تناقضات العهد الجديد المنقح11

مهرائيل هرمينا
2017 / 1 / 10

كيف أصبح يسوع (عيسى) إلها، تمجيد واعظ يهودي من الجليل[، How Jesus Became God: The Exaltation of a Jewish Preacher from Galilee هو عنوان الكتاب الأخير للباحث الأمريكي بارت إيرمان Bart D. Ehrman، المُتخصص في الدراسات حول تاريخ المسيحية المبكرة والنقد النصي للعهد الجديد، وأستاذ الدراسات الدينية بجامعة تشابل هيل بكارولاينا الشمالية. صدر الكتاب في الخامس والعشرين من مارس 2014، ويقع في 416 صفحة للنسخة الورقية، و307 صفحة للنسخة الإلكترونية. واستطاع دخول لائحة أكثر الكُتب مبيعا لشهر أبريل لمجلة نيويورك تايمز، كما أثار جدلا واسعا داخل أوساط المُحافظين، فاقت الضجة التي صاحبتْ كتاب رضى أسلان[5] Reza Aslan، ولا أدل على ذلك من إصدار كتاب في الأسبوع نفسه لصدور كتاب بارت إيرمان، يحمل عنوان: “كيف تحول الإله إلى يسوع: الأصول الحقيقة للإيمان بالطبيعة الإلهية ليسوع، ردا على بارت إيرمان”[6]، بالإضافة إلى مجموعة من المُناظرات والمُراجعات المبثوثة على القنوات والمواقع الأمريكية.

تتمحور فكرة الكتاب الرئيسية في التتبع التاريخي لصورة يسوع من القرن الأول إلى القرن الرابع الميلادي وتحديداً سنة 325م وهي السنة التي تم فيها عقد مجمع نيقية لإرساء أسس العقائد المسيحية الرسمية بما فيها صورة وطبيعة المسيح، وكيف استطاع نبي من الجليل ذو خلفية يهودية حُكم عليه بالموت من طرف الامبراطورية الرومانية أن يتحول من إنسان إلى ابن الله مُساو للآب في الجوهر، يستكشف بارت إيرمان المُتخيل الذي رسمته الجماعات المسيحية الأولى عن يسوع بعد حادثة الصلب، وقصصهم عن القيامة من الموت، وهي الروايات التي تم تأويلها لاحقاً إلى أن صارت دليلا على ألوهيته.

إن الإطار النظري الذي ينطلق منه بارت إيرمان في كتابه الأخير، وفي مُجمل أطروحاته، يعتمد بالأساس على مجموعة من الفرضيات الحديثة التي وسمتْ البحث الأكاديمي الغربي حول تاريخ المسيحية المُكبرة، وتحديداً الجدل حول إشكاليتين كبيرتين كان لهما الأثر البالغ في توجيه البحوث الحديثة، وهما: إشكالية ثنائية أرثوذكسية/هرطقة وإشكالية المسيح التاريخي. فبخصوص الأولى كانت نظرية والتر بور WBauer التي عرضها في كتابه الأرثوذكسية والهرطقة في المسيحية المبكرة Orthodoxy and Heresy in Earliest Christianity سنة 1934م، بمثابة نقلة ثورية تم فيها إعادة النظر حول الصورة الرسمية التي روجتها الكنيسة طيلة قرون من الزمن، مُدافعة فيها عن أصالة تعاليمها ومعتقداتها بإرجاعها تاريخيا إلى الرسل أنفسهم الذي عاشوا مع يسوع، وأن عقائد الهراطقة هي زيغ بعض المسيحيين عن التعاليم الصحيحة، غير أن أطروحة والتر بور أثبتتْ العكس؛ مؤكدة أن بعض التعاليم التي وُصفتْ بالهرطقة كانت هي الشكل الأقدم والأكثر أصالة للمسيحية، وفسر بور نجاح الأرثوذكسية بتفوق أتباعها وتمكنهم من الوصول إلى الحُكم بعد المُصالحة التاريخية التي قام بها الإمبراطور الروماني قسطنطين، فأعادت الجماعة المُنتصرة كتابة التاريخ وفرضت آرائهم كتعاليم أصيلة، وهي الأطروحة التي دافع عنها بارت إيرمان في إحدى كُتبه، وناقش فيها منهجية والتر بور. أما إشكالية المسيح التاريخي فقد عرفت ثلاث محطات تاريخية مُهمة ساهمت كل واحدة منها في بلورة النتائج النهائية للأبحاث، انطلقت الأولى مع رايماروس H. S. Reimarus سنة 1778[8]، وأما الثانية فقد تزعمها كل من ألبرت شويتزر A. Schweitzer ورودولف بولتمان R. Bultmann وانتهت باعتبار المسيح مُجرد نتاج للجماعات المسيحية المُبكرة ولا علاقة له بالمسيح التاريخي الذي حاول ألبرت شويتزر رسم معالمه من خلال التعاليم الإسكاتولوجية للمسيح، بل ذهب بولتمان وأتباع مدرسته إلى القول باستحالة إيجاد المسيح التاريخي داخل نصوص العهد الجديد في ظل هذا النزاع ظهرت المرحلة الثالثة من الأبحاث حول المسيح التاريخي، والتي انطلقت مع مجموعة من العلماء على رأسهم روبرت فنك Robert W. Funk وجون دومينيك كروسان John Dominic Crossan اللّذين أسسا جمعية تحت اسم “ندوة يسوع” Jesus Seminar سنة 1985، فأعطوا بذلك شحنة جديدة وبُعداً آخر للأبحاث، خصوصاً مع الاكتشافات المُتوالية للعديد من المخطوطات التي تعود للقرون الأولى للمسيحية، فظهرت بذلك مئات المُحاولات لمتخصصين أكاديميين -سواء داخل جمعية ندوة يسوع أو خارجها- لتحديد صورة يسوع التاريخي[10]، وهنا تبرز أعمال بارت إيرمان باعتباره واحداً من أبرز المُدافعين عن صورة يسوع النبي الإسكتولوجي eschatological Prophet أو النبي الرؤيوي Apocalyptic Prophet، الذي تتمثل مُهمته بالدرجة الأولى في تحذير الناس من النهاية القريبة والمُروعة للعالم، وقد عرض هذا التصور في كتاب له بعنوان: Jesus: Apocalyptic Prophet of the New Millennium[].

بهذا العرض المُقتضب للإطار النظري، نستطيع الوقوف على السياق العام الذي ناقش من خلاله بارت إرمان أطروحة “المسار التاريخي لتأليه المسيح” في كتابه الحديث، من خلال الإضافة اللاحقة للطبيعة الألوهية على يسوع، والتي تبلورتْ بشكل أكثر نُضجاً منذ أواخر القرن الأول إلى أن استقرت في صورتها النهائية مع بداية القرن الرابع، وأيضا من خلال البحث في تعاليم وأقوال يسوع نفسه، مُدافعاً في ذلك عن الصورة التي رسمها في العديد من أبحاثه عن مهمة يسوع كنبي رؤيوي.

استهل بارت إيرمان كتابته الذي يقع في تسعة فصول، بمقدمة يعرض فيها الدافع الذي جعله يُقدم على تأليف هذا الكتاب، وبعيداً عن طابع تشويق القارئ، فإن الفكرة المحورية للمقدمة -والتي استخدمها أيضا في بعض كتبه[12]– هي محاولة بارت اثبات التعارض بين اللاهوت والتاريخ، بين دراسة المسيحية من مُنطلق لاهوتي، ودراستها من مُنطلق علمي تاريخي، وهنا يضع عنوان كتابه داخل هذا السياق، إذ أن المُهتم باللاهوت يبحث عن الكيفية التي أصبح بها الإله إنساناً، بينما المؤرخ يسأل: كيف أصبح الإنسان إلهاً.

وفي الفصلين الأول والثاني وعنوانهما: الإنسان المقدس في اليونان القديمة وروما والإنسان المقدس في اليهودية القديمة، يُحاول بارت إيرمان عرض الإطار التاريخي والسوسيولوجي الذي نشأت فيه المسيحية، من خلال البحث في مفهوم الألوهية عند الشعوب القديمة، فسواء بالنسبة للمسيحية المبكرة وأيضا اليهودية والوثنيين في الإمبراطورية الرومانية، لم يكن لديهم في منظومة الأفكار الدينية، حد فاصل بين العالم المقدس (مملكة السماء: عالم الإله، أو عالم الآلهة) وبين عالم البشر، فهُناك العديد من نقاط التماس بين العالمين وتواصل دائم بينهما، يمكن من هذا المُنطلق الحديث عن الإنسان المقدس أو المؤله من خلال منظورين، الأول: عن طريق الاختيار، وذلك بأن يختار الإله أحد البشر (ملك، كاهن، مُحارب) ليضمه إلى صفوف الآلهة، الثاني: عن طريق التجسيد، بأن يتجسد كائن مقدس (أحد الآلهة، مَلَك) في صفة إنسان، وهذا ما نجده حاضراً في نصوص العهد الجديد، فإنجيل مرقص يعتمد الطريقة الأولى ويروي لنا قصة المسيح الإنسان الذي تحول إلى إله، بينما يعتمد إنجيل يوحنا الطريقة الثانية مُصوراً المسيح كإله منذ البدء وقبل خلق العالم ثم نزل إلى الأرض وتجسد في إنسان، وبالتالي نُلاحظ أن كلا من مرقص ويوحنا يصل في الأخير إلى رفع يسوع إلى مرتبة الألوهية لكن من منطلقات مُختلفة.

