الدين، العولمة، الهوية: انسان بلا جذور

سامي عبد العال
2017 / 1 / 16

إزاء عصر العولمة والتكنولوجيا تحدث مارتن هيدجر عن خطر اقتلاع الإنسان من جذوره. حيث يتعرض الإنسان إلى الإلقاء في العراء. لقد دُفع به إلى العالم جملةً واحدةً. فمنذ أن يستيقظ باكراً لا يستطيع فتح نافذته نحو الأشياء القريبة بقدر ما تقتحمه رياح العولمة. تقتحم وجوده الحميم عارضة إياه على حاشية الكون والتاريخ. لكن يبدو أن الدين بمفهومه السياسي خطى سريعاً نحو تلك الفكرة. ذلك حينما خلع جذور الإنسان من قاع التربة الاجتماعية والثقافية. تركه وحيداً معلقاً من عرقوبه في فضاء يتأرجح باستمرار. وإذا كان التدين اعتناقاً شخصياً لما هو متعال فالمسؤولية تترجم المعاني على سطح الأرض. ثمة تكوير لا هوتي للأرض بعمومها. فلا توجد ديانة متأخرة (وبخاصة المسيحية والاسلامية) إلا وتنحت هذه الكُرة الترابية بين شعاراتها وأيقوناتها.
كانت تلك انحناءة حاسمة لتدفق الهويات القاتلة نحو أية مواقع يحددها الإرهاب. وكأن الهوية أصول حصرية تندفع لتحريك كائنات من جنس الاسلاميين. وقد وجدوا ترحيباً عولمياً بهم في أكثر بقاع العالم سخونة واضطراباً. إنهم أكبر ممول لمشروعات الدول الكبرى ثقافة وهيمنة وتسلطاً. وفي غير حالة كانت هويتهم الدينية أداة لتحريك الجموع السائلة. وتم الزج بهم في صراعات عرقية وسياسية فتتت الدول العربية بعد الربيع العاصف. لعل المسألة لا تنفصل عن بعضها البعض داخل أجواء الدين والعولمة. أو بالأحرى نجحت العولمة في تسويق أصوليات دينية حتى وإن بدت تعادي نقاطها المركزية. وربما كان المقصود ترويج العداوة بين الاثنين(الدين والعولمة) لاقتناص الفرص المتاحة بشكل مقلوب. لو تصورنا كون العولمة تضاد الخصوصية فهذا محض خطأ. فالعولمة لا يهمها ما إذا كانت ثمة هوية من عدمها. ولا يهمها كظاهرة إلاَّ اعاد ة تدوير الرأسمال الرمزي والعيني داخل دوامات مصالح القوى الكبرى. سواء أكان الرأسمال شرقياً أم غربياً، أبيض أم أسود، ميتافيزيقياً أم أرضياً، توحيدياً أم وثنياً. الأهم هو كيف يمكن استثماره في تأكيد الأهداف والمارب.
هكذا ثمة نقطة التقاء راهن بين العولمة والدين السياسي. إنها "الهوية المطاردَّة" كفريسة بين أنياب هذين الوحشين الكبيرين. ضاعت بين شد وجذب حتى تمزقت واهترأت. لكنها تصالحت مع العنف، وزحزحة الإنسان عن موطنه وعن جمجمته البشرية. وأضحت تلك الهوية جثة خيالية تتلاعب بها الجماعات والسياسات على نطاق أوسع. وفي هذا الشأن تتعشق الأيديولوجيات الدينية مع العولمة بل هناك تناغم شبه كوني بينهما. لا لشيء إلا لأنهما يلعبان نفس اللعبة حول خلخلة الهويات. هناك تعويم لكل هوية خاصة بأصحابها حين يرونها قدرة على احداث ثقب أسود يمتص كل انفتاح حر على العالم.
1- الدين والعولمة يتبادلان تأثيرات عنيفة تصنع صوراً وخطاباً حول الإنسان. فلئن كانت العولمة لا تستأذن الهويات، فالدين يرد بشكل أعنف لحمايتها بالتكفير والإرهاب. إضافة إلى ذلك يعمم هوية واحدة كامنة في المعتقد خارج أسوار الدولة الوطنية. إن الحس التسويقي التعبوي هو الرابط المشترك بين الطرفين. وإن كانت نتائج العولمة كارثية من جهة تسطيح الأرض، تسطيح قضاياها وامتدادها بلا أعماق لخصوصيات الثقافة، فالدين يسطح العقل والعاطفة والاعتقاد نحو الإيمان بأن الإله هو الوطن الأول والأخير. وهذا الانتماء يشترط خلع كل أفاق الإنسان الأخرى. كما يجعل منه بمثابة الراكض الأبرز وراء جماعته المؤمنة.
