قراءة في ثلاثة كتب لجورجي كنعان .. تاريخ الله ، الله هو القضية ، والمسيح هو المشكلة .

وليد الفاهوم
2017 / 1 / 11

قراءة في ثلاثة كتب لجورجي كنعان
(1) تاريخ الله (إيل - العالي )
(بيسان للنشر والتوزيع – بيروت ط3 ، 1996)
يعلن جورجي كنعان منذ البداية أن هدفه هو إخصاب الأذهان التي خصاها كتاب التوراة (العهد القديم) فاستعبدها ، كما يقول تحت عنوان "عرضحال" بأول الكتاب . ويعزو كنعان التخلّف الذي نعاني منه إلى عزوفنا عن قراءة العهد القديم قراءة نقديّة واعية ممحّصة ومتفحّصة . وهو يدعو إلى قراءة كتبه أيضاً بعين ناقدة وإلى تطويرها (ص8) و.. "بورك من استنار فأنار" . وهو كذلك يدعو إلى إعتاق "المخصيين ذهنياً من أُطر (المقدّسات) ومن قيود (الحقائق الثابتة)" . (ص 8) يقول : "إن مفهوم "العالي" (ايل – إله - الله) هو من إبداع الشعوب التي ظهرت مع بداية التاريخ المدوّن (أواسط الألف الرابع ق. م.) " (ص 9) ، وأن هذا المفهوم سوري المولد والنشأة ، كامن في أعماق الضمير الإنساني في المحبّة والمساعدة والتضحية ، وقد تكوّن منذ وعى الإنسان ذاته ، أي وعي مفهوم الله هو وعي الإنسان لذاته عبر العصور . (ص 10) . تقول اليهودية أن يهوه هو الله ثمَّ تبعها في ذلك كل من المسيحية والإسلام . لكن يهوه خاص باليهود . لقد انتحلت اليهودية الكثير من تراث بابل وكنعان وادعت أنّه تراثاً يهودياً وأخذوا بلسان كنعان وادعوا أنّه لغة عبريّة . (ص 11) . إنَّ الفكر العلمي نقدي ، يمحّص تراثه ويفحص مفاهيمه ويخضعها للنقد الموضوعي كشرط أساسي لقبولها . (ص 19) وإنَّ معرفة أي شيئ يجب أن تبدأ من معرفة أُصوله . والفكر الميثولوجي هو الذي يجب أن نرجع إليه لنفهم شخصيّة الإنسان وتتبع نمو عقليّته سواء كان هذا الإنسان مؤمناً أو غير مؤمن .. فالميثولوجيا طاقة حضارية حيّة وخصبة . وعادةً ينضج المعتقد الديني في منطقة الاشعور عند الإنسان ، تلك المنطقة التي لا يصل إليها العقل ، حيث ينقلها ويتقبّلها بدون محاججة (ص 21) ، غير مبالٍ بتغيُّر الظروف والأزمنة وتراكم الوعي . فيلعب الدين نفس الدور في حياة الإنسان القديم والمعاصر ، ولا يزال هذا الأخير "يحمل في وجدانه طبيعة دينية سواء كان مؤوناً أو غير مؤمن" (ص 24) . لذلك وبحسب اعتقادي يجب الفصل بين منطقة الّاشعور ، أي الإيمان ، وبين الشعور أي العقل ، وبكلمات أخرى الفصل بين الدين والدنيا أو بين ثوابت الدين (المنتَج السماوي) والفكر الديني (المنتج البشري) ، أو بين الثابت والمتحرِّك ، الدين الذي يهتم بشؤون الآخرة والسياسة التي تهتم بشؤون الدنيا . وهذا هو المحور الأساسي في كتابي "دراسات في الدين والدنيا والإسلام السياسي" .
تعتبر سوريا الطبيعية (الكبرى) مهد الحضارات القديمة . وقد قدم إليها سكّانها على موجات ، أهمّها تلك التي جاءت من شبه الجزيرة العربية ، وقد تكون الموجة الأولى في الألف الرابع والخامس ق.م. جرياً وراء الماء والكلأ ، وهي الموجة الأكاديّة . حيث انتقل إنسان تلك الفترة من حياة البداوة والتنقّل إلى الزراعة ، أي إلى الحضارة والبنيان والإستقرار . ليس معنى ذلك أن أرض ما بين النهرين كانت خالية من البشر ، فكانت حضارتهم متقدّمة أكثر ، لقد عرفوا الزراعة في حوالي الألف العاشر ق.م. ومن قدم إليهم جاء إمّا تسللاً سلمياً أو عن طريق الغزو ، هرباً من شظف حياة الصحراء وشح الماء والكلأ . لقد كان السوريون من أقدم شعوب المنطقة ، لم يكونوا ساميين ولم تك لغتهم تشبه اللغات السامية وإنَّ موطنهم الأصلي يقع خلف بحر قزوين وربما أبعد من ذلك . والواقع أنَّ أصولهم غامضة .. وعلى رأي كريمر (صاحب كتاب ألواح سومر القيِّم) : "التاريخ يبدأ في سومر" (ص 31) . أمّا الإسم سوريا فقد جاء فقط في الألف الأول ق.م. ... وكان الأكاديون إلى الشمال من سومر ، ولم تكن بينهم وبين السومريين حدود واضحة ، فاختلطوا فيما بعد وتمكّنوا من امتصاص القسم الأكبر من الحضارة السومرية . تدل التنقيبات التي جرت في سنة1995 على اكتشاف مدن كنعانية كانت عامرة في الألف السابع ق.م. مثل أريحا التي تعتبر أقدم مدينة في التاريخ المعروف حتى الآن ، ثمَّ تأتي بيت شان وجازر ومجدّو وأورشليم وجبيل وأوغاريت . وحتى الآن تعتبر بداية التاريخ الآرامي غامضة .. والآرامي هو السرياني فيما بعد نسبة إلى سوريا . إستوطن الآراميون في الجزء الشمالي من بلاد ما بين النهرين ، بلاد آرام النهرين وفدان آرام وأرفاد وكركميش (جرابلس اليوم) ، وأصبحت الآرامية لغة الهلال الخصيب كله وإن اختلفت الألسن واللهحات . ثُمَّ امتدت إلى ممالك شرق الأردن ، عمون وموآب وأدوم ومديان ثُمَّ إلى الأنباط في القرن الرابع ق.م. وكانت عاصمتهم البتراء وهي سلع باللسان الآرامي ، أي الصخرة أو البتراء كما أسماها الإغريق . ويقال أن الأنباط كانوا شعباً ديموقراطياً مسالماً لأنَّ أرضهم تقع على طريق التجارة ، والتجارة تحتاج إلى سلم وأمن واستقرار ، وربما تعزى الديموقراطية إلى تأثير الإغريق لأن ديموقراطية أثينا بدأت أيضاً في القرن الرابع ق.م. ، عرفت سوريا الطبيعية حياة الإستقرار الزراعي والبناء وتدجين الحيوانات منذ الألف السابع ق.م.
ولنلاحظ معنى الحضارة في اللغات الأنجلوسكسونية (كالتشار) وارتباطه بالزراعة (أغريكالتشار) .. وهنالك من يعتقد أنَّ سوريا التاريخية هذه بدأت بتدجين الحيوانات واستنبات التربة (الزراعة) ما بين الألف العاشر والثامن ق.م. ، ففي سوريا الغربية بدأت الحضارة النطوفية (نسبة إلى بيت نطوفا بمنطقة القدس) مع بداية العصر الحجري في الألف الثاني عشر ق.م. حيث تمَّ اكتشاف أدوات السكاكين والمناجل الصوّانية . لقد عرف الكنعانيون صناعة الفخار والدولاب والعجلة وصناعة النسيج وصبغة الأرجوان المستخرجة من صَدَف المرّيق (الموريكس) في الألف السادس ق.م. .. وكانت سفن الكنعانيين تطوف البحر الأبيض المتوسط وعلى صواريها تخفق الأشرعة الحمراء الأرجوانية ، وحين كانت تطلُّ على شواطئ جزر الإغريق كان الأغارقة يهتفون فينيكس فينيكس أي أحمر أحمر ! ومن هنا جاءت صفة فينيقيا ولازمت الكنعانيين . وقد عرف السوريون القدامى صناعة المعادن منذ الألف الخامس ق.م. ... وكان أوّل كتاب في القانون لأورنمّو حوالي سنة 2112 ق.م. ، ولعلَّ قوانين أمورابي (حمورابي البابلي) حوالي سنة 1800 ق.م. كانت أكثر القوانين تطوُّراً وشمولاً ، وكانت المدارس في المعابد كما في مصر الفرعونية . وكانت مكتبة أشور بني بعل في نينوى من أشهر المكتبات ، وقد نقلت بريطانيا ما يقارب 25000 لوح أجر منها إلى المتحف البريطاني . وفي جملة معترضة .. سبق لصوصُ الآثار من بريطانيين وفرنسيين وأمريكيين لصوصَ جماعة داعش بعشرات السنين ، الذين لا يسرقون وحسب إنما يبيدون هذه الآثار . ومن سخرية القدر أنَّ السارق الأجنبي على الأقل حافظ عليها . وليْتهم سرقوا كل آثارنا ليحموها من متخلّفي داعش وأخواتها وهمجيَّتهم ! سخرية مرَّة ! أليس كذلك ؟
ولنعد إلى موضوعنا ، يقول إبن حزم الأندلسي : "أنَّ السريانية (الآرامية) والعبرانية (الكنعانية) والعربية ، لغة واحدة ، تبدَّلت بتبدُّل أهلها ... وإنَّها لغة واحدة في الأصل" (ص 91) أي أنَّها لغة واحدة ذات عدّة لهجات أو ألسُن . أمّا بخصوص الخط فيعتبر المسماري (السومري) أقدمها (وسُمِّي كذلك لأنه يشبه المسامير) وكان اختراعه في الألف الخامس ق.م. ، ينقش على ألواح الطين ويشوى ويقاوم عوادي الزمن أكثر من ورق البردى (البابيروس الفرعوني) وكان في بدايته رموزاً للأصوات لا صوراً للأشياء كما الهيروغليفية . "وكان الكنعانيون أوَّل قوم نقلوا اللغة من الصورة إلى الأبجديَّة ومن المقطع إلى الحرف" (ص 103) . وكان الأنباط يتكلّمون العربية ثُمَّ أخذوا بالآرامية وكتبوها في القرن الثالث للميلاد، وأصبح الخط النبطي الخط المألوف في العربية الشمالية ومن ثَمَّ في لغة القرآن ، لسان قريش ، ومن هنا فليس غريباً أن يكون أثر الآرامية – السريانية بارزاً في لغة القرآن (و.ف.) لقد كان العصر الذهبي للكنعانيين في حدود سنوات 1200-900 ق.م. وكانوا أوَّل من انتشل أوروبا من البربرية (ص 106) . يقول أرنولد توينبي : "أنَّ السوريين هم الذين اكتشفوا المحيطين الأطلسي والهندي وكانوا قد أبدعوا الأبجديّة في الألف الثاني ق.م." (ص 106) . ومع بداية التاريخ المدوَّن بأواسط الألف الرابع ق.م. كانت المنطقة الممتدة يبن هضبة وادي النهرين الشرقيَّة حتى البحر الأبيض المتوسط ومن جبال طورُس حتى آخر رملة في سيناء وحدة تاريخية وجغرافية وحضارية وذات أرومة واحدة . (ص 110) ويعتقد جورجي كنعان أنَّ اسم سوريا مشتق من أشور (ص 111) وأنَّ مرسيليا هي مرسى ايل .
