المخاطب في ديوان -غفوة في المهب- منصور الريكان

رائد الحواري
2017 / 1 / 8

المخاطب في ديوان
"غفوة في المهب"
منصور الريكان
اعتبر نفسي محظوظا لتعرفي على "منصور الريكان" ليس كشاعر متألق وحسب بل كإنسان نبيل ملتزم بقضايا الشعب والوطن أيضا، وبعد أن تقدمت منه أكثر من خلال الفيس بوك، وجدته هادئ متريث يزن كلامته قبل أن يخرجها.
أول القاء بيننا كان من خلال الحوار المتمدن حيث تمكنت من الاطلاع على شعره، فوجدته يحمل في داخله حزن إنساني، حزن هادئ/ناعم، ورغم حجم الألم والقسوة التي يمر بها العراق والعراقي لم يكن الشاعر متطرف في طرحه ، بل كل يدعو الكل إلى التقدم من الوطن، من العراق، العراق الذي اعطا كل العراقيين دون استثناء، فهو الجامع وهو الموحد لكل العراقيين، وعليهم جميعا دون استثناء المشاركة في رفع الأذى الذي ويقع عليه.
لكل شاعر لغته، ألفاظه، تعابيره الخاصة، "منصور الريكان" يكتب بلغته وبألفاظه وتعابيره الخاصة، فيمكن لأي منا أن يميز لغة وألفاظ الشاعر، فأحرف النداء التي تقرب المتلقي من النص وتثير فيه اليقظة والانتباه، بحيث يشعر بأن القصيدة كتبت له، كقارئ/كمتلقي لوحده دون سواء، بمعنى أن النص الشعري يشعر القاري بأن هذه القصيدة كتبت له وحده، وليس للكل/للعامة، وهنا تتشكل علاقة استثنائية بين القصيدة وبين المتلقي.
يقول في قصيدة "الراوي":
"(2)
هم لائذون وصحبنا يتنابزون وفي المشيمة شكّهمْ
لا تعصف الريح المدانة لا كرى
ينتابهمْ ......
من أي جافية أتيت سأسعفكْ ؟؟؟؟
يا مالك الخطو المبارك أسألكْ ؟؟
هل كنت مولى أم خطاب أنهككْ
هم جاوروك وركّزوا أوتارهمْ
وتيمنوا من صحبتكْ
لم تنفع العبرات يا صاح المؤطر بالرضابْ
أنا في غيابْ .....
شهروا لفافاتي وداسوا إصبعيْ
لا تخلعيْ .....
تلك المواسم من دروب لا تعابْ
يا غافي الحسرات مالي والهوى
هو سفح نادبة وماضغه أرى
شاهت عليه الغافيات ولمّهنْ
مغرورقات الدمع ناهضه المحنْ
أيامنا تمضي وتوقد لهوهمْ
هم جرجروني لاغتصاب حقيقتيْ
بمدينتيْ ......
لا بوح لا رؤيا ولا ركن يفزّ على الهواءْ
قارورتي بعض التندر من ركام محلتيْ
لا تطلقي بعضي وترقي من عصا
سيفي نحيب واجترارها قد عصى
أنا راوي الخبر المضمخ بالغيابْ
أحكي مساراتي وأنوي للرحيلْ
نحو اختلالي لحظة ولدي حب فاسد يهجو النخيلْ
لا توقدي قنطار صدري فازعا ويداك بارحها الجليلْ
هي غربة وتراهن الظل الضليلْ
من يحكم النفس المدانة طلقها
هي آلهات من رذاذْ
ولي الملاذْ ........."
. يبدأ الشاعر بمخاطبة القارئ،
"هم لائذون وصحبنا يتنابزون وفي المشيمة شكّهمْ
لا تعصف الريح المدانة لا كرى
ينتابهمْ ......"
