اسطورة العود الابدى ميرسيا الياد

مهرائيل هرمينا
2017 / 1 / 12

تدل معتقدات بلاد الرافدين أن ثمة نماذج أولى للأنهار. فنموذج نهر دجلة موجود في كوكب انونيت، ونموذج نهر الفرات موجود في كوكب السنونو. كذلك يروي نص سومري أن "صور الآلهة تقيم" حيث تقيم آلهة قطعان الماشية والحبوب. كما ساد اعتقاد عند المصريين القدماء أن أسماء المناطق والأقاليم نُقلت إليهم طبقًا لما هو موجود في "الأبراج السماوية".

ويرى ايلياد أن للمعبد، بصورة خاصة، نموذج سماوي أول، وهو يسوق بعض الشواهد على ذلك: فعلى جبل سيناء أطلع يهوه موسى على "صورة" الهيكل الذي سيبنيه له

ستشيد المقْدِس مع جميع آنيته وفق النموذج الذي أريك تمامًا. ( خر 8:25 )

غير أن أقدم وثيقة تتحدث عن وجود نموذج أول للمعبد نلمحها في كتابة الملك كوديا على جدران المعبد الذي شيّده في مدينة لاكاش، جاء فيها أن الملك رأى في الحلم الآلهة نيدابا تطلعه على لوح ينطوي على أسماء كواكب السعد، كما رأى إلهًا يكشف له عن مخطط المعبد.

وللمدن أيضًا نماذجها الأولى في رأي الأقدمين، إذ كان لجميع المدن البابلية نماذجها الأولى في عالم الأفلاك. نموذج مدينة نينوى في الدب الأكبر، ونموذج أشور في القوس... وحسب هذا الاعتقاد عمل سنحاريب على بناء مدينة نينوى وفق "الخطة الموضوعة"، من قديم الزمان، في الأجرام السماوية. وهكذا يظهر العالم، في نظر البدائي، بلا أية شرعية إن لم تكن له نماذج تعود إلى نموذج أول خارج عن نطاق الحياة الأرضية.

رمزية المركز - تكرار الخلق:

يؤكد ايلياد وجود سلسلة أخرى من المعتقدات تتعلق بمكانة المركز مدعومة بالعديد من الوثائق. وهو يقدم ثلاثة أشكال يمكن من خلالها التعبير عن رمزية المركز في المجال المعماري:

· الجبل المقدس، حيث يجري الاتصال بين السماء والأرض، يوجد في مركز العالم.

· كل معبد أو قصر، وتجاوزًا كل مدينة مقدسة أو منزل ملكي، هو بمثابة جبل مقدس، وبهذا الاعتبار يصير مركزًا للعالم.

· المدينة المقدسة أو المعبد المقدس، بوصفهما محور العالم، هما مكان التقاء السماء والأرض والجحيم.
بحسب المعتقدات القديمة السائدة في بلاد الرافدين، يُدعى "جبل البلدان". وفضلاً عن ذلك يمكن القول، بحسب "ايلياد"، إن كل مدينة شرقية قديمة وجدت ذاتها في مركز العالم، كبابل التي تؤلف باب الآلهة، كما يدل اسمها "باب ايلاني". وكان لبابل أيضًا طائفة أخرى من الأسماء، من بينها: "بيت قاعدة السماء والأرض"، وهذا شاهد على أن المدينة المقدسة كانت نقطة التقاء المناطق الكونية، نظرًا لموقعها في مركز الكون.

وينتقل المؤلف في بحثه إلى فكرة تكرار الخلق مذكّرًا بمسألتين هامتين:

1. كل خلق يكرّر فعل الخلق الكوني بشكل ممتاز.

2. ينجم عن ذلك الأمر، أن كل ما نشيد من بناء يقع في مركز العالم، لأن الخلق ذاته تم انطلاقًا من مركز.

ويتطرق في هذا الصدد إلى الطقوس الخاصة بتشييد الأبنية، والتي تقلّد فعل خلق الكون. وبفضل تكرار فعل الخلق الكوني يجري إسقاط الزمان المادي الواقعي في الزمان الأسطوري الذي حصل فيه إنشاء العالم. وهكذا يجري ضمان الواقعية وتأمين الدينونة لبناء من الأبنية.