وبالرجوع إلى الأفكار الدينية عند اليونان والرومان، فإن التداخل بين عالم الآلهة وعالم البشر يبدو أكثر جلاء لكل مُطلع على الأساطير القديمة، سواء في نزول أحد الآلهة إلى عالم البشر، أو في صعود أحد البشر إلى عالم الآلهة. لم يكن هذا التحول والانتقال بين العالمين فجائيا، إذ يُحدده بارت إيرمان باعتماد نموذج هرمي يتم فيه الانتقال بين العالمين بشكل تدريجي[، فعلى قمة الهرم يوجد دائما إله قوي، الخالق والمُتحكم في كل شيء، ثم نجد طبقات أخرى من الآلهة أقل قوة ومكانة. أما بخصوص الحديث عن الديني اليهودي الذي يؤمن بإله واحد مطلق، فإن التداخل بين مملكة السماء وعالم البشر يبدو أصعب تحديداً، لكن مع ذلك يرصد بارت إيرمان نقاط تواصل عديدة، مشيراً إلى أن الفكر اليهودي استبدل الآلهة بكائنات مقدسة، كالملائكة والكيروبيمات والسفنكوسات[]، ففي القرن الأول ميلادي آمن اليهود بإمكانية الانتقال بين العالمين كأن يتحول أحد البشر إلى ملاك، وبالتالي فإن إعطاء صفة القدسية وأحيانا الألوهية لأحد الشخصيات الهامة في الفكر اليهودي يندرج داخل هذا السياق. وهذا كان التصور السائد في العصور القديمة وأيضا في الفترة التي شهدت ميلاد المسيحية، غير أن القرن الرابع الميلادي شهد تغيراً لافتاً، ففي خضم انتقال العالم الروماني من الوثنية إلى المسيحية، عبَّر العديد من الفلاسفة الوثنيين عن وجود فج عميق بين العالم المقدس وعالم البشر، إذ لا وجود إلا لإله واحد قوي، وتم بذلك الابتعاد عن الإيمان بوجود هرم الآلهة الذي يربط العالمين[، وبالرجوع إلى نشأة المسيحية فإن يسوع أيضا تم إدخاله حسب المُتخيل الشعبي في القرن الأول من الميلاد إلى هرم الآلهة، واختلفتْ مرتبته في هذا الهرم وارتقاؤه فيه حسب معتقد كل جماعة، لكن زوال مفهوم الهرمية في الفكر الروماني الوثني في مُستهل القرن الرابع الميلادي وتزامنه مع وضع أول قانون للإيمان المسيحي، أدى إلى تحول يسوع من عُضو داخل هرم الآلهة، إلى الإله نفسه المُساو له في الطبيعة، وفي هذا السياق يعرض بارت إيرمان نقطة جوهرية تتمحور حول أن البحث في ألوهية يسوع يجب أن لا ينطلق من الصورة التي رُسمتْ له في القرن الرابع الميلادي التي تميزت بكسر هرم الآلهة ورسم تصور كوسمولوجي جديد يتكون من إله مطلق وبشر عاديين، فيسوع أصبح إلها في القرن الرابع الميلادي حسب التصور الأرثوذكسي، وهذا المفهوم يختلف تماما عن نظيره في القرن الأول، وبالتالي عندما نحاول البحث عن الكيفية التي أصبح بها يسوع إلها يجب إعادة صياغة سؤال البحث كالتالي[: داخل أي منظور آمنت الجماعات المسيحية المبكرة بأن يسوع إله، إذا كانت مملكة السماء تتكون من هرم الآلهة.

بعد عرض مفهوم الألوهية والالتقاء بين العالمين في الموروث الديني اليهودي والروماني، ينتقل بارت إيرمان في الفصل الثالث المُعنون بـ: هل اعتقد يسوع بأنه إله؟، إلى الحديث عن يسوع التاريخي، مؤكدا من خلال سياق أقواله وأعماله أنه نبي رؤيوي حذر الشعب اليهودي من نهاية العالم، لكن هل من بين تعاليمه نستطيع الوقوف على جانب من الكشف عن الطبيعة الإلهية ليسوع؟ يُجيب بارت من خلال مُناقشة مجموعة من النصوص في إنجيل يوحنا[17] إلى أن يسوع ليس هو الآب، مع أنه وضع نفسه على قدم المُساواة معه، غير أن جميع هذه الأقوال المنسوبة إلى يسوع في إنجيل يوحنا لا تصمد أمام أي معيار من معايير النقد التاريخي، فيصعب بالتالي الجزم أنها أقوال أصيلة، خصوصا وأنها دُونتْ فقط عند يوحنا، فالعديد من المصادر الأقدم تاريخيا من هذا الإنجيل كرسائل بولس وإنجيل مرقص والمصدر Q وإنجيل متى ولوقا لم تتحدث عن يسوع بهذه الصورة. ما يؤكد أن هذا التقليد حول ألوهية يسوع يرجع إلى لاهوت جماعة يوحنا وليس إلى يسوع نفسه[18]، وقد استعرض بارت إيرمان في هذا السياق مجموعة من النماذج في التاريخ اليهودي لأناس تم تقديسهم والرفع من مكانتهم في مرحلة سابقة عن الزمن الذي عاشوا فيه، وهذا بخلاف ما كان سائدا عند الحضارات المُجاورة، ففي مصر كان الفرعون يُعلن نفسه إلها، وكذلك الشأن بالنسبة للإسكندر المقدوني وأغسطس وآخرين، أما بالنسبة لليهودية فإن تمجيد الأنبياء والملوك كان من عمل الأتباع الذين جاؤوا بعدهم.

أما الفصل الرابع: قيامة يسوع: ما لا يُمكننا معرفته، والفصل الخامس: قيامة يسوع: ما يُمكننا معرفته، فقد خصصهما بارت إيرمان للحديث عن قصة القيامة، فإيمان المسيحيين الأوائل بأن يسوع قام من بين الأموات شكل الحدث الرئيسي الذي ساهم في رسم المعالم الأولى لألوهية المسيح، ويبدو واضحاً أن الأناجيل الأربعة اتفقت على سرد هذا الحدث، وكانت الإشارة إلى القبر الفارغ دليلا على أن القيامة لم تكن بالروح فقط بل أيضا بالجسد. ومع توالي الأحداث والظهورات ليسوع بين العديد من الأتباع انتشرت التأويلات المُتفرقة، فيسوع في آمالهم هو ملك إسرائيل ابن الله[ وهو أيضا المُخلص المتألم، وهو السيد في نظر الأتباع الأوائل، فارقهم بعد أحداث الصلب ليجلس عن يمين الآب، فكل هذه الألقاب في المُتخيل الشعبي تم ربطها بنصوص العهد القديم، فمثلا في سفر المزامير نقرأ: “يقول الأزلي لسيدي: اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئاً لِقَدَمَيْكَ”[ فمن سيكون السيد في هذا النص غير يسوع، وها قد صدق وعد الإله بأن جعله ملكاً ليس على إسرائيل فقط بل في مملكة السماء، فتحقق بذلك أن كان يسوع هو ابن الله الحقيقي، وهكذا بدأت عمليات التأليه داخل هذا السياق، وهو تأليه لا يزال في مراحله الأولى ولم يبلغ بعدُ طوره النهائي[، واللافت للانتباه من خلال النصوص الكرستولوجية الأولى أن يسوع لم يكن مُساويا للآب في الجوهر والطبيعة، فهو فقط الشخص الذي أعطاه الآب مكانة قدسية أعلى من مكانة البشر.

لا ترجع النصوص الأولى للمسيحية إلى أي من أتباع يسوع المقربين، فلم يكن رواة الأناجيل شهود عيان ولم يتم تدوين أولى الشهادات إلا بعد سنوات عديدة. لماذا إذن لم يدون الأتباع الأوائل قصتهم مع يسوع؟ يُجيب بارت إيرمان على هذا التساؤل في الفصل السادس: بداية الكريستولوجيا: المسيح المُمجد في السماء، من خلال الإشارة إلى أن أغلب هؤلاء الأتباع كانوا ينتمون من الناحية الاجتماعية إلى طبقة الفقراء والفلاحين والجليليين القادمين من الأرياف، فكان بالتالي احتمالية إتقانهم للقراءة ضعيفة جداً ناهيك عن الكتابة، بالإضافة إلى التأكيد على أن الهاجس الإسكتولوجي ظل مُصاحباً للرسل الاثني عشر ولباقي الأتباع الأوائل، فلم يهتموا بتدوين تعاليم يسوع أو كتابة حياته ليقينهم بالاقتراب الوشيك لنهاية العالم. وكانت المُشافهة هي الطريقة الوحيدة لنقل قصة يسوع للمؤمنين الجُدد، وظل هذا التراث الشفهي ينتقل من شخص لآخر ومن ثقافة لأخرى إلى أن تم تدوينه بعد سنين عديدة في أولى نسخ الإنجيل، وفي هذا المعرض يطرح بارت إيرمان فرضية جدلية عن الشكل الذي سيكون عليه إنجيل كتبه شاهد عيان أو أحد أتباع يسوع المقربين فإنه حتما سيكون مُختلفا بشكل جذري على الأناجيل التي لدينا وعن التصور الرسمي للكنيسة حول طبيعة المسيح. هذا الإنجيل الافتراضي سيحتوي على التعاليم الأخلاقية ليسوع، كما سيحتوي أيضا على رحلاته من قرية إلى أخرى يُحذر فيها الناس من اقتراب نهاية العالم ويحثهم على التمسك بالوصايا.

يُعالج بارت إيرمان في الفصل السابع: يسوع كإله في الأرض: كرستولوجيا التجسد المبكرة، بداية تشكل الكريستولوجيا المسيحية في النصوص الدينية الأولى للعهد الجديد، حيث كان الإيمان الشعبي يُنزل يسوع منزلة أرفع من باقي البشر، وحتى لو تم اعتباره ذو طبيعة إلهية، فهي تندرج داخل سياق الآلهة الأقل مكانة من الإله المُطلق، يُمكن تلخيص هذا الإيمان بالصيغة التالية: “يسوع إله لكنه ليس الآب”، ومع ذلك حافظت المسيحية على مكانتها كدين توحيدي يؤمن بإله واحد. لقد شهدت هذه الفترة سجالات عديدة حاولت إعطاء حلول لهذه المعضلة، وظهرت العديد من الأفكار والتعاليم لجماعات مسيحية مُختلفة، لكن في الأخير لم يستطع سوى فريق واحد أن ينتصر في هذه المعركة، ويجعل من آرائه الدين الرسمي للمسيحية، واصفاً آراء الآخرين بالبدعة والهرطقة والخروج عن تعاليم يسوع الصحيحة.