فالمقطع الأول اتبعه الشاعر بالسؤال:
" من أي جافية أتيت سأسعفكْ ؟؟؟؟"
بحيث جعل القارئ يقف أمام النص متأملا/مفكرا بما يريده الشاعر، وهنا تكمن الإثارة في النص، جعل المتلقي يشعر بأنه هو من كتبت له هذه القصيدة، ولم تكتب للآخرين، وعندما أتبع السؤال بحرف النداء:
" يا مالك الخطو المبارك أسألكْ ؟؟"
تأكد أكثر للقارئ بأنه المعنى والمقصود بهذا الخطاب وليس أحدا سواه.
يبدأ الشاعر في طرح أفكاره، ما يريده، فتارة يتحدث عن واقع/هموم القارئ/المخاطب وتارة يتحدث عن واقع/هموم الشاعر، وكأنه يوحد/يجمع ما بين همومه وهموم المتلقي، فهم شركاء في الألم:
"لم تنفع العبرات يا صاح المؤطر بالرضابْ
أنا في غيابْ .....
شهروا لفافاتي وداسوا إصبعيْ
لا تخلعيْ ....."
هذا الحديث عن الهم الشخصي للشاعر، يشعر القارئ بقربه من الشاعر، فبعد أن خصصه بالكلام/بالخطاب، من خلال صيغة السؤال وحرف النداء ها هو يخاطبه عن همومه، عما يحمله من ثقل، وهنا تتوطد العلاقة بين المتكلم/الشاعر والمخاطب/القارئ أكثر، فهم اصدقاء/أهل ولهذا يحدثنا المتكلم بهمومه، وهذه الامر، المحادثة لا تكون إلا بين الأصدقاء والمقربين، ولا يمكن لها أن تكون بين الغرباء، فالتفريغ بما تحمله النفس من ألم، من هموم لا تكون إلا بين الخلان .
ذكاء الشاعر لا يتوقف عند هذا الأمر بل نجده يرفع من علاقته بالمخاطب/بالقارئ، بحيث يجمع بين همومه وهموم القارئ، فهما ليسا اصدقاء وحسب، بل يشتركان في الهم، تجمعهما المأساة:
" تلك المواسم من دروب لا تعابْ
يا غافي الحسرات مالي والهوى
هو سفح نادبة وماضغه أرى
شاهت عليه الغافيات ولمّهنْ
مغرورقات الدمع ناهضه المحنْ
أيامنا تمضي وتوقد لهوهمْ
هم جرجروني لاغتصاب حقيقتيْ
بمدينتيْ ......"
الكلام للشاعر، لكنه يتحدث عن الواقع العام، عن فكرة تخص المتلقي كما تخص المتكلم، وعندما أعادة استخدام حرف النداء أراد أن يؤكد على هذه الوحدة التي تجمعه بالمخاطب.
اللفظ والمضمون
هناك علاقة جدلية بين اللفظ المضمون، فالنص الجيد المنسجم مع ذاته، مع الفكرة التي يطرحها، يستخدم فيه الفاظ تخدم الفكرة، بحيث تكون الألفاظ بشكلها المجرد تبين/تخدم الفكرة/المضمون المراد طرحه، وهذا الانسجام والتوحد بين اللفظ والمضمون يشير إلى حالة التماهي بين الشاعر والنص الشعري، بحيث يكون النص يعبر بصدق ووضوح عما يحمله الشاعر في داخله، وهنا يكمن صدق النص، فهو غير مصنع، غير مفبرك، بل نابع من داخل النفس، من مشاعر صافية وصادقة، رغم تقديمه ضمن سياق شعري يخضع لقوانين الشعر.
في قصيدة "المكفوف" نجد هذا الصدق، هذا التوحد بين النص الشعري والشاعر:
"المكفوف
(1)
كانت الدنيا تدورُ .......
وعيوني تستبيح الخطو من بعض الركامات لأهذيْ
وعلى طيف الربابة يستريح العازفُ المقهور يندب لائذا بالصفح والشمّات في بلدي كثيرون وأنفاس المراوغ للمتاريس سيحفر لعنة المنفى
يطلُّ الشاهد الأعمى
بلا تفقيس من طفق الجناةْ
يا غياهب لثغة السفلس دوري
واغرفي وجع المرافئ في النشورِ
غلفي تيجان رأسي في سراديب البغاءْ
كهرباءْ ……..
