26 مع د. إبراهيم الحيدري في النزعة التنويرية في فكر المعتزلة

ضياء الشكرجي
2017 / 1 / 11

26 مع د. إبراهيم الحيدري في النزعة التنويرية في فكر المعتزلة
ضياء الشكرجي
dia.al-shakarchi@gmx.info
هذه هي الحلقة السادسة والعشرون من مختارات من مقالات كتبي الخمسة في نقد الدين، حيث نكون مع مقالات الكتاب الثاني «لاهوت التنزيه العقيدة الثالثة».

في 01/01/2013 وصلني إيميل من أحد الأصدقاء، من الذين يعممون مشكورين ما يجدونه مفيدا، أو ممتعا، على إيميلات أصدقائهم، فيوفرون عليهم البحث، إما لأنهم لا يملكون الوقت الكافي للبحث بأنفسهم مثلي، وإما لأنهم كسالى مثلي أيضا. الإيميل اشتمل على بحث مهم، كان قد نشر على موقع (إيلاف) في 07/11/2012، موضوعه يصب في موضوعات اهتمامات كتابي هذا. البحث للدكتور إبراهيم الحيدري، والموسوم بـ«النزعة التنويرية في فكر المعتزلة». وجدت أن أدرجه في كتابي، ملتزما بأمانة النقل، مشيرا إلى كاتبه، كما فعلت مع موضوعات أخرى في هذا الكتاب. وسأدرج تعليقاتي بين بين مضلعين، هكذا: [الإضافة].
إن تشكيل الوعي الاجتماعي، والهوية الدينية، بمختلف رموزها، وبخاصة العلاقة بين الانسان والله، وبين الفرد والجماعة، وبين العقيدة والمسؤولية، وكذلك تشكيل صورة الرسول، من خلال القرآن والسنة، لم تحدث مرة واحدة، وإنما تطورت مع الأحداث، التي رافقت انتشار الإسلام في الأمصار المختلفة. وقد ارتبطت هذه التطورات بوحدة الأمة، ووحدة الفكر الإسلامي، وأثرت بدورها على تطور علم الكلام، الذي ارتبط منذ نشأته الأولى بمشاكل المجتمع المتعدد الثقافات، وازدهر في البصرة، ثم في بغداد، مثلما أثرت على تطور المعارف والفلسفة والعلوم. وحسب محمد أركون، فقد أنتج التطور الفكري «انثروبولوجيا اسلامية»، كما عند ابن هذيل العلاف، وكذلك تطور منظومة الفكر المعتزلي، كأول حركة عقلانية في الإسلام.
وبالرغم من التشابه بين النزعة التنويرية التي ظهرت في أورپا إبان عصر النهضة، وبين النزعة التنويرية التي ظهرت عند مفكري العرب والمسلمين في العصر الوسيط، علينا التفريق بين تيارين فكريين، ما زالا يتصارعان منذ القرون الوسطى، حتى اليوم. يتمثل التيار الأول بالنزعة اللاهوتية المركزية [ولعل الأرجح تسميتها بـ «الدينية المركزية»، أو«مركزية الدين»، إذ أن هناك لاهوتا دينيا يعتمد مرجعية النص الديني، ولاهوتا فلسفيا يعتمد مرجعية العقل]، والثاني بالنزعة الإنسانية المتمركزة على الذات. وقد تجسد التيار الأول لدى المفكرين المسلمين، واتخذ من النصوص الدينية المقدسة [هكذا عند المؤمنين بإلهيتها، وبالتالي قداستها] مرجعية له. أما الثاني فقد تجسد لدى الفلاسفة العرب والمسلمين، واتخذ من إفلاطون وأرسطوطاليس مرجعية له. غير إن عصر النهضة الأورپية هو وحده الذي تجرأ على إحداث قطيعة مع علم اللاهوت [الصحيح هو إحداث القطيعة مع اللاهوت الديني تحديدا]، وحقق للفلسفة استقلاليتها الكاملة، في حين لم تستطع النزعة الإنسانية العربية-الإسلامية تحقيق استقلاليتها كاملة من المرجعية الدينية [بل بقيت سجينة المقدسات الموهومة، والمسلمات، والنهائيات اللامسموح مناقشتها]. فالفلاسفة الكبار، كالفارابي وابن رشد بقيا خاضعين في نهاية المطاف إلى المرجعية الدينية [منهم من تحرر من الداخل، وبقي في الخارج سجين التقية، خوفا من التكفير، ومنهم من لم يستطع أن يتحرر، فبقي يراوح بين فضاء الحرية للعقل، وسجن المقدس الموهوم]. ولذلك، كما يقول أركون، فان عصر التنوير الأورپي هو أول عصر حقق الاستقلالية الكاملة للعقل [وهذه بالذات هي رسالة ودعوة لاهوت التنزيه] بالقياس إلى النقل.