وحالما ينخلع البشر من جذورهم، ينبغي توضيح ما هو الإله. هكذا يشرح الاسلام السياسي عبر كل مراحله ما معنى الإله. لأنه يدرك قدرة تلك المقولة في تدمير جميع الهويات الأخرى. ابو الأعلى المودودي ذكر ذلك في كتابه الشهير" المصطلحات الأربعة في القرآن: الإله والرب والعبادة والدين". وهو يحاول تقعيد المساحة الكبرى من وجدان الاسلاميين. فليس ثمة تلوين هوياتي فوق أية هوية لا يمر بدلالة الإله. معتبراً أن الانتماء الأول والنهائي لمفهوم الله الإسلامي. ولم يره سوى بحده الجهادي والاقصائي لجميع المفاهيم المختلفة عنه. من هنا أخذ سيد قطب المعنى في "كتابه معالم في الطريق" ليؤكد أن "لا إله إلا الله" وحدها شهادة هوية لحياة مكتملة. شهادة لا تحتاج أي شيء سواها لكي تضمن اندماج المسلم داخلها أرضاً واعتقاداً وحرباً. وكانت الشهادة بمثابة الفيزا إذ تسمح للأفراد والجماعات بالهجرة إلى الله وحده تاركين أوطانهم وثقافتهم وأدمغتهم. بينما هم- في الحقيقة- يهاجرون إلى القاعدة وداعش والاخوان وجيش النصرة والسلفية الجهادية. وستتواصل عمليات الهجرة طالما كانت الهوية قابلة للتمدد في هيئة سلع دينية معولمة.
2- الدين والعولمة يتعايشان لدى مناطق الحدود دائماً. ويمارسان أدوارهما السياسية بامتياز لاهوتي أدائي. وفي هذا الإطار غدت الهوية صناعة. لأن كل مظاهر العولمة دعت الاسلاميين للتعبير عن هويتهم بجميع السبل الممكنة. وحدثت المطاردة الاسطورية بشكل جيو سياسي مع حركة العالم. لم تكن هوية الاسلاميين منكفئة على ذاتها فقط بل سمحت للاعتقاد أن يلتهم غيره. حتى بواسطة الصراع الصريح معه. وكأن الاسلاميين هم الحاضر الغائب في كل مكان. ونتيجة التطور المذهل لمنتجات العولمة بات الناس يتوقعون وجودهم هنا أو هناك.
إن الحدث الارهابي- أي حدث كتفجيرات باريس مثلاً- لا يقف بمفرده. إنه يخطط لعولمة ما كانت لتأتِ بصورة سواها. عندئذ سيكون الحدث تعبيراً عن حدود تتنازع البقاء حتى الرمق الأخير. وسيكون الصراع حول حدود داخلية وليست خارجية. فالعولمة توجد بخرائطها داخل هؤلاء الرهابيين والعكس صحيح أيضاً. ومع هذا تتمايز فجأة الأشكال والأحداث وتكشف أبعاد الملاحقة داخلياً كذلك. من يلاحق من؟ رموز العولمة أم رموز الإرهاب؟ أين حدهما من الآخر، خارج الآخر؟ ذلك الاستفهام بفضل الهوية المتجاوزة، المتقاطعة. تلك التي تقفز كل حدٍّ عبر الأقاليم التي اشتعلت تسويقاً وصداماً. عبارة صمويل هنتنجتون "صراع الحضارات" قضية تحتاج إلى إعادة نظر. مجرد صياغتها تقتضي مساءلة من الداخل. لأن حضارة الرأسمالية هي الغالبة. كما أن الحدود ليست خارجية، بل لا يبدو أن ثمة خارجاً لها أصلاً. بالقطع عندما تتكلم حضارة مهيمنة عن الآخر فإنها تلجأ إلى قانونها الخاص لنصب محاكمة لن تكون عادلة بحال. ولن يفلت أي آخر مهما يكن لسبب بسيط. مؤداه: أن كل آخر يعيش في كنفها ولا يستطيع ان يرى نفسه إلا عبر مرآتها. والتأثير الأبعد أنها تحدد نقائضه، حتى هواجسه وماذا يريد وما عساه أن يفعل. هي تمارس هذا الدور رغم كونه يناصبها العداء المباشر.
