المُتأتِئ مذيع، والمشلول لاعِب كرة !

ليندا كبرييل
2017 / 1 / 10

رجانا " هيكارو * " ألا نضحك من أمنيته كما ضحك رفاقه، فوعدناه.
قال بتمهّل ونظره مصوّب إلى التلفزيون :
ــ أأ أتمنى أن ~ أصبح ~ م مذيعاً ~ في التلفزيون.
ثم ردّد عينيه بيننا كأنه يريد أن يسبر أعماقنا ليقف على انطباعنا.

رفرفةُ عين " هيكارو " ورعشة شفتيه عند الكلام، وما يصاحبه من انقطاع في العبارات، وتأتأة واضحة، وتكرار لا إرادي في الحروف، يوحي بإصابته بداء عصبي . ومع كل هذا، اختار أغرب مهنة لتكون مستقبله، وهي حلمه أن يصبح مذيعاً في التلفزيون !!!

ضحك قلبكِ، لكنكِ زممْتِ فمك، أما السيد تاكاهاشي * فقد تأمّله بعين الرضا وقال له :
ــ ستكون مواطناً رائعاً يا هيكارو كونْ *، وأتمنى أن أهنئك بعملك كمذيع، وأحمل هدية لبيتك الجديد.
انظرْ إلى رجلي، إنها مشلولة، وبسبب الشلل وقعت وأنا طفل في الثالثة من عمري فوق موقد النار، مما أدّى إلى حروق بالغة، ما زالت آثارها واضحة إلى اليوم، هل تراها ؟
عطفَ السيد تاكاهاشي رأسه إلى اليسار، فبانت آثار الحروق على أذنه ورقبته، ثم تابع :
ــ وأما رجلي الثانية فتُصاب بالآلام بين فترة وأخرى نظراً للجهد والثقل الذي أرميه عليها . اسمعْ قصتي، لعلك تجد فيها عبرة :
هيمنتْ المرارة على حياة اليابانيين بسبب هزيمتنا المُذِلّة في الحرب العالمية الثانية . كان الوضع آنذاك لا يحتمل أية ميوعة منا، أو الاستجابة إلى نوازع النفس وملذات اللهو . فتراصّتْ جهود الرجال الذين آمنوا أن اليابان ستقوم، من الدمار والحرائق والموت . وهكذا .. صرفتْني مصيبة الوطن عن الالتفات إلى محنتي الشخصية، فمضتْ طفولتي عادية خالية من الإحساس بوطأة عاهتي.
ورغم أني أعِي جيداً مرحلة الشدّة والعُسْر التي مررْنا بها في بداية عمري، إلا أنه كان لا يطيب لي أن أتذكّر إلا الأوقات الممتعة، التي كنت أراقب فيها ابن جيراننا اللاعب في فريق كرة السلة، وهو يتدرّب على تسديد الكرة إلى الهدف أو المناورة بها، وأحاول تقليده.
كما تعلم يا هيكارو كونْ ، فإن ساحات المعابد أصبحت ملاعب للأطفال . وحيث كنت أسكن، وفّروا لنا في باحة المعبد بعض الوسائل الترفيهية، ومكاناً خاصاً لممارسة رياضة كرة الطائرة والسلة . فكانت ساحة ذكرياتي الدافئة، وملعبي، حيث بذلتُ جهداً كبيراً رغم إعاقتي لإشباع حماسي الفائق لهواية كرة السلة.

ثم كان انتقالنا الاضطراري إلى محافظة أخرى بسبب عمل أبي، ففارقتُ بحزن مسقط رأسي .. وكنت قد أصبحت في المرحلة الإعدادية، وهي مرحلة التحولات الهامة في حياة الإنسان، عندما يغادر الطفولة إلى النضوج.
أحسستُ بالغربة . كل شيء في البيئة الجديدة كان يُشعِرني أني خارج هذا العالم ؛ فرغم تمتّعي بعطف الجميع، كنت أجد من زملائي انصرافاً عني أقرب إلى الإهمال لعدم قدرتي على مُواكبة حركتهم، فهم ينهضون لأمور لا أستطيع القيام لها . وغلبني الشعور بأن عطْف الناس ليس إلا شفقة عليّ، ذلك أنهم مع بعضهم البعض ليسوا بهذا اللطف وتلك الكياسة . وطالما سألت نفسي : أليس استهزاء بي أن يضحكوا عليّ بهذه المشاعر الكاذبة ؟

