الجمال ... ثراءٌ في فلسفة الخَلق

محمود كرم
2017 / 1 / 11

مَن لا يستطيعُ أنْ يرى في التّفكير جمال العقل ، وفي القراءةِ جمال البصيرة ، وفي الجُّرأةِ جمال المعرفة ، وفي السؤال جمال الفهم ، وفي الحرفِ جمال النَّبض ، وفي الفلسفة جمال الخَلق ، وفي الموسيقى جمال الإحساس ، وفي اللون جمال الإبداع ، وفي الحبّ جمال الحرّيّة ، وفي الخيال جمال الدَّهشة ، وفي الرَّقص جمال الجسد ، وفي المرأةِ جمال الحياة ، وفي العُريّ جمال الطبيعة . فإنّهُ يتداوى بالغباءِ والقبح والقباحة والدَّمامة والبلادة والتّفاهة والسَّذاجة والعتمة ..

ولذلك أستطيع القول : لا يرثُ الجمالَ إلاّ الجمال . فالجمال فلسفة الميراث الإنسانيّ الأبهى ، إنّه الجمال الذي يرتحلُ بالميراث من ذاكرةٍ إلى ذاكرةٍ أرحب ، ومن فكرةٍ إلى فكرةٍ أشهى ، ومن أسلوبٍ إلى أسلوبٍ أعمق ، ومن لغةٍ إلى لغةٍ أشمل ، ومن إبداع إلى إبداع أجمل . فالجمال فلسفةٌ في التغيير ، واشتهاءٌ في المذاق ، وابداعٌ في التعبير ، وخلقٌ في الخيال ، ودهشةٌ في المستحيل ، ودفقةٌ في الضّوء ، ولونٌ في التنوّع ، واستمراريّةٌ في التجدّد ، وحريةٌ في البياض الشفيف ، ومعنىً في الوجود . إنّهُ كلّ ذلكَ الميراث الشَّغوف ، وهوَ يتخلّقُ جديداً دائماً في مخاض المعاني ..

والجمال لا يرى إلاّ الجمال ، إنّه لا يرى في نقيض القبح أو الدمامة ، جمال صورتهِ ، أو جمال مستوياته . أنّه فقط يرى في جمالهِ ، جمال واقعه وجمال مستوياته وجوانبه . إنّه لا يحتاج إلى أنْ يرى القبح والدمامة ، لكي يرى جماله ، ولا يبني وجوده على أنقاض القبح . إنّه يتأسّس جمالاً ، ويأتي جمالاً ، ويتواجد جمالاً ، ويمضي جمالاً ، ويكون جمالاً . فالجمال كائنٌ يتخلّقُ في مخاض الجمال ، إنّه يبني وجوده في وجودهِ ، ويتغذّى من وجوده على وجودهِ ، ويتعرَّفُ على وجوده من خلال وجوده ، ويحضرُ وجوداً في تمثَّلاتِ وجوده ..

وعليهِ فإنّ الجمال يساوي الجمال ، يساوي مقدار ما فيه من ألقٍ وإبداعٍ وتفرّدٍ وبذخ . ويساوي مقدار ما في وجوده من تساؤلاتٍ واستنطاقات وتموّجات وإبداعات وأضواء . فالجمال لا يساوي إلاّ نفسه ، لأنّه يقومُ في ذاته على ذاته ، ويتأسّس في وجوده على وجودهِ ، إنّه يأتي من حيث كانَ موجوداً ، ويأتي من حيث إنّه موجود . إنّه يساوي نفسه ، لأنّه يرى نفسه في نفسهِ ، ويرى جماله في جمالهِ ، ويرى انعكاسه في انعكاسهِ ، ويُمارس نفسه من خلال نفسه ، ويؤازرُ نفسه بنفسهِ ، ويُرمّم ذاته بِذاته ..