لقد أثَّرت الحضارة السورية على حضارة الإغريق ، وقد كان الفينيقيون لليونان كما كان اليونانيون للرومان (ص 116) ، وقد نبغ لوسيان (لوقيانوس) السميساطي الذي ولد في سميساط على الفرات حوالي سنة 125 م. خارج سوريا ، وهو صاحب كتاب مسامرات الموتى أو محاورات الأموات الذي نسج على منواله دون تأثُّر كلٌ من أبي العلاء المعري في رسالة الغفران وإليجاري دانتي فيما بعد في الكوميديا الإلهية . كما ونبغ زينون الإغريقي ذو الأصل الكنعاني والذي وُلد في كيتوم سنة 332 ق.م. التي أسسها الكنعانيون في جزيرة قبرص . (ص 131) وعاش في رواقات أثينا حوالي سنة 300 ق.م.
هذا وبعد أن يأتي الكاتب على هذه المآثر (والتي زدتُ عليها) يعيب على العرب (وأنضمُّ إليه) في أنَّهم لم يدرسوا تاريخهم بأنفسهم ، ولم يقرأوا الكتابات القديمة ولم يسبروا أغوار حضارتهم العميقة القديمة إلّا من خلال جامعات الغرب ، فمن خلال هذا الغرب عرفنا تاريخنا وكما أرادوا ، ومن خلال الغرب تعرَّفنا على آثارنا التي نُهب الكثير منها . الكنعانية هي أصل الثقافة الإسرائيلية ... "والأمَّة التي تجهل تاريخها لا مستقبل لها" (ص 143) وإدراك الماضي ينمّي المناعة والصلابة . (ص 144) وإنَّ الأهم في وحدة الأمَّة هو دراسة الماضي دراسة نقديَّة واستلهامه لبناء حياتنا القومية الجديدة . يقول المؤرِّخ أ. جيمس : "إنَّ ما كشفت عنه الحفريات في السنوات الأخيرة يثبت بغير تردُّد أنَّ فجر المدنية انبثق من منطقة الشرق المتوسِّطي" (ص 146) .
في معرض كتابته يعرض الكاتب ويتطرَّق إلى وعي السيِّد "العالي" (عل – ايل – اله - الله) في سوريا الطبيعية .. حين رفع الإنسان نظره إلى السماء ورأى الشمس وأدرك أثرها على الفصول والحياة النباتية والحيوانية ، رأى فيها قوَّةً سماويةً عالية .. رأى السحاب الماطر والبرق وسمع الرعد فأدرك تلك القوَّة التي تهُدُّ السماء ، فأطلق عليها صفة "هدد" ، قوَّة خصبٍ ونماء ودمار ، قُوَّة خير وشر ، والطريف أنَّه أسكن قوى الخير في السماء وقوى الشر في الأرض بالعالم السفلي – الجحيم ، تقريباً مثل جميع سكّان الأرض . ورأى في هذه القوى تشخيصاً مجازياً بهدف تعيين مظاهرها ونظامها الطبيعي في تكرار هذه العملية في الظواهر الطبيعية المختلفة . ثُمَّ أضفى عليها صفاته وأخلاقه ولكنَّه ميَّزها عن البشر بالخلود . فالسماء على رأس هذه القوى وبقدر الغموض كانت سلطة الوجود الغيبي (ص 152) . فالسماء قُوَّة عالية مستقلَّة عن إرادة البشر ، صنعت الكون ونظَّمته وخلقت الإنسان . هي قوة مطلقة ، قوة الخلق والإفناء ، فيها الجلال والرهبة والعظمة والقدرة (ص 154) . والسماء من سما وعلا وارتفع ، ومن هنا كان ولا زال ارتباط مفهوم الإلوهة بالعلو . وكان السومريون قد أطلقوا على السماء صفة "آن" والأكاديون صفة "عل" والبابليون صفة "ماردوك" (السيِّد العظيم) والأشوريون صفة "أشور" (السيِّد) .. وعند السومريين صفة آن تعني السماء أيضاً .. عل العالي ! والكاتب يوضِّح أنَّ المثولوجي ليس الخرافي كما في اليونانية ، فأصل ميتوس من ماوث - الفم ، مطرح الكلام ، إنما القصد هو القصص والأحداث التي عايشتها الشعوب القديمة باعتبارها "حقيقية" ومقدَّسة ، وأبطالها أحياناً قوى عالية (آلهة) كانت في البدء .. لذلك فالزمن الميثولوجي هو زمن البدء (ص 156) . فيه تشكَّل التاريخ المقدَّس للمجتمع وفيه بداية تاريخ الإنسانية الفكري والثقافي والأساس الذي قام عليه التاريخ الديني (ص 157) . وهذه القوى العالية هي التي أخرجت الكون من العماء منذ الألف الرابع ق.م. ثُمَّ صار الخلق والخليقة من المياه البدئية . عند السومريين كان أنليل (آن ليل ، آن ايل ، السيِّد الإله العالي) والله في مفهومنا ، قُوَّة فوق طبيعية . ثُمَّ تبنى البابليون والأشوريون تلك المعتقدات الميثولوجية السومرية ، في أساطير الخلق وعملية البدء والتكوين مثل ملحمة الإينوما إليش (بينما كان في الأعالي) الشهيرة (ص 159) ، ثُمَّ بالتالي وبعد زمن كثير إقتبس كهنة إسرائيل التراث السومري والأكادي والبابلي والكنعاني وشكَّلوا سفر التكوين (ص 160) ، كما وأخذوا من هذا التراث قصة نوح وأيوب بتغيير الأسماء القديمة ... من الملاحظ أنَّ إنسان سوريا الطبيعية لم يُضْفِ على السيِّد العالي صفات بشريَّة ، ولم يمثِّل شكله ، ولم يرفع له صنماً ، إنما هو في الذّهن فكرة مطلقة وقوَّة مثالية ، متعالية ، عالية وبعيدة ، وجبّارة ، خلقت نفسها بنفسها (ص 206) . وبعدُ ، جاءت عقيدة الخصب وعملية إعادة تمثيله في المعابد كل سنة بواسطة الكهنة والملوك كممثلين لدور الآلهة ، وما يعرف بالجنس المقدس أو الزواج المقدس . ففي سومر ديموزي هو سيِّد الخصب ، وراكب السحب وزوجته انانا ، وفي بابل تمّوز عاشق عشتارأو عشتروت (السيّدة) وفي كنعان البعل وعنات ، والبعل ليس صنماً أو كائناً خرافياً إنما هو سيِّد الخصب ولم يكن له معبداً معييناً ، فالكنعاني لم يؤلِّه الطبيعة إنما عمل على أنسنتها (ص 243) ، فالبعل يصارع الموت من أجل الحياة ومن أجل الناس . وفي الساحل الكنعاني وبالذات في جُبيل (جُب ايل) كان ل-أدون (السيِّد) ذات الدور الذي كان لدموزي السومري ولتمّوز البابلي وللبعل الكنعاني (ص 243) . لكن أدون يُصرع بناب خنزير برّي ويموت ، ثُمَّ يعود إلى الحياة في اليوم الثاني أو الثالث ويصعد إلي السماء ، تقام له طقوس الخصب بالجنس المقدَّس في معبد جبيل ثُمَّ يصبح اسمه أدونيس بتأثير من اليونان ، وصاحبته عشتروت (ص 244) ، وكانت عادة وطقوس مماثلة في قبرص وتصبح صاحبة أدونيس أفروديت بتأثير الثقافة اليونانية .. رمزاً للحياة المتجددة في الطبيعة بدورة الحياة والموت . فالبعل وأقرانه لدى شعوب المنطقة يموتون ثُمَّ يقومون من الموت ويتجددون كالطبيعة ، وأصبحوا فيما بعد جوهر الديانة المسيحية في قضيَّة التضحية والفداء من أجل الإنسان ، فالسيِّد (الإله) القريب الذي عاش على الأرض ومات من أجل التجدد والحياة . ومن هنا كانت حبَّة القمح جسد البعل (السيد) في الزراعة البعلية ، تنزل تحت الأرض تموت لتحيا من جديد ، ولتبعث في خُضرة الربيع ، ومن هنا قال يسوع عن الخبز "هذا هو جسدي" .
من المستحيل قيام حضارة بدون أخلاق جوهرها الإنسان . والإنسان هو أخ الإنسان حيثما كان وأياً كان . هذا هو جوهر الديانة الكنعانية ومن سبقها في سوريا الطبيعية ، المساواة هي الأساس وإنَّ الإختلاف لا يقلل من قيمة الإنسان ، فقد خُلق أصلاً على صورة الإله (ص 262) ، وإنَّ السيِّد العالي (الله في مفهومنا) مسكونٌ بهاجس أخلاقي . وإنَّ الإنسان المتوسطي القديم أدرك في نُضجه الروحي هذه العلاقة الأخلاقية بين مفهوم السيد العالي وبين هذه القيَم ، الأخلاق والمساواة والعدالة (ص 271) ، بالعمل لا بالزُّهد (ص 275) . فالكنعاني يخاف الإله خوفه على القِيَم ، يحبُّ الإله لأنَّه يحب الكمال (ص 286) ، يحب الله الكامل ... وهكذا تطوَّرت صفة العالي – ايل – إله – الله في اللسان الآرامي السرياني والعربي الذي عرف التوحيد ولم يكن لديه مجمَّع آلهة "بارثينون" كما عند الإغريق . إنَّ مفهوم ايل – عل – العالي –الإله – الله كان مفهوماً ذِهنياً لدى شعوب سوريا الطبيعية وشعوب البحر الأبيض المتوسط القديمة تبعاً لتنوُّع البيئة واللسان وتطوُّر التاريخ (ص 321 ، 326) . وهكذا أوّلاً وقبل كل شيئ ، حتى نفهم الحاضر علينا دراسة الماضي بنفسٍ علميٍ وموضوعيٍ خالٍ من التعصُّب .