كان قلبي في ذلك العمر المبكّر، قد علِق بحبّ زميلتي التي تشاركني مقعد الدراسة في الفصل . كنتُ متأكداً ..
قاطع هيكارو كلام السيد تاكاهاشي وسأله بلهفة :
ــ ووو وهل هي التي تت تزوجتَها عندما كبرتَ يا .. عمّي ؟ هل تتت تزوّجتها ؟
ــ صبْراً يا هيكارو كونْ، صبراً، سآتيك بالتفاصيل.
قرأتُ في عينَيْ هيكارو لهفةً مشبوبة لمتابعة حديثٍ وجَدَ مرتعاً خصباً في نفسه، وراح يضرب بكفّيه على ركبتيه ويحثّ السيد تاكاهاشي على الإفاضة بحديث القلب !!
تابع تاكاهاشي :
ــ كنتُ متأكداً أن نظرات زميلتي لا تقصد ..
ــ حح حبيبتكَ لا زميلتك .. أليس ك ك كذلك يا عمّي ؟
ضحك تاكاهاشي وقال :
ــ حبيبتي لا زميلتي، هل استرحتَ يا هيكارو كونْ ؟
ثم رجاه ألا يقاطعه ، وتابع :
ــ كنتُ متأكداً أن نظرات حبيبتي لا تقصد إيذائي وهي تتوقّف برهة لتراقبني، فالعرج يلفت النظر، هذا طبيعي . أستقبلُ نظراتها ببراءة، في حين يعتصر قلبي شعور بالضيق، وكآبة لم أعرفها من قبل.
غاضتْ الابتسامة على وجه هيكارو وقال بانكسار :
ــ ي ي يعني ؟؟ لم ت تحبّا .. بعضكما ! مم مع أنك إنسان .. ل لطيف يا عمي.
أخذ السيد تاكاهاشي نفَساً عميقاً ونفخ من فمه ثم سأل هيكارو :
ــ لطيف ؟! وبماذا سينفعها لطفي إذا كنتُ عاجزاً ؟
ــ لل لستَ عاجزاً !! أأ.. أنت تشتغل وتتكلم وتت تضحك و ~ ع عفواً .. تغضب . ورأيتك تحمل صص صندوقاً ثقيلاً . أنا أيضاً .. يا عمي أُجري تمريناً رياضياً ك ك كل صباح لتنمية عضلاتي بواسطة .. ع عبوة بلاستيك صغيرة مم ملأتْها لي أمي ب بالرمل.
ــ ملاحظتك جيدة يا هيكارو كونْ . ولكن .. ماذا ينفع الإنسان إذا كان قادراً جسدياً وعاجزاً نفسياً ؟ الحياة لا تسير مع ضعاف النفوس . هل تفهم ماذا أقصد ؟
ــ وو وهل كنت قوي .. النفس يا ع عمي ؟
ــ هذا ما يجب أن تسأل عنه . أحببتُ زميلتي . وكانت هي محطّ أنظار الجميع، فمزاياها واضحة لكل عين ؛ طالبة طموح متفوقة ومهذّبة، وجميلة فوق كل شيء . أما أنا، فما ميزاتي ؟ هل يشفع لي عندها لطفي وكرم نفسي إن لم أدعمه بالاجتهاد ؟ هل ينفع نبْل أخلاقي إن لم أبذل الجهد لأتفوّق على إعاقتي ؟ لم أفعل شيئاً من هذا .. كنت طالباً عادياً، ومنسحِباً، أختبئ خجلاً من عاهتي، وتوارتْ شجاعتي التي كنتُ بحاجة إليها لألفت نظر زميلتي إلى وجودي . لا تكفي العواطف يا هيكارو كونْ، العواطف تتبدّل مع كل ظرف جديد، هناك شروط لربْط إرادتين . ثقة حبيبتي بمقدرتي وقوة عقلي ستجعلها تطمئن لي، لتمضي الحياة أشدّ قوة بنا معاً.
ــ مم من جهتي أنا مجتهد ج جداً، كذلك .. أنا لل لطيف أحِب الناس، وأأأ أساعد رفيقي الأفريقي " كواندويا * " فف في دراسته، وأحافظ على نن نظافة .. أسناني وثيابي كي أبقى ج جميلاً كما قالت لل لي أمي.
ــ هذا الشرط مهم إنما لا يكفي . الأهم : قوّتك الذاتية .. إرادتك أنت ؛ تصميمك النابع من طاقة قلبك وعقلك الذي يوجّهك إلى هدفك، ويجعلك تخلق أفضل الفرص لنفسك في الحياة . الحكمة الصينية تقول : المعلم الجيد منْ يفتح لك باب المعرفة، أما الدخول ؟ فمهمّتك أنتَ !
هناك الكثيرون من المعاقين جسدياً في العالم استطاعوا التغلّب على إعاقتهم بقوة الأمل والإرادة .. ألم تحدّثني قبل قليل عن الأستاذة هيلين كيلر * ؟ والأستاذ هوكينج * ؟ نحن لا نعرف عن هؤلاء العظام إن كانوا لطفاء أو خيّري النفوس أم لا ؟ لكننا نعرف تماماً عن قوة تصميمهم للتغلّب على مصابهم . سأتابع كلامي فاسمعْه ولا تقاطعْني.
حبّي لزميلتي نبّهني إلى إعاقتي ؛ كيف ستَقْبلني بهذه العاهات ؟ وهي التي يتزاحم حول جمالها الزملاء ! عيْناها تذكّراني أن وجهي مشوّه، وجسمي ليس سليماً، وأن ..
ــ وو عَينا زميلتي تذكّراني بب..عاهتي.
ــ وأن الشلل قد يحْرمني من تحقيق أحلامي، وسيكون المانع والعائق لمجاراة رفاقي في هواياتهم وميولهم ..
ــ وو وأنا أيضاً .. التأتأة قد تت تحرمني من تحقيق .. حح حلمي.
ــ وبدأتُ في السقوط في وهْدة اليأس، فآمنتُ بأن فقداني هذا الجزء من جسمي ليس أسوأ ما في الأمر ؛ فالعضو المشلول أو المعتَلّ يمكن تعويضه بعضو اصطناعي، والعاهات يمكن إخفاؤها عن العين بشكل أو بآخر . الأسوأ هو ..
وسكت السيد تاكاهاشي.