إشكالية العقل العربي
إن الاشكالية المركزية التي تتحكم بالفكر أو العقل العربي، هي عدم التعارض مع النصوص الدينية، أيا كانت. ولذلك علينا التفريق بين ثلاثة تيارات أساسية، حددت هذه الإشكالية المركزية وهي:
[وهنا رأيت أن أذكر المراحل التي مررت بها عبر ثلاثة عقود من الإيمان الديني، فيما يتعلق الأمر بمرجعية العقل، فهي مرت عندي خلال الثلاثين سنة من التدين بأربع مراحل: 1) مرحلة أولوية مرجعية النص على العقل. 2) مرحلة اعتماد المرجعيتين بشكل متكافئ. 3) مرحلة أولوية مرجعية العقل على النص. 4) مرحلة اعتماد مرجعية العقل حصرا، بإلغاء مرجعية النص كليا. والآن مع التقسيم الدقيق والمهم للتيارات الثلاثة من قبل كاتب البحث:]
أولا: التيار التقليدي الذي يقول بأولوية النقل على العقل. [يمثله بأعلى درجاته الأشاعرة.]
ثانيا: التيار العقلاني الذي يقول بأولوية العقل، من دون أن ينفي النقل، أو يتجرأ على إعلان الخروج عليه. [يمثله بأعلى درجاته المعتزلة، يليهم الشيعة الإمامية، وبقي كثير منهم أي من الشيعة أشعريين من حيث لا يشعرون.]
وثالثا: التيار الصوفي الذي يقوم على التجربة الروحية، والاستبطان الداخلي، والتأويل الرمزي للنصوص. [وربما كذلك ما يُسمَّون بالشهوديين، وأشبه هذا النوع من الروحانية، أو الصوفية، أو العرفانية، أو الشهودية، غير المؤسسة عقليا، كعمارة ذات جمالية معمارية جذابة خلابة، ولكن غير قائمة على أسس محسوبة ستاتيكيا، وبالتالي معرضة للانهيار.]
يتمثل التيار الأول في جميع المبادئ الإسلامية التي تخضع للموقف التقليدي [موقف الجمود العقلي القاتل على القوالب]، حيث يكون العقل بالنسبة لها أداة طيعة في خدمة النص [بل يكون مُعطَّلا]، وهي بعيدة عن النزعة الإنسانية [لعدم إمكان تأويل النصوص (المقدسة) اللاإنسانية إلى معنى إنساني]، ولذلك ضعفت عندها الثقة بالإنسان، وبفكرة الإبداع والتقدم، وبقيت [تعبدا بالنص (المقدس)] في تدهور وانحطاط حتى القرن التاسع عشر، واستيقاظ العرب والمسلمين على صدمة الحداثة الأورپية.
