تناقضات العهد الجديد المنقح8

مهرائيل هرمينا
2017 / 1 / 7

سؤال وجهه الكثيرون من المسيحيين الأوائل: ما هو التوجه المسيحي اللائق تجاه الدولة؟ فأما المؤلفون المختلفون فقد أجابوا على هذا السؤال أجوبة مختلفة ؛ وفي كثير من الأحيان تكون بعض هذه الإجابات مخالفة لبعضها الآخر. يمثل الرسول بولس لون واحد من ألوان الطيف :
«لِتَخْضَعْ كُلُّ نَفْسٍ لِلسَّلاَطِين الْفَائِقَةِ لأَنَّهُ لَيْسَ سُلْطَانٌ إِلاَّ مِنَ اللهِ وَالسَّلاَطِينُ الْكَائِنَةُ هِيَ مُرَتَّبَةٌ مِنَ اللهِ حَتَّى إِنَّ مَنْ يُقَاوِمُ السُّلْطَانَ يُقَاوِمُ تَرْتِيبَ اللهِ وَالْمُقَاوِمُونَ سَيَأْخُذُونَ لأَنْفُسِهِمْ دَيْنُونَةً. فَإِنَّ الْحُكَّامَ لَيْسُوا خَوْفاً لِلأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ بَلْ لِلشِّرِّيرَةِ. أَفَتُرِيدُ أَنْ لاَ تَخَافَ السُّلْطَانَ؟ افْعَلِ الصَّلاَحَ فَيَكُونَ لَكَ مَدْحٌ مِنْهُ لأَنَّهُ خَادِمُ اللهِ لِلصَّلاَحِ! وَلَكِنْ إِنْ فَعَلْتَ الشَّرَّ فَخَفْ لأَنَّهُ لاَ يَحْمِلُ السَّيْفَ عَبَثاً إِذْ هُوَ خَادِمُ اللهِ مُنْتَقِمٌ لِلْغَضَبِ مِنَ الَّذِي يَفْعَلُ الشَّرَّ.»(رومية 13 : 1 – 4 ).
السلطات الحاكمة هي إذن من الله وقد نصبها الله أجل إقرار الصلاح وينبغي ألا يقاومهم أحد لأن من يفعل ذلك فمقاومته هي لله وليس لهم.
وجهة النظر المقابلة لهذه يمثلها سفر الرؤيا والذي يرى أن القوى الحاكمة هي قوى شريرة نصبتها قوى الشر وتسيطر عليها وهي عرضة في نهاية المطاف لعقاب الله الذي لا مردَّ له. في هذا السفر يمثَّل للـ«سلطات الحاكمة» بالمسيح الدجال وأتباعه. كما توصف مدينة روما في السفر نفسه بأنها «الزانية العظيمة» و«أم الزواني» و«أم الرجاسات» «والشاربة حتى الثمالة من دماء القديسين وشاهدي يسوع.» مع ذلك، لماذا ينبغي أن يعتقد البعض أن «زانية بابل» التي ورد ذكرها في سفر الرؤيا، الأصحاح 17، تشير إلى الحكام الرومان، أولئك الذين أضفى عليهم بولس كل هذا المديح؟ السبب هو أن ملاكا أعطانا تفسيرًا لمعنى هذه الرؤية التي تخص «زانية بابل». إن الوحش الذي تجلس عليه له سبعة رؤوس والتي تمثل «السبع جبال التي تجلس عليها المرأة»؛ وهي نفسها (المرأة) تمثل«المدينة العظيمة التي لها ملك على ملوك الأرض»( رؤ 17 : 18 ). فما هي المدينة العظيمة المسيطرة خلال القرن الميلادي الأول والتي كانت تجلس على سبع جبال؟ إنها روما بلا شك تلك المدينة التي بنيت على «سَبْعَةُ جِبَال.»
إن روما، كما صورها سفر الرؤيا، ليست مؤسسة خيرة أنشئت لتعمل على بسط الخير، كما إنها ليست خادمة للرب عينها من أجل رفاهية شعب الله كما يصورها بولس. إنها، في سفر الرؤيا، سلطة شنيعة وقذرة وعديمة الأخلاق على نحو فاضح ومستبدة استبدادا مبني على طبيعتها العنيفة، لم يعينها الرب، بل أعداؤه نصَّبوها. لكن يومها آت؛ وسيسحقها الرب عن قريب لكي يقيم مملكته الخيرة ويطيح بزانية بابل من على وجه الأرض
Is Intra-Canonical Theological Development Compatible with a High Bibliology?






Now the most intriguing question in my mind relates to when the apostles began to embrace the deity of Christ. Surely it was not when he emerged from the Jordan River! Only a canonical and theological reading of the text which ignores the historical would be so perverse. The principal question that occupies the minds of Jesus’ disciples is echoed in Mark 4.41 when he stilled the storm: “Who is this man?” We must remember that these disciples were Jews, steeped in their rich tradition of monotheism—a monotheism that reached a new pinnacle after the stench of the Babylonian deities filled their nostrils for seven decades. They simply had no ready category for thinking of this Galilean carpenter as God in the flesh. We must not confuse their loyalty to Jesus as an embracing of his deity. Even when Peter addresses him, according to Matthew, as “Son of the Living God” (Matt 16.16), it is doubtful that this meant deity, for Peter immediately rebuked Jesus after the Lord spoke of his sufferings (16.22). One does not customarily rebuke God.
Although I will not develop it here, I believe that R. T. France was on the right path when he declared,
It is in this light [the strict Jewish monotheism out of which nascent Christianity grew] that we must understand the fact… that the explicit use of God-language about Jesus is infrequent in the NT, and is concentrated in the later writings… It was such shocking language that, even when the beliefs underlying it were firmly established, it was easier, and perhaps more politic, to express these beliefs in less -dir-ect terms. The wonder is not that the NT so seldom describes Jesus as God, but that in such a milieu it does so at all.27
Although many would see the apostles embracing the deity of Christ immediately after his resurrection, I suspect it took somewhat longer for this to become a settled conviction. There are no more than half a dozen NT texts that speak of Jesus as qeov", and all but one of them occur in the 60s´-or-later. To be sure, there are plenty of other NT texts that seem to imply his deity, especially those that quote OT passages which originally referred to YHWH. But when these texts were used by the apostles, and especially when their implications were clearly understood by the apostles, is not something that yields facile answers.
Is Intra-Canonical Theological Development Compatible with a High Bibliology?
إن أول المصادر الوثنيه التى تذكر المسيح فى أول مائة عام بعد المسيح هى :




أولا : بلنى الأصغر و قد ذكر أن هناك مسيحيين من مختلف الطبقات الاجتماعيه يعبدون المسيح كإله, إنه لم يذكر اسم "يسوع" نصا بل قال "المسيح" , و ذلك فى رسالته العاشره الى الامبراطور تراجان التى تؤرخ بعام 112 ميلاديه .





و يليه ثانيا : صديق بلنى الأصغر و هو المؤرخ الرومانى الشهير تاسيتوس مؤلف



" the annals of Rome ", أو الذى يتناول تاريخ روما , و قد ذكر قصة اتهام نيرو للمسيحيين بحرق روما و كان يكتب حوالى عام 115 و كان يحكى عن هذه القصه التى حدثت قبل ذلك بخمسين عام فى عهد نيرو حوالى عام 64 م ....ذكر فى كتابه " annals of Rome " فى الفصل الخامس عشر , أن المسيح قد أعدم بواسطة بيلاطوس البنطى , اذن هو ايضا لم يذكر اسم يسوع , بل ذكر لقب المسيح فقط .