هنا، كان هيكارو يتتبّع الكلام بعينين جاحظتين، وقد غابت الوداعة عن وجهه . أما السيد تاكاهاشي، فكان يمكنني أن أستشفّ تأثره العميق من قسمات وجه المنكمِشة، ونبرة صوته المرتعشة، وحركات يديه وهما تلوّحان في الهواء، أو كفّيه وهما ينقبضان بقوة ثم ينبسطان بعصبية . لزِم صمتاً قصيراً يوحي بأن الآتي حديث المصائب، ثم استأنف الكلام :
ــ اِستيقظَ إحساسي على ألَمٍ أشدّ وأفظع، لا يعرفه منْ لم يمتحنه القدر بالبلاء . إنه الانقباضات التي تصيب الأعماق ؛ عندما يجد المُعاق نفسه داخل هذا العالم ولكنه ليس منه، أعرج متفرِّج .. رقمٌ على هامش حركة الحياة، عاجز عن مواكبة الفعاليات الإنسانية، فيبدأ اعتلالٌ من نوع آخر .. باطنيّ يشلّ إمكانيات المرء وقواه.
أخذ الإحساس بالنقص يجتاحني مع أوّل صدمة لأمنياتي في ذلك العمر الغضّ، وأنا أرى رفيقتي لا تعيرني الاهتمام الذي أتمنّاه، هكذا تهيّأ لي، وإن كانت تُسايرني كما تسايِر غيري أيضاً بعبارات المجاملة . جافاني النوم، وذرفت دموعاً غزيرة ؛ الكل تحت الشمس يشارك في مهرجان الفرح إلا أنا .. لماذا أنا بالذات من بين كل طلاب المدرسة مشوّه كسيح ؟
ردّد هيكارو نفس الجملة وقد تسمّر بصره في نقطة ما :
ــ ننن نعم .. لماذا أنا من بب بين كل طلاب ال مم مدرسة .. أتأتِئ ؟
ــ ولم يتنبه والداي لهذه التبدّلات النفسية التي طرأت عليّ، وهما منشغلان في عملهما في ظروف فقرنا الشديد . وراح كل شيء يتغير، ومستواي الدراسي يتراجع، والانسحاب من التجمّعات يتزايد، ينصرف تفكيري إلى أن الناس يراقبون عاهتي، فيصيبني التلعثم والارتباك في الكلام أمامهم.
كنت أعبّر عن مشاعري من خلال الرسم، الذي اخترتُه مضطّراً كهواية مدرسية تتناسب مع وضعي، وليتسنّى لي أن أرى حبيبتي التي اختارت نفس الهواية . لكن الحقيقة .. أني كنت أرغب رغبةً شديدة وعارِمة أن أكون ؟؟ نعم .. أعرَج يرغب أن يكون لاعب كرة سلة !!! الحلم الذي وُلِد في ملاعب طفولتي.