أما التيار الثاني الذي يقول بأولوية العقل على النقل، فقد مثل حركة التنوير العربية-الإسلامية في العصر الوسيط، تلك الحركة، التي تحتاج إلى قراءة متأنية لمسيرة العقل والعقلانية في الإسلام، وكيفية تشكل هذا العقل، وتطوره، وانشغالاته، وتأثيره في تطور الحضارة العربية-الإسلامية وازدهارها. ففي عصر التنوير الإسلامي كان للعقل مكانة خاصة في الفكر الإسلامي، لا مثيل لها في النصوص المتأخرة. فبالرغم من إن الصياغة اللغوية الخاصة بالقرآن تختلف كثيرا عن الصياغة التي جاءت بها الأحاديث في علم الكلام والفلسفة، فإن مفهوم العقل في القرآن "هو عقل تجريبي"، و"ليس عقلا باردا تأمليا أو استدلاليا برهانيا". وما جاء في القرآن من عبارات، من نوع «أَفَلا تَنظُرونَ»، أو «أَفَلا تَعقِلونَ»، لا تعني الدعوة إلى استخدام العقل، أو التحليل المفهومي، أو المنطقي للظواهر، لأن مثل هذا التحليل إنما ظهر لاحقا، أي بعد دخول الفلسفة الإغريقية إلى العالم الإسلامي [والتي منها وليس من القرآن تعلم المسلمون كيف يُثبِتون وجود الخالق، كعلة أولى غير معلولة، وبوصفه واجب الوجود، أو بتعبير آخر، هي التي ساعدتهم على التأسيس الفلسفي العقلي لنظرية التوحيد، التي تتخذ موقع المركزية في عقيدة الإسلام]، وهي المرحلة الثانية التي شهدت نشوء العقلانية وازدهارها، عندما دخل العقل الإسلامي [الأصح العقل العلماني للمفكرين المسلمين بالهوية، العقليين بالفكر، المزاولين للتقية]، ولأول مرة، في مواجهة مباشرة مع العقل الفلسفي والعلمي الإغريقي، الذي انبثق من خلال الصراع مع المعرفة الأسطورية وضدها. وهو ما جسده فكر المعتزلة التحليلي المستقل [استقلالا نسبيا ومقيدا، بوهم إلهية المصدر للنص]، الذي أسس [مشكورا على أي حال] البدايات الأولى لنشوء الفلسفة الإسلامية [التي هي فلسفة مسلمين ذوي فهم فلسفي للإسلام، لا يجب أن يمثل أيضا حقيقة الإسلام، بل الحقيقة المتمناة منهم. وفي نيتي القيام بنقد الفكر المعتزلي، لإثبات أن أشد المدارس العقلية للدين – هنا الإسلام مثالا – هي عقلية بتحفظ، إذ تتعارض في كثير من طروحاتها مع العقل الفلسفي.].
المعتزلة والمسألة الدينية
إن صياغة المعتزلة للمسألة الدينية صياغة عقلانية واضحة، لا تقتصر على وحدانية الله وحسب، بل تناولت النبوة والإيمان والأخلاق، ولم يعد النقل محور المعرفة، وإنما العقل، الذي شكل في الحقيقة، تحولا حاسما في تاريخ الفكر العربي الإسلامي، حيث أخذ المرء مذاك يجرؤ على أن يخضع الوجود كله لمقاييس العقل وأحكامه، وينظم العالم الديني والأرضي تنظيما عقليا. وقد ارتبط التوكيد على العقل بالتوكيد على الحرية، فلا عقل دون حرية، ولا حرية دون عقل، [لأن العقل لا يكون عقلا، ما لم يكن حرا، لذا فالعقليون الذين لم يستطيعوا أن يتحرروا من الداخل، لم يكونوا عقليين إلا بحدود ما سمحت لهم به حريتهم المقيدة والمشروطة] والعقل يفهم الواقع، والحرية تغيره، أو تعيد تشكيله وفقا للعقل.
وهذا القول يعني مبدأ [وليس منتهى] استقلال العقل، الذي يستطيع الإنسان بموجبه التمييز بين الحق والباطل، وبين الخير والشر [بتأويل النص، ويبقى التأويل ليس إلا محاولة هروب من مواجهة الحقيقة المخيفة مواجهتها لكثيرين].
