بيتكوين: عملة جديدة تتحدى الدولار؟

ناجح العبيدي
2017 / 1 / 11

بيتكوين: عملة جديدة تتحدى الدولار؟

حتى الآن يتربع الدولار الأمريكي على عرش النظام النقدي العالمي بعد أن عجزت العملات المنافسة وفي مقدمتها اليورو عن الإطاحة به. وما زال الدولار يعتبر أيضا العملة المفضلة لدى تجار المخدرات والمهربين وفي صفقات الفساد وغسيل الأموال وعالم الجريمة المنظمة. ولا يعود ذلك إلى الطبيعة "الشريرة" للعملة الخضراء أو إلى ثقة المتعاملين الكبيرة بالبنك المركزي الأمريكي وبقوة الاقتصاد الأمريكي، بل أن هناك عوامل إضافية، وفي مقدمتها أن العملة الأمريكية مقبولة من الجميع في كل أنحاء العالم، وبما فيهم ألد "أعداء" العم سام. من جانب آخر يتميز الدولار بصغر حجمه نسبيا، إذ لا فرق في الحجم بين فئتي دولار واحد وألف دولار بل وحتى فئة 10 آلاف دولار الأمر الذي يُسهل عملية نقله وخزنه وتداوله في القنوات السرية. وفوق ذلك فهو محروس بالعناية "الإلهية" نظرا لأن عبارة "نحن نثق بالرب" (IN GOD WE TRUST) تتصدر كل دولار ورقي إلى جانب توقيع محافظ المجلس الاحتياطي الفيدرالي. كل هذه العوامل ساهمت في ترسيخ هيمنة الدولار في التعاملات النقدية العالمية بالمقارنة مع العملات الأخرى المنافسة.
غير أن دور العملة الخضراء يواجه هذه الأيام تحديا من نوع جديد. فقد بدأت عملة بيتكوين (BITCOIN) تكتسح مجالات جديدة في التعاملات النقدية العالمية رغم أن عمرها لا يزيد عن 10 سنوات. يكمن أول فارق بين هذه العملة والعملات التقليدية في أنها نقود رقمية، أو افتراضية توجد فقط في شبكة الانترنت، أي أنها لا توجد في عملية التبادل على شكل نقود ورقية أو معدنية يمكن استخدامها كوسيلة للدفع. أما أهم ما يميز العملة الرقمية فيتمثل في أنها مستقلة تماما عن الحكومات. فبعكس العملات الوطنية التي يتمتع عادة بنك مركزي بالحق الحصري في إصدارها وطرحها للتداول، لا توجد جهة رسمية مسؤولة عن البيتكوين وعن تحديد سعر صرفها. وهذا ما يجعله أشبه بشبح يجول في الشبكة العنكبوتية ويقلق في نفس الوقت الكثير من البنوك المركزية حول العالم. ولكن ذلك لم يحل دون اتساع الإقبال عليه.
أبصر بيتكوين "النور" في عام 2008 عندما طرح شخص أطلق على نفسه إسم ساتوشي ناكاموتو "Satoshi Nakamoto" فكرة خلق نقود إلكتورنية بعيدا عن سيطرة الحكومات. ولا يُستبعد أن هذا الإسم المستعار يخفي وراءه فريقا من عدة أشخاص. ومن الملفت للنظر أن ولادة العملة الجديدة تزامن مع اندلاع الازمة المالية العالمية في عام 2008. ولهذا يرى فيها البعض ردا للعالم الافتراضي (الانترنت) على تشوهات أسواق المال، لأن الفكرة تقوم أساسا على إيجاد نظام للدفع وللتحويلات المالية بدون بنوك ووسطاء. ويتولى حاليا برنامج خاص ضمن شبكة من الحواسيب مهمة إدارة تداول عملة البيتكوين حول العالم وتوثيق تعاملاتها. بعكس الدولار وأخواته لا توجد بورصة أو بنك يقوم باستبدال العملة الرقمية بعملات اخرى، بل أن كل التحويلات والتعاملات المرتبطة بهذه العملة الجديدة تجرى عبر مواقع خاصة على شبكة الانترنت. وإذا كان هذا الجانب يضفي نوعا من الغموض عليها، إلا أنه يعني أيضا أن البيتكوين لا يخضع لأي قيود جغرافية. فكل ما يحتاجه العميل هو حاسوب أو هاتف ذكي مرتبط بالانترنت. وهي صفات لا تزيد من جاذبيته في نظر عشاق الشبكة العنكبوتية ونشطائها وقراصنتها ومناهضي سطوة البنوك الكبرى والمشككين بالرقابة الحكومية وأنصار حماية البيانات الشخصية فحسب، وإنما تجعله أيضا أداة مفضلة من قبل المضاربين وتجار السوق السوداء وأبطال الصفقات السرية التي تجري في الظلام. وبما أنه لا يوجد بنك مركزي يحدد سعر صرف البيتكوين أو يتدخل للتأثير عليه، فإن قيمة العملة الرقمية مقابل العملات المتداولة تتحدد أولا وأخيراً عبر العلاقة بين العرض والطلب. ومنذ قيام ساتوشي ناكاموتو بـ"سكْ" أولى البيتكوينات حصلت في هذا المجال الكثير من التغيرات.