. الممارسات الطقسية، والفعاليات الدنيوية:

يتابع ايلياد دعمه لفكرة النماذج الأولى وتكرارها، مقدمًا أمثلة جديدة وغنية. وهو يرى أن الإنسان القديم اعتقد أن كل سلوك طقسي يسير على غرار طراز إلهي ويعود إلى نموذج أول. ويشير كاتبنا إلى العبارتين التاليتين اللتين تلخصان النظرية الكامنة في الممارسات الطقسية:

ينبغي علينا أن نفعل ما فعلته الآلهة، في البداية.

و

كما فعلت الآلهة كذلك يفعل البشر.

ومن بين الأمثلة التي يقدمها نجد مثلاً طقوس الزواج في الهند واليونان، حيث الزواج البشري يستعيد الزواج الإلهي المقدس، ويحاكي القران الذي جرى بين السماء والأرض.

وفي انتقاله إلى الفعاليات الدنيوية يرى ايلياد أن العالم القديم يجهل الفعاليات "الدنيوية غير المقدسة". فكل عمل، يحمل دلالة محددة، إنما يشارك في النطاق المقدس. ويذكر من تلك الأعمال: القنص، الصيد، العمل الزراعي، ممارسة الألعاب المختلفة، الاشتراك في القتال، وكل ما يتصل بالنشاط الجنسي.

. الأساطير والتاريخ:

إضافة إلى الفكرة القائلة بضرورة حيازة الوجود الواقعي عن طريق محاكاة وتكرار النماذج الأولى، هنالك أيضًا نتيجة ثانية يستخلصها ايلياد مما سبق، وهي: إلغاء الزمان وإبطاله بالاعتماد على محاكاة النماذج الأولى وتكرار الأفعال المعيارية القياسية. وبمقدار ما يكتسب سلوك ما أو موضوع ما قدرًا من الواقعية بسبب محاكاته أفعالاً معيارية قياسية، إنما يعمل على الزوال الضمني للزمان الدنيوي، وعلى إلغاء الديمومة، والتاريخ. هكذا فالإنسان الذي يعيد ويكرّر الفعل النموذجي الأول يجد ذاته، على هذا النحو، منقولاً من الزمان الحاضر إلى العهد الأسطوري الذي جرى فيه الإعلان عن أداء ذلك الفعل.

لقد كان الزمان الدنيوي، بحسب ايلياد، يستجيب إلى حاجة أساسية عند إنسان الزمان الغابر. وانطلاقًا من هنا سيحاول باحثنا الخوض في فكرة انبعاث الزمان ورمزية السنة الجديدة، وذلك كي نستطيع إدراك معنى تلك الحاجة الأساسية. وسيظهر لنا أن الإنسان المنتمي إلى الثقافات القديمة السحيقة تحمّل "التاريخ" بصعوبة وعناء، لهذا سعى إلى زواله وإلغائه.

2- انبعاث الزمان، ورمزية السنة الجديدة:

يقدم ايلياد العديد من الأمثلة حول الحاجة إلى الانبعاث الدوري التي يحس بها إنسان الأزمنة الغابرة، والتي تبدو غنية بالمعاني والدلالات. وهذه الأمثلة تكشف لنا أمرًا هامًا، ذلك أن الانبعاث الدوري للزمان يفترض مقدّمًا حصول خلق جديد، أي يقتضي تكرار فعل خلق الكون. وهذا ما يطرح بنظر الباحث مشكلة إلغاء "التاريخ"، وهي مشكلة هذا الكتاب، في المقام الأول.

ويتطرق بعد ذلك إلى رمزية السنة الجديدة، إذ هي استرجاع للزمان من بدايته، أي أنها تكرار لخلق الكون. كما أن مختلف الأنظمة الاحتفالية الأسطورية، التي كانت تقام بمناسبة رأس السنة، في أرجاء العالم السامي تحتوي فكرة العَود السنوي إلى الفوضى المتبوعة بخلق جديد[4]. إن كل ما يقدمه الباحث في هذا الفصل من أمثلة، تدعم فكرة تكرار فعل الخلق الكوني، الذي يجعل من كل سنة جديدة بداية عهد جديد، وبالتالي يسمح بعودة الأموات إلى الحياة، ويقوّي أمل المؤمنين في بعث الأجساد. وهنا يمكننا أن نلاحظ بوضوح النظرة الدورية للتاريخ باعتبارها أن الإنسان هو في انتقال دائم بين الحياة والموت، وهذه هي فكرة التناسخ والتقمّص. كما نلاحظ من خلال الأمثلة الكثيرة التي يقدّمها الكاتب، أن كل الوسائل المؤدية إلى الانبعاث تتجه نحو الهدف عينه، المتمثل بإلغاء الزمان المنصرم، وإلغاء التاريخ، بواسطة عَود مستمر إلى قديم الزمان، العَود الذي يتم عن طريق الخلق الكوني.