في الفصل الثامن وعنوان: بعد العهد الجديد: الطريق المسدود للكرستولوجيا في القرن الثاني والثالث ميلادي، ينتقل بارت إيرمان إلى الحديث عن ثنائية أرثوذكسية/هرطقة، فوصف تعاليم جماعة مُعينة بأنها هرطقة أو بدعة يقتضي أمرين، الأول: وجود الوجه المقابل للهرطقة وهو التعليم الصحيح أو الأرثوذكسي، والثاني: أسبقية التعليم الصحيح عن التعليم الخاطئ الهرطوقي. إن هذا الاستعمال هو رهين النطاق اللاهوتي، إذ أن الكنيسة الرسيمة التي انتصرت في معركة الآراء والعقائد، وصفتْ آراء كل المُخالفين بأنها هرطقة وبدعة، أما داخل سياق البحث التاريخي فإن الأمر مُختلف تماماً، لقد سبق وأن أشرنا في مقدمة هذه القراءة أن عمل والتر بور أعاد الجدل حول هذه الثنائية إلى سياقه التاريخي، وفي هذا الفصل أكد بارت إيرمان -من خلال مُناقشة العديد من النصوص- على أسبقية العديد من التعاليم التي وُصفت بالهرطقة على التعاليم الأرثوذكسية، وعلى أن كل الجماعات المبتدعة في القرن الثاني والثالث والرابع ميلادي نشرت معتقداتها ودعتْ إليها إيماناً منها أنها التعاليم الصحيحة والأكثر أصالة. لقد ظهرت تعاليم تُحاول التأكيد على بشرية يسوع، وفي الجهة المُقابلة ظهرت تعاليم تؤكد أن يسوع هو الآب نفسه نزل إلى الأرض، وظهرت آراء أخرى تُحاول الجمع بين القولين باعتبار يسوع ذو طبيعة بشرية وإلهية في نفس الوقت، إلى غيرها من الآراء المُختلفة والمُتناقضة، والتي لم يكن مُحركها الأساسي حب الجدل، بقدر ما كان المحاولة المُستميتة لبلوغ الصورة الحقيقية للعبادة والتدين الصحيحين، فإذا توجب التوجه إلى يسوع بالعبادة، فهل يكون ذلك على أساس أنه الآب؟ أم أنه إله أقل من الآب مكانة؟ أم يتم إفراد الآب فقط بالعبادة؟ والإله الذي يُتوجه له بالعبادة هل هو خالق الكون أم أنه فرع آخر في هرم الآلهة؟ كلها إشكالات حاولت الجماعات المسيحية المبكرة أن تجد لها حلاً.

واحدة من هذه الإجابات فقط استطاعتْ أن تُمثل الرأي الرسمي الذي سينتصر ويسود بعد مجمع نيقية المُنعقد سنة 325، وهو ما تطرق إليه بارت إيرمان في الفصل التاسع: مفارقات الأرثوذكسية في الطريقة إلى نيقية من خلال بيان سياق انعقاد المجمع وطريقة الحسم في قانون الإيمان الأول، الذي تم فيه الانتهاء من رسم صورة يسوع الإله المُساوي للآب في الجوهر الأزلي والذي سيأتي في نهاية العالم ليُحاكم الأحياء والأموات، ويبدو جليا أن مسيح الإيمان كما هو مكتوب في قانون نيقية يُخالف تماماً بل ويتناقض مع صورة يسوع التاريخي.

ختاماً، كيف نستطيع تقييم حصيلة الفصول التسعة لكتاب بارت إيرمان داخل السياق الغربي؟ نستطيع القول إن الكتاب يكاد يخلو من أي إضافة نوعية فيما يخص جديد الأبحاث حول تأليه يسوع، وإشكالية البحث التي اشتغل عليها بارت إيرمان قد تم التطرق إليها بشكل أكثر دقة مما عرضه، ويُمكن الرجوع في هذا الباب للكتاب الأخير لـ: James D G Dunn[] الصادر سنة 2010 وأيضا كتاب Larry W. Hurtado[23] الصادر سنة 2003 وكتاب [24]Wilhelm Bousset الصادر بالألمانية سنة 1913 والمُترجم للإنجليزية سنة 1970. غير أن الميزة الحقيقية لكتاب بارت إيرمان تتجلى في قدرته على نقل النقاش حول تاريخ المسيحية المبكر من داخل أسوار الجامعات إلى الرأي العام والمُجتمع بجميع فئاته ومرجعياته الفكرية. إن اللافت للانتباه في تتبع أثر الأبحاث الحديثة حول المسيحية على المجتمع الغربي في أوربا وأمريكا، أنها أبحاث تُخاطب فئات مُعينة لا تخرج عادة عن فئة الباحثين داخل الجامعات والمعاهد الأكاديمية، في حين يبقى التعليم اللاهوتي في معزل عن عرض هذه النتائج على المؤمنين سواء داخل المعاهد المُتخصصة في الدراسات اللاهوتية أو داخل الكنيسة، إلا إذا ما استثنينا بعض المُحاولات النادرة ككتاب الباحث الكاثوليكي ميير جون Meier P. John [25]. وفي هذا الإطار يذهب بارت إيرمان إلى أن حصر النشر في النطاق الأكاديمي يزيد من تعميق الفجوة بين الليبراليين والمحافظين، ويؤكد في أكثر من موضع من كتبه ومقالاته، أن نتائج البحث التاريخي في المسيحية لا تؤدي بالضرورة إلى نبذ الدين وتقويض العقائد المسيحية كما يُروج لذلك المُحافظون، بقدر ما أنها تكشف عن التعليم الأكثر أصالة ليسوع وأتباعه، وهذا التوجه هو ما جعل إيرمان يتوجه إلى إصدار كُتبه الثلاثة الأخيرة في واحدة من أكبر دور النشر في العالم HarperOne عوض نشرها كما هو الحال بالنسبة لكتبه الأولى في جامعة أوكسفورد، وذلك في مُحاولة للاستفادة من القوة الترويجية الهائلة التي تتمتع بها دور النشر الكبيرة، حتى تتمكن فكرة الكتاب من الوصول إلى أكبر عدد من القُراء[1]، وقد استطاع الكتاب كما سبق وأن أشرنا في المقدمة أن يحتل المراتب الأولى في لائحة نيويورك تايمز لأعلى الكتب مبيعا، غير أن هذا الجانب الإيجابي في توسيع دائرة القراء، يعود أحياناً على المؤلف ببعض السلبيات، كتبسيط لغة الكتاب والتناول السطحي لبعض القضايا الحساسة. ورغم ذلك تبقى فكرة الكتاب مثيرة للاهتمام ومُحفزة للقراءة لكل الباحثين في تاريخ المسيحية المُبكر والمُهتمين بالتطور التاريخي لصورة يسوع في القرون الأولى.
هناك العديد من العلماء العلمانيين قدموا تصوراتهم الخاصة لما يسمى "يسوع التاريخي" – ومعظمهم، يعتبرونه، كما يقول الباحث التوراتي كروسان "إحراجا أكاديميا". فإن عيسى من وجهة نظر كروسان مجرد رجل حكيم، وفي نظر روبرت آيزنمان فإنه رجل ثوري، بينما يعتبره برات ايرمان نبياً. ولعل الشيء الوحيد الذي يتفق عليه علماء العهد الجديد على ما يبدو هو وجوده التاريخي، ولكن هل يمكن أن يكون هذا الاتفاق موضع تساؤل هو الآخر؟

المشكلة الأولى التي نواجهها عند محاولة اكتشاف المزيد عن عيسى التاريخي هو عدم وجود مصادر قديمة يمكن الرجوع لها. حيث أن أقدم المصادر المرجعية عن المسيح تتحدث بوضوح عن تلك الشخصية الدينية الخيالية، وهذه المصادر القديمة، تم جمعها بعد مرور عدة عقود من تلك الأحداث المزعومة، كلها جاءت من كتّاب مسيحيين حريصين على تعزيز المسيحية – وهو ما يمنحنا العذر للتشكيك في أقوالهم.

مؤلفي الأناجيل لم يفصحوا عن اسمائهم، ولم يصفوا لنا مؤهلاتهم، ولم يظهروا أي انتقاد لمصادرهم الأساسية - والتي يفشلون أيضا في التعرف عليها. وتلك الأناجيل المليئة بالمعلومات الأسطورية وغير التاريخية، والتي تم اخضاعها لقدر كبير جداً من التحرير مع مرور الوقت، لا يمكنها بالتأكيد اقناع النقاد ليثقوا حتى بالادعاءات الدنيوية الواردة فيه.

الأساليب التي كانت تستخدم تقليديا لاستخلاص بعض الحقائق النادرة من الأناجيل هي أساليب مشكوك فيها. يقول معيار الإحراج أنه إذا كان القسم ينطوي على بعض الحرج للمؤلف، فمن المرجح أن يكون حقيقياً. وللأسف، ونظرا للطبيعة المتنوعة للمسيحية واليهودية في ذلك الوقت (فإن الأشياء لم تتغير كثيراً)، ونسبة عدم الكشف عن هوية مؤلفي الأناجيل، فإنه من المستحيل تحديد ما إذا كانت فعلا ستكون محرجة أو غير بديهية، ناهيك عما إذا كان ذلك لا يخدم بعض الأغراض الانجيلية.

كما أن معيار السياق الآرامي غير مفيد هو الآخر. حيث أن عيسى وأقرب أتباعه لم يكونوا بالتأكيد الوحيدين الذين كانوا يتكلمون باللغة الآرامية في القرن الأول للديانة اليهودية، كذلك معيار الشهادات المستقلة المتعددة بالكاد يمكن أيضا أن تستخدم بشكل صحيح هنا، لأن المصادر ليست مستقلة على ما يبدو.

رسائل بولس، والتي كتبت قبل الاناجيل، لا تمنحنا أي سبب منطقي يجعلنا نصرح بأن يسوع كان موجودا. كما أن تجنب الأحداث والتعاليم الدنيوية ليسوع ، حتى وإن عززت هذه الأخيرة ادعاءاته، فإن بولس يصفه "بيسوع السماوي". وحتى عند مناقشة ما يبدو أنه القيامة والعشاء الأخير، فإن مصادره الوحيدة هي فقط ذكر ما جاءه بالوحي مباشرة من الرب، وكذلك كشفه غير المباشرة من العهد القديم. وعليه فإن بولس يستبعد فعلا المصادر البشرية (انظر الغلاطية 1: 11-12).

والأهم من ذلك أيضا هي المصادر التي ليست بحوزتنا. لا يوجد هناك شاهد عيان أو رواية معاصرة للفترة التي عاش فيها يسوع. وكل ما نملكه هو وصف لأحداث حياة يسوع من غير شهود عيان، ومعظمها متحيزة بشكل واضح. وهناك القليل الذي يمكن استخلاصه من عدد قليل من مصادر غير الكتاب المقدس وغير المسيحية، والمفكر الروماني الوحيد جوزيفوس والمؤرخ تاسيتوس لم يجد أي حجة معقولة تدفعه للكتابة عن يسوع بعد 100 عام من حياته. وهناك العديد من الروايات المتفرقة يكتنفها الغموض، مع خلافات حول الأجزاء التي خضعت للتغيير في الكتب المسيحية (المخطوطات التي احتفظ بها المسيحيون)، والحقيقة أن جميع هؤلاء الكتاب ولدوا بعد وفاة يسوع (وبالتالي ربما تلقوا هذه المعلومات من المسيحيين)، ومن الغرائب أنه مرت قرون قبل أن يبدأ المدافعون المسيحيون بالرجوع إليها.