(2) الله هو القضيَّة
(بيسان للنشر والتوزيع – بيروت ط1 آب 2001)
بعد احتلال أرض فلسطين واقتلاع الفلسطينيين منها عنوةً ، بعد أن كانوا منزرعين فيها قرابة 5000 سنة ، تحوَّلت فلسطين إلى إسرائيل بغباء وغفلة وتسامح العرب وطيبتهم ، وجهلهم بخبايا ميثولوجية التوراة ووعد الرب يهوه وعنصريَّته ، بإعطاء هذه الأرض لشعبه الخاص المفضَّل على العالمين . وجاء وعد بلفور فتوَّج وسيَّس هذا الوعد الذي اخترعه أحبار اليهود الذين كتبوا التوراة ... يقول اليهودي مارتن بوبر : "لا تستطيع أي قوَّة غير قوة ثوريَّة داخلية ، أن تُشفي شعبنا من مرضه القاتل المتمثِّل في كراهية الأغيار" (ص 6) ، أي أنَّ الإصلاح الديني في الديانة اليهوديَّة وفي أي ديانة يجب أن يأتي من الداخل . ويضيف منوحِن (سنة 1969) "إنَّ الدعاية الصهيونية غسلت وتغسل أدمغة اليهود فاستطاعت أن تقتلع مليوني يهودي من جذورهم في مواطنهم الأصليَّة ، في العراق واليمن والجزائر والمغرب وأمريكا وبريطانيا وروسيا وبولونيا ورومانيا وألمانيا وجنوب أفريقيا ... وجمعتهم في فلسطين المسروقة بالحرب والسطو من الفلسطينيين العرب" (ص7) . ثُمَّ جاء اليهودي الإسرائيلي هربرت مركوزة وقال في هآرتس 2.1.1972 : "إن إسرائيل دولة محتلَّة ... وحركة تحرير فلسطين حركة تحرير قومية" (ص 8) ، ومن قبل كل هؤلاء (كما أعلم من قراءاتي) قال الشاعر اليهودي هاينريش هاينه بأواسط القرن التاسع عشر جملته الشهيرة أنَّ "اليهودية ليست ديانة ، إنها كارثة" ! وأخيراً وليس آخراً قال الروائي أرنستو ساباتو الأرجنتيني ، المولود في أوائل القرن العشرين ، أن قيام إسرائيل على العُنف لا بُدَّ أن يزول بزوال الآلة الكولونيالية التي أنتجته .
وما زال الكهنة والسياسيين في بني إسرائيل والحركة الصهيونية السياسية الدينية الإستيطانية يضفون قدسية على التوراة ويسوقون الناس باسم الدين إلى المجهول ، كما يساق القطيع بعصا الراعي الجهول . ويضاف إليهم كهنة البروتستنت المسيحيين على جميع طوائفهم ليقولوا أن : "إرادة الله قضت بأن تأخذ إسرائيلُ فلسطين" (ص12) . و.. صارت إسرائيل الدولة الوحيدة في العالم التي قامت بأمرٍ إلهي .. وبورك من استنار فأنار !
يقول جورجي كنعان في مقدِّمته أنَّه لا يتقبَّل نصِّه إلّا الإنسان الواعي والمستنير ، الذي لا يتقبَّل موروثه على عِلّاته ، بدون فحص ولا تمحيص . ولا يلتفت إلى النصوص المقدسة التي تُلتمس لتبرير الإستيلاء على أرض فلسطين ، والتوسُّع في أراضي سوريا الطبيعية (ص 14) ، وإن التفت يخضعها للنقد ويحاكمها ، "لأن هذه النصوص الدينية كانت وراء الأسباب والدوافع التي أدَّت إلى اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه ووطنه..." (ص 14) . وهو يدعو إلى تحكيم العقل في كل ما يمتُّ إلى التراث الديني ويجرؤ على قول الحقيقة (ص 15) . علينا أن نقرأ هذه النصوص بعين نقديَّة ! كيف لا وأن "إرادة الله قد قضت بأن تأخذ إسرائيلُ فلسطين ... وأن بناءَ الهيكل (هو) تنفيذٌ للخلاص المسيحاني ... وهذا الخلاص لا يتحقق إلّا بعودة اليهود إلى أرض فلسطين ، مقدمة لعودة المسيح ، فإن الله هو القضية ، والمسيح هو المشكلة" (ص 16) . وعلى هذا القارئ أن يكشف الغطاءَ عن "النزعات القومية والعنصرية والسياسية التي حملتها بعض الديانات" (ص 18) . والكاتب ينفي عن نفسه تهمة الكفر والإلحاد ، فهو مؤمنٌ بالحق والعدل والضمير والواجب ، يبذل جلَّ حياته وكتاباته لكي يستفيق الغفاة من غفوتهم (ص 20) . وهو يعتقد ويمارس اعتقاده بخصوص قضية الله وقضية فلسطين كقضية فضيلة وأخلاق ، كتديُّن ! كجهاد ضد استعباد الجهل للعقل ، وعلينا كما يقول ، تجريد النصوص المقدَّسة من القبلية والأبعاد الّاتاريخية الغيبية والغبية ، ويتذمَّر من مقابلة كتابه "تاريخ الله" بالصمت حيناً وبالإستنكار أحيانا ، لا بإخضاعه للمناقشة الموضوعية ، نتيجةً لغياب الوعي الذي هو في الواقع أفضل تعبير عن انهيار أُمَّة ! (ص 22) .. فنحن العرب نعيش في مرحلة انحطاط وعهر فكري واجتماعي وسياسي ، وأن وعيَ أغلب مثقفينا هو وعي زائف خوّاف ! تعشش فيه الذهنية الظلامية الكسولة . وهو (الكاتب) لا ينفكُّ يعيد ويكرر مقولاته بهدف "إخصاب الأذهان المخصيَّة وتفعيل العقول المعطَّلة." (ص 24) . تحت عنوان لماذا الله هو القضية ، يتساءل لماذا شُرِّد الشعب الفلسطيني ولماذا تستولي على أرضه شعوب شتّى ، انتقلت من ديارها الأصلية وزُرِعت مكانه بالقوَّة ؟ فما دام الله قد وعدهم بهذه الأرض فالله إذاً هو القضية ! (ص 26) . قطع يهوه على نفسه وعداً لإبراهيم ثم عاد وأقسم لموسى بعد أن نسي هذا الوعد (كما تقول التوراة) ، فهل فكَّرنا في إخضاع هذا الوعد الإلهي للمناقشة والمساءلة والمحاكمة ؟ وهل فكَّرنا في إزالة الغشاوة عن أعيننا عندما نقرأ العهد القديم ؟
إن الصهيونية ليست بنت وعد بلفور ، هي بنت وعد الرب لإبراهيم منذ القرن الثامن عشر ق.م. ، ثم لموسى في القرن الرابع عشر ق.م. ثم لنبيِّها هرتسل في القرن التاسع عشر م. . وهذه الصهيونية استغلّت الدين من أجل السياسة لبناء دولة على عقيدة دينية راسخة بصدر معظم اليهود وكل المسيحيين الصهيونيين ، ثم لما لا نضيف معظم المسلمين السلفيين الجهاديين المتخلّفين الذين عششت في صدورهم الإسرائيليات منذ بدء الدعوة المحمدية ! والذين يعتمدون حرفية النص القرآني ولا يلتفتون إلى ظروف نزول النص وأسبابه ولا يُدركون تاريخانية النص ! ف – "يا بني إسرائيل إنّا فضّلناكم على العالمين" نزلت على النبي الكريم قبل أن يقلب له اليهود في المدينة المنوّرة ظهر المجن ويتحالفوا مع أعداءه ! (الإضافة الأخيرة على مسؤوليتي لا على مسؤولية جوجي كنعان) .
بحسب الصهيونية تُعتبر اليهودية دين وقومية ، وأن يهوه (الله الخاص بهم) حدد أرض فلسطين لهم وقام بمسحها مسحاً جغرافياً من النيل إلى الفرات ، وسلَّم لهم صك التمليك ، لأنهم شعبه المختار دون شعوب العالم ، شعبه المميَّز المتغطرس ، فشعوب العالم جاءت لكي تخدمه بحسب التوراة وبموجب هذا الفرمان . فهل يهوه هذا هو الله الرحمن الرحيم العادل الذي لا يميِّز بين عباده ؟ وتأتينا الكنيسة البروتستنتية بكل مشتقّاتها فتعتمد العهد القديم أكثر مما تعتمد الجديد ، وتلتصق بحرفية النص بحذافيره ومع بعض المزاودة . فالله اعطى هذه الأرض لأحباءه المميزين منذ بدء التاريخ ! وكأنه بدأ بإبراهيم ، ومن قبله بآدم ، ثم تناقض التوراة ذاتها فتقول أن ولديه قابيل وهابيل تزوَّجا من بنات الناس. أي أنَّه كانت بشريَّة قبل آدم .. والعلم يقول واكتشافات أفريقيا الوسطى تؤكِّد أنه كان البشرُ قبل آدم بألف ألف آدم ، بأكثر من مليوني سنة. لكن ما لهم وما للتاريخ ؟ فهم مؤمنون جهلة وإن كانوا متعلِّمين ووصلوا إلى القمر ! أمّا أحبار اليهود فقد دوّنوا التوراة في السبي البابلي حوالي 600 ق.م. وكل ما جاء فيها كان نتيجة الشعور بالذل والهوان وكَرَدِّ فعل لهذا الشعور ، بالتعالي على الغير وبتضخُّم الأنا والشوفينية وكراهية الآخر المختلف ، والإنغلاق بهدف المحافظة على الذات ، ووضعوا في فم الله ما أرادوا هم قوله ! حقنوا شعبهم بالأضاليل وانتحلوا أساطير الشعوب المجاورة أو التي عاشوا بين ظهرانيها ، وصوَّروها لأتباعهم وكأنها لهم ، وصوّروا لهم ولغيرهم فيما بعد أنهم شعب الله المختار نتيجة لعُقد النقص ، وألّفوا مسرحية الخلاص "ذات الإخراج الإلهي" (ص 43) . وتكون عودة صهيون حجر الزاوية في عملية الخلاص الموعودة كالوعد الذي قطعه يهوه لإبراهيم وإسحاق ويعقوب وموسى وباقي أنبياء إسرائيل ، فأضحت هذه العودة واجباً دينياً ! مقدَّساً !! لأنَّ مجيءَ المشيح المنتظر مرهونٌ ومرتبطٌ بعودة اليهود إلى أرض الميعاد وطرد الفلسطينيين منها . ثُمَّ وبالتالي وبعد قرون تعقد المؤتمرات الصهيونية المسيحية (الأول 1985) في القاعة ذاتها التي عُقد فيها المؤتمر الصهيوني الأول (1897) . ويعلن أن يهوذا والسامرة جزء من إسرائيل بحكم التوراة والحق الإلهي ، والقدس مدينة داوود عاصمة إسرائيل الأبديَّة ، ويكون هذا المؤتمر ملكياً أكثر من الملك فيعلن أنه لا يأبه ولا يهمّه دعاة السلام الإسرائيليين للإنسحاب من المناطق المحتلّة (سنة 1967) ... أمّا المؤتمر الصهيوني المسيحي الثاني فقد عُقد في القدس (سنة 1988) وكرَّر مقررات المؤتمر الأول بالحق المقدّس لليهود في هذه الأرض وبالوعد الإلهي استجابة لدعوة الله "المُلحَّة والحنونة". والعمل على تحقيق هذا الوعد في إعطائهم أرض كنعان ملكاً أبدياً ... (ص 48) . وتدور مكنة الدعاية ، وتدور عجلة المال دون كلل أو ملل .. حتى أصبحت هذه التعاليم والترَّهات جزءاً من وعي المسيحي (ص50) ، وبعض التيارات الإسلاموية السلفية التي نخرت عقولها تُرَّهات وغيبيات الإسرائيليات قديماً وحديثا . (و.ف.) وإلّا فبماذا نفسِّر استشفاء جبهة النصرة بمشافي صفد وطلب ما يُسمى بالثوّار صراحةً وعلناً مساعدة إسرائيل للقضاء على النظام السوري ، وسوريا مهد الحضارات القديمة كما تقدَّم ، والمعقل الأخير للقومية العربية . (و.