إن إعطاء العقل هذه الأهمية الأولية [لكن ليست الحصرية وليست الشاملة والحاسمة]، إنما يعني ردا مباشرا على الذهنية التقليدية، التي تقول بعجز الإنسان عن بلوغ الحق والخير بعقله، أو بقدرته الإنسانية وحدها. وبهذه الصيغة فصل المعتزلة بين الدين والسياسة [فأسسوا لثمة علمانية سياسية]، بالرغم من أنهم رأوا بأنه لا يوجد بين العقل والدين تناقض [عدم التناقض إنما هو بين العقل والدين المُاَوَّل معتزليا، وليس بالضرورة الدين بما هو]. وكان التوحيدي نموذجا للمثقف المتحرر من كل وصاية، الذي عبر عن مساحة كبيرة عن الرأي الحر، وأسس لـ"حداثة" نشأت في مناخ عقلي فيه كثير من الحرية والجرأة، وكانت له قناعة تامة، بأن استبداد السلطة ينبع في كثير من الأحيان من خنوع الناس وخضوعهم، وخصوصا طبقة الكتاب، الذين يمثلون إنتلجنسيا ذلك العصر. وكان التوحيدي قد انتمى إلى إحدى الحركات السرية في بغداد، وشارك في كتابة "رسائل إخوان الصفا"، التي كانت محاولة تنويرية، تهدف إلى تغيير المجتمع بواسطة الثقافة والعلم والفلسفة. وبهذا مثلت رسائل إخوان الصفا، الصيغة المثالية للمثقف الفيلسوف، الذي لم يتورط في خدمة السلاطين.
أما ابن حزم فقد رأى بأن استخدام العقل في الأمور الدنيوية بطريقة منطقية، كفيل بحل أكبر المشكلات وأعقدها، وذلك لأن الإنسان امتاز على سائر المخلوقات بعقله، الذي بموجبه يستطيع طرد الهموم من تفكيره، والسيطرة على انحراف الإنسان، هو الطريق القويم. [وهذه هي العلمانية التي ندعو إليها، والتي تعني اعتماد العقل والتجربة الإنسانية المتراكمة والمتطورة في محاولة وضع الحلول للمشاكل الاجتماعية، بما فيها السياسية، وإيجاد السبل الناجعة لتلبية احتياجات المجتمع.]
ويعد ابن مسكويه المتوفي عام 1030 فيلسوفا ومؤرخا كبيرا، جمع معارف عديدة في علوم القرآن، والحديث، إلى فلسفة أرسطو وإفلاطون، إضافة إلى معرفته بالتراث الأدبي والفلسفي الإيراني القديم. ويعتبر كتابه "تهذيب الأخلاق" الأهم بين كتبه، لأنه حصيلة سنوات طويلة من الدرس والبحث والتأمل، وشكل نظاما في البناء الفلسفي الرصين، الذي تمخض عن برنامج تربوي، يؤسس لعلم أخلاق، يقوم على الميتافيزيقيا وعلم الكون.
إن أمثال هؤلاء الفلاسفة عملوا جاهدين على تعميق الفكر الإنساني المتفتح على العلوم الدنيوية والعقلانية، وتوسيع دائرة نشرها، عن طريق منهجية أدبية جمالية جذابة، مثلما فعل أبو حيان التوحيدي، الذي سمي بـ"فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة"، فهو لا يتحدث عن الفلسفة بشكل جاف، كما فعل ابن رشد أو الفارابي، وإنما تحدث بشكل حي ومنعش، وبأسلوب أدبي رفيع. [الإنسان لا يكتمل بناء محتواه الداخلي، ما لم يتمازج العقلاني مع الروحاني، وهكذا هو الإيمان لا يكتمل ما لم يمتزج البعدان، على أن يكون العقل هو الأساس والمنطلق، والتفاعل الروحي النتيجة، وإلا فالتفاعل الروحي من غير أساس عقلي، قد لا يكون إلا لونا من ألوان الهلوسة.]