لاحس من غفلتي بعض ( المهافيف ) لتصحو العاهرةْ
يا دمي خر صريعا ناحرةْ
من يعنّي فأنا مازلت في نزف الجراحْ
إجتياحْ .......
وأنا مسدول من وهن أصابتني العيون الماكرةْ
أين من رؤيا السلالات وهمس الراقصينْ
يا جرائيم الشعوب الغابرة ْ
فاجرةْ ..........
(2)
كانت الدنيا تدور وعلى المحبوب دفق النار في حضن الأميرْ
وانسدال الضوء تيجان الحصيرْ
إهزئوا جيئوا ( بمهفافة ) جدّي والبعيرْ
سوف أهرب للصحارى
راكبا نفس المصيرْ
كان جدي لامعا بالجدب محفورا فقيرْ
وعلى ندبه يتلو ما علته الماكرةْ
باهرةْ ..........
يتقمّل من رؤى تلك السويعات بربعة سدرة تحتاج ماءْ
لا هواءْ .........
لا رداءْ .........
لا أباطيل غثاء الإستياءْ
غير شكين بظل المقبرةْ
مُجبرةْ ……….
وأنا أتلو مصابيْ
رجل مكفوف لا أملك عير المحبرةْ
وعلامات انتفاضيْ
وردة تذبل في عمري وقالوا مُزهرةْ
يا رياءْ ........
كهرباءْ .......
هات من وشلك ماءْ ......
سمموني بالشعارات وأصداف البغاءْ
تركوا حجري بإستيْ
نظفوا صبري وشالوا الإنتشاءْ
أين سرب الطير من وقع الهواءْ
لا رياح لا مطرْ .........
لا رضى الله عليكم ثلة دارت وصارت كافرةْ
(3)
آه يا دار أبيْ ......
راحل لفضاءات التواء النجم محفورا بكأس الإرتواءْ
أين إيهام الهوادة وارتطام اللغو من ذات البعيرْ
شاخصا يتلو خطابا للمصيرْ
وبلادي محقتها المحقنةْ .......
( كرّكي ) أم السواد وانقضي بوح التدفق للموالين لإسفاك البغاءْ
كهرباءْ .......
آه ماءْ ........
طفلي الباكي مصاب بالتواءْ
وعلى أمّي تلوك المعجنةْ
وتغنّي .......
آه يا صبر بلاديْ
يا عنادك يبن موشوم العبادِ
كم ترى طيفا وتبكي من سوادي
آه يا أم القرى
مقبرةْ .....……
(4)
يخرج الأعور ملفوفا بربطة علم الغرب يعلّقْ ........
سيجئ الضوء مفخوخا منمّقْ
ويكون الماء مثل الخيط لا ربّاط فيهْ .......
والعشيرة تقتديهْ ........
تفتدي وجه البعيرةْ
وتغنّيْ .....
إعطني الناي ودنّيْ
واسقني تمر البلادْ
يا بلادا علّقت ظلَّ السوادْ
وارتوت من ماكرينْ
يا لصوصا مارقينْ .............."

إذا توقفنا عند الألفاظ التالية "تدور، تستبيح، الركامات، المقهور، يندب، بالصفيح، المراوغ، سيحفر، المنفى، لعنة، الأعمى، الجناة، غياهب، لثغة، السفلس، الجناة، أغرقي، وجع، غلفي، سراديب، البغاء، لا حس، غفلتي، العاهرة، دمي، خر، صريعا، ناحرة، نزف، الجراح، اجتياح، مسدول، وهن، أصابتني، الماكرة، العابرة، فاجرة، النار، أهرب، الصحراء، الجدب، لا هواء، لا رداء، مقبرة، مصابي، مكفوف، لا يملك، تذبل، لا ريح، لا مطر، لا رضى الله،..." كل تشير إلى حالة السواد والألم/الوجع الذي يحمله الشاعر، وإذا أخذناها بشكلها المجرد سنجدها تقدم/تخدم فكرة القسوة/حالة السواد لتي يمر بها الشاعر.