في السنوات الأولى بعد طرحه للتداول كان قيمة البيتكوين الواحد لا تزيد عن 10 دولارات. لكنها حققت في السنوات اللاحقة قفزات كبيرة لتتجاوز في عام 2013 حاجز 1000 دولار. غير أن العملة الافتراضية سجلت أيضا تقلبات حادة في سعر صرفها. وهذا ما لوحظ أيضا في مطلع عام 2017. فبعد أن كسرت في 5 يناير/كانون الثاني 2017 رقما قياسيا جديدا بلغ 1161 دولارا عادت سريعا لتسجيل خسائر فادحة فقدت خلالها أكثر من 20 في المائة من قيمتها. وتزامن ذلك مع زيادة واضحة في حجم التعاملات بالعملة البديلة والتي تصل في بعض الأيام إلى قرابة نصف مليار دولار. غير أن كثيرين يرون بأن الأرقام الحقيقية تزيد كثيرا عن الأرقام المعلنة. ويعزون ذلك إلى الجوانب السرية عادة والمظلمة أحيانا التي تحيط بالبيتكوين الذي بدأ بغزو عالم تجارة السلاح والمخدرات وغسيل الأموال وغيرها من العمليات غير الشرعية. وكثيرا ما يلجأ المتعاملون إلى استخدام محرك بحث يدعى تور (TOR) والذي يعتبر البرنامج الرئيسي للبحث وتبادل المعلومات في ما يدعى بالشبكة المظلمة (Darknet). وأهم ما يميز هذه الشبكة هو أن هوية المستخدم تبقى مجهولة. وهذا ما يحتاجه بالذات الكثير من المتعاملين بالعملة الافتراضية، إما لأنهم يرفضون من حيث المبدأ الرقابة الحكومية ويتمسكون باحترام الخصوصية في الانترنت، أو لأن لديهم ما يخفونه.
من الملفت للنظر أن التعامل بالبيتكوين سجل في العامين الأخيرين رواجا كبيرا في بعض الدول الناشئة ومنها مثلا الصين والهند وفنزويلا . فقد أقدمت الهند وفنزويلا على إلغاء الفئة العليا من العملات الورقية وسحبها من التداول في خطوة تهدف لمكافحة الفساد والتضخم. ولكن هذه الخطوة دفعت أيضا بعض المتعاملين للبحث عن بدائل، وكان البيتكوين أحدها. وفيما يخص الصين فإن هذا الإقبال غير المسبوق جاء على خلفية انهيار قيمة العملة الوطنية "اليوان" والقيود التي فرضتها الحكومة الصينية على التحويلات بالعملة الصعبة إلى الخارج. ووجد بعض الصينيين في العملة الرقمية متنفسا للالتفاف على هذا القرار عبر تحويل مبالغ باليوان إلى ما يقابلها بالبيتكوين، ومن ثم تحويلها إلى عملات أجنبية في حسابات خارجية. على خلفية هذا التطورات لوحت السلطات الصينية بتشديد إجراءات الرقابة على تدفق رأس المال وطالبت الموقع الصيني على شبكة الانترنت المسؤول عن تداول البيتكوين القيام بمراجعة داخلية لعملياته المالية للحد من المضاربات.
مثل هذا التحفظات إزاء البيتكوين يبديها أيضا كل من البنك المركزي الأوروبي والمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي اللذين ينظران بحذر إلى هذه العملة الاصطناعية ويطالبان بتشديد الرقابة عليها، بل ولا يريد الاعتراف بها كواسطة للدفع. ويبدو أن هذا الموقف يرتبط بحقيقة أن البيتكوين تجرأ على إلغاء أحد المبادئ "المقدسة" التي تتحكم بالنقود منذ نشوئها تقريبا، والمتمثل في ارتباطها الوثيق بالدولة. وهي صفة تنطبق على النقود بكل أشكالها المعروفة منذ أكثر من ألفي عام عندما بدأ الملوك والأباطرة بطبع صورهم الشخصية أو رموز سلطتهم الدينية والدنيوية على المسكوكات الذهبية والفضية. ولا يختلف الأمر كثيرا بالنسبة للنقود الحديثة.
في المقابل تلقى البيتكوين اهتماما من قبل بورصة وول ستريت ومن قبل عملاق البرمجيات "مايكروسوفت" الذي أدخل في برامجه الحديثة عدة تطبيقات تُسهل عمليات الاحتساب بهذه العملة الرقمية.
من جانب آخر تم نصب الآلاف من آلات الصرف الآلي في عدد من البلدان لتسهيل تحويل العملات إلى ما يقابلها من وحدات البيتكوين. وبطبيعة لا يحصل العميل على نقود حقيقية وإنما على رصيد يُخزن في هاتفه النقال بفضل أحد التطبيقات (Apps) الحديثة. وبهذا الرصيد يمكنه شراء السلع والخدمات في المحلات التي تتعامل بالبيتكوين. ومن المؤكد من أن مثل هذه الخطوات ستزيد من شعبية هذه العملة الفريدة من نوعها.
غير أنه من الواضح تماما أن حجم التعاملات بالبيتكوين لا يزال يعتبر ضئيلا للغاية بالمقارنة مع العملات المعروفة مثل الدولار واليورو والجنيه الاسترليني واليوان والروبل وغيرها. ولا يمكن الحديث حتى الآن عن منافسة حقيقية. بيد أن التاريخ القصير الحافل للبيتكوين يؤكد أن النظام النقدي العالمي يمر حاليا بتجربة جديدة ومثيرة ستعقبها بالتأكيد تجارب أخرى مشابهة. ولا يستبعد أن تؤدي إحدى هذه التجارب إلى ظهور عملة افتراضية بديلة يمكن أن تزيح على المدى الطويل الدولار عن عرشه. ولا يهم إن كانت عملة المستقبل هذه تسمى البيتكوين أو تحمل إسما آخر.

د. ناجح العبيدي