مذهب اللاأدرية مناسب بالفعل لهذه المسألة على ما يبدو، ودعم هذا الموقف يأتي من دفاع المؤرخ المستقل ريتشارد كارير مؤخرا عن نظرية أخرى - وهي أن الإيمان بيسوع بدأ باسم الإيمان بالكيان السماوي البحت (الذي قتل على يد الشياطين في العالم العلوي)، الذي أصبح حدثا تاريخيا مع مرور الوقت. ولتلخيص مجلد كارير الذي يتكون من 800 صفحة، هذه النظرية والنظرية التقليدية – التي تقول بأن يسوع كان شخصية تاريخية ثم تحول إلى شخصية اسطورية مع مرور الزمن – تتفق بشكل جيد مع الأناجيل، والتي هي خليط جاء مؤخراً من الخرافات والاساطير الواضحة ومن أشياء أخرى تبدو تاريخية.

غير أن رسائل بولس، تقدم دعماً كبيرا لنظرية "ألوهية يسوع"، وخاصة في النص الذي يشير إلى أن الشياطين قتلوا يسوع، ما كان لهم أن يفعلوا ذلك لو كانوا يعلمون من يكون (انظر: 1 كورنثوس 2: 6-10). البشر – وهم الذين قتلوه وفقا للأناجيل – وكانوا سيقتلونه بالطبع لاعتقادهم بأن موته فيه خلاصهم، وهزيمة الأرواح الشريرة.

إذا ما الذي يقوله بقية العلماء (غير المسيحيين) عن هذا كله؟ والمثير للدهشة أن ما يقولونه عن جوهر الموضوع قليل جداً. حيث أن بارت موريس وكيسي حاولوا وبذلوا قصارى جهدهم لإثبات وجود يسوع التاريخي في الآونة الأخيرة. والنقطة الأكثر حسما بالنسبة لهم هي أن الأناجيل عموما يمكن الوثوق بها - بعد أن نتجاهل العديد والعديد من الجزئيات الصغيرة التي لا تجدر الثقة بها – وذلك لأن المصادر التي تستند إليها افتراضية (أي أنها غير موجودة). فمن الذي أنتج هذه المصادر الافتراضية؟ ومتى؟ وماذا تقول؟ وهل كانت مصادر موثوقة؟ وهل كان المقصود جعلها صور تاريخية دقيقة ورموز مضيئة، أم أنها مجرد قصص مسلية؟

لا يستطيع ايرمان وكيسي ولا حتى أي عالم من علماء العهد الجديد أن يقول بذلك. ونظرا لضعف حالة المصادر الحالية، والأساليب الفظيعة التي يستخدمها أغلب مؤرخي الكتاب المقدس، فمن المحتمل أن لا تحل هذه المسألة.

وباختصار، هناك أسباب وجيهة تدعو وبشكل واضح للشك في وجود يسوع التاريخي – هذا إن لم يكن وجوده واردا.

* رافائيل لاتاستر محاضر في الدراسات الدينية في جامعة سيدني.
Did historical Jesus really exist? The evidence just doesn’t add up.
Did a man called Jesus of Nazareth walk the earth? Discussions over whether the figure known as the “Historical Jesus” actually existed primarily reflect disagreements among atheists. Believers, who uphold the implausible and more easily-dismissed “Christ of Faith” (the divine Jesus who walked on water), ought not to get involved.

Numerous secular scholars have presented their own versions of the so-called “Historical Jesus” – and most of them are, as biblical scholar J.D. Crossan puts it, “an academic embarrassment.” From Crossan’s view of Jesus as the wise sage, to Robert Eisenman’s Jesus the revolutionary, and Bart Ehrman’s apocalyptic prophet, about the only thing New Testament scholars seem to agree on is Jesus’ historical existence. But can even that be questioned?

The first problem we encounter when trying to discover more about the Historical Jesus is the lack of early sources. The earliest sources only reference the clearly fictional Christ of Faith. These early sources, compiled decades after the alleged events, all stem from Christian authors eager to promote Christianity – which gives us reason to question them. The authors of the Gospels fail to name themselves, describe their qualifications,´-or-show any criticism with their foundational sources – which they also fail to identify. Filled with mythical and non-historical information, and heavily edited over time, the Gospels certainly should not convince critics to trust even the more mundane claims made therein.

The methods traditionally used to tease out rare nuggets of truth from the Gospels are dubious. The criterion of embarrassment says that if a section would be embarrassing for the author, it is more likely authentic. Unfortunately, given the diverse nature of Christianity and Judaism back then (things have not changed all that much), and the anonymity of the authors, it is impossible to determine what truly would be embarrassing´-or-counter-intuitive, let alone if that might not serve some evangelistic purpose.

The criterion of Aramaic context is similarly unhelpful. Jesus and his closest followers were surely not the only Aramaic-speakers in first-century Judea. The criterion of multiple independent attestation can also hardly be used properly here, given that the sources clearly are not independent.

Paul’s Epistles, written earlier than the Gospels, give us no reason to dogmatically declare Jesus must have existed. Avoiding Jesus’ earthly events and teachings, even when the latter could have bolstered his own claims, Paul only describes his “Heavenly Jesus.” Even when discussing what appear to be the resurrection and the last supper, his only stated sources are his -dir-ect revelations from the Lord, and his in-dir-ect revelations from the Old Testament. In fact, Paul actually rules out human sources (see Galatians 1:11-12).

Also important are the sources we don’t have. There are no existing eyewitness´-or-contemporary accounts of Jesus. All we have are later de-script-ions of Jesus’ life events by non-eyewitnesses, most of whom are obviously biased. Little can be gleaned from the few non-Biblical and non-Christian sources, with only Roman scholar Josephus and historian Tacitus having any reasonable claim to be writing about Jesus within 100 years of his life. And even those sparse accounts are shrouded in controversy, with disagreements over what parts have obviously been changed by Christian scribes (the manu-script-s were preserved by Christians), the fact that both these authors were born after Jesus died (they would thus have probably received this information from Christians), and the oddity that centuries go by before Christian apologists start referencing them.

Agnosticism over the matter is already seemingly appropriate, and support for this position comes from independent historian Richard Carrier’s recent defense of another theory — namely, that the belief in Jesus started as the belief in a purely celestial being (who was killed by demons in an upper realm), who became historicized over time. To summarize Carrier’s 800-page tome, this theory and the traditional theory – that Jesus was a historical figure who became mythicized over time – both align well with the Gospels, which are later mixtures of obvious myth and what at least sounds historical.

The Pauline Epistles, however, overwhelmingly support the “celestial Jesus” theory, particularly with the passage indicating that demons killed Jesus, and would not have done so if they knew who he was (see: 1 Corinthians 2:6-10). Humans – the murderers according to the Gospels – of course would still have killed Jesus, knowing full well that his death results in their salvation, and the defeat of the evil spirits.

So what do the mainstream (and non-Christian) scholars say about all this? Surprisingly very little – of substance anyway. Only Bart Ehrman and Maurice Casey have thoroughly attempted to prove Jesus’ historical existence in recent times. Their most decisive point? The Gospels can generally be trusted – after we ignore the many, many bits that are untrustworthy – because of the hypothetical (i.e. non-existent) sources behind them. Who produced these hypothetical sources? When? What did they say? Were they reliable? Were they intended to be accurate historical portrayals, enlightening allegories,´-or-entertaining fictions?

Ehrman and Casey can’t tell you – and neither can any New Testament scholar. Given the poor state of the existing sources, and the atrocious methods used by mainstream Biblical historians, the matter will likely never be resolved. In sum, there are clearly good reasons to doubt Jesus’ historical existence – if not to think it outright improbable.
https://www.amazon.com/exec/obidos/ASIN/B017YB4D82/supportraphael-20
http://www.raphaellataster.com/
في أوائل القرن العشرين قام عدد من الباحثين والعلماء بدعم فرضية أنَّ المسيح لم يكن أكثر من مجرَّد أسطورة. ومن ضمنهم جي. م. روبرتسون، دبليو بي سميث، وإي دوجاردين، هم الذين جادلوا أنَّ هوية المسيح قد تمَّ اختلاقها وتلفيقها اعتمادًا على إله ما قبل مسيحي يسمى يسوع (أو يوشع/ جوشوا – ربما قد يكون النبي يوشع نفسه). آخرون مثل درو مثلاً جادلوا أنَّ المسيح كان مستعارًا من شخصية المسيَّا/المسيح في سفر إشعيا، وآخرون أمثال ب. ل. كوشو لام القديس بولس لاختراعه شخصية المسيح. لكن آخرون أمثال ت. ويتاكر، ل. ج. ريلاندز، بي. ألفاريو، أ. بايت، ماتشيورو، ر. ستاهل، ب. فان إسينغا، إلخفي كتيّب صغير وممتاز نشر في عام 1926 (يسوع: أسطورة Jesus: A Myth) لخَّص فيه الناقد الدنماركي جورج براندس حججهم بوضوح – وضوح شديد في الحقيقة، حيث أنَّ الحجَّة ضدَّ وجود المسيح تصبح جلية جدًا.

كيف أمكن لحجَّة عدم وجود المسيح أن تصبح رائجة إلى هذا الحدِّ؟ في الواقع لأنَّ جميع الوثائق والمدوَّنات عن وجود المسيح مبعثرة ومتفرِّقة. وحتى اسمه يشير إلى وجود عملية اختراع وتلفيق بدلاً من شخص حقيقي، حيث أنَّ كلمة "مسيح" تعني: المدهون أو الممسوح – شخص مدهون بالزيت لتأدية مهمَّة مقدَّسة. لذلك يمكننا ببساطة ترجمة اسم يسوع المسيح بعبارة "يوشع الممسوح"، وإذا أرجعنا اسم يوشع إلى جذره الأصلي: جوشوا Joshua= Jahweh [أو إله]/ "يهوه ينقذ"، فإنَّنا نكون أمام تشكيل لغوي مثير للاهتمام، "الله ينقذ الممسوح". ويمكن القول "أنا أؤمن بمنقذي"، "الله يحفظ الممسوح".