ف.) . أجل ، لا يختلف هؤلاء المتخلّفين عن داوود الذي استعان "بالأغيار" على شاؤول وبني جلدته ، وكذلك لا يختلفون عن المسيحيين الصهاينة بأمريكا ، "وما كان للوبي الصهيوني في الولايات المتحدة أن يبلغ ذلك المستوى من النفوذ لولا توفُّر البيئة السياسية والإجتماعية الملائمة إلى أقصى حد للأفكار الصهيونية" ، وبعد ومن ثمَّ "ما دام الله قد أعطى الأرض لبني إسرائيل فالله هو القضية" (ص 51) . وبعد أيضاً فإنَّ المسيحية هي استمرار لليهودية ، فالمسيح يهودي وقد جاء ليتمم الناموس لا لينقضه ، لكنَّه غير عنصري ، ففداءه كان من أجل البشرية جمعاء لا من أجل اليهود وحسب . وكذلك اليهودية من أسس الإسلام ، لكن صاحبنا كنعان لا يقول هذا مباشرة ، إنما بشكل ملتو ، "وإن اليهود شعب الله المختار ، وإنهم أتباع ديانه سماوية ، تعتبر في أساس الديانات " (ص 51) . "الله هو القضية لأن الأساس الذي بُني عليه وعد بلفور هو وعد (الله) لإبراهيم (بمفهوم كل الديانات السماوية و.ف.) بإعطاء أرض كنعان ميراثاً أبدياً . وبين الوعدين ما يقرب أربعة آلاف عام .. الله هو القضية لأن التوراة اليهودية هي مصدر الإيمان في المعتقدات الأوروبية الأمريكية ..." (ص 52) ذات العقول المغسولة والأذهان المخصية ، خصوصاً مشتقات البروتستنت من إنجيليين وشهود يهوه والسبتيين والمتجددين والمعمدانيين والدهريين ... الذين يبلغ عددهم الإجمالي أكثر من أربعين مليون في أمريكا وحدها . الله هو القضية لأن هذه الطروحات تحوَّلت في القرن التاسع عشر من دينية إلى سياسية تجلَّت بالإستعمار الإستيطاني والإمبريالية للسيطرة على أسواق العالم ومصادر موادِّه الخام ، ثم إلى استراتيجية سياسية للغرب الأوروبي والأمريكي (ص 54) . الله هو القضية لأن شعب فلسطين أقتلع من أرضه نتيجة لفرمانه والذي بموجبه تمَّت صناعة دولة دينية .. الله هو القضية لأن الحق اليهودي التاريخي بفلسطين يفتقر إلى أساس ثابت في لو تمَّ إقصاء مسألة الإيمان بالوعد الإلهي وشعب الله المختار ، فإسرائيل والتوراة شيئ واحد لأنها ركيزة الدولة العبرية كما يقول الداعية الروسي سمولنسكن ، ولأن الصهيونية باقية ما دام العهد القديم قائماً (ولم يُقرأ قراءة رمزية وتاريخانية وإصلاحية و.ف.) ، وإذا أبعدنا "البعد الاهوتي فإن الصهيونية تتلاشى هباءً منثورا ً" كما يقول رئيس جامعة بار ايلان (ص 55) ، "ومن دون توراة لا وجود لدولة إسرائيل" (ص 56) . فلماذا ولماذا .. "لماذا نتحرَّج من طرح هذا الفكر الديني على بساط البحث والتحليل والتقويم ؟ ولماذا لا نعتبر الدين ظاهرة اجتماعية أو حقيقة موضوعية ، نتناول مظاهرها بالدراسة الوضعية كسائر أنواع المعارف البشرية ؟" (ص 59) . ولنعرض موجزاً لما قدَّمه المؤلِّف في مفهوم العالي (عل – ايل – إله - الله) : يقول أنه لم تكن حدود واضحة بين سومر وأكاد ، وأعتقد أن الأمر كذلك بالنسبة للأقوام الأخرى التي سكنت سوريا الطبيعية ، وأن الأقوام التي سكنتها كانت متشابهة في حضارتها وفلسفتها الحياتية ، وشكّلت وحدة تاريخية واحدة وإن اختلفت في اللسان ، والمقصود باللسان اللهجة وليس اللغة ، فلغتها ذات أصل واحد . وقد تفوَّق اللسان الآرامي وهو السرياني فيما بعد . فكانت بذور الوعي قد تفتَّحت قبل أوروبا ، "ويبدو أن وعي الإنسان في هذه الأرض بدأ منذ اللحظة التي انفصل فيها عن الطبيعة ، وأصبح ينظر إليها عن بعد ... والتساؤل عن المسببات ... ولشعوره بالقلق ... العقل ... إدراكه بالغريزة استحالة حدوث شيئ من لا شيئ ... افترض وجود قوى غيبية تقف وراء الحوادث الطبيعية التي عجز عن تفسيرها أو إدراك عللها ... قوة عليا ... فحين بدأ الإنسان حياته المستقرَّة بالزراعة ... أدرك العلاقة بين الشمس وبين الحياة نشاطاً وذبولا ... فاعتبرها كائناً "عالياً سمارياً" وأدرك أيضاً العلاقة السببية بين العواصف الرعدية وبين السحاب الماطر السخيّ الذي يخصب الأرض ... هذه القوة التي تهدُّ السماء هداً أطلق عليها صفة "هدد" ... أسكن قوى الخير في السماء بينما اسكن قوى الشر في العالم السفلي – الجحيم ... والسماء أو العُلا مأخوذة من سما أي عَلا واتفع .. واسم السماء مرادف لاسم الإله في لغات العالم ... ارتباط مفهوم الإلوهة بالعلو والسماء ... أطلق عليها السومريون في حوض النهرين الأدنى صفة آن (السيّد-السماء) والأكاديون في البادية السورية صفة "عل" (العالي) والبابليون صفة "ماردوك" (السيد العظيم) والأشوريون صفة "أشور" (السيد) ..." (ص 66-67) . وقد اعترت صفة "ان" إمالة فأصبحت "أون" ، وقد أكتشفت نقوش على الساحل الكنعاني (سوريا الغربية) نُقش عليها أسماء مثل شلم ون (أون يسلِّم) وشمع ون (يسمع اون) ، وكان "أون" يعادل الله في مفهومنا اليوم (ص 81) . وهو البعل أو السيِّد .. بعل صور وبعل صيدون ، وهو أدون (السيِّد) وملقارت (ملك القرية أو المدينة) . وكانت فواعل الوجود مشخَّصة بديموزي (تمّوز) وشمش ، وسن (القمر) ، وداجون (الحبوب) ، ونهر ، ويم ، وموت ، وهدد ... وربما كان بعضها أبطالاً أو تجسُّداً أسطورياً لأبطال قوميين ، وربما أيضاً أجداداً لبيئة معيّنة . فكان لدى الكنعانيين بعل لكل بلد أو بعلة (سيِّد أو سيِّدة) قبل ما يقارب ال5000 سنة ق.م. بفعل عامل الذكورة والأنوثة . وبعد المسيح أصبح بيت البعلة الكنيسة . وكانت في سوريا الطبيعية ألسنة تحدَّرت من لغة واحدة (ص 103) . كما و"أصبحت علاقة آراميي سوريا الجنوبية بمجتمعات العربيتين علاقات حضارية ، تشعُّ من سوريا جنوباً ، وتعبِّر عن نفسها في ميادين التجارة واللغة والمعتقدات والتفاعل الإيجابي بمختلف عوامله ومقوِّماته" (ص 120) . فأخذ الأنباط باللسان العربي بدون حروف تكتب ثم أخذوا الحروف عن الآرامية – السريانية ... يقول الكلبي : "أن العرب وضعوا الخط وقاسوا هجاء العربية على هجاء السريانية" (ص 121) . وفي الألف الأول ق.م. لحق تطوُّر صفة ايل من ايل إلى الإله إلى الله .. يعني أن الصفة تحوَّلت إلى اسم ، لكن لا يوجد أي جزم في هذا ، وفي كل الأحوال كان السيد العالي يمثِّل في ذهن الإنسان القديم بسوريا الطبيعية النظام والقدرة والحكمة والعناية والشمول ... (ص 153) . وكان هذا السيد العالي مسكوناً بهاجس أخلاقي ، أضفاه الإنسان عليه تعبيراً عن ذاته وما تتوق اليه ذاته ، ف "نحن لا نعرف "السيد العالي" – (الله) إلّا من خلال الإنسان الذي يُعرب عنه" (ص 157) . "وهكذا ربط شوقه ل-"السيد" "العالي" بفعل الخير وعمل الصلاح ومحاولة تحقيق المثل الإجتماعية" (ص 159) . "وفي سوريا الغربية كان الكنعانيون يشددون على فكرة أُبوّة "ايل" للبشر... فايل يظهر في ملاحم أوغاريت كخالق وكأب للإنسان ... (ملحمة كارت) ... لم يحتكروا أبُوة هذا الإله لهم ، وإنما جعلوه أباً للبشرية جمعاء ... فالكنعاني يخاف الله خوفه على القيَم . وهو يحب الله لأنه يحب الكمال" (ص 167 ، 168) . ويختتم الكاتب هذا الفصل بقوله : "الواقع أن مستوى الفضيلة التي بلغته المجتمعات القديمة في سوريا الطبيعية ، لم يبلغه أي مذهب آخر ديني أو فلسفي في التاريخ" (ص 177) ، والواقع أيضاً كما أدعي هذا ما توصل إليه الكاتب كنعان من معرفة ، فهو يجهل أو يتجاهل ديانات وفلسفات الصين والهند ، نتيجة لإندفاعه وحماسه . إنَّ مفهوم التاو (الطريق إلى السماء) لدى لاوتسو قريب جداً من مفهوم الله عندنا . فيقول نتيجة اندفاعه : "ظلَّت سوريا وقتاً طويلاً (ثلاثة آلاف سنة) المعلِّم الأخلاقي للبشرية" (ص 173) . وقد نتجت مُعتقداتها من الطبيعة وكانت فعلاً عقلياً وفعلَ تأمُّلٍ في الحياة وما وراء الطبيعة .. ولم تعطي السيد العالي صياغة ما تدلُّ أو تلمِّح إليه ، لم تُلبسه أي قناع ولم تجعله موضوعاً لصنم ، إنما هو حقيقة مطلقة بعيدة المنال وسرٌ لا يُسبر (ص 193) . تبدأ الديانة الوضعية بحسب الكاتب بالموسوية ، وبموجبها ساق موسى بني إسرائيل من مصر إلى فلسطين حوالي القرن الرابع عشر ق.م. ، وما زال أتباعه يسوقون نصف البشرية ! وفي الواقع ظهرت هذه الجماعة متأخرة على وجه التاريخ .. في حدود السبي البابلي (600 ق.م.) حين كتب أحبارها التوراة ، وادعوا أنها تاريخ مقدَّس ، فكتبوا سفر التكوين نقلاً وانتحالاً عن شعوب سابقة وضمن مفهوم قبلي ميثولوجي في أرض لم ينشأوا فيها . ولذلك ضمَّنوا سفر تكوينهم وعداً إلهياً لأرض لم ينشؤوا بها ولم يعرفوها من قبل وكانت معمورة (ص 196) . إنتحلوا نوحهم من أسطورة أتراحسيس وأوتنابشتم ، وانتحلوا أيوبهم من المعذَّب البابلي شوقان يشري وغيرهم من الشخصيات الميثولوجية عند أقوام أخرى سبقتهم . حتى أنَّه في توراتهم يذكرون أنه عندما أخذ أبناء الرب بنات الناس (من الشعوب الأخرى) حزن الرب وتأسَّف في قلبه فقرر محوهم من على وجه البسيطة إلّا نوح الذي "وجد نعمةٌ في عيني الرب" ... ولم يألوا المؤرخون جهداً في عملية التزييف والتحريف والتشويه ونفي الأصول إلّا فيما ندر في العصور الأخيرة من العقول النيِّرة الكاشفة للغباوات والسخافات والتشوّهات والغيبيات التي جاءت بها التوراة . ليكوِّن نصف البشرية "مجتمعات مصابة بأدواء مذهلة من ضحالة الثقافة وطفولة الوعي وبداوة الجهل ، تعتبر الدجل المكتوب والمقروء موهبة أو مزية أو حضارة" (ص 198) . وما زال هذا "النص المقدَّس" يمارس سطوةً رهيبةً على العقول . ليصبح كنعان ملعوناً وعبداً لبني إسرائيل .. حقداً عنصرياً وكراهيةً لأنه صاحب الأرض التي غزاها موسى ومن قبله إبراهيم الذي استلم فرمان الرب وكوشان الطابو لملكية الأرض . وعندما يتجرَّأ أحدٌ على السؤال لماذا ، يكون الجواب هكذا، لأنهم شعبه المختار المحبوب المدلَّل والسيد على باقي شعوب الأرض . فهذا التفضيل هو العنصر الأساسي في عنصرية بني إسرائيل وأنانيَّتهم وانعزالهم .. ليحافظوا على أنفسهم وليحتكروا الله ! ولا علِّة منطقية ، فأنا أفضل منك لأنني أنا .. ويا للجهالة ! لأن الأنانية لا تكون واعية إلّا إذا وعت الآخر وحقِّه في الوجود .