راح السيد تاكاهاشي يتأمل وجه هيكارو الذي فتنَه الحديث، ويهز رأسه مبتسماً، كأنه يقول له إنهما في وضعين متشابهين، ثم نظر إلى بعيد وتابع :
ــ أذْكر وأنا في المدرسة الابتدائية، أني سمعتُ عبارة أثّرتْ بي آنذاك ؛ عندما طلبتُ من رفاقي إشْراكي في منافستهم في كرة السلة، فانبرَى أعزّ أصدقائي وقال لي بحسْن نيّة بالتأكيد : " أنت تستطيع إدارة الكرة على إصبع واحدة بمهارة، والتسديد الجيد من وضعية الثبات، لكنك لا تفيدنا، فأنت لا تستطيع المراوغة والتغطية وإعاقة حركة الخصم لمساعدتنا على إحراز النقاط " . وسرعان ما بادر صديقي هذا إلى الاعتذار، وحزنتُ أنه حرَمَ نفسه من المشاركة في اللعب عقاباً لنفسه على هفوته !
صديقي هذا قال كلمة حق، ظننتُ أني نسيتُها مع الوقت . وإذ بها تقفز إلى سطح ذاكرتي عندما أصبحت في الإعدادية، ووجدتُ المدرِّب يُجري اختباراً للسرعة والمقدرة لاختيار اللاعب الأفضل، لمباريات بطولة منتخبات المدارس لكرة السلة، فانكفأتُ على نفسي وأنا أرى الأقوياء من زملائي يسقطون في الاختبار.. فما نفْعُ مشلول بالكاد يستطيع جرّ قدمه وراءه ؟
وطَواني الفتور والزهد في كل شيء.

تناول السيد تاكاهاشي جرعات متتالية من الماء، خلالها لم يغِبْ عن عيني تأثّر هيكارو بهذا الكلام الذي وَشَى برغبته المكتومة في البكاء.
تابع تاكاهاشي :
ــ في حصة الهوايات كنت أرسم، وعقلي مأخوذ بأصوات زملائي من باحة المدرسة يتدرّبون، فتذهب بي أحلام اليقظة إلى أن أتصوّر نفسي ألعب معهم ؛ أتقدّم أتراجع أُمرّر أسدّد الكرة نحو السلة فتُخطئ الهدف، لأعود إلى المراوغة .. ووصل بي الحلم أن نفّذتُ تسديدة ناجحة فنِلتُ التصفيق والهتاف ههههههه !!
عذّبني هذا الحلم، حتى جاء اليوم الذي لا أنساه !
.......
يتبع

* الأسماء الواردة في النص، جاء ذكرها في المقال الماضي . الرجاء التفضل بقراءة ما سبق لربط الأحداث. وشكراً.