القوانين السارية.. وخاصة دفع أقل ضريبة ممكنة, وتمرير البضائع الصعبة التمرير.. والتي تمر بين أيادي من يسمى "كشاف الجمرك" وكانت التسعيرة آنذاك " خمسة ليرات سورية " للمعاملة الواحدة.. وكانت إجرتي ليرة واحدة.. وتطورت بحذاقتي وشطارتي إلى ليرتين باليوم الواحد. زائد (البخاشيش) التي كنت أتلقاها من التجار الدمشقيين أصحاب البضائع.. لأنني كنت أوفر عليهم مئات الليرات السورية.. والتي كانت تعادل اليوم مئات الآلاف.. بتغيير أسماء البضائع المستوردة.. إلى أدنى مستويات ضريبة الاستهلاك... وهذه مانت قمة " الشطارة "... وبعد ٍسنوات قليلة.. بعد انتسابي إلى حزب نظامي نقي منتخب من أصفى الأنتليجنسيا السورية.. وكنت من أصغرها سنا... رفضت هذه الشطارة.. وصرت أسميها فسادا.. مما جلب لي عديدا من المشاكل.. مع عائلتي.. مع المجتمع.. مع المجتمع السوري الذي اعتاد على الفساد المنظم.. والذي أصبح فيما بعد ضرورة بسيولة الحياة اليومية, ومع جميع الدوائر الرسمية والحكومية والمؤسسات الخاصة.. حتى أصبح عادة وعرفا.. بجميع ضرورات الحياة اليومية... حتى صنفت فترة طويلة.. بين من يسمون (من المغضوب عليهم)... حتى اخترت الاختفاء.. ومن ثــم.. الـهـجـرة...
ومع الأيام.. وأتجاوز هنا فترة السنوات القليلة الصعبة التي عشتها هناك.. كنت أراقب هذا المرض.. وأتحدث عنه وأفضحه حتى لأقرب من يعيشون حولي.. ويعتبرونه عادة عادية مقبولة.. تشكل قسما من دخل أي مواطنة أو مواطن.. ولكنني كنت أصـر على فضحها وأسميها فسادا.. كما أتذكر بآخر زياراتي لسوريا منذ حوالي أكثر من عشرين سنة.. أن أحد أقربائي, وهو من كبار رأسماليي البلد.. رفض يـد ابنته لشاب جامعي تحبه.. وهو موظف عــال مرموق.. لأنه يرفض " البرطيل والواسطة " خشية أنه سـوف (يجوع) ابنته... لأنه يكتفي براتبه.. رافضا اللعب بالقوانين.. حسب حاجات الزبائن... كما كان يسمي هذا القريب المواطنين أصحاب الحاجات والمراجعات.........
هــذا ما عرفته عن هناك.. بالسنوات القليلة من عمري.. لما عشت هناك... وها أنا أعيش هنا بفرنسا منذ السابع عشر من شهر نيسان 1963... باختياري.. بحثا عن أوكسيجين جديد.. عن حياة جديدة.. وآفاق نظيفة جديدة... وعلوم وحقوق وحريات وتعاليم ومعتقدات جديدة حديثة... وما من بلد بالعالم يمكن أن يـؤمـن كل هذ.. لمواطن غريب.. مثل فــرنــســا وجامعاتها وثوراتها وانظمتها وقوانينها.. وخاصة إن بدأ بدراسة التاريخ والقوانين السارية المفعول.. والممنوعات.. والمسموحات.. والحقوق الإدارية.. كنت ألتهم يوميا ساعات وساعات كل ما كتب عن هذه المعرفة... ثم اكتشفت هذا البلد.. وبعد أن عشت فيه كل هذا الزمن.. بأنني أعشقه.. أحبه.. ولا أغيره لقاء الجنة.. لأنه بلد كل التناقضات.. وهنا يسمونها Les Paradoxes.. حيث يمكنك أن تجد حلا لأصعب الممنوعات.. مثلا شركات كبرى معروفة عالمية ومحلية.. تربح عشرات ومئات المليارات سنويا.. لا تدفع سنتيما واحدا كضرائب.. بينما عامل عازب وحيد.. يربح ألف أورو صافي بالشهر الواحد.. يدفع راتب شهر واحد ضرائب آخر السنة... ويمكنني إعطاءكم عشرات ومئات الأمثلة.. هناك أحكام بالسجن.. لا تنفذ على الإطلاق.. وهناك جنح بسيطة.. تؤدي إلى السجن مع التنفيذ مدة شهر كامل على الأقل... كما هناك وزراء مسؤولون عن تحصيل أموال للدولة.. وجد بعض الصحفيين الشجعان الأحرار.. أنهم هربوا ثرواتهم الشخصية والعائلية.. لمناطق