أما أول المصادر اليهوديه التى ذكرت المسيح هو يوسيفوس فلافيوس عند نهاية القرن الأول الميلادى , و قد ذكر المسيح مرتين , فى فقرات قصيره , و الفقره الاقصر منهما فى الكتاب العشرين تشير الى أن بعض الناس لقبوا يسوع بالمسيح و انه كان له أخ يدعى يعقوب , و الفقره الأطول نسبيا مختلف عليها و يدور حولها الجدل , فى الكتاب الثامن عشر , و السبب فى هذا أن الكلام يبدو كما لو أن يوسيفوس يؤمن بيسوع انه المسيح و الذى تنبأت عنه الأنبياء بأنه يقوم فى اليوم الثالث , و هذا لا يتسق مع كون يوسيفوس رجل يهودى .




قد أشرنا سابقا أن يوسيفوس كان قد سلم نفسه للرومان وقت الحصار على اليهود , و بالتالى فقد اعتبره اليهود خائنا , و لم يحافظوا على كتبه , و لكن من حافظ على كتبه هم المسيحيون , و بالتالى يعتقد العلماء أن يوسيفوس قد ذكر يسوع و لكن شخصا مسيحيا قد أضاف الكلام عن كونه المسيح و أنه قام من الأموات , و بالتالى عليك أن تتجاهل هذه الأضافات , و مع ذلك يتبقى هناك معلومات مثيره للاهتمام , فقد ذكر يوسيفوس أن يسوع قد بدا كرجل حكيم و له تعاليم حكيمه , و قام بأفعال مدهشه و كان له أتباع من اليهود و اليونانيين , و قد قبضت عليه السلطات الرومانيه , و قد قتله بيلاطوس البنطى , و بعد ذلك كون أتباعه مجتمعات بدأت فى اليهوديه , ثم توسعت وصولا الى روما .




من المثير أن يوسيفوس قد حكى بتوسع كبير عن يهود كثيرين , و منهم كثير يحملون اسم يسوع , و لكنه ذكر معلومات قليله عن يسوع المسيح , و بالتالى فيبدو انه لم يكن يهتم بشأنه كثيرا .




هذه الفقرات فى كلام يوسيفوس هى الفقرات الوحيده الوارده فى التراث اليهودى خلال مائة عام من موت يسوع .




هناك فقرات وردت عن يسوع فى التلمود , و التى تعتبر " المشنا " هى قلبه , و هى تجميع للتقليد الشفوى عن القوانين اليهوديه , و قد جمعت حوالى عام 200 م , و بقية التلمود عباره عن تعليقات على " المشنا " . لم يذكر يسوع مطلقا فى " المشنا " , و لكن ورد ذكره فى التعليقات على المشنا و التى كتبت لأول مره فى القرن الخامس , و هذه التعليقات قد كتبت بعد زمن يسوع بمئات السنين و بالتالى فهى غير نافعه تاريخيا .




إن بولس لا يقدم سوى القليل جدا عن يسوع التاريخى . مثلا فى غلاطيه 4-4 , أن يسوع ولد من امرأه تحت الناموس , و هذا يعنى أن بولس كان يعتقد ان المسيح كان يهوديا ما دام يقول كلمة " تحت الناموس " . و كذلك فى كورنثوس الاولى 9-5 , يشير بولس أنه يوجد ليسوع أخوه , و فى غلاطيه الاصحاح الاول يذكر اسم أحد هؤلاء الإخوه و هو رجل يدعى يعقوب .



و يشير فى كورنثوس الاولى اصحاح 15 , أن يسوع كان له اثنى عشر تلميذا , و فى روميه 15 يشير الى كرازة يسوع لليهود , و ينقل قولين ليسوع بعدم الطلاق و الإنفاق على من يكرزون, فى كورنثوس الأولى اصحاح سبعه و تسعه .



و هو أيضا يعلم اقوال يسوع فى العشاء الأخير و يصف أحداث هذا العشاء , فى كورنثوس الاولى 11 , و يشير هنا الى أن أحدهم قد خان يسوع .



و أخيرا يشير الى صلب يسوع فى كورنثوس الاولى اصحاح 2 .





هناك مصدر آخر يتحدث عن يسوع و هو الوثيقه "كيو " و التى يعتقد أن الأناجيل اعتمدت عليها ...من المعتقد أن لوقا و متى قد اعتمدا على مرقص , و لكن من أين أتيا بالمعلومات الزائده فيهما التى لا توجد فى مرقص ؟ , لا يعتقد العلماء أنهما قد نقلا من بعضهما البعض , و لكن يعتقدون أنهما قد استقيا المعلومات الزائده من الوثيقه " كيو " .



و فى الواقع فإن الزيادات التى توجد فى متى و لوقا و لا توجد فى مرقص هى " اقوال ليسوع " , و بالتالى فقد كانت الوثيقه كيو تحتوى على أقوال ليسوع , و هى تحتوى على بعض من أفضل اقوال يسوع , مثل الصلاه الربانيه الموجوده فيهما و لا توجد فى مرقص , و بعض الأقوال الأخرى .



هناك مصادر أخرى اعتمد عليها لوقا و متى , فيوجد قصص فى متى لا توجد فى لوقا , و بالتالى لا يمكن أن نقول أنها كانت فى الوثيقه كيو , و لا توجد كذلك فى مرقص , اذن من أين جاءت , يبدو أن متى كان بحوزته مصادر أخرى , و بالتالى يسمى العلماء هذا المصدر M , اشارة الى متى , و الذى يحتوى مثلا على زيارة الحكماء الى يسوع عندما كان طفلا .



نفس الأمر بالنسبه للوقا , فقد ذكر قصصا لا توجد فى متى , و بالتالى ليست من الوثيقه كيو , و كذلك لا توجد فى انجيل مرقص , و يسمى العلماء هذا المصدر L اشاره الى لوقا , و يحتوى مثلا على قصة السامرى الصالح , و الابن الضال .



هذا يعنى ان متى و مرقص و لوقا كان بحوزتهم أربع مصادر , فإنجيل مرقص نفسه يعتبر مصدرا و معه الوثيقه كيو و M و L, و يبدو أن كلا من هذه المصادر الأربعه كان مستقلا عن الآخر .



و قد جذبت الوثيقه كيو خصيصا أنظار الناس و لأنها بدت قريبة الشبه جدا بإنجيل توما , فهى أيضا مجموعه من اقوال المسيح , و لكن ليس من الممكن أن يقال انها كانت انجيل توما , لأن بعض الاقوال بها لا توجد فى انجيل توما .



و يقول العلماء أنها كتبت تقريبا فى نفس وقت كتابة انجيل مرقص , و ربما قبله , ربما فى خمسينيات القرن الاول .حتى تتمكن من فحص أمر ما تاريخيا لا بد من :






1- أن تكون المصادر متعدده

2- أن تكون المصادر تعود الى وقت قريب للأحداث


3- أن تكون المصادر قد أنتجت بصوره مستقله عن الأخرى

4- ألا تكون المصادر متعارضه

5- أن يكون المصدر متسقا داخليا .

6- ألا يكون المصدر منحازا تجاه رؤيه معينه , و بالتالى فهو لا يذكر الأحداث من أجل خدمة هذا الهدف .






للأسف الشديد فإن المصادر التاريخيه المتوفره عن يسوع , لا تتوافر فيها كل هذه الصفات , بل على العكس تتوافر فيها النقيض من بعض هذه الصفات .