وقد قلنا في موضع غير هذا، أن النص مطلق البياض أو النص مطلق السواد هو الذي تنسجم فيه الالفاظ مع المضمون، من هنا يمكننا أن نقول بأن هذه القصيدة شبة مطلقة، فالكثر الاستخدامات الألفاظ والمعاني السوداء تشير إلى هذا الأمر.
في المقابل إذا توقفنا عند الألفاظ البيضاء سنجدها محدودة جدا، "الدنيا، عيوني، الربابة، يستريح، العازف، بلدي، يطل، المحبوب، مطر، ماء، طفلي، أمي، وتغني، الناي، أرتوت" وفي غالبيتها جاءت لتؤكد حالة السواد، فهي بحد ذاتها بيضاء، لكن إذا ما أضفناها إلى الجمل، إلى الفكرة ستكون سوداء، ولهذا قلنا بان النص شبه مطلق، ولم نقل مطلق.
قد يبدو ـ شكليا ـ أن هذا الطرح يحمل شيء من المتناقضات، لكن في حقيقة الأمر لا، "فمنصور الريكان" بالمطلق لم يكون سوداوي، فرغم ما يحمله من حزن وألم إلا أنه يمتاز بوجود خط أبيض، يبث الأمل والخير في المتلقي، فهو لا يدعوا إلى السواد، رغم أنه يتحدث عنه، لكنه يجعل هذا الحديث ليكون مبررا للعمل الايجابي، لخلق ما هو بديل، لإيجاد واقع آخر، مفرح وسعيد، من هنا نجد نهايات القصائد في غالبيتها تتحدث عن الأمل، عن البياض، عن المستقبل، عن ضرورة العمل.
النهايات
إذا ما توقفنا عن نهايات القصائد، سنجدها في غالبيتها تدفعنا للعمل الايجابي، فالطريقة التي صيغت بها تحثنا على التقدم من العمل، على تغير الواقع البائس، فالشاعر لا يتحدث عن سواد بشكله المجرد، بل يستخدم هذا السواد ليحثنا على تغيره، على تغير واقعنا، ولهذا نقول بأن "منصور الريكان" شاعر نبيل، فهو يحمل الهم العام، هم الوطن والمواطن، فهو لا يبحث عن مخرج/فرج له كشخص، بل كمجموع، كشعب وكوطن.
يقول في نهاية قصيدة "الرزايا":
"بلى شاهد هطلت وجنتي دمعتينْ
لحزن العراق على الرافدينْ"
فهنا حالة الألم تثير/ تدعو المتلقي لكي يرفع هذا الحزن عن العراق. لكنها دعوة غير مباشرة، دعوة جاءت مستترة غير صريحة، وكأن الشاعر يحمل شيء من الخجل عندما يتحدث عن دمعه العراق، أو أنه لا يستطيع أن يتحدث عن هذا الألم، فالحديث عن الألم هو ألم يضاف على المتكلم، ولهذا يعزف عن الحديث عنه.
لكن هنا مواضع توجب عليه أن يكون واضحا في دعوته، كما هو الحال في نهاية قصيدة "تابوت":
" وأنت يا قبائلَ
توحديْ
واستنجديْ
بالناس من ثوارْ
وقاومي السخافة مدمري الأحرارْ"
هناك مواضع أخرى يقدم لنا الشاعر طريقة/كيفية العمل، فهو لا يريده عمل بلا نتائج، بل عمل قائم على الحكمة والتريث، يوجع العدو، ويقدما من النصر، من الفرح، ولهذا نجده في قصيدة "المحاقن" يقول:
" من أي وجه عابس منبوذ نحن الغازلون مفاصل التاريخ نبقى لا نهادنْ
ضربونا بالوجع المبرمج في مفاصلنا وداسوا هازئين من المحاقنْ
هذا أوانه فاتعظ والخوف يستر نجمة قالت أراهنْ
وإذا توكل إستترْ ........"
وكأن الشاعر قائد للعملية التغير التي سترفع الظلم عن الوطن والمواطن، ولهذا يحدثنا عن طريقة/تفاصيل العمل، .
الديوان منشور على الحوار المتمدن على هذا الرابط https://sites.google.com/site/mansoorrikancom/