من أسوأ ما في العرب

محمود يوسف بكير
2017 / 1 / 13

الانظمة العربية معروفة دوليا بالتخلف السياسي والاقتصادي والحضاري والمعرفي ....الخ ولكن أسوأ ما فيها هو عدم الايمان بمبدأ العيش المشترك ومعادة الآخر ومقاطعته واستباحته بمجرد اندلاع أي اختلاف معه في الرأي أو حول أي قضية.
هل سمع أحدكم عن أي دولتين عربيتين اتفقتا على التفاوض بشكل متحضر لحل أي خلاف بينهما؟ الشائع عندنا انه بمجرد ظهور أي خلاف حتى ولو كان على ماتش كوره هو أن تبدأ الحملات الإعلامية البذيئة والهابطة وتبادل الاتهامات والتصريحات النارية والتخوين بين المسؤولين واستدعاء السفراء وربما قطع العلاقات. وكل من ينادي بمنحى مختلف عن هذا السيناريو المتخلف يكون خائنا وعميلا وبائعا للقضية فنحن من عشاق رفع الشعارات.
وفي هذا فإن هناك حاليا توتر شديد في العلاقات بين مصر والسعودية بسبب الخلاف بين البلدين حول ملكية جزيرتي تيران وصنافير عند حدودهما على البحر الأحمر.
والغريب والمدهش في هذا الموضوع هو أن الحكومة المصرية تتبنى موقف السعودية في أن الجزيرتين سعوديتان وهو ما أدى إلى زيادة حالة الاحتقان لمالا يقل عن 80% من المصريين تجاه حكومتهم أكثر مما هو تجاه الحكومة السعودية.
وكالمعتاد لعب الإعلام السلبي في الدولتين دوره الدنيء في تأجيج مشاعر الكراهية وعدم الثقة بين الشعبين ولم يدعوا أحد من المسؤولين في البلدين الى التفاوض بهدوء أو الى اللجوء للتحكيم الدولي.
وبعيدا عن حملة الوثائق والحقائق التاريخية التي يبرزها مؤيدي مصرية الجزيرتين ومعارضيهم فإن هناك حقيقة هامة ينبغي أن تفهمها كل من الحكومتين المصرية والسعودية وهي أن هذه الجزر ستظل مصرية في ضمير أغلبية الشعب المصري حتى ولو تم تسليمها للسعودية بمقتضى اتفاق سياسي أو ترتيب قضائي مفبرك وذلك بحكم فترة طويلة من تبني مصر للجزر لفترة تزيد عن 70 عاما لم يذكر خلالها أنها في الأصل جزر سعودية. بالإضافة إلى حقيقة أن إعادة الجزر الآن إلى السعودية سيؤدي إلى إشعال المزيد من المرارة والإحساس بالمهانة لدى أغلبية الشعب المصري تجاه حكومته وتجاه الحكومة السعودية وهو ما قد يؤدي إلى حالة من عدم الاستقرار في المنطقة لستا بحاجي لها.
وهذه مشاعر غريزية تلازمنا حتى في حياتنا العادية. فلك أن تتخيل أن أحد أخوتك الذي تربي معكم لفترة 20 عاما مثلا، جاء أحدهم وقال إن هذا أخوكم بالتبني فقط وحان الآن وقت إعادته لأهله الأصليين الذين تركوه كل هذه السنوات معكم دون أن يسألوا عنه.
بالطبع هذا الخبر سيمثل صدمة لكل أفراد الأسرة بما فيهم الأخ بالتبني وتوتر شديد في بنيان الأسرة وفي الغالب فإن هذا الاخ سيفضل البقاء مع أسرته بالتبني.
وما نود أن نقوله أن مشكلة هذه الجزر لن تحلها المهاترات أو الوثائق التاريخية المضروبة لدى الطرفين لأن هذه الوثائق لن تخمد جزوة المشاعر المتأججة لدى المصريين وكذلك السعوديين هذه الايام وستؤدي بالضرورة إلى فتح نفق أزمة قد تؤدى الي نزاع منفلت وقطيعة بين البلدين والشعبين ليست في صالح أي منهما.
الحل يكمن في التفاوض والتفاوض هو في فن حل النزاعات بشكل سلمي من خلال تبادل التنازلات.
وفي رأينا أن الحل يمكن ان يكون مقبولا للشعبين لو انه جاء من خلال التحكيم الدولي المحايد أو من خلال اتفاقية تضمن السيادة المشتركة للبلدين على الجزر بما يحقق منافع مشتركة لهما ويحافظ على العلاقات التاريخية والاستراتيجية بينهما.
ولابد قبل كل هذا أن تعترف الحكومتان بانهما ارتكبتا خطأ جسيما في حق شعوبها بالسكوت وإخفاء حقائق تاريخية هامة عنها.
وهكذا تظل الشعوب العربية ضحية أخطاء حكامها الذين يدعون الحكمة والحنكة التي أودت بالشعوب العربية إلى الحضيض وكراهيتها لبعضها البعض دون مبرر حقيقي.


محمود يوسف بكير
مستشار اقتصادي