ويشير ايلياد بعد ذلك إلى التشابه بين قول "هيغل" أن "لا جديد تحت الشمس"، وبين تصور إنسان المجتمعات الموغلة في القِدَم، الذي يرى أن الأشياء تتكرر إلى ما لا نهاية. ويؤكد أنه من الطبيعي ألا يتم، حسب هذه النظرة، جديد تحت الشمس. لكن لهذا التكرار معناه ودلالته، إنه وحده الذي يمنح الأحداث حقيقتها وواقعها. وهذه الأحداث تتكرر لأنها تحاكي نموذجًا أول، هو الحدث المثالي.

3- الشقاء والتاريخ:

لقد اتّضح لنا، مما سبق، أن إنسان الزمان الغابر كان يحاول، بكل الوسائل المتاحة له، الوقوف في وجه التاريخ. لكنه لم ينجح في تجنّبه على نحو دائم، خاصة أمام الكوارث والويلات. وهنا يطرح ايلياد سؤالاً هامًا: ماذا يمكن أن يعني "الألم والعذاب" للإنسان القديم؟ ويؤكد كاتبنا على أن هذا الألم، على الأقل، كان متفقًا مع نظام لا خلاف حول قيمته ولا جدال، وإن لم يستجب دائمًا إلى نموذج أول. ويبقى الأمر الأهم في نظر ايلياد أن الألم لم يكن، ضمن إطار الحضارات القديمة، ظاهرة "عمياء" مجرّدة من الدلالة والمعنى. وحسب هذا الاعتبار، نلاحظ أن الهنود شكّلوا تصوّرًا عن السببية الشاملة أسموه "الكارما"، وأرجعوا إليه تعليل الأحداث التي تقع للفرد[].

. التاريخ والتجلي الإلهي:

يرى ايلياد أن الأنبياء منحوا، لأول مرة، التاريخ قيمةً وأولوه أهمية، فتوصّلوا إلى تجاوز الرؤية التقليدية السلَفية المتعلّقة بالدورة، تلك الرؤية التي تنطوي على تصوّر يضمن التكرار الأبدي لكل الأشياء. كذلك اكتشفوا زمانًا وحيد الدلالة والمعنى. فضلاً عن ذلك، تأكّد وضوح وانتشار الفكرة القائلة إن الأحداث التاريخية تحمل قيمتها بذاتها بمقدار ما تكون محدّدة ومعيّنة بإرادة الله. ويلاحظ أن الإله التوراتي هو شخصية تتدخل باستمرار، في التاريخ، وتكشف عن إرادتها من خلال مجرى الأحداث، التي تبدو بمثابة "مواقف" يتخذها الإنسان تجاه الله. وقد يصح القول، بحسب "ايلياد"، إن العبرانيين هم أول من اكتشف دلالة للتاريخ بوصفه مجالاً للتجلّي الإلهي. ثم تناولت المسيحية هذا التصوّر، وأفاضت في بيان أبعاده. لقد توصّلت المسيحية إلى إضفاء قيمة على مصير الزمان، ورأت أن المستقبل سيعمل على انبعاث الزمان، أي سيعيد إليه طهره وكماله الأصليين.