3- تقدم العولمة نماذجها في زحزحة الهويات وتنويعها وتهجينها. وقد التقطها الاسلام السياسي(أي الهويات) كغنائم حرب افتراضية في الفضاء السبرنطيقي. ذلك عن طريق انتشار الخطب والمذاهب وعودة المقدس. لعل العولمة تضفي طابع التفضية (إزاحة الكيان العضوي والخيالي) بحكم عدم ربط الإنسان بأصوله الثقافية. والدين السياسي يضع نفسه في مفترق طرق الاختيار بين معتقداته وبين سواها. وإذا نجح في خلخلة تلك النقطة سيكون للتيارات المتشدد عامل الحسم في جر الإنسان نحو التطرف. كم كان الاخوان قصيري النظر عندما دفعوا بهوياتهم نحو التنظيم الدولي. حيث تلقفتهم القوى الدولية. وظل خطابهم يعمل على تعميق اللاهوية non- identityظانين أنهم يخدمون الاسلام بينما تتربص بهم تلك القوى وتستعملهم لأغراضها النوعية. حتى بمجرد اعطائهم مساحة للحركة والنشاط عبر اراضيها فهذا يجعل فكرة الهوية غير ذات موضوع خارج ذاتها.
يحافظ الاخوان على فكرة الولاء للجماعة باسم الدين. ويظل الاعضاء يمارسون تلك التراتيل اليومية جرياً وراء اقتلاع هوياتهم. وهم على ثقة بانهم يسايرون الاسلام في منطلقاته وغاياته. غير أنهم مع الاحداث تجدهم يفرون إلى الوهم خارج أوطانهم. لأنه لا توجد هوية متخيلة إلا وتسير نحو المجهول. وما لم يكن الإنسان قادراً على الانفتاح بلا حدود سيكون مصيره البحث عن هوية بديلة وإن كانت عامة. وهي بالنهاية سترتد إلى دجما جماعية أشبه باليوتوبيا المستحيلة. ولهذا كانت مشكلة الاخوان هي الواقع. كيف يفهمونه؟ ولماذا هو لا ينحو نحو ما يتوهمون؟
4- ترسيم المسافات آتٍ من اللامكان. الارهاب الديني لم يكد يختفي في موقع حتى يقفز في مواقع تالية. نتيجة تصفية الهوية سيحدث الفراغ تصوراً ضبابياً. إذن فكرة الهوية من تلك الجهة تتقمص الأفكار والوعود والآفاق والجماعات المصطفاة. فالخلافة الاسلامية هي هوية مؤجلة منذ الإسلام الأول. ولقد سقط في استعجالها الدواعش تحت قصف المدافع وتحت سيكن الذبح. فكان نموذج الخلافة كهوية هو هذا السفك المتواصل للدماء.
وكانت دولة الخلافة بهذا المفهوم خريطة عولمية جديدة لحروب الهويات. لقد انضم تحت لوائها جميع الاسلاميين من شتى اصقاع الأرض. باحثين عن أصل تم الإيمان به. وإذ ذهبوا تاركين بلدانهم فقد ساروا إلى الهوية الجديدة بأدواتها وطرائقها في النظر إلى العالم. إنه الجهاد الذي يقطع كل ارتباط بالواقع. وفي القرآن جاءت بعض عبارات التي تؤكد "أرض الله" بها الوسع لهوية الإنسان. لكن ليس الاسناد هنا تلقائياً. لأنه لا يوجد مكان غير سياسي بالمرة. وهو بنية الدولة الحديثة الت تلتئم حول اقليم وشعب ونفوذ اقليمي ودولي.
اختصاراً ربما يظهر شكلياً التناقض بين اختلافات العولمة والنزوع المحافظ للدين. إلا أن الدين يحقق الامتلاء الشاغر فيما وراء الوطنية. لقد كانت تلك فكرة كون الاعتقاد وطناً رمزياً. بصرف النظر عن اتساع فهمه وما إذا كان متعلقاً بعصور سالفة أم لا. لكونه يعين النقطة الأضيق للهويات في أيديولوجيا سابحة في اللا أرض. وكان ذلك تحولا جوهرياً في مفاهيم الهوية وانماطها. فإذا كانت هي تقليدياً مجموعة السمات الجوهرية الفاصلة لشعب ما والمانعة لضياع كيانه المعنوي والثقافي مع شعوب أخرى، فالأيديولوجيا الدينية تقطع هذا الجذر لصالح معان خارج الواقع. ومع ذلك لا تدعه وشأنه إنما تشتبك معه في كل مجال. حيث تؤسس لهوية مرتهنة بماهية الإله حصراً وما يسقطه من أخيلة تالية.
ورغم أن الهوية تنطوي على اللا هوية مهما تكن فلا يفهم انحرافها نحو الفهم الديني. إنما لا بد من تنوع الهويات مع اغراقها في النسبي بالتاريخ والثقافة. ولهذا تنطوي كلُّ هوية على استحالة أن تكون كذلك. شريطة أن يكون الانتماء اختلافاً وثراءً إنسانياً لا البحث عن مرجعية ثابتة أو قوة مهيمنة.