خطر على ما تبقى من الديمقراطية...

غسان صابور
2017 / 1 / 16

خــطــر على ما تبقى من الديمقراطية...
صـعـقـت... صعقت من يومين وأنا أتابع مقابلة السيد Emmanuel Hoog المدير العام لوكالة الصحافة الفرنسية َAFP, وهي من أكبر وكالات الإعلام الفرنسية والعالمية, والتي توزع آنيا آخر وأسرع الأنباء بالعالم, إلى محطات التلفزيون والراديو وكبرى الصحف العالمية.. متحدثا عن المؤسسة العالمية التي يديرها قائلا : " نبيع إلى زبائننا بالعالم.. ما ننتج "... كأنه يدير معمل أحذية رياضية.. أو لحوم بالجملة... أو غيرها من المنتجات الغذائية والاستهلاكية المختلفة!!!...
نعم صعقت... لما يجري بالعالم... بــضــاعـة اسـتـهـلاكـيـة... تبث مصنعة.. حسب حاجات الزبائن... يا للهول.. ولا أعرف بأية كلمات أرثي الحقيقة المدفونة... وكالة الصحافة الفرنسية؟؟؟... إذن كل الوكالات العالمية.. تبيعنا أنباء مصنوعة.. وبما أن كبرى وكالات الإعلام.. مؤسسات رأسمالية ذات أسهم بالبورصة.. هذا يعني أنها تمارس العرض والطلب.. حسب السوق... ونحن الغلابة نشتري حسب رغبات من يديرها... والأخطر أن لها وكلاء بكل عواصم العالم ومدنها الرئيسية الكبرى.. وما يرسلون من أنباء (مواد استهلاكية).. تنقى وتصفى وتحضر بمصانع إدارتها... ومن ثــم تعلب وتغلف.. وتباع للاستهلاك.. ونحن المستهلكون.. نبلعها ونرددها ونهضمها.. ونضدقها... لأننا شعوب الغلابة...
تصريح هذا المسؤول, وهو من خريجي كبرى مدارس الدولة ومؤسساتها... والذي عين لهذه الوظيفة المحفوظة لكبار موظفي الدولة.. أولى أيام الرئيس ساركوزي, وحافظ على وظيفته العالية المستوى, زمن ولاية الرئيس هولاند.. وما زال... ما زال يبيعنا ــ ببراعة وشطارة ــ المدير البائع المنتج... أخبارا ووقائع سياسية.. لم نــعــد أكيدين من حقيقتها الحقيقية... حسب حاجات من يهيمن ويدير سياسات العالم.. وحاجاتهم الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية... على حساب الغلابة من العالم الثالث.. والرابع... والخامس... إلى ما لانهاية!!!...
ولهذا أتساءل عن الديمقراطية الحقيقية بكل هذا.. وأخاف عليها... لأن الإعلام الغربي (والعالمي أيضا) والذي كان آخـر طوق نجاة.. نتعربش بـه حين تعصف الرياح بالحريات والديمقراطية والعلمانية... يمكن لهذا الإعلام (التجاري).. تغليفها كما يشاء ــ بلا حساب ولا تدقيق ــ وبيعنا إياها من إنتاجه.. معسولة.. ضبابية.. مــخــدرة.....
وهكذا انهارت قــيــم الديانات والسياسة... عندما بدأنا نــشــك بصحتها.. وخاصة بمصداقيتها... وتحولنا إلى روبويات.. أفقر الروبويات.. نكتفي بلقمة العيش الرخيصة اليومية.. بلا مشاعر... وابتعاد مفروض مبرمج عن المسؤولية... وعدم المشاركة بالمسؤولية.. والاعتياد على القبول والانحناء وعدم النقد والانتقاد والاعتراض.. مما يبعدنا ــ باستمرار ــ عن مراقبة تضاؤل آفاق حرياتنا... وعديد من المبادئ الإنسانية التي اكتسبناها بالقرن الماضي...
ســــــرطـان الرأسمـالية المافياوية التي تبيع وتشتري كل شـيء, حتى فكرنا وأرواحنا.. يهيمن على العالم.. والإرهاب والإعلام.. من أهـم اسلحته الخفية...