أما التيار الثالث، فهو التيار الصوفي الشعبوي، الذي نشأ وتطور في تربة سياسية متمردة، وكرد فعل روحي واجتماعي على الأوضاع الاجتماعية السائدة، ومحاولة لتحدي السلطة، التي حرفته بضغوط سلطوية تسلطية، وحولته إلى زوايا وحلقات دروشة معزولة عن تيار الحياة الاجتماعية. وقد انتشر التصوف الشعبوي في العالم الإسلامي، ونشأت فرق وأنظمة وطرائق صوفية عدة، لكل منها طريقتها الخاصة في مجاهدة النفس. غير أن الانحطاط التدريجي في الفكر والممارسة، حول التصوف الفلسفي إلى مجرد طقوس جامدة، ممزوجة بكثير من البدع، والشعوذة، والخرافات. [كما هو الحال إلى حد كبير، ومن زاوية ما، مع الشعائر الحسينية الشعبوية عند الشيعة.]
وقد ظهر التأثير السلبي للدروشة بصورة واضحة في فترة الانحطاط الحضاري، عندما اتخذت بعض الفرق الصوفية، مواقف سياسية ومصلحية مؤيدة للحكومات المستبدة، ومن ثم للسلطات الاستعمارية، كما حدث في نهاية الدولة العثمانية، وكذلك في المغرب العربي.
إن فشل حركة التنوير العربية-الإسلامية لا يرتبط بالظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية فحسب، وإنما بانفصال النظرية عن الممارسة العملية، التي حملتها الطبقة الوسطى والمثقفة، التي كان من المفروض أن تحمل على أكتافها مبادئ التنوير والعقلانية، وتواصل مسيرتها بدون هوادة أو كلل، ولكنها حالما وصلت إلى السلطة، كما حدث في زمن المأمون، تنكرت لمبادئها وأفكارها الثورية، وأخذت تقمع بدورها خصومها، وما تحمله من مبادئ، وما قالته في خطبها، وما دونته في كتبها [وهذا يذكرنا بإعراض سياسيي قوى الإسلام السياسي الشيعية في العراق عن قيم التدين والأخلاق بعد استلامهم السلطة ومحاولاتهم المتكررة في التضييق على الحريات]. وكان محمد بن عبد الملك الزيات، الذي قال بأفكار المعتزلة، وتبنى مقولاتهم، انقلب انقلابا كبيرا، عندما وصل إلى السلطة، وتحول إلى جلاد مستبد، لم تعرف الخلافة مثيلا له. ويعود ذلك إلى أن العقل ظل إيمانا ينطلق من مقدمات شرعية لا شك فيها، بمعنى أنه ظل أسطوريا [بسبب عدم تمكنه من التحرر التامّ من النص الديني]، وبعيدا عن التجربة، والممارسة العملية، والتساؤل المستمر.
من تمنطق فقد تزندق
إن انتقال الحضارة العربية-الإسلامية من المشرق إلى المغرب والأندلس، إلى جانب العوامل الأخرى التي تحدثنا عنها، ساعد على أفول النزعة الإنسانية والعقلانية، وتغير المواقف الفكرية والفلسفية، وبخاصة بعد الانتكاسة التي واجهتها الفلسفة العقلانية، بعد هجوم الغزالي في كتابه "تهافت الفلاسفة"، على دور العقل والعقلانية في التراث الإسلامي، وسيطرة النص الجامد وتأصيله، وكذلك سيطرة التيار اللاعقلاني، الذي كان من شأنه تحجيم قيمة العقل والعقلانية. [دون أن يعوا أن هذا الكفر وذلك الإلحاد هما أحب إلى الله، وأقرب إلى الإيمان به، من إيمانهم المزعوم، أو الموهوم، ومع هذا أقول إنهم بمعايير الإسلام لم يرتكبوا خطأ، بل لعلهم عادوا إلى جذور الإسلام الحقيقية.]