بعيدة تحميهم من الضرائب... أحدهم استطاع توظيف أكبر المحامين.. حتى يتابع نشاطه, بعد اضطراره للاستقالة.. محاضر كبير ناشط اختصاصي بمحاربة الفساد وتهريب الأموال.. ومحاربة الإرهاب.. أستطاع أن " يشفط ملايين الأورويات " من مؤسسات الدولة.. بمشاركته بمشاريع وهمية... شخصيات مافياوية, باسم شـراء حقوق تنظيف الجو من غاز الفحم الذي تبذله الصناعة.. والضرائب التي تفرض عليها.. (شفطوا) مليارات الأورويات.. (بالزعبرة والغش) فضحهم نفس الصحفيين الأحرار الناشطين.. لوحقوا.. وما زالوا ملاحقين.. رغم معرفة الدولة بأمكنة وجودهم.. ولكنهم ما زالوا ملاحقين ــ فقط ــ من سنوات... لأنهم محميين... أمثلة عديدة.. بالمئات.. بالآلاف... عن موظفين كبار شرفاء.. ببنوك ومؤسسات مالية أو دولية.. يفضحون مخالفات.. تقوم بها شخصيات مسؤولة كبرى... يسرح الموظف الذي يفضح الغش.. وبعضهم يسجن لسرقته معلومات سرية لفضحها.. ويبقى المسؤول طليقا حرا.. ويرفع.. ويحصل على أرفع الأوسمة...
عشرات المسرحيات الواقعية.. عن فــســاد عالي المستوى بالمليارات.. فتشكل لجان تحقيق عالية المستوى.. ثم لجان أخرى عن لجان التحقيق.. ثم لجنة رفيعة المستوى..عن اللجنة التي تحقق عن لجنة التحقيق.. وتمضي الأيام... ثم لا نسمع أي شــيء عن القصة.. قصة الفساد الرئيسية.. لأن أحد أصحابها.. أو مافيات رأسمالية.. اشترت الصحيفة أو الموقع الذي أثار الموضوع.. والصحفي أو الموظف الحر الذي أثار فضيحة الفساد... أصبحا عاطلين عن العمل... بلد جميع الحريات.. وبلد جميع التناقضات... وأشــهــر أنواع الرياضة.. بالأوساط الرأسمالية الكبرى والمعروفة.. هي التهرب من الضرائب.... نــعــم بلد جميع التناقضات.. وأحيانا أبشعها... لهذا السبب سميتها بـلـد التاقضات... تصوروا عشيقة جاذبية الجسد.. عشيقة ملتهبة أعطتك أسخن وأحلى اللحظات وأمتع اللذات.. ولكنها بالمساء.. مــومــســة... وبالنهار إمـرأة عادية.. تعمل بوظيفة عادية.. ثمانية سـاعات باليوم.. وبنهاية الأسبوع.. تعيش معك بهدوء.. مانحة إياك أمتع اللحظات والملذات...
إني أحب هذه المومسة الليلية.. وأفضلها عن كبار الفاسدين والسياسيين هناك وهنا... لأنها لا تخفي نشاطها الليلي.. وتصرح عنه كأية ناشطة اجتماعية.. وتدفع ضرائبها عن هذا النشاط الإضافي على عملها النهاري.. كأي مواطن يمارس أية مهنة... لهذا أفضل هذه السيدة المحترمة (الافتراضية الخيالية) عن أكبر السياسيين والتجار المافياويين هناك وهنا... والذين بسلطتهم وجبروتهم وأموالهم وسياساتهم المغشوشة العرجاء ومناصبهم العالية.. يتاجرون بأرواحنا ومصيرنا وأتعابنا.. لانتفاخ ثرواتهم وملياراتهم.. دون دفع أيـة ضريبة.. بينما نحن.. نحن الشعب بالشوارع, والمصانع, والمدارس والجامعات, والعاملين بالمستشفيات.. نحن الشعب.. نحن روح فــرنــســا ومصيرها وصعوباتها.. نحن الأحرار الذين ــ رغم تعبنا وفقرنا وصعوبات حياتنا اليومية ــ ندافع عن وضوح الحقيقة الحقيقية.. عن صحة كلمات مكتوبة محفوظة, لنساء ورجال من هنا.. من هناك.. جاءوا لمتابعة ما قاله Montesquieu, ما قالـه فولتير Voltaire, وكل ما نشرته الثورة الفرنسية عن المواطنة والحريات وحرية الفكر... ولا أنسى أنني من رفاق طريق من علموني هذه المبادئ... ويبقون أهلي وأحبتي ورفاقي... ومن أجلهم.. وما علموني.. أحب هذا البلد.. كـــالـــحـــيـــاة!!!.........