أعلم من قراءة كتاب "خفايا التوراة وأسرار شعب إسرائيل " لكمال الصليبي (دار الساقي ط4 ، 1998 بيروت - لندن) أن هنالك خمس شخصيات لمولانا إبراهيم ، هي إبراهيم أور الكلدانيين وهو أبراهام العبراني ، وأب رام الآرامي (الأب الأعلى) ، وأب روم (أب الأعالي والمرتفعات) ، وأبو رُهُم (إله المطر الخفيف الرهام الذي يخرق الأرض خرقاً في شبه الجزيرة العربية) ، وإبراهيم الشبّاعة (في منطقة جيزان والقنفذة في العربية واليمن) . تماماً كما جاء ، أن لنوح وأيّوب جذور في ثقافات شعوب المنطقة التي سبقت بني إسرائيل بآلاف السنين . ولنلاحظ أنَّ يهوه متجسِّد مثل الإنسان ، يقوم ويقعد ويجلس على العرش وينزل من السماوات ويغار ويحقد ويحرق بالنار ، ويكتب الفرمانات لإبراهيم ، ويباطح يعقوب ويضربه على حُقه ، ويكلِّم موسى ، وينسى العهد ثم يعود ويتذكَّره ... وعندما يتطرَّق الكاتب إلى موسى (ص 207) ، يقول أننا لا نملك أية معلومات عنه سوى ما جاء بالتوراة (على اعتبار أنه شخصية تاريخية) يقول البعض أنه فرعوني (إبن لفرعون أو أحد قوّاده) ، لكن ما نجزم به إن التوراة التي كُتبت في السبي البابلي كانت قبل موسى بثمانية قرون . وموسى هذا كان شديد البأس ، و-"كان يعي أن سلطان الدين سبيل إلى تحقيق سلطان الدنيا ... وأن الدين يلعب في حياة المجموعة البشرية دور الإسمنت الإجتماعي" (ص 210) . وكان أول من صنع من مجموعة دينية قوم ومجموعة قومية ، أي أول صهيوني . ثم يحدِّثنا الكاتب عن ميل الذهنية اليهودية إلى الوثنية والإشراك والصنمية .. فما أن أدار موسى ظهره لهم وصعد إلى الجبل ليتلقّى الوصايا العشر حتى صنع بني قومه عجل الذهب وعبدوه . وموسى (أو الأحبار الذين حرروا التوراة) كان يعتبر صفات القوى العالية أسماء ، ابتدع (ابتدعوا) مصطلح الآلهة ونسبها (نسبوها) إلى مجتمعات فلسطين كجزء من سوريا الطبيعية – الحثيين والأموريين والكنعانيين ، بيد أنها كانت تعرف الإله الواحد ايل – الله ، ولو تعددت صفاته (ص 220) . وحاول هو أو الأحبار الذي دوّنوا التوراة أن يجعلوا لكل قوم إله وأن يهوه هو أكبرها وأعظمها وأقواها ، وأنه "سيبيد مجتمعات أرض فلسطين وآلهتها ، ويملِّك جماعته" . يقول موسى لفرعون : "ليس مثل يهوه إلهنا ... ومن مثلك بين الآلهة يا يهوه" ، بيد أنه من المعروف أن مصر عرفت التوحيد في عبادة آمون قبل موسى بعدّة قرون . يقول صاحب المزامير الملك داوود : "لا مثيل لك بين الآلهة يا يهوه ، ومن مثل يهوه بين أبناء الله" (ص 221) ، أي أن لله أبناء ويهوه فريد بينهم ، فهو رب الأرباب وفوق جميع الآلهة ، وأدونينو (سيّدنا) هو الأعظم . فأين التوحيد ؟ لقد مارس الكتاب المقدّس سطوته الماحقة على العقول منذ 2600 سنة (ص 224) ، وما زال يصيبها بالتلوُّث الثقافي والضحالة وضمور الفكر وغفلة الذهن ، يمنع السؤال وينفي الوعي المعرفي إلى أقصى حدود الدنيا ، و"إنَّك لا تستطيع أن تحاكم كل التعاليم والمذاهب والأديان والنبوءات التي أدّت إلى كارثة فلسطين" (ص 225). لا تستطيع أن تحاكم يهوه الله الخاص باليهود ، ولا عُباد العجل منهم في مصر وفي سيناء وفي بيت ايل وفي دان وفي السامرة ، حتى امتلأت أرضهم أصناما . "فعلى عدد مدنك صارت آلهتك يا يهوذا" ، يقول إرميا . ولذلك ليس بغريب أن يذهب الملك سليمان وراء عشتروت صيدا وملكوم عمون وكموش الموآبي ... وليس بغريب أن يمارس موسى السحر (تحت غطاء المعجزات الربانية) في مصر ، لأن الإنسان ابن بيئته . لقد كانت أرض كنعان أرض غريبة بالنسبة لإبراهيم حين استلم من يهوه صك التمليك .. يقول يهوه أو بالأحرى الأحبار : "أقيم عهدي بيني وبينك وبين نسلك من بعدك ... وأُعطي لك ولنسلك من بعدك أرض غربتك ، كل أرض كنعان ، ملكاً أبديًا ، وأكون إلههم" . ف"بأي منطق يعطي الرب أراضي أقوام متجذرين فيها ، إلى جماعة متغرِّبة في هذه الأرض ؟" (ص 239) . بأي حق يقسم يهوه لإبراهيم على ذلك ؟ "هو الذي كلّمني وأقسم لي" (ص 241) ، وبهذا الهراء يكون إبراهيم كليم الله قبل موسى ! ثم يكرر هذا الكلام عندما ظهر ليعقوب ، بعد أن أنزل هذا وأبناءه المجزرة بأهل شكيم بالحيلة والغدر، نتيجة لعلاقة غرامية بين حمور ابن ملك شكيم وإحدى بنات يعقوب (ص 247) . بحسب التوراة كانت هذه الأرض تفيض لبناً وعسلاً وكانت مأهولة بالكنعانيين والحثيين والأموريين والفرزيين والحويين واليبوسيين ، ستة أقوام أُبيدت أو حاول العبرانيون إبادتها ، وكان على موسى وأحباره وأنبياءه أن يحقنوا ناسهم بالمشاعر والأوهام والإستعلاء والعنصرية وكراهية الأغيار لحمايتهم من الذوبان والإنصهار بالشعوب الأخرى . يقول الأحبار على لسان يهوه : "وتكونون لي مملكة كهنة وأُمّة مقدّسة" (ص 253) ، وعادة تكون هذه الميزة والتخصيص والإستعلاء في الديانات البدائية وفي المجتمعات القبلية المتخلِّفة (ص 254) ، "ويقف الأجانب ويرعون غنمكم . ويكون بني الغريب حرّاثيكم وكرّاميكم . أما أنتم فتدعوْن كهنة الرب . تأكلون ثروة الأمم ، وعلى مجدهم تتأمّرون" (ص 260 - أشعيا) . و.. يرضى بذلك ويسلِّم ما يزيد عن نصف سكان الكرة الأرضية ! "والواقع أن وصايا يهوه (الرب) وأحكامه تنحصر في إبادة أقوام الأرض وتدمير حضارتهم . وتتمثَّل رغبته في تجمُّع أتباعه ... إنَّ هذه الديانة والإله الذي يقف على رأسها هما القضيَّة... لأن النصوص الدينية كانت السبب المباشر في إنشاء دولة إسرائيل" كما يلخِّص الكاتب (ص 274-277) .
فما العمل والعقل الغربي والعربي مُعطَّل ومنقاد بنصوص غيبية ، ولم يتعوَّد بعد على القراءة بعقل مستنير ! قراءة بعين فاحصة ونقدية بعيدة كل البعد عن المسألة الإيمانية والتصديق بالقلب . فالفكر شيئ والإيمان شيئ آخر . ومن هنا أدّعي أنه على كل من يقرأ الفكر التوراتي باستنارة عليه أن يقرأ الفكر الداعشي والوهّابي والإخواني والإسلام السياسي كذلك بعقلية فاحصة ونقديّة .. لأنه في نهاية المطاف لا فرق بين كل الذين يسيِّسون الدين ويديِّنون السياسة ، ولا فرق بين الأصولية اليهودية الصهيونية وباقي الأصوليات المتعصِّبة في كل الأديان السماوية وغير السماوية ، لا فرق بين أرض الميعاد هنا في فلسطين الأرضية والفردوس هناك في السماء ، وجنّاته التي تجري من تحتها الأنهار ، تتلقَّح على حوافِّها الحور العين والولدان المخلَّدون . لقد صنع داعش من هذا الفردوس دافعاً للقتل والجرائم بحق الإنسانية ، أقول داعش وليس تنظيم الدولة الإسلامية ، لأنَّ الإسلام منهم براء . وقد صدق نصر الله حين دعا إلى عدم التمييز بين إرهاب داعش والإرهاب الصهيوني أو الإرهاب الأمريكي ، لأننا لا نقول الإرهاب اليهودي أو الإرهاب المسيحي ، كما لا يجب علينا أن نقول الإرهاب الإسلامي ، كما يرددون في الغرب ويصوِّرون الإسلام من خلال التطرُّف والتعصُّب الداعشي ، أو كما يريد لنا الغرب أن نردد . فداعش منحرف عن الإسلام الذي نؤمن به ، وديننا الحنيف بريئ من أفعاله الإجرامية .