والجمال فلسفة الحرّيّة ، فلا وجود لجمالٍ من غير حرّيّة ، ولا وجود لحرّيّةٍ من غير جمال . إنّهما يخلقان وجودهما في وجودٍ يتخلّقُ بهما ومعهما . هذا الجمال الحرّ ، يستدعي بالضَّرورة جمال حرّيّتهُ ، إنّه يمنح الحرّيّة جمال الانسياب ، وجمال الخَلق ، وجمال الدهشة ، وجمال التَّجاوز ، وجمال الحركة المثمرة ، وجمال التمرّد الخلاّق . ولا يستطيعُ هذا الجمال ، إلاّ أنْ يكون حرّاً في جمالهِ ، ومُبدعاً في حرّيّته ، يملكُ من ألق الحرّيّة ، إبداع المعنى ، وخصوبة الفهم ، وجوهر الوعي ، وقداسة التفرّد ، ودفقة الابتكار ، وعطاء الإبداع ، فالحرّيّة هنا كَالجمال وأشهى ، والجمال هنا كَالحرّيّة وأشهى ..

والجمال فلسفة الحبّ ، والحبُّ فلسفة الجمال ، فالجمال يرتقي في الحبّ ، ويسمو به ، وينمو في أعماقهِ ، وكذلك الجمال يرتقي في الحبّ ، ويسمو به ، وينمو في أعماقهِ . إنّه الجمال الذي يستدعي الحبَّ في أبهى صورهِ وتجلّياته وعطاءاتهِ ، وهو الجمال الذي لا حدَّ للحبّ في أنساقهِ ، وفي معطياتهِ وفي فنونهِ ، وفي ألوانهِ وتنوّعاتهِ ومستوياتهِ . إنّه يرتقي في الحبّ مدارج الحبّ ، ويمنحَ الحبّ جمال الحضور ، وألق المعنى ، وبهاء الإحساس ، ونقاء التّعالق . هذا الجمال يتجلّى جمالاً ، لأنّه يأتي حبّاً ، ويزهو حبّاً ، وينمو حبّاً ، ويتواجد حبّاً . فالحبُّ في جوهر الجمال ، أصل وجودهِ ، وبدائع معانيه ، وسموّ ابداعاتهِ . هذا الحبّ يأتي جمالاً ، وينمو مفعماً بجمال أحاسيسه وتعالقاتهِ وحرّيّتهِ وشعورهِ ، ويختالُ متوّجاً بكلّ ما يملكُ من جماليات الوضوح والشفافيّة والسَّطوع . فالجمال والحبّ ، هما الشيء ذاته ، وهما المخاض ذاته ، وهما الخَلق ذاته ، وهما الوجود ذاته ، إنّهما يتخلّقان سويّاً في رؤيةٍ ، تتكاملُ جمالاً وحبّاً ..

والجمال فلسفة الإدراك . إنّه الجمال الذي يخلقُ في وعيّ الإدراك جمال الإدراك ، ذلك الإدراك الذي يستشعرُ استنطاقاتهِ الحسيّة والذهنيّة ، بمتعةٍ تأمليّةٍ بالغة . فالتأمّل في فلسفة الإدراك ، جوهرهُ الأساس ، أنّه النبع الذي ينهلُ منه الإدراك فتوحاته المعرفيّة في تذوّق الجمال ، وهوَ التأمّل الذي يذهبُ إلى ما وراء الجمال ، يستدعي مكنوناته الخفيّة ، وأعماقه الخلاّقة ، وجوانبه الفسيحة ، واشراقاته الوامضة . وهوَ الفنُّ الذي يرى في الجمال ، حلماً ، وفتنةً ، وحضوراً بهيّاً ، وإلهاماً ناطقاً متحرّكاً ، وفكراً خالقاً . إنّهُ في هذا الجمال ، يكونُ جمالاً ، رائياً محدّقاً في وجودهِ ، ومفكّراً مُبدعاً في استنطاقاته ، وخالقاً ملهماً في ألوانه ..

