ما أروع أن يكون رجل الدين علمانيا

جعفر المظفر
2017 / 1 / 7

ما أروع أن يكون رجل الدين علمانيا
جعفر المظفر
في مقالة سابقة لي حول العلمانية أردت للعنوان ان يكون صادما فكتبته هكذا (رجل الدين الصحيح .. علماني). وما كان إختياري لهذا العنوان قد جاء وسط جهل بحالة العداء التي يشنها رجال الكهنوت الديني والأحزاب الدينية ضد العلمانية وإنما كان في بعض مستوياته إستجابة لحالة العداء هذه وردا عليها. وإن ذلك لم يكن على طريقة داوني بالتي كانت هي الداء, وإنما نتيجة لإيمان حقيقي بأن العلمانية (السياسية) التي تقوم على الفصل ما بين الدين والدولة وتكفل حرية الإختيار هي الأداة الحقيقية لحماية الدين قبل السياسة.
من الطبيعي أن حماية الدين ليست من مهمات ولا من وظائف ولا حتى من نوايا العلمانية التي سيكون همها الأول بناء دولة القانون والمساواة والمواطنة وحرية الفكر والإيمان والتعبير, لكن معرفة مقدار التخريب الذي يلحق بالدين نتيجة تدخل رجالاته بالسياسة سوف يرتب لرجل الدين الحقيقي, وربما قبل غيره, واجب ان يكون علمانيا لكي يحافظ على الدين الذي يؤمن به.
والحال أن السياسة صارت رديفة تماما لمفردة الفساد والتدهور الأخلاقي حينما صار للدين أحزابه السياسية وحينما قدر لأصحاب هذه الأحزاب الهيمنة على السلطة, وهذا سيجعلنا نقول : أن الدين والسياسة, كلاهما سيكون في حرز أمين حينما لا يقتربان من بعض. وإذا أردت أن تفهم هذه الحقيقية بشكل سريع وعلى الأرض فعليك أن تسأل أهل العراق.
إن حجم التخريب الذي أتى به الإسلام السياسي(المعتدل والتكفيري) ليؤكد حاجة الدين لأن يكون رجاله الحقيقيون علمانيين, بمعنى الدعوة إلى فصل الدين عن الدولة لإنقاذ ما تبقى من الدين نفسه, وإلا فسوف تفيق المؤسسة الدينية ذات يوم لتجد أن الدين كله قد اصبح في خبر كان. وهنا فأنا لا أنبه رجل الدين من توقع غيرته على السياسة وإنما من توقع غيرته على الدين نفسه, بإفتراض أن إلتزامه بالدين كان حقيقيا ولم يسقط بالضربة القاضية الفنية أمام أول كرسي من كراسي السلطة.
إن علينا ك (علمانيين) أن نعبر بكل الاشكال وفي كل المناسبات عن علمانيتنا الديمقراطية لأن المؤسسة الدينية تريد لهذه المفردة أن تكون مرادفة لحالة إنحطاط سيتشكل معناها في الوعي الشعبي العام لكي يكون سقوطها ومنهجها ناتجا لحالة متراكمة ومتجذرة في اللاوعي.
وتماما كما أٌريد للشيوعية في مراحل سابقة أن تكون بغير معنى سوى معنى الإلحاد, وحيث قدر للفقراء ان يرفضوها قبل طبقة الأغنياء, فقد أرادت المؤسسة الدينية أن تقطع بسلاح المقدس الطريق أمام الشيوعية في العراق لتجعل أنصارها المفترضين أعداء لها وأضداد. وإني لأذكر ذلك من باب المراقب لا من باب المعجب أو المنحاز, فالشيوعيين أنفسهم لم يكونوا بمنأى عن رسم طريقهم نحو الفشل في ذلك الصراع الساخن والمحتدم.
إن الدين السياسي يريد لمفردة العلمانية في هذه المرحلة أن تكون رديفة وقرينة للإلحاد وذلك سيسهل لرجال الدين السياسي مهمة محاربة المناهج العلمانية التي تحاول بناء الدولة النقيضة القائمة على فصل الدين عن السياسة.
علينا في كل الأحوال أن نعي بدايات هذا المخطط الشيطاني وأن نقاومه بالتمسك بمفردة العلمانية فمتى ما وصلنا إلى الإعلان عنها خجلين أو خائفين فمعنى ذلك اننا سهلنا للإسلام السياسي مهمته وإختصرنا طريقه للوصول إلى هدفه الرئيس.
إن حركة الدين السياسي سوف تصيب العلمانية بمقتل أكيد حينما حينما تفلح في تجريد العلمانيين من سلاحهم الحقيقي الكامن في قوة العناوين التي يجتهدون تحت يا فطاتها.
بل لعلني بت أؤمن أكثر من اي زمن مضى ان رجل الدين الحقيقي يجب أن يكون علمانيا, بمعنى علاقة العلمانية بالسياسة, وليس بمعنى علاقتها بفلسفة المادة والخلق والخالق, ولهذا صرت في وارد أن أردد :
الله الله ما أحلى أن يكون الإنسان علمانيا, وبخاصة حينما يكون هذا الإنسان رجل دين