والمزعج أيضًا أنَّ الكُتَّاب غير المسيحيين المعاصرين للمسيح لم يذكروه في كتاباتهم. المؤرِّخون الرومان بعد جيل واحد من ظهور المسيح قد قاموا بتأريخ تواريخ اجتماعية وطبيعية كان ينبغي أن يأخذوا إنجازاته بعين الاعتبار، لكنهم لم يوردوا أية إشارة من أي نوع على حياته أو الظروف التي مرَّ بها. لم يكن هناك أي سبب يدفعهم للتغاضي عنه، فقد كانوا يبحثون عن القصص الأصلية والغريبة، حسب تعبير آني بيسانت عام 1987:

لا يمكن إثبات وجود يسوع من خلال الكتابات والنصوص والوثائق المعاصرة لزمانه. الطفل الذي بشَّر بمولده نجم ظهر في السماء والذي يرشد الحكماء والعقلاء الغرباء إلى يهوذا، مجزرة ارتكبت بحق جميع الأطفال الرضَّع في إحدى المدن الرومانية على يد قائد روماني تابع للإمبراطور، معلِّم يشفي المرضى بداء الجذام، الأعمى، الأخرس، الأطرش، الأعرج، ويقيم الأموات وهم جثث متحلِّلة، ملكٌ على اليهود يدخل مدينة القدس بموكب مهيب ومنتصر، بدون أن تعترضه فيالق القيصر، زعيم حراك ثوري متَّهم بالعصيان يتمُّ القبض عليه من قبل أبناء قومه وتسليمه إلى الحاكم الإمبراطورية، ثائر حكم عليه بالموت وفقًا للقانون الروماني، ثلاث ساعات من ظلام لفَّ جميع أنحاء الأرض، هزَّة أرضية تفتح القبور...، أعداد هائلة من الأشباح الهائمة في جميع أنحاء مدينة القدس، جثَّة مصلوبة تبعث من جديد إلى الحياة، وتظهر على مرأى من حوالي 500 شخص، رجل يبعث من بين الأموات ويصعد بجسده نحو السماء من دون تستر... هكذا أخبرونا، أنَّ جميع هذه الأحداث قد وقعت، لكن من دون أي إشارة لحدوثها في الأدب المعاصر لها[2].

بمعنى آخر، ربما كان المسيح موجودًا، لكن ليس هناك أي توثيق أو دليل كتابي مدوَّن يثبت وقوع جميع هذه الأحداث التي ورد ذكرها في الكتاب المقدَّس.

هناك كاتبان رومانيان تجاهلا وجود المسيح يمكن إدراجهما بشكل خاص. إذ أن كلاً من سينيكا (3ق.م-65 ب.م) وبليني الكبير (23-79 ب.م) وضعا تواريخ تذكارية سُجِّلت فيها جميع الظواهر الطبيعية العظيمة في ذلك الوقت – زلازل، مذنبات، خشوف وكسوف، إلى ما هنالك. كتاب سينيكا التساؤلات الطبيعية يتألف من مجلدين، وعمل بليني التاريخ الطبيعي يتألف من عشرة مجلدات. وكلاهما لا يشيران في عمليهما الضخمين بأي إشارة من أي نوع إلى هذه الأحداث الحياتية للمسيح التي ذكرتها آني بيسانت، وكأنها لم تقع ببساطة. بليني كان مأخوذًا بظاهرة الكسوف والخسوف بشكل خاص حيث أنه ناقش إمكانية حدوث كسوف جزئي عندما قتل قيصر، لكنه لم يذكر شيئًا عن الكسوف الكلي المفترض الذي دام ثلاث ساعات كاملة والذي يفترض أنَّه وقع خلال عملية صلب المسيح بعد ذلك بسبعين عامًا. كيف يمكن حدوث هكذا كسوف عملاق من دون ذكر أية تقارير أو أخبار عنه ضمن عمل بليني الضخم في التاريخ الطبيعي؟

المؤرِّخ اليهودي جوزيفوس (37-100 ب.م) من المفترض أنَّه ذكر يسوع في فقرة أو فقرتين، لكن يتمُّ التعامل معها الآن كمحاولات تزييف واضحة تمَّ إدخالها على يد مؤلِّفين مسيحيين في فترة لاحقة. وتعتبر هذه حالة واضحة جدًا من حالات الدَّسِّ والتزييف حيث تمَّ استبعاد وإقصاء الفقرة من الطبعات الحديثة من أعمال جوزيفوس.

هناك مؤرّخ روماني يدعى تاسيتوس (حوالي 55-117 ب.م) أشار في الحقيقة للمسيح عندما تحدَّث عن "الكريستوس" Christus كمؤسِّس لفرقة دينية ألقى نيرون اللوم عليها لإشعال حرائق دمَّرت جزءًا كبيرًا من روما خلال عهده. ويمكن اقتباس المقطع بكامله من السجلاَّت بكليته كإشارة رئيسية إلى المسيح من قبل كاتب روماني خلال فترة المائة وخمسون عامًا التي تلت وفاته.

[لتبرئة نفسه من إشعال الحريق الذي دمر روما] ألقى نيرون اللوم على فئة مكروهة بسبب هرطقاتها وأنزل على أفرادها أشدَّ وأفظع أنواع العذاب، يسمُّون "المسيحيين" بين العامة. المسيح، أو الشخص الذي يستمدُّون منه اسمهم، عانى كثيرًا وأنزل فيه أشدَّ العقاب خلال عهد تايبيريوس على يدي أحد ولاتنا، بونتيوس بيلاطس، والخرافة الأبشع – حتى هذه اللحظة – لم تقتصر في انتشارها على مملكة يهوذا فقط، أصل كل الشرور، بل حتى في روما، حيث أنَّ كل هؤلاء البؤساء والأشقياء من جميع أرجاء الأرض وجدوا ضالتهم ومركزهم وأصبحوا هم الأشياع. وفقًا لذلك، تمَّ إلقاء القبض على كل من وُجِدَ مذنبًا، ثمَّ، اعتمادًا على معلوماتهم تمَّت محاكمة جموع غفيرة منهم، لكن ليس بتهمة إحراقهم للمدينة، بل بتهمة أنهم مكروهون ومنبوذون. تمَّت السخرية منهم بأقذع وأبشع الأشكال قبل موتهم. وتمَّ تمزيقهم إربًا من قبل الكلاب حتى اختفوا بعد أن تمَّ إلباسهم جلود الوحوش ووضعت في رؤوسهم رؤوس حيوانات، أو كان يتمُّ صلبهم، أو رميهم في النيران وحرقهم، لينيروا بهم الطرقات، عندما كان يجنُّ الليل
يبدو أن المؤرِّخ الروماني سيتونيوس (65 ب.م-؟) يؤكِّد تصريح تاسيتوس: "المسيحيون، هم عرق من البشر يعتنقون خرافة خيالية، أو سحرية، تمَّت معاقبتهم". وقال سيتونيوس أيضًا عن الإمبراطور كلاوديوس: "دفع اليهود، الذين عاثوا في روما فسادًا وتخريبًا حسب أوامر المسيح/كريستوس، للخروج منها". بليني الصغير (62-113 ب.م) والشاعر مارشال (43-100 ب.م) والفيلسوف الرواقي إيبيكتيتوس (50- 138ب.م) والإمبراطور والفيلسوف الرواقي ماركوس أوريليوس (121-180ب.م) يبدو أنهم أشاروا جميعهم إلى المسيحيين، لكن من دون أن يذكروا المسيح بشكل خاص.

ربما تكون الإشارة الأهم إلى المسيح جاءت من المؤرِّخ بلوتارخ (46-120 ب.م) الذي كتب مقالة بعنوان خرافة، ربط فيها المسيحية مع بعض الفرق والمذاهب المعاصرة الأخرى ووصفها بأنَّها "خرافية"، حيث أنَّ كلاً من تاسيتوس وسيتونيوس كانا قد سبقاه في استخدام كلمة "خرافة" لوصف تلك الفرقة الجديدة. عامل بلوتارخ هذه الخرافة بنفس المقت الذي عامل به كل من تاسيتوس وسوتونيوس المسيحية، لذلك من المحتمل أنَّه وجَّه ملاحظاته وتعليقاته بشكل كلي أو جزئي ضدَّ المسيحيين. هل يحتمل أنَّه كان هناك فرقة أخرى ببال بلوتارخ ليصفها بالخرافة التي "تزرع الخوف من معاناة أبعد وأطول من الحياة نفسها" مع مفهوم الجحيم الذي وسَّع أفق مخيلة أتباع تلك الخرافة:

تفتح بوابات الحاوية إلى العالم السفلي على مصراعيها، أنهار من النار وفروع من الستيكس تختلط ببعضها، يعمُّ الظلام مع خيالات للعديد من الأشكال الغريبة التي تهاجم ضحاياها بهيئات مرعبة وسيماء كالحة وهي تصدر أصواتًا مخيفة ومليئة بالألم، وبجانب كل هذا، ترى قضاةً وجلاَّدين ومعاقِبين يفغرون، الخلجان والأعماق السحيقة تعجُّ بالبلاوي والأهوال والويلات. هذه الخرافة التعيسة والمقيتة، من خلال غلوِّها ومبالغتها في التحذير من المحاولة لتفادي كل شيء يوحي بالفزع والهول، تعرِّض نفسها بشكل غير متعمَّد ومن دون قصد لجميع أشكال الأهوال وعظائم الأمورنبغي الاعتراف بأنَّ بلوتارخ لم يحدِّد المسيحية بالاسم أو يذكر يسوع بالتحديد، لكن كافة الإشارات والأوصاف تشير إليها، والعلاقة واضحة وضوح الشمس.

هذا كل ما لدينا من أخبار من مؤرِّخين غير مسيحيين تحدَّثوا عن يسوع حتى عهد ماركوس أوريليوس الذي انتهى في عام 180م. والقسم الأكبر من تاريخ المسيحية تمَّت كتابته بعد هذه الفترة، لكن في الواقع لم يُشِر إلى المسيح بالاسم سوى مؤرِّخين رومانيين هما تاسيتوس وسوتونيوس، وقد فعلا ذلك فقط لتعريفه كمخترع لخرافة مذهبية توصف بالمسيحية.