*********
عـــلـــى الــــهـــــامــــش :
ــ مــؤتــمــر في بـــاريــــس
اجتمع البارحة الأحد 15 كانون الثاني 2017 ممثلو 75 دولة, من أجل السلام ما بين دولة إسرائيل.. وما تبقى من فلسطين المسجونة المحاصرة.. دون حضور بينيامين ناتانياهو أو أي ممثل عن حكومته.. أو رئيس الحكومة الفلسطينية, والتي لا تحكم أي شــيء.. محمود عباس... علما أن مسيو ناتنياهو ووزير خارجيته انتقدا علنا حلول هذا المؤتمر الذي لن يــغــيــر فاصلة واحدة من تعنت حكومة إسرائيل.. واحتقارها لكل الحقوق الإنسانية للشعب الفلسطيني, ومتابعة برامجها الاعتدائية الاستعمارية وتوسعها على القليل النادر من الأراضي الواقعة تحت سلطتها الغير شرعية.. أو تحت سلطة الإدارة الفلسطينية.. رغم إدانة هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن, لمشاريع الاستيطان الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية... وتصريحات ناتانياهو ــ باحتقاره الكلي ــ للجهات الأممية التي أصدرتها... وخاصة أن الهيئات الأممية التي تــجــرأت ــ استثنائيا ــ بهذه القرارات... لم تصدر بحق إسرائيل أية عقوبة أو نهي عن متابعة سياستها الاستعمارية والاضطهادية ضد الشعب الفلسطيني... حتى أن الرئيس المنتخب TRUMP مراضاة لدولة إسرائيل, أعلن أنه سوف ينقل عاصمة الولايات المتحدة الأمريكية من مدينة تل أبيب إلى مدينة القدس (المحتلة) ضد جميع القرارات الأممية السابقة... دون أية ردة فعل أو تصريح عربي أو غربي.. لدى افتتاح مؤتمر باريس... ولن يــجــرؤ على إثارته أي ممثل من الدول الحاضرة هذا اليوم ولا بقية الأيام لمحاولات المصالحة بين فلسطين وإسرائيل... يعني إقــنــاع الغنمة بأن يتابع الذئب افتراسها.. راضية...
وتصوروا أن وزير الخارجية الفرنسية الحالي, ورئيس الوزراء السابق HAYRAULT, هو الذي سـوف يدير هذا المؤتمر, والذي سوف يكلف الملايين الخزينة الفرنسية, لتلميع نهاية رئيسها الحالي.. دون أن يغير فاصلة واحدة من مصير الشعب الفلسطيني, نعم ولا فاصلة واحدة.. من فــك الحصار اللاإنساني عنه...
فرانسوا هولاند, رئيس الحكومة الفرنسية الحالي, والذي لن يترشح لرئاسة ثانية, هو الذي افتتح هذا المؤتمر البارحة الأحد 15 من كانون الثاني.. وترك الباقي, والذي لن يترك أي أثر منتج فعال, لأي انفراج للشعب الفلسطيني.. ولا لمستقبل ما تبقى من فلسطين.. بالأيام القادمة, لوزير خارجيته. السيد Jean-Marc Hayrault... يعني لا شــيء!...
ــ الـــنـــتـــيـــجـــة
مؤتمر باريس من أجل فلسطين, كغيره من المؤتمرات لأية قضية عربية.. نتيجته ًZéro صفر مكعب.. دوما لا شـيء.. دوما عظام يلهون بها العرب, حتى يتابعوا أوهامهم واقتتالهم بين بعضهم البعض, ليثبتوا من منهم أقرب إلى الله.. وانتظار ليلة القدر... وما من أحد يعرف متى يستيقظون... كما قال عنهم نــزار قباني بمنشورته بالخمسينات من القرن الماضي : خــبــز.. وحـشـيـش.. وقــمــر!!!...
بـــالانـــتـــظـــار...
للقارئات والقراء الأحبة الأكارم.. هـــنـــاك و هـــنـــا.. وبكل مكان بالعالم.. وخاصة للنادر القليل المتبقى من الأحرار الذين يناضلون ويقاومون ــ على حساب حياتهم وأمانهم ورزقهم ــ للدفاع عن الحريات الطبيعية العامة وحرية الفكر والتعبير والمعتقد والعلمانية الحقيقية الصحيحة ومساواة المرأة الكاملة بالرجل, دون أي استثناء.. والسلام والتآخي بين البشر... لـــهـــن و لـــهـــم كل مودتي وصداقتي ومحبتي واحترامي وتــأيــيــدي ووفائي وولائي... وأصدق وأطيب تحية مهذبة.
غـسـان صــابــور ــ لـيـون فــرنــســا