***************
عـــلـــى الـــهـــامـــش :
ــ قلب الجاكيت على قفاها
هنا تعبير عامي دارج : Tourner La veste, ترجمته كعنوان هذا الهامش. وهو يعني من يغير رأيه.. سواء سياسيا أو فكريا.. وهو ينطبق على غالب السياسيين المحترفين.. بكل ما بكلمة الاحتراف من واقع ومعنى. يعني أن السياسة مهنة واختصاص. كالحداد أو النجار وعمال البناء.. مع احترامي الكلي لهذه المهم الاحترافية العمالية التي تحافظ وتحترم مهنتها... ولكن السياسيين... يا لطيف.. وخاصة بعد أن أعلن فرانسوا هولاند (الاشتراكي سابقا).. أنه لن يجدد ترشيحه لانتخابات الرئاسة القادمة.. وخاصة بعد أن انسحب مستشاره الخاص والذي أصبح وزير الاقتصاد Emmanuel MACRON, والذي كان مثل Brutus مع قيصر.. حيث غادر الحكومة.. وأعلن ترشيحه قبل إعلان هولاند عدم ترشيحه.. علما أن هذا الوزير السابق الشاب المتخرج من بنك روتشيلد وحليف وصديق أرباب ومدراء الشركات الكبرى وأرباب العمل.. ومدلل أصحاب الصحف الكبرى المشتراة من مجموعة من أكبر أصحاب الثروات الفرنسية... إذ أرى اليوم بــفــرنــســا وخاصة بالمدينة التي أعيش بها منذ أكثر من نصف قرن LYON, عمدة المدينة وكبار المسؤولين من الحزب الاشتراكي الذين يديرون هذه المدينة والمنطقة منذ أكثر من عشرين سنة.. يقاطعون جميع التحضيرات التي يقيمها حزبهم من مدة شهر.. لانتخاب واحد منهم... ويلتفون حول مدلل الإحصاءات والإعلام.. ضد رفاقهم.. واهبين السيد ماكرون ولاءهم وخبراتهم ولوائحهم... وهذا مما يدفعني بكل صراحة.. إلى عدم التصويت لـه.. ولا لهم مهما كانت نتائج الانتخابات.. بكل ما يتبع من انتخابات بلدية ونيابية.. تضاهي بقوتها السياسية المحلية والمركزية, انتخابات رئاسة الجمهورية الفرنسية... لأنني لا أحب كل من يقلب الجاكيت بالسياسة والفكر.. ويتبع السلطان وابن السلطان وزوجة السلطان.. حفاظا على تجارته... لهذا أفضل عنهم نساء ورجال الشارع الفرنسي.. من يعملون بالنقابات (رغم أنها تضعف وتتضاءل بهذه الأيام).. من يعملون داخل المجتمع.. لمحاربة الفقر.. ومساعدة الأجانب واللاجئين.. من يتطوعون لمساعدة الآخر.. والشباب الذين ما زالوا ينشطون بالعمل السياسي.. مهما اختلفت آراؤهم.. والقدماء الناشطون بالأحزاب.. وما زالوا يــؤمــنــون.. والجامعيون الذين يخلقون جامعات شعبية مجانية لجميع الأعمار... من يعترضون لنصرة الحق والحقيقة... مهما تضاعفت الصعوبات.. ومغريات المناصب... أفضل هــؤلاء عن السياسيين المحترفين المرتزقة.. ألف الف مرة.. هــؤلاء هـم أحبتي وأهلي ورفاقي على دروب فــرنــســا.. بــكــل تناقضاتها!!!..............
بــــالانــــتــــظــــار...
للقارئات والقراء الأحبة الأكارم.. هـــنـــاك و هـــنـــا.. وبكل مكان بالعالم.. وللقليل النادر من الأحرار الذين ما زالوا يقاومون ويناضلون ــ على حساب أمانهم وحياتهم ورزقهم ــ للدفاع عن الحريات الإنسانية الحقيقية وحرية الفكر والعلمانية ومساواة المرأة بالرجل, دون أي استثناء, والتآخي والسلام والتفاهم بين البشر... لــهــن و لــهــم كل مودتي وصداقتي ومحبتي واحترامي وتــأيــيــدي ووفائي وولائي.. وأصدق وأطيب تحية مهذبة.
غـسـان صــابــور ـــ لـيـون فــرنــســا