يرى ايلياد أن الاعتقاد المسيحي، في انبعاث أخير للعالم، يعبّر عن موقف مناهض للتاريخ. وهذا الموقف يبدو أشد وأقوى من المقاومة التي نلمحها في الأفق التقليدي القديم الذي أخذ بالنماذج الأولى وتكرارها. وإذا كان يجري، حسب التصور التقليدي، رفض التاريخ بواسطة التكرار الدوري للخلق والانبعاث الدوري للزمان، فينبغي أن يكون، بموجب التصور المسيحي، محتملاً لأنه يؤدي وظيفة تتعلق بنهاية الحياة والكون، لكنه لا يمكن أن يكون محتملاً إلا لأننا نعلم أنه سيتوقف في يوم من الأيام. حسب هذا المنظور، يتم إلغاء التاريخ، لا لشعور المرء بأنه يحيا حاضرًا أبديًا، وإنما يجري إلغاء التاريخ وإبطاله في المستقبل، في الزمان الآتي. ويبقى كاتبنا مدافعًا عن فكرته، فيؤكد أن إرادة وضع حد للتاريخ، بشكل نهائي، هي بدورها موقف معادٍ للتاريخ Une attitude anti-historique، شأنها شأن سائر التصورات التقليدية القديمة.

ويرى ايلياد أن الدلالة التي اكتسبها التاريخ لم تنكشف، في أي مجال، مثلما انكشفت من خلال نظريات "الزمان الكبير" أي من خلال الدورات الكونية الكبرى. ويميز ايلياد، في هذا الصدد، بين اتجاهين: الأول يأخذ بفكرة الزمان الدائري الذي ينبعث إلى ما لا نهاية ad infinitum، والثاني يقول بالزمان المنتهي، وهو جزء واقع بين نهايتين لا زمانيتين. ويقدم الكاتب أمثلة على الاتجاه الأول من التراث الهندي، حيث يؤكد على الرعب الذي سببته تلك المدد الزمنية التي لا تعد ولا تحصى، والتي جعلت الإنسان يصر على الظهور بمظهر "الرافض للتاريخ". ثم يشير إلى الثورة التي أدخلتها المسيحية في جدلية إبطال التاريخ، وفي جدلية الهروب إلى خارج مجال سيادة الزمان. لكنه رغم ذلك يلاحظ أن ثمة بقايا من المذهب القديم، القائل بالانبعاث الدوري للتاريخ، يستمر ضمنها[

4- الخوف الشديد من التاريخ:

يطرح ايلياد، في الجزء الأخير من كتابه، إشكالية هامة هي: موقع الإنسان التاريخي - الإنسان "الحديث" الذي يعي ويريد لنفسه أن يكون مبدعًا للتاريخ - بالنسبة إلى إنسان الزمان الغابر، الذي وقف من التاريخ موقفًا سلبيًا. ويؤكد ايلياد وجود صراع بين تصورين: تصور الزمان القديم الذي أسماه بتصور النماذج الأولى الخارجة عن نطاق التاريخ، والتصور الحديث الذي تشكّل بعد هيغل وأراد أن يكون تاريخيًا. لكن الكاتب يشير إلى أن التصور المتميز بالوقوف في وجه التاريخ بقي مهيمنًا على العالم حتى عهد متأخر وقريب جدًا من زماننا. وهو يعرض العديد من الأمثلة عن التوجهات الحديثة التي تميل إلى إعادة منح قيمة إلى أسطورة التكرار المنتظم للدورات، والتي تعمل على إبراز أهمية أسطورة العود الأبدي.

الحرية والتاريخ:

يرى ايلياد أن الخلاف الرئيسي بين إنسان المدنيات الغابرة والإنسان الحديث "التاريخي" يكمن في القيمة المتزايدة التي يمنحها هذا الأخير إلى الأحداث التاريخية، والمقصود بالأحداث التاريخية تلك الأمور الجديدة التي كانت تؤلف في نظر الإنسان التقليدي القديم، مصادفات عديمة المعنى، أو مخالفات للمعايير تستلزم أن تكون ملغاة على نحو دوري.

إن النماذج الأولى، في نظر الإنسان الحديث، تؤلف بذاتها "تاريخًا" بمقدار ما تتكوّن من أفعال ومن قرارات ظهرت وتكشّفت في مجال الواقع. وهذا النهج، يحملنا على القول إن إنسان الزمان السحيق عرف بدوره تاريخًا، وإن بدا أوليًا وتدور أحداثه في زمن بسيط. ويقدّم ايلياد حوارًا انتقاديًا بين الإنسان القديم والإنسان الحديث حول حرية الإنسان التاريخي وإمكاناته الإبداعية، وهذا الحوار يدعم فكرة الكاتب بأن أية فلسفة من الفلسفات ذات النزعة التاريخية لا تقوى على تجنيب الإنسان التاريخي الرعب من التاريخ. كما أن حرية صنع التاريخ التي يتباهى بها الإنسان الحديث تصبح صعبة المنال، لا بل هي وهم وسراب بالنسبة لمجموع الجنس البشري على وجه التقريب.
. اليأس أو الإيمان:

ويحاول ايلياد، في ختام كتابه، تقديم الحل التالي:

من أجل إنقاذ التاريخ، وتأسيس انطولوجيا خاصة بالتاريخ، بمقدورنا اعتبار الأحداث بمثابة سلسلة من (المواقف) يتوصل الفكر الإنساني بفضلها إلى التعرف على مستويات الواقع، وبدونها لا يقوى على النفاذ إلى الواقع، ولا إلى إدراكه.

وهذا الطرح، في الحقيقة، لا يؤدي إلى التخلص من الرعب الآتي من التاريخ. إن ما يريد ايلياد قوله هو أنه لا يمكن للمرء تجاوز أفق النماذج الأولى وتكرارها بدون عقاب، إلا إذا أخذ بفلسفة للحرية لا تستبعد وجود الله، وأي موقف آخر يتخذه الإنسان الحديث يقود، في نهاية الأمر، إلى اليأس والقنوط، الصادرين عن حضور الإنسان في عالم تاريخي تعيش فيه مجموع الكائنات البشرية تقريبًا فريسةً لرعب متواصل، وإن كانت لا تشعر به على الدوام.

لقد أدخلت الأديان السامية في التجربة الدينية مقولة جديدة هي الإيمان، الذي يقود إلى أعلى درجات الحرية التي يمكن أن يتخيلها الإنسان، تلك الحرية المتمثلة في القدرة على التدخل في البنية الانطولوجية للكون ذاته[. وهذه الحرية، بالتالي، هي حرية مبدعة إلى أبعد الحدود، وقادرة على حماية الإنسان من الرعب الآتي من التاريخ لأنها تصدر عن الله، وفيه تلقى ضمانها وسندها. وبحسب هذا الاعتبار تبدو المسيحية بلا جدال "ديانة" الإنسان الحديث، و"ديانة" الإنسان التاريخي، الإنسان الذي اكتشف، في الآن عينه، الحرية الشخصية أو الزمان المستمر (بدلاً من الزمان الدائري).

خاتمة:

ما أود التشديد عليه، في نهاية هذه القراءة الموجزة لكتاب أسطورة العودة الأبدية، هو أحقية ايلياد باعتبار هذا الكتاب "مدخلاً إلى فلسفة التاريخ". لقد اهتمّ ايلياد بإيجاد حل لتجنيب المرء الرعب الآتي من التاريخ الذي ظهر في أفق النماذج الأولى وتكرارها، هذه النماذج التي قادت ايلياد إلأى النظر في مشكلة الوجود الإنساني والتاريخ، ضمن أفق روحانية الأزمنة الغابرة.

وقد أثبت الكتاب أن الهدف المتمثل في "عدم قبول التاريخ" وهذه المقاومة التي يبديها تجاهه الإنسان القديم ليسا مجرد نتيجة لميول المجتمعات البدائية المحافظة، وإنما يكشفان عن انطولوجيا أصيلة خاصة بالزمن الغابر تجعلنا نفهم سلوك "العالم البدائي"، حتى الأكثر غرابة والأشد شذوذًا. لأن هذا السلوك يقابل جهدًا مضنيًا يبذله البدائي حتى لا يفقد الاتصال مع الوجود.

وما توصل إليه ايلياد، في النهاية، هو أنه لا يمكن للمرء تجاوز النماذج الأولى وتكرارها إلا إذا أخذ بفلسفة للحرية لا تستبعد وجود الله. وهذا ما كان عندما جرى اكتشاف الإيمان بالمعنى اليهودي والمسيحي، وخاصة في المسيحية التي يرى ايلياد أنها تبدو، بلا جدال، ديانة الإنسان الساقط في الديمومة والزمان والذي يتحمّل عبء التاريخ. وإنه ليتضح لنا ذلك، بمقدار ما يندمج الإنسان الحديث مع التاريخ والتقدم اندماجًا لا رجوع عنه بمقدار ما يستلزم كل من التاريخ والتقدم التخلّي عن "فردوس النماذج الأولى" وعن تكرارها