كما إن إقفال أبواب التفكير العقلاني النقدي، وكذلك القياس والاجتهاد، أدخل الأمة في مأزق حضاري، وحول الفقه إلى أداة مدجنة بيد فقهاء البلاط ووعاظ السلاطين. وهكذا توقفت مغامرة العقل الإسلامي في مواصلة تحدي الظروف والشروط التي هيمنت على المجتمع آنذاك، مما فسح المجال للطاعة العمياء، والرضوخ، الذي رسخ الوعي الأسطوري، وسهل الانحدار نحو عصر التخلف والظلام. [وعلى ذكر الباحث لترك القياس والاجتهاد، فإن الفقه الجعفري رفض القياس، لا لشيء، إلا لأن أبا حنيفة قال به، ولم يكن ذنب أبي حنيفة عندهم، إلا كونه لم يكن متبعا لجعفر الصادق اتباعا أعمى، بل سمح لنفسه أن يكون مجتهدا، إذ يحرم عندهم اجتهاد الطالب مقابل (النص) لأستاذه، لاعتقادهم بعصمته، لكونهم يذهبون إلى أن أبا حنيفة تتلمذ سنتين عند جعفر بن محمد. لكن الفقه الجعفري هذا أقرّ الاجتهاد بعد انتهاء الحلقات الاثنتي عشرة للإمامة (المعصومة)، ودخول الحلقة الثانية عشرة في الغيبوبة الكبرى، منتظرين أن يصدر الإذن الإلهي بالظهور، ظهور غائب لم يوجد أصلا حتى يصح القول بغيابه وظهوره.|
01/01/2013
ثلاث إضافات عند المراجعة في 27/10/2014:
1. عندما تحولت في شباط من عام 1977 بعد خمسة عشر عاما من الإلحاد إلى الإيمان بالله وبالإسلام، ظننت أني اخترت التشيع اختيارا واعيا، وليس بسبب خلفيتي الاجتماعية، لكني أقول اليوم، لو أردت أن أختار مذهبا كلاميا، وآخر فقهيا، وأنا بوعي ما بعد ثلاثين سنة أي عام 2007، عندما اخترت المذهب الظني، أو حتى قبل ذلك، في أواخر عقد اعتمادي لمنهج تأصيل مرجعية العقل (1997 – 2007)، لكان الاعتزال مذهبي كلاميا، والتبعيض مذهبي فقهيا. لكني وجدت حتى في الاعتزال الكثير من اللاعقلانية.
2. انحسار مذهب الاعتزال حال دون عقلنة الدين، ولو كان قد انتشر، وتحول إلى مذهب الأكثرية من المسلمين، لكان قد خدم الإسلام خدمة عظيمة، عبر عقلنته وأنسنته، من جهة، ولكنه كان سيطيل من عمره، ويكون حائلا دون التفكير بالتفكيك بين الدين والإيمان، أو بين مرجعية النص ومرجعية العقل، والتحول إلى الإيمان العقلي اللاديني. فالغزالي وأمثاله القوالبيون الجموديون قدموا خدمة باتجاه تقصير عمر الدين، رغم كل هذا العمر الطويل الذي بلغه، لكن لو كانت الغلبة للعقلانيين والتنويريين، لكان سيطول عمره أضعاف ما بلغه حتى الآن.
3. هنا أحب أن أترحم على روح صديق توفي عام 2012، وهو مهدي رضوي، إمام المسلمين الناطقين بالألمانية، الپاكستاني الأصل، المعتزلي الزيدي، الذي لم يقل بوجوب الحجاب، ولم يحرم المصافحة بين الجنسين، وجوّز الأخذ من أي فقيه، من أي مذهب كان، أي العمل بالتبعيض.