وإنّهُ الإدراك الذي يتجلّى عميقاً في ذاكرةٍ مفعمةٍ بالخيال الخصب ، والتخيّل الخلاّق . هيَ الذاكرة التي تتحرّكُ في الزمن الآتي ، في اقتناص اللحظة الدافقة بالخيال الملهم ، وفي تلوينات الجمال الناطق . فالإدراك هنا ذاكرة ، تتدفقُ بالتوهّج الذهني ، وتحضرُ في ملكوت الجمال ، خيالاً ساطعاً ، بتدفقاتهِ المعرفيّة والتفكّريّة والفلسفيّة . إنّهُ الإدراك المترع بذاكرةٍ ، جائعةٍ للجمال ، ومستهامةً به ، وحاضرةً في إلهاماته . إنّها الذاكرة التي تتحسّس وجودها الإدراكي ، في وجود الجمال ، على قيد الإبداع والخَلق والمعنى والتفنّن والإلهام والإحساس والرهافة والحرّيّة والتّذوق والحبّ ..

الجمالُ في كلّ تجلّياتهِ ، ثراءٌ في فلسفة الخَلق . إنّهُ في الخَلق ، يخلقُ فلسفة وجوده ، ويخلقُ فلسفة المعنى ، وفلسفة الفكرة ، وفلسفة الرؤية ، وفلسفة الذاكرة ، وفلسفة المقصد . إنّه في تجلّياته ، وفي حضوره وألوانه وتنوّعاته ومضامينه وأشكاله وإبداعاته ، إنّما يهدفُ إلى ابتكار معانيه في تخلّقات وجوده ، فالخَلق في منطقهِ ، أساس فلسفته . إنّهُ لا يعرفُ إلاّ أنْ يكونَ خالقاً للثراء الفكريّ والفنّيّ والتعبيريّ في معانيه ، وفي صورهِ وتصوّراته ومفاهيمه ، مستحضراً في الوقتِ ذاته ، الذاكرة المعرفيّة الإنسانية في الإبداع والتجلّي والاستنطاق والتفلسف . والخَلق في فلسفة الجمال ، صناعتهُ التي تزيدهُ حضوراً ، وتُفعمهُ تجدّداً ، وتمنحهُ ألق التغيير ، واقتناص الفكرة الملهمة ، وشغف البحث الجديد . هذا الجمال يخلقُ جماله ، ويخلقُ مناخه الخاص في هدوءٍ وبطءٍ وتأنّق وعزلةٍ خلاّقة ، ويخلقُ حضوره في بذخ التجلّيات الناطقة ، ويخلقُ ذاكرته التي تتخلّقُ جديداً في ذاكرةٍ تستلهمُ من زخم افهاماتها ، معانٍ وأساليب مبتكرة ومتجدّدة ..

في الجمال فلسفة الإيقاع ، من حيث أنّ الجمالَ يأتي إحساساً مُفعماً بالتَّدفقات النابضة ، على إيقاعات الفكرة البارقة ، واللقطة الناطقة ، والذاكرة الوامضة الملهمة ، وعلى إيقاعات الحركة الواثبة ، واللحظة المترعة بألق التأمّلات . وحتّى أنّهُ يأتي مدفوعاً بإيقاعات المشاعر والأشواق واللهفات التي تلامس نبض الحبّ في تلويناته وتنوّعاته وهواجسه واستنطاقاته . وفي الإحساس رهافة الإيقاع ، ذلكَ الإيقاع الباذخ بأحاسيس التَّذوق والتفنّن ، وتجلّيات اللمسة العاشقة الشغوفة المبدعة ..