يوجد لدينا مصادر متعدده و قديمه و مستقله عن بعضها الآخر





هذه المصادر مستقله عن بعضها , فمرقص لم يعرف الوثيقه كيو , و بولس قد كتب قبل فترة الأناجيل , و مؤلف انجيل يوحنا ربما لم يطالع الأناجيل الإزائيه







و لكن المشكله التى تقابل المؤرخ أن مؤلفى هذه الكتب لم يكونوا أشخاصا مستقلين يسجلون الأحداث , بل كانوا أتباع يسوع الذين رغبوا أن يقولوا شيئا ما بخصوصه , و قد كتبوا بعد حوالى 35 الى 65 سنه بعد يسوع , و لم يكن أيا منهم شاهد عيان , بل و كانوا يتكلمون بلغة تختلف عن لغة من يحكون قصتهم , و عاشوا فى بلاد غير التى عاش فيها من يحكون قصتهم





و لا بد أن أشير الى أنه حتى لو فرضنا جدلا أن هؤلاء كانوا شهود عيان , فسيظل من الواجب علينا أن نفحص شهاداتهم بدقه, لأنهم كانوا يتكلمون بحسب الظروف و المواقف و الناس الذين يخاطبونهم ..... و لكن فى واقع الأمر هم لم يكونوا شهود عيان .




إن لوقا و يوحنا يخبرانا أنهما استقيا معلوماتهما من مصادر أقدم مكتوبه , كان لكل منها وجهة نظرها الخاصه أيضا .





السؤال الآن هو : كيف نستخدم وثائق ايمانيه كتبها مؤمنون من أجل مؤمنين كأمر نافع فى الدلاله التاريخيه ؟؟؟؟؟







أولا هناك بعض القواعد التى يتفق عليها المؤرخون و هى :






1- أن المصدر الأقدم هو الأقدر على تقديم الحقيقه التاريخيه , لأنه المصدر الأقل تعرضا للتغيير , و بالتالى فإن ما يقدمه انجيل يوحنا أقل دقه مما يقدمه انجيل مرقص , و هذا واضح مثلا من اختلافهما فى تاريخ صلب المسيح .....و بالتالى فإن اقدم مصدر هو كتابات بولس , يليه الوثيقه كيو و هى المصدر لما يوجد فى متى و لوقا و لا يوجد فى مرقص , ثم انجيل مرقص , ثم

Μ
, ثم L , و هكذا .




2- لا بد من الانتباه الى التطورات اللاحقه خصوصا اللاهوتيه منها و مدى تأثيرها على المصادر , و التى نشأت بعد موت يسوع , فنحن نجد أن انجيل يوحنا و هو آخر الأناجيل يرسم كريستولوجيه عاليه للمسيح أعلى من الأناجيل المبكره .






3- لا بد من الانتباه أن كل كاتب قد يكون له وجهة نظر ينحاز اليها و تظهر فى شهادته , فمثلا نجد فى انجيل بطرس سمة العداء لليهود , و هى الصبغه الواضحه فى كل فقراته تقريبا , و بالتالى لا بد من أخذ " انحياز الكاتب " فى الاعتبار , و التعليقات التى كتبها بناء على هذا , فمن الواضح أنها تعليقات سببها انحيازه الفكرى تجاه أمر ما , و ليس أمرا تلقاه عن طريق التقليد المستلم ....نحن لا نقول أن يتوجب عليك أن تهملها تماما , بل نقول أن عليك أن تنظر اليها بحرص أكثر , و على سبيل المثال الفقره الوارده فى انجيل بطرس من أن الملك اليهودى هيرودس , و محكمته اليهوديه , هم المسئولون عن صلب يسوع , بينما نجد باقى المصادر المبكره تذكر أن الحاكم الرومانى بيلاطوس هو المسئول .





و كذلك التغيير فى وقت صلب المسيح الوارد فى انجيل يوحنا , حيث جعل كاتب هذا الانجيل موت يسوع فى نفس اليوم و فى نفس الساعه التى كانت فيه خراف عيد الفصح فى الهيكل , فقد كان كاتب هذا الانجيل يعتبر أن يسوع نفسه هو خروف الفصح , كما قال فى الاصحاح الأول "هو ذا حمل الله الذى يرفع خطيئة العالم " .......و بالتالى فقد حدد موعد صلب المسيح بناء على أجندته اللاهوتيه .







هناك ثلاثة أشياء سنعتمد عليها فى تناولنا لمبحث يسوع التاريخى , و سوف نتناول أولها اليوم و هى قاعدة " المصادر المستقله " :the criterion of independent attestation ,´-or-sometimes called" the criteria of multiple attestaion






فى أية محكمه , من الأفضل أن يكون لديك شهود كثيرون , عن أن يوجد لديك شاهد واحد , و اذا كان الشهود مستقلين فى كلامهم عن بعضهم البعض , فهذا أفضل , و هو نفس الأمر عندما نبحث فى الأمور التاريخيه .





اذا ذكر تقليد معين فى أكثر من مصدر , فهو أكثر قابليه أن يكون صحيحا تاريخيا عن تقليد يوجد فى مصدر واحد




ربما توجد قصه فى مصدر واحد و يتبين أنها الصحيحه , و لكن هذا يحتاج الى العديد من الأدله .





ان لدينا بالفعل عددا من المصادر المستقله عن بعضها عن حياة يسوع , و بالتالى فاذا وجد تقليد معين عن يسوع فى أكثر من مصدر , و هذه المصادر أنتجت مستقله عن بعضها , فمعنى هذا أن هذا التقليد ليس أمرا مفبركا فى أحدها , فلو كان مفبركا فى أحدها , فكيف نفسر وجوده فى مصادر أخرى مستقله عنه ؟؟؟





و أيضا , فإن وجود تقليد معين فى العديد من المصادر يشير الى قدم هذا التقليد , لأن هذه المصادر قد أخذت بالتأكيد من مصدر أقدم .





لا بد ان أؤكد أن الكلام السابق ينطبق فقط على المصادر المستقله عن بعضها البعض , و لا ينطبق على المصادر التى أنتجت معتمدة على بعضها البعض , و على سبيل المثال قصة الرجل الغنى الذى قال له يسوع " بع أملاكك " , هذه القصه توجد فى متى و مرقص و لوقا , و لكن هذه القصه لم تنتج بصوره مستقله , لأن متى و لوقا قد أخذا القصه عن مرقص , و بالتالى فالمصدر الوحيد المستقل هنا هو انجيل مرقص ....اننى لا أزعم أن هذه القصه لم تحدث , و لكنى أقول أنك لا تستطيع ان تدلل على صحة و أصالة هذه القصه باستخدام دليل " المصادر المستقله " بل عليك أن تبحث عن دليل آخر .





اذن فقاعدة " المصادر المستقله " لا يمكن أن تطبق على أية قصه وردت فى الأناجيل الإزائيه الثلاثه أو وردت فى اثنين منها , لأنها اما أخذت من انجيل مرقص , أو من الوثيقه كيو .







فلنأخذ مثالا عمليا :




اننا نجد قصة يوحنا المعمدان و يسوع فى الأناجيل الثلاثه , فنجد فى انجيل مرقص أن يوحنا المعمدان قد عمد يسوع , متى و لوقا كان لديهما القصه الوارده فى مرقص , و لكن كان نجد عندهما أيضا أقوال يوحنا المعمدان عن "النهايه القريبه للزمان" , و بالتالى هما لم يأخذاها عن انجيل مرقص , بل أخذاها من الوثيقه كيو , ثم تجد فى انجيل يوحنا قصة "مقابلة يوحنا و يسوع" , و انجيل يوحنا لم يعتمد على انجيل مرقص أو الوثيقه كيو .....اذن لدينا ثلاثة مصادر مستقله تخبرنا أن يسوع قد بدأ كرازته بمقابلة يوحنا المعمدان ( انجيل مرقص , و الوثيقه كيو , و انجيل يوحنا ) , اذن من أين أتى هذا التقليد ؟؟؟؟ ...لا بد اذن من وجود مصدر آخر أقدم , و وجود هذه القصه فى عدة مصادر مستقله يزيد من احتمالية أصالتها .





