في المقهى !! ...

قوق محمد
2017 / 1 / 10

جلسنا نحتسي القهوة على طاولة بنية مكسورة الجانب الأيسر في مقهى بحينا المليء بالوحل بسبب المطر ، كان الجو حزينا جدا ، أخذ صديقي كأس الشاي ليخطف شربة ثم تنهد وقال : " الحمد لله على هذه النعمة ...." ، وإذا بصوت من بعيد ينهال قصفا في طاولة من داخل المقهى : " وشمن نعمة رحمة على والديك ؟ على الطابلة اللي راك فيها ولا الغرقة الي حاصلين في جدها ؟ ، وشمن نعمة ياو الشعب مات صح ما عندكم لا نخوة لا نيف وأنتم أصلا مشــ... الخ "
لم أتذكر تفاصيل وجهه حينما التفت إليه ، لكن كل من في المقهى كان يرفع رأسه وينزع و كأنهم يوافقون كل ما يقول ، لكن ما يبدو عليه هو أنه يحمل جريدة الوطن الفرنسية " elwatan " ، يلوح بها وهو يصرخ ويتكلم ...
شيخ إلى حد ما ربما كان من الحركى مثلا أو المجاهدين ، فكلهم يحب ذلك النوع من الصحف وكلهم يحلق لحيته ويترك شاربه وترتمي في شعر شاربه بعض من الشيب ، يلبسون الجاكيت والسروال الشبابي ، كلهم نوع واحد في الذوق رغم اختلاف مبادئهم قديما!!...
ضحك صديقي ضحكا ممزوجا بالصراخ ردا عليه ، وأخبره أن الحياة بالوحل بكأس شاي على طاولة منهوشة خير من حمله لتلك الصحيفة الخرقاء التي تملي عليه بأفكار منهوشة ومشوهة المبادئ هي الأخرى ، و أن نموت ونحن بطاولة منهوشة خير من أن نموت غضبا أو دفاعا على مبادئ محتل...
أتعلمون ؟؟ ، هناك أمر عجيب في بلدي ...
الكثيرون يصرخون في هذا البلد يحملون سجائرهم وكأس القهوة الأدهم و ينادون بأن الشعب ميت ، والكثيرون في هذا البلد من جهة أخرى أيضا يحملون حقائب وأقلام فاخرة و يرتدون أقمصة الإطارات و يصرخون و ينادون بأن الشعب حي ، كلاهما عمله الصراخ فقط ، قليلون هم من يتحركون في صمت !!...
الذين يصنعون الأمل في حياة الشعوب مثل أصحاب الكوستيم الذين يبدؤون باسم الله في كل كلامهم يريدون للحياة أن تبقى على ما هي عليه لا أن تتغير وكأن الشعوب كلها مثلهم يستطيعون فعل أي شيء والمستحيل لا يوجد حتى في قرارات أنفسهم الغارقة في وحل أنانيتهم ...
يعتبرون أنفسهم شعب الله المختار وأنهم الفرقة الناجية ويدعون للتحلي بالأمل وليس العمل هكذا هم ...

لا شك أن الكثير يترك بصماته في كل حديث مع جماعة ما "إن الشعب غبي وأحمق ولقد ذل ومات!!" ، دون أن يتساءل ما محله هو من هذا المجتمع وكيف لمجتمع ميت يعرف أنه ميت !!... ، وكيف هو موت الشعوب أصلا هو بربيعها الدموي أو ربيعها المعرفي ؟؟؟...
يأتي آخر " مازال الخير في المجتمع والصبريا جماعة الصبر وبعد العسر يسرا " دون أن يتساءل هو الآخر إلى متى ؟؟ ، لأن هذه الكلمة قد مضى عليها أكثر من عقد من الزمن ، وهل يأتي الأمل في الوقوف مكتوفي الأيدي أم بالعمل والمساعدة وليس الوقوف على المنصات وأخذ الميكرفون والتكلم بكل حماقة على أشياء لم تكن إلا في الأوراق والكتب والأساطير يبدأ باسم الله وينتهي بحمده ويده بيضاء ناصعة من كثرة الوضوء للصلوات الخمس أو الوضوء للأكلات والولائم ...
إن كلاهما يصب في مجرى واحد ، الكلام لا غير ، كما أن الذين يتحركون بأعمالهم وينصبون كل الحيل ويأتون على الأبواب المغلقة ليفتحوها قليلون في هذا الوطن التعيس وهذا البلد الذي تألم فيه المجتمع كثيرا حتى سئم كل شيء ....
لقد تعب الجميع حتى الحروف التي سفكت الكثير من الحبر تعبت هي الأخرى ، لقد هرم الشباب وشب الصغار ، حتى أنك حينما تجلس في أي مكان وتتحدث سيوافقونك مهما قلت لأنهم أصلا ما عاد يحتوي ألمهم شيء ، المجاهدون و الحركي في بلدي في خط واحد ، والمجتمع والأرض والحيوانات والأغسان المتساقطة وعرف النعناع والقطط والكلاب التائهة كلها هي الاخرى خط واحد ....
أعتذر لقد نسيت نفسي وبرد الشاي في هذا المقهى المعتوه ..
لقد نسيت أمرا ، المقهى هو الخلاص والمتنفس الوحيد ، ففي الجزائر توجد مقاهي أكثر من السكان ، لأن الوجع فاق الجميع !! ...