إذن، لفهم دور المسيح ما علينا إلا أن نرجع إلى الأناجيل الأربعة ورسائل القديس بولس. والحال أنه ليس هناك أيَّة مصادر موثوقة يمكن اعتمادها كأساس لمعلومات فعلية. رسائل بولس المكتوبة في فترة أبكر لا تقول الكثير حول سيرة حياة المسيح ولا تقتبس أقواله بشكل فعلي. كما أنها لا تشير إلى معجزاته، تعاليمه الأخلاقية، أو حتى مولده، ما عدا إشارة بولس في سفر رومية أنَّ المسيح "مِن نَسلِ دَاوُدَ مِن جِهَةِ الجَسَدِ" [1: 3]، والتي من الواضح أنها تناقض التأكيد بأنَّ المسيح كان بذرة زرعها الرب مباشرةً في رحم مريم كما جاء في إنجيل كل متَّى ولوقا.

علاوةً على ذلك، هناك فترة زمنية تتجاوز جيلاً كاملاً أو جيلين على الأقل تفصل بين لحظة وفاة المسيح وزمن كتابة الأناجيل. الإنجيل الأول، مرقص، كتب بعد مرور حوالي ثلاثين عامًا على صلب المسيح، أمَّا الأناجيل الأخرى فكتبت بعد ذلك بفترة طويلة، فإنجيلي متى ولوقا كتبا بعد ذلك بما لا يقل عن أربعين عامًا، أمَّا إنجيل يوحنَّا بستين عامًا على الأقل. والأمر المثير للدهشة والعجب هو أنَّ بعض المعلومات السِيَرية المتوفرة في الأناجيل تتجاوز أقوال المسيح ومعجزاته. وليس هناك أي إشارة واضحة على الفترة التي مرَّت منذ بداية مسيرته النبوية كنبي حتى لحظة صلبه – ربما كان سنة، أو ثلاث سنوات أو حتى خمسة.

علاوةً على ذلك نجد أنَّ الأناجيل تناقض بعضها الآخر باستمرار. حيث تمَّ العثور على ما بين 150000 إلى 175000 تناقض فيما بينها[5]. والأهم من ذلك، اثنان من الأناجيل فقط، متى ولوقا، يشيران إلى مولد المسيح، وهناك اختلافات جذرية بين الروايات التي يرويانها. والمشكلة نفسها تحدث مع حادثة بعث المسيح وعودته إلى الحياة، فهناك العديد من الاختلافات الفعلية في التسلسل والأشخاص المشاركين في هذا الحدث والمرتبطين به خلال الأيام الثلاث الأخيرة من حياة المسيح (أو ربما لم تتجاوز الحادثة مدَّة اليوم ونصف اليوم؟) بين لحظة صلبه وصعوده إلى السماء، حيث أنَّ هذه الشهادة بكاملها سترفض من قبل أيَّة محكمة قانونية في هذا العصرضمن مجتمع مثقَّف ومتعلِّم حيث تمَّ نشر هذه الأناجيل وتوزيعها بسهولة نسبية، يمكن ترجمة هذا التشويش والارتباط بأنه يوحي بالأصالة، لكن في مجتمع لم يتثقَّف بعد فإنَّه يوحي بوجود عملية تناقل شفهي للخبر خارجة عن السيطرة.

حتى العلماء المسيحيون الأكثر احترامًا وسمعةً حسنة يعترفون بصعوبة إثبات أي شيء جوهري بشأن المسيح، وذلك مردُّه إلى التناقضات والاختلافات بين الأناجيل. راندل هيلمس يقتبس أقوال أربعة من هؤلاء العلماء في مقدِّمة كتابه من كتب الأناجيلومن ضمنهم اثنان من ألمع كتَّاب سيرة المسيح المعاصرين، كروسَّان ومييَر:

روبرت فنك:

العلماء الإنجيليين لم يقدروا على حسم مسألة ما إذا كانت الروايات والقصص الكتابية تروي أحداثًا حقيقية أو خيالية. ولم يقدروا على تحديد أيها الحقيقي وأيها الخيالي. الاختبار هنا بسيط للغاية: هل القصص المصوَّرة في الإنجيل قد حدثت فعلاً؟ هل الأناجيل خيال أم سيرة واقعية؟جون كروسَّان:

لكن لا يمكننا صرف [إعادة بناء] أو البحث عن يسوع التاريخي كعملية إعادة بناء، وكأن إعادة البناء أبطلت كامل المشروع بشكل ما. لأنه ليس هناك سوى إعادة بناء
جون مييَر:

ما تقوم به الأناجيل ضمنيًا [يتضمَّن] ادِّعاء تقديم الحقيقة حول بعض الأحداث التي وقعت (من وجهة نظر الإنجيليين) في التاريخ البشري الحالي. هذه المزاعم حول الحقيقة، في الواقع الفعلي، قد تكون صحيحة وقد لا تكون. لكن أيَّة طريقة نقدية لا تستطيع معالجة الادِّعاءات الأساسية المتأصِّلة في الأدب الإنجيلي تكون قد فوَّتت جزءًا كبيرًا ممَّا كانت تدور حوله الأناجيل بوصفها بروباغندا دينية إغريقية-رومانية في القرن الميلادي الأول[10].

رودولف بلتمان:

[إنَّ أي إنجيل هو]... مصدر أساسي للحالة التاريخية التي خرج منها، وهو مصدر ثانوي للتفاصيل التاريخية للحالة التي يمدُّنا بالمعلومات عنهوحتى الإنجيل حسب رواية يوحنا يعترف بأنَّ الدقة لم تكن ذات أهمية لإقناع الأتباع:

30 وآياتٍ [معجزات] أخرى كثيرةً صنع يسُوعُ قُدَّامَ تلاميذه لم تكتب في هذا الكتابِ. 31 وأمَّا هذه فقد كُتبَت لتؤمنوا أنَّ يسُوعَ هوَ المسيحُ ابنُ اللهِ، ولكي تكُونَ لَكُم إذا آمنتُم حياةٌ بِاسمِهِ. [يوحنا 20: 30-31]

بمعنى آخر، اعترف يوحنَّا بأنَّه شعر بالحرية لإقصاء المعلومات وعدم الحاجة إليها، قاصرًا نصَّه على الروايات والقصص التي تعزِّز الإيمان وتقوِّيه.

بمعنى آخر، هناك دليل إيجابي صغير يثبت الوجود التاريخي للمسيح، لكنه يكفي فقط لتبرير هذا الافتراض. لقد أشار كل من تاسيتوس وسرتونيوس إلى المسيح، بغضِّ النظر عن سطحية وصفهما، ومهما كان يوحنا واثقًا من وجود المسيح عندما أعلن عن نيته في وصف انتقائية المسيح من أجل تحسين صورته. في الحقيقة كل هذا مردُّه إلى ثقته بالوجود البشري للمسيح بالإضافة إلى دوره كابن للرب أرسله لنشر دعوته والتبشير بها بأحسن طريقة ممكنة.

في بدايات عام 1913، وبشكل ملحوظ تمامًا، قام الباحث الميثولوجي والموقر السير جيمس فريزر بإكمال المجلد السادس من موسوعته الغصن الذهبي
حيث كتب يقول فيه:

ظلال الشك الملقاة حول الحقيقة التاريخية للمسيح هي في رأيي لا تستحق منَّا كل هذا العناء والاهتمام
وبالتأكيد فإنَّ أغلب العلماء اليوم يقبلون بالوجود التاريخي للمسيح، بغضِّ النظر عن وضعه وحالته الأسطورية أو اللاهوتية. ولايسعنا إلا أن نتوصَّل إلى نتيجة مفادها، حسب تعبير جوزيف مكَّابي:

أنه من المحتمل أو بالتأكيد كان هناك نبي يهودي، ثائر ومتمرِّد ضدَّ الديانة الرسمية لقومه، تمَّ إعدامه في القدس، وليس هناك أيُّ مصادر أخرى موثوقة يمكن اعتمادها كأساس لمعرفتنا عنه
على أيَّة حال، تبقى مشكلة واحدة وهي من أصعب المشكلات التي تواجهنا في قبول واقعية قصَّة المسيح: تتلخَّص في تشابهها مع قصص وروايات الأديان التي سبقتها والتي من الواضح أنها مجرَّد أساطير. المسيح نفسه يبدو حيًا في الأناجيل، لكن أهم الأحداث التي وقعت في حياته هي نسخة عن قصص لآلهة وثنية كانت تُعبَد في نفس الفترة – في الحقيقة كانت عبادة هذه الآلهة تنافس ديانة المسيح خلال القرنين الثالث والرابع. إذن، فإنَّ كافة إنجازات المسيح تبدو أنها كانت تحقُّقًا مستنسخًا لجميع الحاجات والضرورات التي كانت منشودة في قصص هذه الشخصيات الدينية الوثنية والتي من الواضح أنها كانت أسطورية وخرافية. والجميع سيتَّفق على أنَّ: تلك الآلهة الأخرى كانت من صنع المخيلة، لكن قصَّة يسوع (والتي جاءت بعد هذه القصص بفترة طويلة في التاريخ القديم) قد جاءت إلى الأرض ويمكن اعتبارها حقيقية بالكامل. وهذا على الأرجح يساعد على تفسير التحوُّل الهائل الذي حدث من الديانات الوثنية إلى المسيحية. ونستنتج من هنا أنَّ حياة المسيح وإنجازاته العظيمة والهائلة كانت نتيجة النزعة البربرية وأكل لحوم البشر من جهة المسيحيين المتأخرين الذين استعاروا من الديانات الأخرى كلَّ ما لبَّى وأشبع حاجتهم الماورائية مهما يكن، والذي تمَّ دمجه لاحقًا مع الدعوة الماورائية للمسيح.

المضحك في الأمر، أنَّ المدافعين اللاهوتيين المسيحيين في القرن الثاني للميلاد جاستن الشهيد وترتوليان دافعا عن هذا التشابه بين الطوائف والديانات الوثنية وبين المسيحية لكن أضافا حجَّة أنَّ الشيطان حاول الإيقاع بالمسيحية وبذلك قام بتغييرها وتحريفها لتحاكي ديانات وثنية وذلك لإدخال الارتباك والحيرة والشك في قلوب المسيحيين المؤمنين. بمعنى آخر، كان الشيطان يتشارك مع الرب قدرته كعالم بكل شيء، لذا كان قادرًا على محاكاة الآلهة والإلهات المبكرة التي تشابهت قصصها مع قصة المسيح بهدف إرباك المؤمنين المسيحيين بفرض احتمال عبثي بأن يكون المسيحيين قد استعاروا من ديانات وثنية سابقة، وليس العكس. ربما قد يكون الأمر كذلك، لكن التفسير الأبسط سيكون في أنَّ المسيحيين قد قاموا فعلاً باستعارة وتزيين القصص الوثنية ليضفوا على يسوع نوعًا من الحالة التنافسية مع الآلهة التي كانت معبودة من قبل معاصريهم. في الواقع تحوَّلت المسيحية إلى وثنية بهدف تحويل المؤمنين الوثنيين. لكن لأي مدى بلغت في وثنيتها؟!! هذا هو السؤال الرئيسي...