(3) والمسيح هو المشكلة
(بيسان للنشر والتوزيع – بيروت ط1 ، آب 2001)
عندما يقرأ الواحد منّا كُتُبَ جورجي كنعان يدرك كم نحن بحاجة إلى القراءة الثوريَّة للتوراة .. أوَّلاً قراءة رمزية وثانياً قراءة نقديَّة واعية مع بعض الحذر ، لأنَّ التوراة كتاب مقدّس لدى المسيحيين والمسلمين وإن اختلفت الآراء بخصوص التحريف والتزييف الذي اعتراه ، فهو يبقى الأساس لِعِلَّة المسيحية والإسلام . قراءة نقديَّة خاصةً لما تضمَّنه من أفكار مغلقة وعنصريّة اعتمدت عليها الصهيونية كدين حوّلته إلى سياسة ، ولعبت في ساحة المقدّس الأخروي وحوّلته إلى دنيوي ، فاحتلّت أرض فلسطين نتيجةً لهذا الخلط بين الدين والدنيا . وبهذا هي لا تقلُّ خطورةً على البشر والسلام العالمي من الصهيونية المسيحية الأصولية ومن الإسلام السياسي الأصولي السلفي الجهادي المتخلِّف .
لم تنشأ دولة إسرائيل سنة 1948 بناء على وعد بلفور 1917 وحسب ، "وهو وثيقة سياسية تعد أُمّةٌ أمّةً ثانية بأرضٍ تخصُّ أمّةٍ ثالثة" .. إنما سبق هذا الوعد – الوثيقة وعدٌ آخر إلهي قطعه يهوه لإبراهيم وإسحاق ويعقوب وطبَّقه موسى ويشوع بن نون في القرن الرابع عشر ق.م. ، أي أنَّ القضيةَ الفلسطينية قديمةٌ قِدم ما يسمّى بالتاريخ العبري الذي دوَّنه أحبار اليهود في القرن السابع ق.م. أثناء وبعد السبي البابلي . لذلك فإنَّ البحث العلمي في التوراة ضرورة لفهم الواقع الذي نعيش فيه . ولأنَّ "وعود الله (على اعتبار أنَّ له سبحانه وتعالى وعودا) ... هي السبب المباشر في إنشاء دولة إسرائيل والحجَّة الوحيدة ... ولأنَّ العامل الذي يشحن دولة إسرائيل بالصحة والشرعية هو النبوءات التوراتية" (ص 12) . ويتابع كنعان ويقول : "والأدهى أن تراث إسرائيل الميثولوجي هو جزء مهم من التراث المسيحي" (ص 13) ، ولا يتطرَّق إلى ما شاب الإسلام من تُرَّهات وما تسلل إليه من ألإسرائيليات . ولكنه يتابع أنَّ "الفرد في المجتمعات العربية لم يبلُغ حتى اليوم ... مرحلة الوعي ... لا يكتب في قضية فلسطين ، ولا يفسِّر الأسباب التي أدَّت إليها، ولا يعلِّل المقوِّمات التي قامت عليها . ربَّما لأن التفسيرة والتعليل يناقضان نصوصاً في مُعتقداته . فيهرب من (هذا) التفسير والتعليل خوفاً من مس الشعور الديني القابع في صدره وصدر غيره" (ص 14) ، وهو أيضاً "لا يبحث في الظاهرة الدينية كأداة تستعملها السلطات الحاكمة لتخدير الطبقات الكادحة المظلومة ... ولا يبحث في الغيبيات التي تشلُّ الفكر وتهزم الموقف النقدي" (ص 15) ، ويضيف أنَّ "الذين يمارسون عمليات التساؤل والنقد قلائل" (ص 16) ، وهو يحترز ولا يريد للقارئ أنْ ينفي إيمانه ولا أن يبالغ فيه لدرجة تعطيل العقل . وبذلك رُبّما هو يدعو إلى الإيمان العقلي ، ف-"المشكلة في المفكِّر المؤمن بالغيبيات ، المدافع عن كل ما في التاريخ الديني من معجزات والمبرر لما في سلوك بعض الآلهة من أخطاء ومظالم" (ص 17) . والمشكلة في النفاق والتقليد للأفكار المتداولة ، وفي النفاق الفكري والأحكام المسبقة والتملُّق للسلطة والجمهور ، ثم يخلص إلى القول "أن الأفكار الصعبة المقاتلة هي التي تنتج أعمالاً فريدة وانتصارات مجيدة" (ص 18) ، وإنَّ قصر النظر وغفلة الذهن وغياب الفكر في هذه الأيام ، وبعد كارثة فلسطين هي التي تؤدّي إلى خشية الإنسان "من تحليل النصوص الدينية التي تحلل تشريد شعب كامل من وطنه وإحلال شعب آخر محلِّه" (ص 19) . والمشكلة أيضاً تكمن في أنَّ نصف البشر يخشوْن أثر الديانة اليهودية والتوراة وربط الديانتين المسيحية والمحمّدية بالكثير من المفاهيم التوراتية (ص 20) . مما يجعل إنساننا مكبّلاً بقضايا الإيمان "وملجوم بالإعتياد وانغلاق العقل ، ومحكوم بالميل إلى الإنقياد والإستعداد إلى التصديق" (ص 20) . ولعلّ سؤال كنعان وجيه ، "كيف ولماذا نسيت أو تناست أقوام نصف الكرة الغربي مفهوم "العالي" (عل-ايل- إله- الله) الذي ساد في العالم القديم ، وأخذ به سيِّد المسيحية – يسوع الناصري ، وراحت تتعبّد في محراب يهوه الموسوي – رب إسرائيل القوي العنصري ؟" (ص 25) ، وأخذ يهوه هذا الذي يعتبره محررو التوراة الله الذي له "مبرراته" في اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم ، وما هي هذه المبررات الصهيونية والصهيونية المسيحية إلّا "هكذا" ، لدى ذوي العقول المعطّلة والأذهان المغسولة ! إلّا هكذا لأن يهوه الرب أراد ذلك ... والأنكى أن المحمديّة تجعل من ملوك التوراة كداوود وسليمان أنبياء ! اللذين حكما 78 سنة قبيل السبي البابلي حين كُتبت التوراة . لذلك نحن العرب في أمسّ الحاجة لدراسة هذا "التاريخ الديني اليهودي" وتحليله وتفكيكه وتقويمه ، لأنه هو السبب المباشر في خلق الدولة واحتلال الأرض (ص 27) . ويضيف كنعان أن الأصوليتين اليهودية والمسيحية تنبعان من مصدر واحد ، وأن عقيدة الخلاص هي واحدة غير أن مشيح اليهودية سيأتي مرّة واحدة ومسيح النصرانية يأتي مرّتين ، الثانية في آخر الدهر. وهذا المجيئ "رهن بعودة اليهود إلى أرض فلسطين ، وإنشاء الدولة اليهودية التي يلتئم فيها شمل اليهود" (ص 35) ، وتغالي في ذلك الصهيونية المسيحية (البروتستنت والمحافظين الجدد في أمريكا) ومنهم الدهريون الذين يعتقدون أن المشيح سيظهر حتماً في صهيون ومجيئه مرهون "بعودة جميع اليهود" ويجب التحضير لذلك بتدمير الأقصى وخوض معركة ذرّية (هار مجدّون) لتدمير العالم ولرفع هيكل سليمان ... ويجعلون من أهداف إسرائيل السياسية أُطروحة دينية ، أي أن الخلاص لن يتم إلّا بعودة كل اليهود كمقدِّمة لعودة المشيح (ص 37) ...
أما بخصوص عقيدة المسيح الميثولوجي- يسوع فتقوم على الإعتقاد بتجسُّد الإله "وتقرُّبه من البشر بمحبَّة ، وموته في سبيل الرسالة التي جاء من أجلها ، ثم انبعاثه وانتصاره على الموت" (ص 41) ، فهي عقيدة ليست جديدة إنما موغلة بالقدم .. فهذا ديموزي أبزو في سومر ، الإبن البار لابزو (أو أبسو المياه العذبة البدئية) يتقرَّب من الإنسان بمحبّة ويضحّي من أجله . وقد صار ديموزي هذا تمّوز في أكاد وبابل والبعل في أوغاريت وأدون في جبيل (بكنعان - فينيقيا) ، فيمثِّل الخصب والتكاثر في الطبيعة باجتماع الذكورة والأنوثة .. في سومر اتخذ صفة "ديموزي وانانا" ، وفي بابل "تمّوز وعشتار" ، وفي أوغاريت "البعل وعنات" ، وفي جبيل "أدون وعشتروت" ... وكلهم يمثّلون دورة الحياة والموت والإنبعاث في سوريا الطبيعية . أمّا في مصر فمثّل أوزيريس الدور ذاته . فكان يسوع آخر البعول ! يولد بالمعجزة ويموت فداءً من أجل الإنسان . فالحياة والفداء والموت ضرورة من أجل استمرار الحياة المتجددة ، وهذا يعني أن الإيمان بالمسيح هو الإيمان بالحياة الأبدية ما بعد الموت . وكذلك حياة الدنيا لا تتجدد إلّا بهذه التضحية . هذا المعتقد قديم كما قلنا وهو جوهر المعتقدات الميثولوجية في العالم القديم ورثته المسيحية ، ومفاده أن موت السيد (الإله) شرط ضروري لإعادة الخلق (ص 62) . وهذا يعني أيضاً أن فكرة المخلّص هي فكرة قديمة ، "وغالباً ما كانت تطفو على سطح الذهن حين تطغى على المجتمع عوامل الفقر والظلم والقهر ، وتسود عوامل الإنحلال والفوضى" (ص 66) . "فالهندوس عرفوا كريشنا وبوذا ، والفرس عرفوا مثرا وزرادشت ، والمصريون عرفوا أوزيريس ، والرومان غرفوا كويرينيوس ، والفرّيجيون عرفوا آتيس ، واليهود عرفوا المسيح..." (ص 66) ، ولنلاحظ العوامل المشتركة بين كل هؤلاء لأن الإنسانية تحنُّ إلى الخلاص منذ طفولتها . ويكون المخلّص سماوياً يتجسّد في إهاب إنسان ، يولد من رحم عذراء ميلاداً عذرياً وغالباً ما تتم الولادة في منتصف فصل الشتاء عند مولد الشمس السنوي .. هكذا كان ميلاد البوذا الهندي (544-624 ق.م.) وميلاد كريشنا ومثرا الفارسي (القرن السادس ق.م.) وزرادشت (المختلف على تاريخ ميلاده ، فمن قال قبل خمسة آلاف سنة ومن قال ألف سنة ومن قال ستماية سنة ق.م.) وميلاد حوروس الفرعوني وفيثاغوروس الإغريقي (500-570 ق.م.) وذيونيسيوس (القرن السادس ق.م.) ويسوع الناصري ... كلهم ولدوا ميلاداً عذرياً وفي 25 كانون الأول . (وفي جملة معترضة لنلاحظ هنا أنَّ مسألة الميلاد العذري جاءت في الحقبة الزمنية ذاتها ، فيها تفتّق الذهن البشري وتفتّحت خلاياه لدى معظم الأُمم في جميع أنحاء العالم في نفس الوقت ! و.