مثال آخر :





تقول الأناجيل الأربعه القانونيه أن يسوع قد صلب , و كذلك نجد نفس الأمر فى انجيل بطرس الذى يبدو أنه لم يعتمد على الأناجيل الاربعه القانونيه , و فى كلام بولس , و فى كلام يوسيفوس , و فى كلام المؤرخ الرومانى تاسيتوس .....فى كل هذه المصادر- باستثناء مصدر واحد فقط هو بولس -يؤرخ ميعاد صلب المسيح بالفتره التى حكم فيها بيلاطوس البنطى فى عهد الامبراطور طايبريوس .






اننا نعلم أن بيلاطوس البنطى كان حاكم اليهوديه من عام 26 الى 36 ميلاديه , اننا نعلم هذا من كلام يوسيفوس , اذن فالمصادر المستقله هنا تشير أنه من المحتمل جدا أن صلب المسيح قد حدث فى عام 26-36 ميلاديه .






مثال آخر :





قيل أن ليسوع أخوه , فى انجيل مرقص 6-3 , و فى انجيل يوحنا 7-3 , و فى رسالة بولس الأولى الى أهل كورنثوس 9-5 , و فوق هذا , فإن بولس فى رسالة غلاطيه 1-19 , و مرقص و يوسيفوس , قالوا أن أحد أخوة يسوع اسمه يعقوب .......اذن من المحتمل جدا أنه كان ليسوع اخوه و أن أحدهم كان اسمه يعقوب .






مثال آخر :




دخول يسوع للهيكل و تنبأه عن دمار الهيكل , نجد هذا فى مرقص 11 و 13 , و يوحنا 2 , انجيل توما الآيه 71 , هذه مصادر مستقله , اذن فالنتيجه أنه من المحتمل جدا أن يسوع قد فعل هذا فى الهيكل و قد تنبأ بدماره .







مثال آخر :





قال يسوع امثالا يشبه فيها مملكة الله بالبذور , نجد هذا فى مرقص , و الوثيقه كيو , و انجيل توما , اذن من المحتمل أنه قال هذه الأمثال .







هناك دائما استثناءات لكل قاعده , و بالتالى هناك استثناءات لقاعدة " المصادر المستقله " ......لا بد ان أشير الى أن وجود أمر ما فى مصدر واحد فقط لا يعنى أن نقول أنه خطأ بطريقه اوتوماتيكيه , فمثلا "مثل الابن الضال " لم يرد الا فى انجيل لوقا , هذا لا يعنى أوتوماتيكيا أن يسوع لم يقل هذا المثل , بل يعنى أنك لا تستطيع ان تقول أن يسوع قد قاله بناء على قاعدة " المصادر المستقله " .






اذن فقاعدة " المصادر المستقله " تخبرك أى أمر تزداد احتمالية أصالته , و لكنها لا تخبرك أى أمر ليس أصيلا , و بين الشيئين بون شاسع .







و فى نفس الوقت كذلك , فإن القصص التى يوجد لها شهادات متعدده ليس بالضروره ان تكون أصيله , بل فقط تزداد احتمالية أن تكون أصيله ليس أكثر , بمعنى أنه لو كان هناك تقليد معين تشهد له عدة مصادر مستقله , فإن هذا يعنى أن هناك "مصدر أقدم" ترجع اليه كل هذه "المصادر المستقله " , و هذا يختلف كلية عن قولنا أن هذا الأمر فعله المسيح فعلا

"at the very least , the tradition must be older than all of the sources that recorded it , that s not the same thing as saying it goes all the way back to jesus "



بعض التقاليد التى لدينا تخبرنا أن يوحنا المعمدان قد عمد يسوع , و قد لاحظ العلماء أن هذه القصه لا يمكن أن يختلقها مؤمن بالمسيح , فقد كان الشائع فى المسيحيه الأولى , أن من تجرى له المعموديه أقل روحيا ممن يجريها له , و بالتالى فلن يخترع مسيحى قصة قد يفهم منها أن يسوع أقل روحيا من يوحنا المعمدان , و اذا قرأنا القصه فى انجيل متى سنجد اشاره الى هذه النقطه , و الى الشعور المسيحى بالحرج من هذه القصه , فنجد تقليدا فى هذا الانجيل لا نجده فى أى مكان آخر , و هو حوار يجرى بين يسوع و يوحنا المعمدان قبل المعموديه , فقد أراد يوحنا أن يمنع يسوع , و قال له أنه هو الذى يحتاج الى أن يتعمد منه , فأجابه يسوع بأن يسمح له حتى يكمل كل بر .




ان هذا التقليد لا نجده سوى فى متى فقط , و لا يتسم بصفة " التباين " , لأن هذا التقليد يحكى تماما وجهة النظر المسيحيه المتوقع وجودها حينئذ , فلا بد أن العقل المسيحى حينها كان يتساءل " لماذا عمد يوحنا" المعمدان" "يسوع المسيح" ؟؟؟ .....و بالتالى فمن المحتمل جدا أنهم اخترعوا هذا التقليد حتى لا يظهر يسوع أنه أقل روحيا من يوحنا المعمدان .




و لكن بالنسبه لقصة المعموديه نفسها , فلن يوجد مسيحى سيخترع قصة يفهم منها أن يسوع أقل من يوحنا , اذن من المحتمل جدا أن هذه القصه تنتمى لقصة يسوع الحقيقيه بالفعل , و بالتالى من المحتمل جدا أن قصة المعموديه حقيقيه , فقد توفر بها شرط " التباين " .







المثال الثانى :



نهاية يسوع و صلبه :




أن أمر صلب المسيح ليس بالتقليد الذى يظن أن المسيحيين سيخترعونه , لماذا ؟؟؟؟ ....ان لدينا العديد من المصادر اليهوديه التى تعود الى القرن الأول و القرون السابقه التى تتحدث عن صفات المسيح المنتظر , كان بعضها يصفه بملك اسرائيل المستقبلى و أنه قائد سياسى ومحارب عسكرى سيقضى على أعداء اسرائيل و يؤسس مملكة الله فى اورشاليم , حيث سيحكم هناك , و أنه سيكون ملكا قويا مثل داود .



هناك تقليد آخر , يصور فيه المسيح بصوره روحانيه , بأنه حكم سيأتى من السماء ليحاكم العالم , و يقضى على قوى الشر , و يؤسس مملكة الله .



بعض اليهود توقعوا المسيح فى صورة كاهن قوى , مؤيد من الله , يفسر التوراه .




كانت هناك العديد من الرؤى اليهوديه حول شخصية المسيح المنتظر , و لكن يجمعها جميعا أنها صورته فى صورة شخصية قويه , و لم يكن هناك يهودى واحد قبل المسيحيه يتوقع ان يكون المسيح انسانا يعانى فى حياته و يموت .



لم يكن هناك يهودى واحد يقبل أن يصف المسيح بأنه سيعانى و يموت , و لهذا قال بولس فى رسالته الأولى الى أهل كورنثوس فى الاصحاح الاول , أن مسألة صلب المسيح " عثرة لليهود " .



اذن لماذا سيخترع المسيحيون قصة صلب المسيح , اذا كانت هى أكبر عقبه تمنع اليهود من التحول للإيمان المسيحى ؟



اذن فمسألة " صلب المسيح " يتوفر بها صفة " التباين " . (1)





مثال آخر :


خيانة يهوذا :


هذه القصه يشهد لها عدة مصادر , و لا يمكن أن نتخيل أن مسيحيا قد اخترعها , فكيف سيخترع مسيحى أن أحد الاثنى عشر الذين اختارهم يسوع قد خانه ؟؟؟ , ألا يعنى هذا أن يسوع لم يكن له سلطه على أقرب الناس حوله ؟؟؟ , اذن من المحتمل جدا أن يهوذا قد خان المسيح بالفعل .