الاستعارات من هذا النوع كانت ممكنة في ذلك الوقت، كما سبق وقلنا:

1. بما أنَّ قصَّة يسوع تمَّ تناقلها بشكل حصري عن طريق التراث الشفهي لأكثر من ثلاثين عامًا وقد تصل إلى المئة عام (أو ما يسمَّى بالعصر الرسولي)،

2. بما أنَّه كان هناك ازدهار ملحوظ لتشكيلة واسعة ومتنوِّعة من الديانات الوثنية في ذلك الوقت، و

3. بما أنَّ جميع الديانات قد أخذت من بعضها وتبادلت الأفكار فيما بينها عن طريق ما يسمَّى بـ"الحركة التوفيقية" syncretism و"الاختلاط المتبادل" theocrasia حيث استعارت المفاهيم والدوافع من بعضها البعض حيثما أمكن ذلك. من بين هذه الديانات العديدة، وكل واحدةً منها تمتلك مزاعمها الخاصة المتعلِّقة بصحَّتها وصلاحيتها، كانت المثرائية، المانوية، الغنوصية، والعبادات المنفصلة (ديانة تؤمن بإله سامٍ، إذا لم تكن توحيدية بالكامل) لهيراكليس، سيبيل، إيزيس، أوزيريس، أورفيوس، ديونيسوس، والإله سيرابيس كانقسام منفرد بعد أن جرت عملية دمج بين أوزيريس وديونيسوس. أمَّا الديانة اليهودية فإنَّها قد تجنَّبت إلى حدٍ بعيد هذه السوق الدينية التنافسية بين الديانات. والحال أنَّه كان هناك تماثل كبير وكافٍ بين المسيحية والديانات الوثنية في زمن المسيح حيث لا يسعنا سوى التوصُّل إلى نتيجة مفادها أنَّ الديانة المسيحية، كغيرها من باقي الديانات والفرق والألغاز، "نمت عن طريق امتصاص الأفكار اللاهوتية المنافسة ودمجها"الإضافة إلى النجاح الذي حقَّقته الديانة المسيحية في منحها يقينًا ملموسًا للأساطير الوثنية، أود أن أضيف هنا أنَّها خلقت التوازن الصحيح بالضبط بين اليهودية وعبادة الخصب عند الوثنيين والتي كان الطلب عليها أوسع بكثير بين الجماهير. وبشكلٍ خاص، يبدو أنَّ المسيحية ربطت بين الهوس الأخلاقي عند اليهودية وبين عبادة مختلف آلهة البعث الربيعية الشرقية المتوسطية وبين الإسكاتولوجيا الزرادشتية [أو دراسة المفاهيم الأخروية عند الديانات كالبعث ويوم القيامة والحساب والجنة والنار وما إلى هنالك. المترجم] والتي أكَّدت على وجود صراع كوني عظيم بين الخير والشر وقرار يوم الحكم الأخير [يوم القيامة] بين أولئك الذين سيرسلون إلى الجنة والنار. وكنتيجة لذلك، يمكن عبادة يسوع المسيح على أنَّه المسيَّا اليهودي (كما جرى التنبُّؤ به في سفر إشعيا 7: 14، ميخا 5، وزكريا 9:9الذي مات وجرى بعثه (كديونيسوس، أوزيريس، وباقي الآلهة)، ثمَّ صعد إلى السماء ليحكم إلى جانب الرب في يوم القيامة (كما تنبَّأ زرادشت). كما أنَّ هناك عملية تثليث توفيقية تمَّ إدخالها: النبوءات اليهودية عن المسيَّا، التضحية الوثنية من أجل الخصوبة، والإسكاتولوجيا الفارسية. وقد نجح الأمر – لكن ظل ليس حقيقًا بالضرورة.

لإزالة كافة هذه الترسُّبات الوثنية والتخلُّص منها للوصول إلى لبِّ الديانة المسيحية، سأجادل أنَّه من المهم جدًا حسم استعاراتها التوفيقية كعملية ترويج معيدة وفعَّالة خلال القرون الثلاثة أو الأربعة التي تلت صلب المسيح. سواء كان "دَين" المسيحية لهذه الديانات الوثنية عرضًا أم لا، فإنَّ الفكرة الرئيسي في جدلي هنا هي أنَّ دافعها ليس أقل أسطورية من دوافع تلك الديانات، وستتمُّ معالجتها والتعامل معها على هذا الأساس. وهذا ينطبق بشكلٍ خاص على ميلاد المسيح من عذراء، معجزاته، عشائه الأخير، وأخيرًا، وليس آخرًا، موته وبعثه. من خلال منهج الاختزالية الفكرية أو التخيلية Eidetic Reductionism، وهو مفهوم من مفاهيم الظاهراتية لهوسرل والتي يمكن تطبيقها هنا، أقترح أنَّنا يجب أن نسعى وراء جوهر المسيحية من خلال إقصاء جميع هذه الخصائص والسمات المحدَّدة من اعتبارنا والمشتركة مع العبادات الوثنية في الوقت الذي ظهرت في المسيحية لأول مرة. والأهم في هذه العلمية هو التشابه مع المثرائية، وهي الديانة التي سادت في روما لأكثر من قرن كامل من الزمن قبل اعتناق الإمبراطور قسطنطين للمسيحية خلال العقد الأول من القرن الرابع للميلاد. هناك الكثير من هذه التماثلات، وينبغي استبعادها كلها بصفتها استعارات محتملة. وهذا يشبه إلى حدٍّ كبير أو ضئيل ما حاوله تولستوي في عمله التوفيقي تعاليم يسوع، وسنقوم بالأمر نفسه. والسؤال لم يعد ما إذا كانت قصة المسيح أسطورة، بل كيف وإلى أي مدى، وما الذي بقي لدينا عندما تمَّ استبعاد الأسطورة وإسقاطها؟

إذن، ما الذي يبقى من المسيحية إذا عرِّيناها من التماثلات والمصادر الوثنية؟ أقل بكثير ممَّا نتوقَّعه. وفي الواقع، يقول البعض، لا شيء على الإطلاق. فالمسيحية كانت ثانوية بالكامل. وحتى مضمونها اليهودي كان مستعارًا. يقول جوزيف مكَّابي، على سبيل المثال:

ولا واحدة من الآراء والأفكار الدينية [الأناجيل] المنسوبة ليسوع يمكن اعتبارها أصيلة أو مبتكرةهومر سميث يجادل بطريقة مماثلة بأنَّ الطقس فوق الجبل ربما مأخوذ من الكتاب الذي بات مفقودًا الآن (Logia أو نص Q) لأقوال المسيح التي تناقلها أتباعه، لم يكن شيئًا أكثر من عمل تجميعي توفيقي من المزامير، سفر إشعيا، كتاب سيراخ، أسرار إنوخ/ إدريس، كتاب شمعون ليسره (كتاب صلوات عبرية)، ومصادر أخرى
لكن، مرةً أخرى، يتوجَّب عليَّ دعم إمكانية وجود المسيح، وأعتقد حرفيًا من خلال اعتباري وتقديري لنجاحه الباهر في نشره وترويجه لأخلاقه بكثافة وزخم لم يسبق لهما مثيل في أي مكان – وأيضًا تفنُّنه المذهل – وخواصَّه الفريدة التي تميِّزه ككائن بشري ("ابن الإنسان"، ليس أكثر) ليس أقل تعقيدًا وفرادةً من أفلاطون، شيشرون، أو أي كاتب ومفكِّر وحكيم قديم. المسيح الذي أميِّزه في نهاية الأناجيل الأربعة من غير الممكن اختراعه أو ابتكاره من قبل هيئة أو تجميعه وتلفيقه بعملية ابتكار ذكية. لقد كان حقيقيًا – لكن ربما بشكل قد لا يريح أغلب المسيحيين.

حكم المسيح وأقواله وأمثاله مذهلة بحق، كما هي قدرته على الإقناع الأخلاقي، لكني مندهشٌ أيضًا ببذخه العدواني السلبي في مكافأة البراءة الصافية ببركة أبدية، في الوقت الذي يودع فيه أغلب الجنس البشري على حدٍّ سواء في الجحيم إلى الأبد – وحتى أولئك الذين يحملون في رؤوسهم أفكارًا فظيعة أو الذين يجرؤون ولو لمرة واحدة على إهانة شخص آخر ولو بكلمة غير مؤذية. "أيها الجهَّال والعميان" كان الإنسان ليعاقب في الجحيم إلى الأبد على هكذا تعبير، لكنه مع ذلك يستخدمه بنفسه مرتين ليصف به الفريسيين مرة (متى 23: 17) والماموسيين "يا أغبياء" (لوقا 11: 40). والأمر المدهش أنَّ الإنسان لا يستطيع أن ينظر إلى الآخرين نظرة شهوة (وهذا ما يفعله أغلبنا معظم الأوقات). فمن الأفضل أن نقطع أطرافًا منًّا – أعيننا، أيدينا، أو أي شيء آخر – على أن نخاطر بالسقوط في الجحيم إلى الأبد:

قد سمعتم أنَّه قيل للقدماء: لاَ تَزنِ. 28 وأمَّا أنا فأقول لكم: إنَّ كلَّ من ينظرُ إلى امرأةٍ ليشتهيها، فقد زنى بها في قلبهِ. 29 فإن كانت عينكَ اليمنى تعثركَ فاقلعها وألقها عنك، لأنَّهُ خيرٌ لكَ أن يهلكَ أحدُ أعضائكَ ولا يلقى جسدكَ كلُّهُ في جهنَّم. 30 وإن كانت يدك اليمنى تعثركَ فاقطعها وألقها عنكَ، لأنَّهُ خيرٌ لك أن يهلكَ أحدُ أعضائكَ ولا يلقى جسدكَ كلُّهُ في جهنَّم. [متى 5: 27-30]

مرةً أخرى، نلاحظ وجود عدائية سلبية تظهر نفسها؛ فهو يأمر بالحب والإحسان والصدقة، أو الجزاء يكون النار إلى الأبد. ويستمرُّ في طمأنته لنا بأنَّ الطريق إلى الجنَّة مضمون، لكنه ضيِّق – باستثناء قلَّة يستطيعون اجتيازه.