وفي الجمالِ إيقاع التجربة . ففي كلّ جمالٍ هناك ثمة تجربة . التجربة التي تترسَّخُ وجوداً على إيقاعات المعاني والتَّوجسات والأفكار والتَّفكّرات والتغيّرات والصور والتَّصوراتِ . هذا الجمال يأتي من فراغ التجربة ، ولكنّهُ يتخلّقُ ممارسةً وعمقاً وحضوراً وتواجداً في إيقاع التجربة ، إنّه يمارس حضوره الذاتيّ وخلقه المتجدّد في تجربةٍ ، يلامسُ من خلالها بشفافيّة وجماليّة ، إلهاماته وأفكاره وإبداعاته وتميّزاته وسطوعه ، ومُدركاً في الوقتِ ذاته نواقصه وعثراته وتعثّراته واخفاقاته . وعلى إيقاع تجربتهِ المتجدّدة والمثابرة ، في الإبداع والفنون والأفكار والصور والألوان والأشكال ، يرتادُ الجمال سفوحاً بعيدة ، تتميّزُ بوعيّ التمرّد والمجازفة ، وتختالُ بِموهبة التَّخطّي والتجاوز ..

ربما في إيقاع الصَّمت ، فلسفة الجمال البليغ . ذلكَ الإيقاع الذي يتجلّى جمالاً في بلاغة المعنى ، وفي بلاغة التفرّد والنَّضج والهدوء والعزلة والرمزيّة . فالجمال ليسَ ضجيجاً ، ولا يهوى الضجيج ، ولا يتخلّقُ في ضجيج الضَّجيج ، إنّه ينسابُ تفرّداً في هدوء الصَّمت الملهم ، وينهلُ من الصَّمتِ جمال الانصات ، وعذوبة المعنى ، ودهشة الفكرة ، ورصانة الفهم . إنّه يصمتُ عميقاً ، لأنّهُ يشتهي في صمتهِ وحيّ الهدوء ، وفي صمتهِ يتحسّس عزلة الإبداع . فالصَّمتُ في فلسفة الجمال ، شغفهُ الذي يُدوزن المعاني والأفكار والتَّصورات ، على إيقاع الرؤية والتبصَّر والفهم والذوق والاشتهاء . وفي كلّ الفنون االتعبيريّة والتشكيليّة والكتابيّة والحركيّة والمرئيّة العظيمة ، كان إيقاع الصّمتُ فيها ينسجُ من جمالهِ ، جمال التفرّد والبلاغة والدهشة والنبوغ والنَّضج . فالجمال هنا ، في كلّ إيقاعاته الناطقة الفاتنة الخلاّقة والملهمة والمترفة ، إنّما يستنطقُ بجماليّة فارهة ، ترصَّادته وتفاعلاته وتناغماته وتفلسفاته وإبداعاته ، في تخلّقات اللون والشكل والأسلوب والفكرة والتنوّع والخيال ..

في الجمال حقيقة ، حقيقة كونهِ جمالاً ، وليسَ زيفاً . لا يُمكن للجمال أنْ يكونَ زيفاً ، لأنّه يسطعُ بحقيقتهِ المشعّة ، بِحقيقة كونهِ وجوداً ، يستدعي حرّيّته إبداعاً وتألّقاً ، ويستدعي الناظرَ له والشغوفَ به ، بِذات القدر من الحرّيّة والألق والسطوع الذي فيه . والناظرُ للجمال والشغوف به والمتطلّع إليه والمحسُّ به والمتخلّق فيه ، يستدعي الجمالَ أيضاً ، بذات القدر الذي في أعماقهِ من حقيقةٍ وحرّيّة ٍ وتجلّ وتألّق . والجمال يخلقُ حقيقته ، بِذات القدر الذي فيه من حقيقةِ وجوده ومعانيه وصفاته وتوهّجاته . فالحقيقة في أبهى صورها وتجلّياتها وأنساقها ومستوياتها ، وفي احتمالاتها ورحابتها ، صناعة الجمال في حقيقتهِ جمالاً ، وليسَ زيفاً ..