مثال آخر :


اننا نستطيع ان نطبق هذه القاعده على أقوال خاصه بيسوع , و على سبيل المثال مرقص8-38 , يقول يسوع لتلاميذه :


"
لأن من استحى بى و بكلامى فى هذا الجيل الفاسق الخاطىء , فإن ابن الانسان يستحى به متى جاء بمجد أبيه مع الملائكة القديسين "



قد اعتقد المسيحيون أن يسوع نفسه هو ابن الانسان الذى سيأتى ليحاكم العالم , فهناك العديد من العبارات فى الأناجيل التى يتحدث فيها يسوع عن "ابن الانسان" و يبدو واضحا أنه يتحدث عن نفسه , و بالتالى فقد اعتقد المسيحيون أن يسوع هو " ابن الانسان " و احتفظوا بأقوال يسوع هذه , و لكن ماذا عن النص الوارد فى مرقص 8-38 , و الذى لا يبدو فيه اطلاقا أن يسوع يتحدث عن نفسه ؟؟ , فاذا لم تكن تعلم أن يسوع هو ابن الانسان , فستفترض العكس تماما من خلال قراءتك لهذا النص .



اذن فليس من المعقول أن يخترع مسيحى نصا قد يفهم منه أن المسيح ليس ابن الانسان , و بالتالى فمن المحتمل جدا أن يسوع قد قال هذا النص .




مثال آخر :

"مثل الخراف و الجداء " :


هنا نجد أن يسوع يتحدث عما سيحدث فى نهاية الايام عندما يأتى ابن الانسان , و هنا أيضا لا يعرف نفسه باعتباره هو " ابن الانسان "


31 ومتى جاء ابن الانسان في مجده وجميع الملائكة القديسين معه فحينئذ يجلس على كرسي مجده. 32 ويجتمع امامه جميع الشعوب فيميّز بعضهم من بعض كما يميّز الراعي الخراف من الجداء. 33 فيقيم الخراف عن يمينه والجداء عن اليسار. 34 ثم يقول الملك للذين عن يمينه تعالوا يا مباركي ابي رثوا الملكوت المعد لكم منذ تأسيس العالم. 35 لاني جعت فاطعمتموني.عطشت فسقيتموني.كنت غريبا فآويتموني. 36 عريانا فكسيتموني.مريضا فزرتموني.محبوسا فأتيتم اليّ. 37 فيجيبه الابرار حينئذ قائلين.يا رب متى رأيناك جائعا فاطعمناك.او عطشانا فسقيناك. 38 ومتى رأيناك غريبا فآويناك.او عريانا فكسوناك. 39 ومتى رأيناك مريضا او محبوسا فأتينا اليك. 40 فيجيب الملك ويقول لهم الحق اقول لكم بما انكم فعلتموه باحد اخوتي هؤلاء الاصاغر فبي فعلتم


41 ثم يقول ايضا للذين عن اليسار اذهبوا عني يا ملاعين الى النار الابدية المعدة لابليس وملائكته. 42 لاني جعت فلم تطعموني.عطشت فلم تسقوني. 43 كنت غريبا فلم تأووني.عريانا فلم تكسوني.مريضا ومحبوسا فلم تزوروني. 44 حينئذ يجيبونه هم ايضا قائلين يا رب متى رأيناك جائعا او عطشانا او غريبا او عريانا او مريضا او محبوسا ولم نخدمك. 45 فيجيبهم قائلا الحق اقول لكم بما انكم لم تفعلوه باحد هؤلاء الاصاغر فبي لم تفعلوا. 46 فيمضي هؤلاء الى عذاب ابدي والابرار الى حياة ابدية






المثير فى هذا المثل أنه يوضح أن طريق الخلاص هو "مساعدة المحتاجين" , و هذا خلاف المعتقد السائد لدى المسيحيين القدامى بأن الخلاص يأتى عن طريق الايمان ب "صلب يسوع و قيامته" ..... اذن فمن المستبعد أن يخترع مسيحى هذه القصه , و بالتالى فمن المحتمل جدا أن هذه القصه تعود بالفعل الى قصة يسوع الحقيقيه .







هناك أقوال و أفعال ليسوع لا تتوافر فيها صفة " التباين " , و كما أشرت سابقا , أن هذا لا يعنى بالضروره أن هذه القصه غير حقيقيه , و لكنه يعنى أنك لا تستطيع ان تستخدم مقياس " التباين " كدليل على أصالة هذه القصه .




دعونى أعطيكم أمثله على اشياء لا تتوافر فيها صفة " التباين " , فى ثلاثة مواضع من انجيل مرقص , يتنبأ يسوع بأنه لا بد أن يذهب الى أورشاليم , و يرفض , و يقتل , ثم يقوم من الأموات .....هل هذه المواضع يتوافر بها صفة التباين ؟؟؟؟ كلا بكل تأكيد , فهذا بالتحديد ما كان يقوله المسيحيون عن يسوع , و لذلك فمن المحتمل جدا أن المسيحيين قد اخترعوا هذه الكلمات و وضعوها على لسان يسوع .




و كذلك فى انجيل يوحنا , نجد أن يسوع يدعى أنه مساو لله , فقد قال أنه و الآب واحد , و هذا أمر لا نجده فى الأناجيل الأخرى , و بكل تأكيد فهذا التقليد لا تتوفر به صفة " التباين " , لأن هذا الادعاء يتسق تماما مع ما كان يدعيه المسيحيون عن يسوع عند نهاية القرن الأول الميلادى , أى فى الوقت الذى كتب فيه انجيل يوحنا , و بالتالى فمن المحتمل جدا أن يسوع لم يقل هذا الكلام .




اذن فلا بد للمؤرخ أن يأخذ فى اعتباره المفاهيم المسيحيه السائده فى ذلك العصر , و أن يطبق قاعدة التباين على الكلام الذى يقرؤه من خلال معرفته بهذه المفاهيم المسيحيه , و لكن المشكله التى تواجهنا , اننا لا نمتلك صورة كامله عما كان يؤمن به المسيحيون أو يمارسونه من طقوس فى هذه الفتره , اننا نمتلك أجزاءا من المعلومات عن هذه الفتره , و لكنها ليست صورة كامله .





إن ما يمكننا من الحكم بطريقة أسهل على النص , هو معيار " مصداقية السياق " .




من الواجب علينا أن نفهم السياق الذى عاش فيه يسوع , حتى نستطيع أن نحدد أى من هذه التقاليد يحتمل أن ينسب اليه , و بالتالى فحتى نثق فى تقليد معين , فلا بد أن يكون هذا التقليد متسقا مع سياق القرن الاول الميلادى فى مجتمع يهودى فى فلسطين , و التقاليد التى لا تتسق مع هذا السياق الزمنى تدخل دائرة الشك أوتوماتيكيا .


هناك أمثلة قد ذكرناها سابقا , لا يتوفر بها شرط " مصداقية السايق
" ,



و على سبيل المثال :


العبارات الغنوصيه الوارده فى انجيل توما القبطى




مثال آخر :


ما ورد فى انجيل بطرس أن الملك اليهودى هيرودس هو الذى أمر بإعدام يسوع , و هذا لا يتوافق مع ما نعلمه عن طريقة ادراة و حكم الرومان لل " يهوديه " فى زمن يسوع , و بالتالى فهذه القصه لا يتوفر بها شرط " مصداقية السياق " .





مثال آخر :



فى يوحنا الاصحاح الثالث , فى قصة يسوع و نيقوديموس , نجد أن يسوع يخبر نيقوديموس بضرورة الولادة "الجديده" , أو "مرة ثانيه" , أو "من أعلى" ..... لقد قلت ثلاثة معانى لأنه يوجد بالنص كلمه يونانيه ذات معنى غامض



ان نيقوديموس نفسه لم يفهم قصد يسوع بهذا , فتساءل هل سيرجع مرة ثانية الى بطن أمه و يولد مرة ثانيه ؟ فأوضح له يسوع المعنى الذى قصده بهذه الكلمه من أنه لا بد أن يولد روحيا مرة ثانيه و ليس جسديا .....لقد أخطا نيقوديموس فى الفهم لأن الكلمه اليونانيه تحتمل أكثر من معنى , وظن أن المعنى المقصود هو أن تولد "مرة ثانيه" , و لكن يسوع أوضح له انه يقصد بالكلمه أن يولد " من أعلى " , ان هذا أمر تقرؤه باللغه اليونانيه , و ملخصه أن الكلمه اليونانيه لها معنيان , و قد فهمها نيقوديموس بناء على أحد هذه المعانى و هو " الولاده مره ثانيه " , بينما أراد يسوع المعنى الآخر و هو " الولاده من أعلى " .