لكن الأمر الأكثر إزعاجًا هو أنَّ المسيح رفض العائلة بالفعل، تمامًا كما تخلَّى شكسبير عن آن هاثواي، وكان برتراند رسل يمتلك أربع زوجات وخليلات لا يمكن إحصائهنَّ. بالنسبة لأغلبنا، العائلة أمر مهم جدًا – لا بل إنها أهم شيء على الإطلاق. لكن الأمر ليس كذلك بالنسبة للمسيح، الذي تحتل العائلة بالنسبة له مكانًا ثانويًا بعد الدين، و– كما حذَّر ميلتون فيما يتعلَّق بالحقيقة – في إحدى المرَّات أنزل من منزلة الزواج ليصبح أبعد من المرتبة الثانية بكثير. وتمامًا كما تلوَّى جورج دبليو بوش بغبطة في نقاشه الثاني عندما تكلم عن إعدام ثلاثة مساجين (وقد تبيَّن أنهما اثنان) بتهمة ارتكابهما جريمة قتل، فقد تكلَّم المسيح بنفس الحماس غير المعتاد عندما تحدَّث عن ترك المرء لعائلته وأهله في سبيل الدين. وهذا كان خيار المسيحي في عمل بونيان "Pilgrim s Progress"، وذلك من أجل الفوز بالحياة الأبدية في الجنة:

لذا رأيت في منامي أنَّ الرجل بدأ يركض. والآن لم يخطو خطوة واحدة أبعد من عتبة داره، لكن زوجته وأولاده، يدركونه، ويأخذون بالبكاء عليه لكي يعود، لكن الرجل يضع أصابعه في أذنيه، ويجري مبتعدًا، وهو يصرخ ويبكي: حياة! حياة! حياة أبدية! لذا لم ينظر إلى الخلف، لكنه اندفع نحو الأمام إلى وسط السهل.

ومن هنا تبدأ الحبكة حيث يهرب المسيحيون من العائلة من أجل الفوز بالدخول إلى الجنة. والشيء نفسه قيل في إنجيل متى حيث جادل المسيح أنَّ:

لا تظنُّوا أنِّي جئتُ لألقي سلامًا على الأرضِ. ما جئتُ لأُلقيَ سلامًا بل سيفًا. 35 فإنِّي جئتُ لأُفرِّق الإنسانَ ضدَّ أبيهِ، والابنةَ ضدَّ أُمِّها، والكنَّةَ ضدَّ حماتها. 36 وأعداءُ الإنسان أهلُ بيته. 37 من أحبَّ أبًا أو أمًّا أكثرَ منِّي فلا يستحقُّني، ومن أحبَّ ابنًا أو ابنةً أكثر منِّي فلا يستحقُّني، ومن لا يأخذُ صليبهُ ويتبعني فلا يستحقُّني. [متى 10: 34-39]

قد يستغرب البعض كيف يمكن للمسيح أن يكون مدركًا لأهمية الصليب بشكلٍ جيد قبل أن يصلب، لكن الرسالة سهلة وواضحة: هي أنَّ المسيح كان يريد تفكيك العائلات بغية تحقيق الخلاص لأتباعه. إنَّ محبَّة المسيح كانت أكثر أهمية من محبَّة الأقرباء والأهل. وهذه حالة مميَّزة جدًا من جنون العظمة موجودة ضمن هذه الكلمات.

لكن المسيح تحدَّث بشكلٍ مقتضب أكثر في إنجيل لوقا:

إن كان أحدٌ يأتي إليَّ ولا يبغضُ أباهُ وأُمَّهُ وامرأتهُ وأولادهُ وإخوتهُ وأخواتهِ، حتَّى نفسهُ أيضًا، فلا يقدرُ أن يكونَ لي تلمِيذًا، ومن لا يحملُ صليبهُ ويأتي ورائي فلا يقدرُ أن يكونَ لي تلميذًا. [لوقا 14: 26-27]

ومرةً أخرى، يجادل المسيح في إنجيل متى:

29 وكلُّ من تركَ بيوتًا أو إخوةً أو أخواتٍ أو أبًا أو أمًّا أو امرأةً أو أولادًا أو حقولاً من أجل اسمي، يأخذ مئةَ ضعفٍ ويرثُ الحياة الأبديَّة. [متى 19: 29]

ثم في نفس الإنجيل "متى" عندما يطلب أحد التلاميذ العودة إلى عائلته ليحضر جنازة والده، يجيبه المسيح: "اتبعني، ودعِ الموتى يدفنُون موتاهم" [متى 8: 22].

في إنجيل متى، عندما يعيد المسيح تأكيد رفضه للطلاق
بحجَّة أنَّ "الذي جمعه الله لا يفرِّقه إنسان" سأله تلاميذه عن السبب في دفاعه وهجومه على مسألة الزواج في آنٍ معًا، وقد برَّر المسيح ازدواجيته هذه من خلال قوله أنْ "ليس الجميع يقبلون تعاليمه"، لكن تمامًا كما أنَّ هناك خصيان منذ ولادتهم وخصيان هم كذلك نتيجة خيار الآخرين. إذ يمكن للمسيحي أن ينال الخلاص من دون أن يكون خصيًا، فكلاهما – المسيحي والمخصي – بإمكانها الالتزام بهذه الحالة، وكلاهما لديهما فرصة جيدة لنيل الخلاص والحياة الأبدية في الجنة. هذه كلمات قاسية جدًا؛ إمَّا أن تخصي نفسك أو تتعلَّم كيف تفكِّر وتتصرَّف كشخص مخصي، لتضمن الخلاص. لكن ما هذا الخلاص؟ وماذا عن فضيلة الزواج وإنجاب أولاد وتربيتهم؟

حتى أنَّ المسيح قام باستبعاد الزواج من الجنة في إنجيل متى "لأنَّهم [الأزواج والزوجات] في القيامةِ لا يزوِّجون ولا يتزوَّجونَ، بل يكونون كملائكة الله في السَّماء" [متى22: 30]. لماذا كل هذه المعاداة للزواج؟ ألا يدفعنا ذلك للشك في أنَّ يسوع كان يعاني من مشاكل مع عائلته الخاصة، وترد إشارة على ذلك في نفس الإنجيل:

46 وفيما هو يكلِّم الجموع إذا أمُّه وإخوتهُ قد وقفوا خارجًا طالبين أن يكلِّموه. 47 فقال له واحدٌ: «هوذا أمُّك وإخوتك واقفون خارجًا طالبين أن يكلِّموك». 48 فأجاب وقال للقائل له: «من هي أمِّي ومن هم إخوتي؟». 49 ثمَّ مدَّ يده نحو تلاميذه وقال: «ها أمِّي وإخوتي. 50 لأنَّ من يصنع مشيئة أبي الَّذي في السَّماوات هو أخي وأختي وأمِّي». [متى 12: 46-50]

من هو ذلك الشخص الذي يترك عائلته يقفون عند عتبة الباب، العتبة التي لا يستطيعون تجاوزها للدخول. إنَّ إشارة يسوع الوحيدة إلى العائلة التي تربى في كنفها وردت في سفر متى عندما قال لتلاميذه: "ليس نبيٌّ بلا كرامةٍ إلاَّ في وطنه وفي بيتهِ". [متى 13: 57].

إذن هنا نقطة أساسية أخرى في تعاليم المسيح التي تحرِّك فضولي التفسيري. فهناك تركيز كبير جدًا على إسكاتولوجيا الجحيم والعقاب – وخصوصًا في إنجيل متى – كما أنَّ هناك تركيز شديد على رفض العائلة وإنكارها من أجل قيم وأهداف روحية. ما هي الصلة التي تربط هذين الهوسين مع بعضهما؟ نحن لا نمتلك الوقت والمكان الكافيين لتناول هذه المسألة بالتحديد، لكنها تؤكِّد ما أصبو إليه:

1. أنَّ رؤيا المسيح كانت في النهاية نتيجة الكاتب نفسه وليس نصِّه (وهذا معناه أنَّ المسيح كان موجودًا بالفعل ككائن بشري)، و

2. أنَّ نصَّه أفلت التنقيحات التحريرية الفعَّالة بما يكفي للتخلُّص من العواطف والمشاعر الخارجة عن السيطرة جزئيًا (والتي تنزع لتأكيد حقيقة أنَّ أكثر أفكار المسيح قسريةً هي من بنات أفكاره الخاصة). بمعنى آخر، المسيح نفسه قفز من فوق القمَّة كما فعل كل من أفلاطون، شكسبير، وعلى الأرجح العديد غيرهم في تاريخ الحضارة الغربية.

من المؤكَّد أنَّ المسيح كان موجودًا، لكن آراءه يجب أن تعرض بعناية وأن تُغَربَل بحذر شديد مقارنةً مع تجربته الخاصة. معظم تعاليمه مفيدة وصالحة بالتأكيد، لكن هناك تعاليم أخرى خطيرة ومؤذية بالنسبة لأغلب الناس.

ختامًا، يمكننا استنتاج ما يلي: أنا نفسي لا أستطيع تقبُّل فكرة ألوهية المسيح، ولا الإسكاتولوجيا الخاصة به والتي تبشِّر بالجحيم والعذاب الأبديين، كما لا يمكنني قبول أخلاقه القائمة على الخوف، إذ أني لا أوافق على المبادئ الأخلاقية القائمة على الثواب والعقاب في حياة خيالية أخرى. وبصراحة أنا مروَّعٌ من عدوانيته تجاه الدين، والتي لا يستطيع تجاهلها والتغاضي عنها إلا كل مسيحي أعمى القلب والبصيرة. لكني ما زلت مأخوذًا بعبقرية المسيح الفذَّة والتي تمثَّلت في تمكُّنه من تشكيل وصياغة رؤية لالتزام شخصي ضروري وهام جدًا لتاريخ الحضارة الغربية اللاحق. شاب أعزب وبمفرده، في بدايات مسيرته على الأقل، سعى لتحقيق إنجازات حضارية قريبة من العلمانية، ممهِّدًا الطريق للدخول في عصور مظلمة ووسطى، وفي الصراع الديالكتيكي بين الاعتقاد الأرثوذكسي واللااعتقاد العلماني خلال القرون الأربعة الأخيرة.
إدوارد جاين