ف.) وكانت لمعظم هولاء المخلِّصين إشارات متشابهة للميلاد .. تسبيح الملائكة ، ظهور نجم متألِّق في السماء ، ظهور نور عظيم ... ثم مطاردة ومحاولات للقتل من قبل ملك أو قوم متآمرين . كذلك تشابه في المعجزات التي إجترحوها ، كالمشي على الماء (فيثاغوروس وبوسيدون والمسيح) وتحويل الماء إلى خمر (ذيونيسيوس والمسيح) . "وخلاصة القول أن ما نسب إلى المسيح من الخوارق والمعجزات كان معروفاً لدى الكثير من الأقوام والأُمم" (ص 72) ، مثل مكافحة الشياطين (فيثاغوروس والمسيح) ، والصلب بدون مقاومة والموت والصعود إلى السماء أو الموت الفاجع وتجرُّع كؤوس الألم والقيامة في اليوم الثاني أو الثالث للموت .. (بوذا وكريشنا ومثرا وكرينيوس وبروميثيوس والمسيح) . فكلهم تجرّع الموت طائعاً وتقبّل الآلام وضحّى بحياته ولم يبد مقاومة ، لإعتقاده أو لوهم سيطر عليه بأنه سوف يقوم من بين الأموات كمخلّص كما قام تمّوز والبعل وأدون (أدونيس) وأوزريس وغيرهم من المخلِّصين ... وسيبصر الناسُ المسيحَ كما يقول متى "جالساً على يمين القوّة (الله) وآتياً على سحاب السماء" (ص 82) . وهكذا فالصورة التي ركّبها تلاميذ المسيح والبطاركة (الآباء) لم تكن جديدة ، لكنها "تتجارز واقية يسوع وتاريخه . (والهدف) لتطويعه في سلك المخلّصين الميثولوجيين" (ص 83) ، بناء على معتقدات ميثولوجية لدى الأقوام القديمة السابقة في الشرق المتوسطي والشرق الأقصى منذ ما يزيد على ثلاثة آلاف سنة .. تباعاً لإرتحال الأساطير وتشكّلها في خصوصيّة الزمان والمكان والبيئة واقتباس الّاحق من السابق ! فالحضارات تتكامل وتترابط ، وتتشابه في العقائد والطقوس وأشكال العبادات ... وقد رأينا أن فكرة المسيح المخلّص موجودة قبل اليهوديّة والمسيحية وبعض الطوائف الإسلامية ، ولم يكن موسى أوّل من اكتشف سطوة الدين على المجتمع "في ضبط العامّة أو الأتباع ، وفرض نظام معيّن عليهم ... وأن النظام لا يقوم بغير دين" (ص 100) . لكن المشكلة هي في إلهه يهوه الذي يتميّز عن باقي الآلهة كإله قومي خاص .. رهن إشارة الأحبار ، حتى أنه يصمم لهم أزياء طقوسهم الدينية ويعلّمهم كيفيّة المسح بالزيت أو الدهن ونحر الذبائح والطقوس الدينية وهذه الطقوس الخاصة معروفة في عصور خلت ولدى شعوب قديمة ، يرافقها القداسة السحرية والرهبة والهيبة . لكن يختلف كهنة اليهود عن كهنة العالم القديم فقط في مسألة الزواج المقدّس الذي شاع في معابد عشتار وعشتروت ، حيث اعتبروه زنى .. كما المسيحية والمحمدية . أمّا من حيث الدور الذي أدّاه هؤلاء الكهنة فلا يختلف ، فهم قادة المجتمع يعيِّنون ويعزلون القادة والملوك ويستغلّون الدين لما له من سطوة على الناس العاديين . يباركون هذا ويمسحونه بالدهن ويلعنون ذلك .. فعندما كتب الأحبار التوراة أداروا النار إلى قرصهم ، وصنعوا من الصعلوك المطرود من قبيلته فارساً وهو قاطع طريق ، يجلب الغنائم إلى ملك أعداء شعبه ويقتل ويسطو وينهب الغنم والبقر والجمال والثياب ويرجع إلى أخيش ملك بلاد الفلسطينيين ، خائنا لشعبه .. غازياً له في جنوب يهودا ، منخلعاً نهائياً عن قبيلته ... ثم عملوا منه ملكاً ، زانياً ببتشيفع الكنعانية زوجة أحد قوّاده المخلصين (أوريا الحثّي) ، قاتلاً له بعد أن علم بحملها . وتنجب بتشيفع لداوود ابن زنى هو سليمان الذي تولى العرش بعده . ويكون هذا أشدُّ شبقاً من أبيه وأكثر مخالفةً للشريعة ففاقه في حب النساء وتزوّج مؤابيات وعمونيات وأدوميات وصيدونيات وحثّيات ، فكانت له سبعماية من الزوجات وثلاثماية من السراري والمحظيات ، وذهب وراء عشتروت الصيدونية وملكوم ومولك رجس العمونيين وكموش رجس المؤآبيين (بحسب التوراة ، سفر الملوك الأول 11) ... ولنتساءل ، أين التوحيد ؟ وأين نقاء العرق في بني إسرائيل ؟ هذا بعد أن نضيف إلى ذلك روابط المصهارة في السبي الأشوري الأول (شلم نصّر 721 ق.م.) وفي السبي البابلي التالي (نبوخذ نصّر 586 ق.م. ) . "وبذلك يكون عمر العبور الإسرائيلي في أرض فلسطين 210 (250 و.ف.) سنوات بين 971 و 721 ق.م. أمّا قبائل يهوذا فقد امتدّ عمرها في الأرض إلى 345 سنة بين 931 و586 ق.م." (ص 154) . واشتدّت رؤيا الخلاص بعد السبي والتشتت "وكان مدوّنو "العهد القديم"من البراعة أن جعلوا من الأماني والأحلام نبوءات ... ورسخت في أذهانهم فكرة المسيح المخلّص ... ينقذهم ... ويحرّرهم من استعباد الأقوام والأمم لهم ويخلّصهم مما صاروا إليه من ذل وهوان . ويعيد لهم مجد داوود وسليمان ويضع أقدامهم فوق رقاب الأمم" (ص 154) . ومن هنا جاءت عقدة الإنغلاق في الغيتو الذي بنوه حولهم . "فحياة السبي التي عانوها عمّقت في نفوسهم عُقد الحقد والكراهية للشعوب" (ص 154) . "ينغلقون على نفسهم في قوقعة التعصب المتحجرة والعنصرية" (ص 155) . لقد دام السبي البابلي حوالي 500 سنة ، فيه اتخذوا من يهوه إلهاً قومياً وتسلّحوا بوعد الرب وعملوا منه وثيقة شرعية لكراهية الشعوب وخصوصاً الكنعانيين لأنهم أصحاب الأرض الشرعيين . ومن يكره الآخر مآله إلى كراهية ذاته ! وعمل الكهنة على تأليه مملكة داوود "فتى الرب" (مع أنه كان فاسقاً) بهدف بناء رمز حتى ولو كان زائفاً ، لتحقيق مشيئة الرب ، فالدولة هي مشيئته وتحقيق عودة صهيون مشيئته أيضاً لتصبح واجباً دينياً ، "وصخرة خلاص من الإضطهاد أو الشعور بالإضطهاد ... ويبقى المسيح أو المخلِّص أو المهدي هو حلم الجماعة المكدودة المُجهدة ، يتردد في خاطرها ويشرق في رؤاها كلما ألمّت بها مكاره وألحّت عليها المحن ... شوق الإنسان إلى الفردوس المفقود" (ص 159) . ويصل الخيال المكدود إلى درجة الورم السرطاني الخبيث عند كهنة وأنبياء إسرائيل .. "تُرضعون ، وعلى الأيدي تُحملون ، وعلى الركبتين تُدللون ... ويقف الأجانب ويرعون غنمكم ، ويكون بني الغريب حرّاثيكم وكرّاميكم أما أنتم فتدعوْن كهنة الرب ، تأكلون ثروة الأمم ، وعلى مجدهم تتأمّرون" (أشعيا 61-66 ص 161) . وأحلام التفوّق هذه ناتجة عن الأمراض النفسيّة التي يسببها القهر المزمن والإستعباد والذل والهوان وكراهية الشعوب الأخرى . أمّا أشعيا هذا فقد كان مصاباً بالفصام ، كان عميلاً وجاسوساً لكورش في بابل "وكان يرى فيه مخلّصاً ومسيحاً منتظرا" (ص 167) . وبعد نير البابليين جاء نير الرومان فتتجدد فكرة المخلِّص وتطفو على سطح الأحداث مرّة أخرى ، حيث رأى يسوع اليهودي الثقافة بنفسه مخلّصاً ، لكن ليس لليهود فقط وإنما للبشرية جمعاء ، وكانت الظروف مهيّئة لآخر المسحاء هذا ، ليشحن أتباعه بتمجيد الفقر والصبر على الهوان والأذى وكبح قوى التمرُّد والثورة والدعوة إلى ملكوت السماء ، بالمحبّة وبالفداء وبالتضحية في سبيل الإنسان . وهنا يقول الكاتب أنه لو لم تأخذ والدة الإمبراطور الروماني قستنطين الكبير هيلانه بالدعوة التي حملها الرسل إلى روما ، لنسي العالمُ يسوعَ "ولما عبأَ به التاريخ" (ص 179-180) . لقد ركّب كتبة الأناجيل صورة يهودية ليسوع (المخلِّص باللسان الآرامي السرياني) ، فهذا لوقا يكتب إنجيله بعد أكثر من سبعين سنة على حياة يسوع ، ويزاوج ما بين الطبيعتين البشرية والإلهية الميثولوجية ، هو ابن الله .. "ابن العلي يدعى" وسيتربّع على كرسي داوود ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد ، وكذلك متى . لكن يهود ذلك الزمان رفضوا دعوة يسوع وقالوا أنه مختل ومصروع (مصاب بالصرع ، مرض الأنبياء عامّةً) وروح نجسة ورئيس الشياطين ، وسعوا إلى صلبه "فلا يطرد الشياطين إلّا رئيسهم" ... أما فكرة الشيطان فقد أخذتها اليهودية عن الزرادشتية وكذلك فكرة الحساب والدينونة والفردوس . ومسألة المعجزات هي فكرة قديمة أخذها يسوع عن موسى العهد القديم كخلفية ثقافية واجتماعية ودينية نشأ عليها . وكان موسى قد تتلمذ على سحرة فرعون وربما أيضاً يسوع أثناء وجوده في مصر ، أو كهنة المجوس فيما بعد ، وكلمة ماجوس اليونانية أطلقت على كهنة زرادشت حين احتلَّ الإسكندر الكبير بلاد فارس ، وتعني العظيم ، وقد برع المجوس بالتنجيم وتفسير الأحلام ومناجاة الأرواح والسحر ، ومن لفظة ماجوس جاءت ماجيك (ص 203) ... "وظل الساحر يعبِّد الطريق أمام الكاهن حتى اغتصب الكاهن لنفسه وظيفة السحر ... وراح يمارس وظيفة الساحر : القدرة على التنبُّؤ ، والوقوف على أسرار الغيب ، شفاء المرضى ... إحياء الموتى ... الإتيان بخوارق سحرية مبهرة مثل عكس مسار القوانين الأزلية للعالم الطبيعي ... التحكُّم بالرياح والأمطار وإخضاعها لإرادته . والتحكُّم بالنار بإشعالها أو إطفاءها بكلمته " (ص 197) . وكان من هؤلاء الكهنة ايليا واليشع واشعيا وموسى ويهوشوع بن نون (الذي اشتهر بإيقف الشمس أو بالأحرى الكرة الأرضية عن الدوران) . وجاء يسوع وكان حيث أراد له مدوِّنو الأناجيل أن يكون .. "ويبدو أنَّ الرجل كان مخبولاً بسِيَر القوى العالية أمثال ديموزي وتمّوز وماردوك والبعل وأدونيس وأوزريس . وبعظمة الأفذاذ الميثولوجيين أمثال البوذا وكريشنا ومثرا وزرادشت وغيرهم . مهووساً بكِبر التضحية التي أدّوها لتجديد الحياة والناس والطبيعة ... وضحى بحياته من غير أن يبدي أي مقاومة ، لاعتقاده أو لوهم سيطر عليه ، بأنه سوف يقوم ، كمخلِّص ، من بين الأموات" (ص 202) . وجاء الرسُلُ وأحاطوا ولادته بالأجواء السحريّة والخارقة .. فأرادوا للملاك أن يظهر لمريم ثم ليوسف النجار ويبشّر به . وأرادوا للنجم أن يظهر للمجوس .. وأرادوا للملاك أن يظهر مرّةً ثانية ليوسف ويأمره أن يهرب ويأخذ الصبي وأمه إلى مصر .. ثم يأمره بالعودة من مصر إلى فلسطين ، إلى نواحي الجليل والناصرة .. (ولا ندري كم كانت المدّة التي قضوها في مصر و.ف.) وكان الإعتماد (المعمودية) ، ثم أرادوا ليسوع أن يرى الروح القدس نازلاً عليه على شكل حمامة بيضاء ... وكل ذلك في "جوٍ ميثولوجي . وفي مثل هذا الجو يغيب العقل" (ص 205) . وهنا من الضروري التذكّر ، كما يقول كنعان "بأنَّ مقياس التصديق وبالتالي الإيمان ، في المجتمعات البدائية ، هو ما يجترحه صاحب الدعوة من معجزات" (ص 207) . وكما حدث مع موسى وآياته ومعجزاته حدث مع باقي أنبياء التوراة ومن بعدهم مع يسوع في العهد الجديد ... وبالتالي من أخذ بمعجزاتهم تفرّق عنهم بسبب الإيمان الضعيف ، فتراجع بنو إسرائيل وعبدوا العجل ، وتراجع تلاميذ المسيح ، وجفلوا عندما أُلقي القبض عليه وهربوا (متى 26 : 56) بما في ذلك بطرس الذي أنكره "بقسم أنّي لا أعرف الرجل" (متى 26 : 72 ص 210 من كتاب كنعان) . لقد جاء كثير من السحرة والشامانييين قبل وبعد المسيح ... تذكر التوراة إيليا ، الذي كرر أفعاله المسيح في عجيبتي الخبز والسمك وإحياء الموتى ، يكون إيليا عند عند الأرملة المملقة وجرّة الدقيق لم تفرغ وقارورة الزيت لم تنضب بأمر من الرب ، ثم يعيد إيليا هذا ابن الأرملة إلى الحياة ، قال : "أيها الرب إلهي ، لتعُد روح الولد إلى جوفه" ! فسمع الرب حالاً لصوته وعادت روح الولد . ويتكرر الحدث مع ايليشع ، ويكون الرب مع ايليشع كما كان مع ايليا كالخاتم في اصبعه ... وبعد فماذا نصنع مع العقول المعطّلة والأذهان المخصيّة في عصرنا الذي نعيش فيه ؟ يتساءل كنعان . ويردف من بعد : هل صورة يسوع هي صورة مسيح يهودي ؟ فيتساءل المجوس عن "المولود ملك اليهود" وليس عن يسوع مخلِّص العالم . ثم أراد متى ليسوع أن يكون ابناً لله على غرار داوود "فتى الرب" وأراد أيضاً ليسوع أن يعبِّر عن يهوديّته وارتباطه بالناموس ، وأن "لا يزول حرفٌ واحدٌ أو نقطة واحدةٌ من الناموس" (ص 220) . وأكثر من ذلك ففي الفصل العاشر من إنجيل متى يعبِّر يسوعه هذا عن يهوديّة متعصِّبة ، عنصريّة ، متشدّدة ، الذي أتى ليخلّص جماعته ، شعبه من خطاياهم (متى 1:21) وليرعى خراف إسرائيل الضالّة ، غير أن ليوحنا وُجة نظر مغايرة فيُنطق يسوع بكلمات أخرى : "أنا جئت نوراً للعالم" (ص 223) ، لكنه يعود ويقول أنّه جاء إلى خاصّته (ص 225) ، كما يؤكّد لوقا أنه سيكون عظيماً وابن العلي يُدعى ، ويعطيه كرسي داوود أبيه (لوقا 31:1) .. وحين أخذ سمعان الشيخ الطفل بين يديه قال مخاطباً يهوه : "إن عيني قد أبصرتا خلاصك الذي أعددته مجداً لشعبك إسرائيل" (ص 225) .
خلاصة القول أن الصورة التي ركبوها ليسوع الناصري هي صورة مسيح يهودي ، "إلى خاصّته جاء ، وخاصته لم تقبله" كما يقول يوحنا الإنجيلي (ص 227) ثم وبعد أن لفظته جماعته ، ماذا كان على تلاميذه أن يفعلوا ؟ "كان أمامهم خياران : إما أن يكفّوا عن الدعوة أو يتجهوا بها إلى غير اليهود من الأقوام والأمم ... ونسبوا إلى المعلّم قوله لهم "إذهبوا إلى العالم واكرزوا بالبشارة"" (مرقص 15:16 ص 228 من الكتاب الذي نحن بصدده) . وبالتالي علينا أن نسأل ، ما هي القيَم الأخلاقية في المسيحية ؟ والدين كظاهرة اجتماعية تُتّخذ بالممارسة . ففي موعظة الجبل يمتدح يسوع الحزانى والودعاء والجياع والعطاش والرحماء وأنقياء القلوب وصانعي السلام والمطرودين من أجل البِرّ ... "وكأنه يقول حسن لك أيها الفقير أن تبقى خاضعاً ... لأن ملكوت السماوات بانتظارك" (ص 230) ، فلا تثور وتنتفض ، "فمن لطمك على خدّك الأيمن حوّل له الآخر" ... وقد كان زرادشت سبق المسيح بمثل هذه المواعظ (ص 231) ، وكذلك البوذا (ص 232) ، وكونفوشيوس (ص 239) . وهذه الدعوات بالتالي هروب من الواقع ولو اعتبرناها أخلاقيات عالية فوق مقدرة البشر والناس العاديين . إن محور المسيحية هو ميثولوجي (ص 245) .. تجسّد الإله في إهاب إنسان وقدّم جسده في سبيله . والمحور الثاني هو فيما قصّه الأحبار في التوراة عن الخطيئة الأصلية التي تُفقد كفّارة المسيح كل معناها وكل قيمتها كما يقول كنعان ، ويصبح التجسّد والفداء والصلب والقيامة عبثاً لا طائل وراءه (ص 245) ، لأن الإنسان يولد بحسبها محمّلاً بالأوزار ومثقلاً الآثام ، ولكلٍ خلاصه ! إن "وجود الله يتوقّف على وجود خلقه ، وبالتالي فهو بحاجة إليهم ... وهم بحاجة إليه" (ص 246) . ولكل طريقته بالخلاص من هذه الأوزار .. مثل التقدمة أو ذبيحة الإثم .. أو تعليق الآثام على رأس تيس ثم رجمه ليذهب إلى البرّية معها ، أو مثلما يضع هارون يده على رأس التيس الحي ويقر بذنوب بني إسرائيل ويرسله إلى البريّة المقفرة وهو يحمل ذنوبهم ليموت هناك من الجوع والعطش فداء عنهم ! (ص 248) . وكانت هذه عادة موغلة بالقدم في سوريا الطبيعية وشمال أفريقيا كما أعلم وربما أبعد . وقد كانت الكفّارة في التاريخ القديم إنسانية (عروس النيل ومن بعدها قصة إبراهيم وولده إسحاق إلى أن فداه الله بكبش عظيم) ، ثم تحوّلت من الإنسان إلى الحيوان وأبكار الفاكهة والنباتات . وما ذبائح المحرقة ونحر الأضاحي في مكة إلّا استمراراً لهذه العادات والتقاليد القديمة ورموزاً دينية للفداء والقربان ، استعاضت عنه المسيحية بالخبز (جسد المسيح) وبالنبيذ (دمه) في طقوس المناولة . لقد كُتبت التوراة كما تقدّم حوالي 600 ق.م. على أهواء وتطلّعلت الأحبار ، وكُتبت الأناجيل في روما حوالي سنة 400 م. ورُكّبت تركيباً وخضع " تركيب كل إنجيل لأيديولوجية واضعه" (ص 253) ، الذي كان يهودي الثقافة وأصبح مسيحياً . ثم جاءتنا البروتستنتية ومشتقاتها من الدهريين والبيوريتانيين (المتطهرين) والمتجددين والمعمدانيين وحواريي المسيح وشهود يهوه وغيرهم من المسيحيين الصهيونيين والمحافظين الجدد ، الذين يقدّمون العهد القديم على الجديد (الأناجيل) ... وكانت المؤتمرات الصهيومسيحية من مؤتمر لندن 1840 إلى المؤتمرين اللذين أشرنا إليهما سابقاً ، إلى وعد بلفور الوثيقة البروتستنتية ، وكان من الطبيعي أن تنتقل هذه الأيديولوجية من إنجلترا إلى مستعمراتها في البلاد الجديدة .. الولايات المتحدة . ولعلّ أهم الشّيَع التي راجت في أمريكا هي الدهرية التي تقوم على الإيمان بقرب مجيئ المسيح المنتظر وربط هذا بعودة اليهود إلى أرض فلسطين بموجب عهد الرب ! فقيام دولة إسرائيل هو ترتيب ربّاني كما حرب 1967 (ص 258) ، وعلى العرب أن يغادروا لأن فلسطين هي من حق اليهود ومن ثم بناء الهيكل على أنقاض الأقصى بأمر الرب . وهل الإيمان الأعمى بنصوص العهد القديم هو أمر ربّاني أيضاً ؟ وهل التقيّد الحرفي بنصوصه أمر ربّاني ؟ وهل اليهود شعب الله المختار ؟ وأي يهود من الذين تتالت عليهم الحقب ؟ أيهود ذلك الزمان أم يهود السبي الذين اختلطوا بشعوب المنطقة أم يهود زمن داوود وسليمان الذين زادوا في الإختلاط بالمصاهرة التي عملا عليها ... كيف اختار الله هذا الشعب ؟ لا أحد يدري .. فقط لأنه هكذا .. ولماذا أعطى جلّ جلاله هذه الأرض لمختاريه وحرم سكانها الأصليين من خيراتها ؟ أم أن هذه هي مشيئة يهوه الإله الخاص باليهود الذي فصّله الأحبار على مقاسهم ؟