, و لكن لسوء الحظ , فلو قلنا هذا الحوار قد جرى فى أورشاليم بالآراميه , ستواجهنا مشكله , فالكلمه الآراميه التى تعنى " مرة ثانيه " ليس من معانيها " من أعلى " .




ان الغموض الذى اكتنف فهم نيقوديموس مؤسس على الغموض فى الكلمه اليونانيه , و لكن الحوار الذى جرى بين يسوع و نيقوديموس لم يكن باليونانيه بل بالآراميه , و لا يتوفر فيه هذا الغموض الذى دار الحوار على اساسه , و بالتالى فلو افترضنا أن هذا حوارا ما قد حدث بين يسوع و نيقوديموس , فلا بد أنه كان بشكل آخر غير الذى يقصه علينا انجيل يوحنا .







بعكس الصفتين الأولتين , أى صفة " الشهادات المستقله " و " التباين " , نجد أن صفة " مصداقية السياق " تؤدى وظيفتها بطريق "السلب " , فصفة " الشهادات المستقله " و " التباين " تستخدمان كحجه ل "التقليد" , بناء على وجود شهادات مستقله تشهد له , أو أنه من المستبعد أن يكون هذا " التقليد " مفبركا , أما صفة " مصداقية السياق " فهى حجه تستخدم ضد " التقليد " , بناء على أن هذا " التقليد " لا يتسق مع ما نعرفه عن السياق الإجتماعى و التاريخى لزمن يسوع .






و اجمالا نقول :



لا بد من فحص المصادر المتوفره لدينا من خلال قواعد صارمه , حتى نقرر ما حدث فعلا فى قصة يسوع , فإننا نعلم أن المسيحيين كانوا يخترعون قصصا عن حياة يسوع , و أن المصادر المكتوبه المتوفره لدينا تحتوى على معلومات تاريخيه صحيحه , و معها تعليقات سببها الدوافع العقائديه .



و بالتالى فالتقاليد التى يمكننا أن نعول عليها هى التى يشهد لها مصادر متعدده , و التى لم تنتج من أجل اشباع رغبات الناس فى مجتمع معين , و التى تتوافق مع السياق التاريخى لفلسطين فى القرن الأول الميلادى .



و مع كل الاحترام لشخصية يسوع التاريخيه و لأى شخص يحكى عنه التاريخ , فليس أمام المؤرخ سوى أن يتمسك بالاحتماليات التاريخيه .

لا بد أن أشير الى أن انجيل مرقص و يوحنا , أى أول و آخر الأناجيل , لا يحكيان شيئا عن قصة ميلاد يسوع و لا عن طفولته , إنهما يعزوان بعض الأشياء الى هذه الفتره , فكلاهما يشير الى أن المسيح قد جاء من الناصره فى مرقص 1 , يوحنا 1 , و كلاهما يشير الى إخوه يسوع , يوحنا 7 , و مرقص 3 .




إن انجيل متى و لوقا هما الوحيدان اللذان يقصان ميلاد يسوع , و لكن لسوء الحظ فإنهما يختلفان مع بعضهما البعض فى بعض النقاط ...على سبيل المثال , نقرأ فى انجيل لوقا أن يوسف و مريم من الناصره , و لكننا نقرأ أنهما من بيت لحم فى انجيل متى ...هل عاد يوسف و مريم الى الناصره بعد شهر من ميلاد يسوع كما ورد فى لوقا ؟؟؟ , أم هربا الى مصر كما ورد فى انجيل متى ؟؟ ....الخ .




و لكن اذا نظرنا الى الجانب الايجابى فى هذه المسأله , فإن هذه الاختلافات الموجوده بين متى و لوقا تدل على أنهما لم يعتمدا على بعضهما البعض , و هذا أمر جيد .




ان بعض المعلومات الموجوده فى متى و لوقا , يمكن أن تتحد ب "التعليقات الخارج انجيليه " المستقله عنها




و على سبيل المثال , فإن بولس أيضا يشير الى أن يسوع له إخوه , فى كورنثوس الأولى الاصحاح التاسع العدد خمسه , و يشير أيضا الى أن أحدهم كان يدعى يعقوب , فى غلاطيه 1-19 .. ان هذه المعلومات تتحد مع ما يوجد لدينا فى الأناجيل .




ان أناجيل الطفوله الغير قانونيه كذلك , تغطى هذه المساحه أيضا , و لكن كما رأينا , فإنه لا يصح الاعتماد عليها , لأنها لا تحتوى على المعلومات التاريخيه الدقيقه فى معظمها , فمثلا انجيل الطفوله لتوما , له طبيعه أسطوريه على نحو كبير , و هو الأقدم من بين هذه الأناجيل المسماه ب " أناجيل الطفوله " , و هو ينتهى بتعليق عن يسوع عندما كان فى الهيكل و عمره اثنى عشر عاما , و هى قصه استقاها هذا الكاتب من انجيل لوقا , و هذا يعنى أن انجيل توما ليس مصدرا مستقلا , لأنه اعتمد على لوقا كأحد مصادره .




ان أناجيل الطفوله الأخرى تمدنا أيضا بتفصيلات اسطوريه عن حياة يسوع المبكره , و على سبيل المثال قصة حماية الله المعجزيه لمريم و يوسف فى طريق هروبهما الى مصر , و هذا نطالعه فى انجيل يسمى ب " متى المزيف " "pseudo-mathew" , انه انجيل ألف تحت اسم "متى" , و لكن الجميع لاحظ أنه انجيل مزيف , فعرف باسم " انجيل متى المزيف " , و قد كتب هذا الانجيل فى العصور الوسطى , بعيدا جدا عن الفتره التى نتناولها بالدراسه فى هذه المحاضرات , و هو يحتوى على الكثير من التعليقات الأسطوريه .



اذن , فسيقتصر معظم عملنا على الكتب القانونيه , و بصفة خاصه انجيلى متى و لوقا .




لو طبقنا المعايير التى درسناها سابقا على انجيلى متى و لوقا , فما الذى نستطيع أن نقوله بخصوص حياة يسوع المبكره ؟؟؟





سوف أقسم هذه المناقشه الى جزئين كبيرين :



الأول : الأمور المحتمل ألا نعرفها بخصوص ميلاد يسوع أو حياته المبكره .



الثانى : الأمور المحتمل أن نعرفها عن ميلاد يسوع أو حياته المبكره .






اذن , فلنبدأ بالأمور التى لا نستطيع أن نعرفها ... هناك العديد من التقاليد الخاصه بحياة يسوع المبكره و ميلاده , و لكن لا يمكن أن نثق فيها تاريخيا عندما نطبق عليها المعايير التى تعلمناها فى المحاضره السابقه



دعونى أؤكد مرة أخرى , أنك اذا كنت ترفض هذه المعايير التى طرحناها و التى يعتمد عليها الدارسون , فعليك أن تطرح لنا معاييرك الخاصه التى تراها مناسبة فى الوصول الى حقيقة يسوع التاريخى .. عليك فى النهايه أن تستخدم معاييرا محدده , و اذا لم تعجبك هذه المعايير , فما هى المعايير التى ترتضيها ؟؟



اذن فلنتناول بعض هذه التقاليد بالدراسه .




فعلى سبيل المثال :


ميلاد يسوع العذراوى :



لا توجد أية طريقة لدينا لمعرفة , هل كانت أم المسيح عذراء فعلا عندما ولدته أم لا ؟؟؟ (1) .. ان متى و لوقا كلاهما يشهدان بأنها كانت عذراء , و هما مصدران مستقلان , و لكن الأمر الذى صدم الباحثين دائما هو أن هذا الميلاد العذراوى لا يشهد له أى مصدر آخر من مصادرنا القديمه , حتى بين الكتاب الذين توفرت لديهم الرغبه أن يقولوا أن الله نفسه هو أبو يسوع .



على سبيل المثال , فإن مرقص و بولس , كلاهما يعتبران يسوع ابنا لله , و كلاهما فى الواقع يشير الى أن يسوع كانت له أم , فى مرقص 3-31 , و فى غلاطيه 4-4 , و لكن أيا منهما لم يقل شيئا عن كون والدة يسوع عذراء .. ان هذه المعلومه تخدم غرضهما بشده اذا كانا يريدان الترويج لفكرة أن يسوع هو ابن الله , و لكنهما لم يذكراها أبدا .




ما نجده فى انجيل مرقص , أن أم يسوع نفسها , لم تكن تدرك من هو يسوع , مرقص 3-21 , " و لما سمع أقرباؤه خرجوا ليمسكوه , لأنهم قالوا إنه مختل " , و كذلك فى مرقص 3-31 , " فجاءت حينئذ اخوته و أمه و وقفوا خارجا و أرسلوا اليه يدعونه " .. لا يبدو اى ذكر فى انجيل مرقص لولادة يسوع من عذراء , بل و فوق ذلك , لا يوجد ما يشير الى أن مريم فهمت أن يسوع شخص فريد , خصوصا أنك تتوقع أن تظن مريم أن ابنها يسوع شخص فريد اذا ما أخذت فى اعتبارك أنه قد جاءها ملاك و بشرها بميلاد يسوع دون علاقه جسديه .



نطالع فى انجيل يوحنا ذكرا لأبى يسوع , يوسف النجار , و يدعى يوسف فى هذا الإنجيل بأنه أبو يسوع , يوحنا 1-45 , و اذا لم يكن لديك فكره عما ورد فى انجيل لوقا و متى عن الميلاد العذراوى , فسوف تعتقد أن يسوع قد ولد كما يولد البشر من خلال علاقه جسديه .




يضاف على ما سبق , أن الإنجيلين اللذين ذكرا قصة الميلاد العذراوى , متى و لوقا , لديهما ميول عقائديه , و هذا واضح من القصه الوارده فى كل منهما , ف "متى" يشير الى الميلاد العذراوى بوصفه متمما للنبوءه الوارده فى اشعياء 7-14 , أى أن متى يستخدم قصة الميلاد العذراوى ليقول أن يسوع هو المسيح المتنبأ عنه , متى 1-23 .. و أما بالنسبه للوقا , فقد قصد بذكر ميلاد يسوع العذراوى أن يشير الى أن الله هو أبو يسوع , لوقا 1-35 .



اذن فالقصتان الواردتان فى كلا الانجيلين لا تتوفر بهما صفة " التباين " .



بسبب كل هذه الأسباب التى طرحتها , فقد شك الدارسون كثيرا فى أمر ميلاد يسوع من عذراء , و فى النهايه , فإنه لا سبيل لدينا لمعرفة طبيعة العلاقه الجسديه بين أبوى يسوع .





ثانيا : ميلاد يسوع فى بيت لحم :


من المستحيل أن نعرف , هل ولد يسوع حقا فى بيت لحم أم لا


ان أناجيلنا الأربعه كلها تفترض أن يسوع قد جاء من الناصره , و لكن اثنين منهما و هما متى و لوقا يقولان - بصفة مستقله - أن يسوع قد ولد فى مكان آخر , و هو بيت لحم , و كما رأينا فى محاضرة سابقه , فإن قصة متى و لوقا غير متناسقتين مع بعضهما البعض , فلو افترضنا أن قصة متى عن ولادة يسوع فى بيت لحم هى الصحيحه , فمن الصعب علينا أن نفهم كيف تكون قصة لوقا أيضا صحيحه .




كذلك فإن قصة متى و قصة لوقا تواجهان اشكاليات تاريخيه عندما نفحص كل منهما على حده , و على سبيل المثال ما ذكرناه سابقا عن أمر الاحصاء العام الذى أمر به أغسطس قيصر , و الذى ذكره لوقا .. كذلك فأن كلا الكاتبين متى و لوقا لديه رغبه عقائديه فى اثبات أن يسوع قد جاء من بيت لحم , لأن هناك نبوءه يهوديه بأن ملك اليهود سيظهر من هناك , ميخا 5-2 , و التى اقتبسها متى بشكل واضح فى الاصحاح الثانى العدد سته .. اذن هذه القصه أيضا لا تتوفر فيها صفة " التباين " .



كذلك , فمن المستغرب أن هذا التقليد , بأن يسوع قد جاء من بيت لحم لم تذكره المصادر الأخرى القديمه , فكيف هذا لو كان أمرا مشهورا و معروفا ؟ , و على سبيل المثال فإن هذا التقليد لم يرد فى كتابات بولس .



و بالتالى , فإن معظم الدارسين يعتبرون أن التقليد القائل بمولد يسوع فى بيت لحم أمرا مشكلا .






ثالثا :التقليد القائل بأن مريم و يوسف قد سافرا الى بيت لحم من أجل التسجيل فى الاحصاء :



ان هذا التقليد لا نجده سوى فى انجيل لوقا , و بالتالى لا تتوفر مصادر متعدده بخصوصه , و فوق ذلك , فمن الواضح أنه متعارض مع الأحداث التى حكاها متى عن ولادة يسوع فى بيت لحم , و أيضا لا تتوفر فيه صفة " مصداقية السياق " , فإننا نعرف قدرا جيدا عن فترة حكم أغسطس قيصر , و لا نعرف مطلقا فى تاريخه أنه صدر أمر باكتتاب عام بحيث يعود كل انسان الى بلد أسلافه ليكتتب هناك , و كذلك فمن المستحيل أن نتخيل هذه الهجره الجماعيه فى كافة أرجاء الامبراطوريه دون أن يتكلف أحدهم عناء ذكر هذا الاكتتاب الهائل , و دون أن نجده مذكورا فى مصدر آخر .


اذن , فمن الواضح أن هذا الأمر غير مقبول تاريخيا .






رابعا : قصة الحكماء الذين أتوا لعبادة يسوع الطفل :



اننا نجد هذه القصه فى انجيل متى فقط , و بالتالى لا توجد شهادات متعدده بخصوصها , و هى غير قابله للتصديق من الناحيه التاريخيه , فلم يسجل أحد آخر الحدث الفلكى غير المعتاد الذى يحكى قصة هذا النجم الذى قاد هؤلاء الرجال الحكماء , فلو كان هذا الأمر قد حدث , فلا بد أنه قد جذب انتباه العديدين , و كذلك من الصعب أن نفهم هذه القصه بصوره عقلانيه , فهذا النجم قد قاد الرجال الحكماء الى أورشاليم , ثم قادهم الى بيت لحم حيث توقف النجم فوق البيت الذى ولد فيه الصبى , فكيف يمكن لنجم أن يقف فوق بيت ما ؟؟؟؟!!!!




كذلك , فمن الواضح أن متى قد استخدم هذه القصه ليظهر أن السماء نفسها تنبأت بميلاد يسوع حتى تراه كل عين , و هذا يبدو تتميما لنبوءة أخرى , و بالتالى فهذه القصه هى الأخرى لم يتوفر فيها شرط " التباين " .




كذلك , فإن متى قد استخدم هذه القصه ليظهر أن رؤساء اليهود قد رفضوا يسوع , فقد جاء الرجال الحكماء الى أورشليم أولا , و أخبرهم رؤساء اليهود بأن المسيح سيولد فى بيت لحم , و لكننا نجد أن من ذهب ليسوع هم الرجال الحكماء و ليس رؤساء اليهود , و هذه مقدمه لما سوف يتوصل اليه متى فى نهاية انجيله , فقد رفض رؤساء اليهود قبول يسوع منذ البدايه , و أن رفضهم هذا قد قاد المسيح الى الصليب , و بالتالى فمن الواضح أن هذه القصه تخدم أهدافا عقائديه , و بالتالى فإنه لا يتوفر بها صفة "التباين" .





خامسا :


يذكر لوقا أن يسوع قد ولد عندما كان " كيرينيوس " وال على سوريا , و لكنه يشير أيضا أن هذا قد حدث عندما كان هيرودس ملكا على فلسطين , و لكن فى واقع الأمر , فإننا نعرف أن " كيرينيوس " لم يكن وال على سوريا الا بعد عشر سنوات من موت هيرودس , بناء على ما سجله المؤرخ يوسيفوس , و المؤرخ تاسيتوس .





سادسا :


من المستحيل - تقريبا - أن نقول أن قصة يسوع التى تحكى فترة صباه حدث تاريخى حقيقى بالفعل , فالقصه التى تحكى حياة يسوع فى سن الاثنى عشر عاما لا توجد سوى فى لوقا , اذن , لا توجد شهادات مستقله متعدده بخصوصها , و كذلك فإنه لا تتوفر بها صفة " التباين " , فهذه القصه وراءها هدف عقائدى , فهى تحكى قصة يسوع واقفا فى الهيكل , يتكلم مع معلمى اليهود , و يثير اعجابهم بمعرفته , و بالتالى فهذه القصه تظهر يسوع منذ هذا العمر المبكر بوصفه شخصا مكرسا لله , و أعلى فى المقام و المعرفه من معلمى اليهود برغم سنه الصغير .



اذن فهذه القصه لا تتوفر بها صفة " المصادر المستقله المتعدده " و لا صفة " التباين " , و بالتالى فإن ظلال الشك تحوم حولها بكل قوه .







على الجانب الآخر , هناك تقاليد تتوافر بها المعايير التى اشترطنا توفرها فى القصه المحتمل وقوعها تاريخيا , و لا بد أن تشكل هذه القصص حجر الاساس فى فهمنا لقصة ميلاد يسوع التاريخى و حياته المبكره .




أولا : يسوع قد ولد و تربى كيهودى :



هذا الأمر قد يشكل صدمة لبعض الناس , و لكنه أمر معروف , و قد قاله بولس صراحة فى رسالته الى غلاطيه 4-4 , و الشهادات المتعدده بخصوص هذا الأمر كثيرة جدا , و بالتالى فهذه القصه يتوفر بها صفة " الشهادات المتعدده المستقله " بكل تأكيد .


ليس هناك أمر مؤكد يفوق هذا , فقد ولد من أبوين يهوديين , و كان يظن أنه يعبد اله اليهود , و كان يقرأ الكتاب المقدس اليهودى , و كان يمارس العادات اليهوديه ...الخ .





ثانيا : مجىء يسوع من قرية "الناصره" فى "الجليل" :


هذا التقليد يتوفر به صفة " المصادر المستقله المتعدده " بكل قوه , فهو أمر تشهد لها الأناجيل الأربعه , بل و كان يطلق على يسوع اسم " يسوع الناصرى " فى مصادر أخرى قديمه , و على سبيل المثال , أعمال 3 .



كما رأينا منذ قليل , فقد حاول متى و لوقا أن يشرحا , كيف أنهما يقولان أن يسوع قد ولد فى بيت لحم , مع أن الكل يعلم أنه قد جاء من الناصره !!!! , فقد حاولا تبرير هذا الأمر ... فما أريد قوله هو , أن قصة مجىء يسوع من الناصره تتوفر بها صفة " التباين " , فهذه القصه لن يرغب أى مسيحى باختراعها , بل على العكس , سيرغب أى مسيحى أن يقال أن المسيح قد جاء و ولد فى بيت لحم حتى يتطابق هذا مع النبوءه , اذن فالمسيحيون سيرغبون أن يقولوا أن يسوع قد جاء من بيت لحم , و لكنهم لم يستطيعوا ذلك , لأن الكل كان يعلم أن يسوع قد جاء من الناصره .





و كذلك فيما يتعلق بصفة " التباين " , فمن العسير جدا أن نستوعب , لم قد يختلق مسيحى قصه يقال فيها أن يسوع قد جاء من الناصره و ليس من أى مكان آخر , فقد كانت الناصره فى هذا الوقت قريه صغيره و غير مهمه على الاطلاق فى " الجليل " , و التى تشكل اليوم الجزء الشمالى من دولة " اسرائيل " الحديثه , و كذلك لم تذكر الناصره على الاطلاق فى الكتاب اليهودى المقدس , و كذلك فإن يوسيفوس قائد القوات فى هذا الجزء من اسرائيل , و الذى تحدث فى تاريخه عن أمور كثيرة جدا تتعلق باليهود و تاريخهم , لم يذكر اسم " الناصره " على الاطلاق .



ان أول مره نطالع فيها اسم " الناصره " فى مصدر مكتوب , هو فى العهد الجديد , الذى يتحدث عن مجىء يسوع من هناك .


اذن , ليس هناك ما يدعو المسيحيين أن يختلقوا قصة يقولون فيها أن يسوع قد جاء من هذه البلده الصغيره غير المعروفه , أى الناصره , بدلا من أن يقولوا أن يسوع قد جاء من بيت لحم بلد داود , أو جاء من أورشاليم التى تشكل مركز القوه فى وطن اليهود .



فى الواقع , إن ما سبق يشير كله الى أن يسوع قد جاء من الناصره بالفعل , و قد شعر المسيحيون بالحرج من هذا , كما نطالع مثلا فى يوحنا 1- 46 , " فقال له نثنائيل : أمن الناصره يمكن أن يكون شىء صالح ؟ " , و هو سؤال بدهى فعلا .


اذن لا بد أن هذا التقليد حقيقى و ليس أمرا مفبركا .






ثالثا : هناك بعض الأمور المؤكده عن والدى يسوع :



كل المصادر تشير الى أن أبوى يسوع كانا يهوديين عاشا فى الناصره , و اسمهما يرد بصوره واحده هى " يوسف" و " مريم " .




لا يوجد فى أى من التقاليد التى وصلت الينا حديث عن حياة يوسف والد يسوع بعد بدأ يسوع لكرازته , بينما تظهر أمه فى بعض القصص بعد بدأه لكرازته , و لهذا فمن المعتقد أن أباه قد مات إبان الوقت الذى بدأ فيه كرازته .



ان الفكره القائله بأن يوسف النجار كان رجلا عجوزا فى وقت خطبته لمريم , تقليد ترسخ فى القرن الثانى الميلادى و ما يليه .. لقد قيل أن يوسف رجل عجوز حتى يفسر فى ذهن السامع لماذا لم يحدث بينه و بين مريم علاقه جسديه , و لكن هذا التقليد ليس له جذور فى التقاليد المبكره التى لا تذكر شيئا مطلقا عن السن .



الشىء الوحيد الذى ذكر عن يوسف خارج نطاق قصة ميلاد يسوع , أنه كان عاملا , فى متى 13 , و ربما أن انجيل الطفوله لتوما يشهد لهذا الأمر أيضا بصورة مستقله .... ان الكلمه اليونانيه المستخدمه لوصف وظيفة يوسف النجار يجرى ترجمتها الى " نجار " , و لكن فى حقيقة الأمر فإن هذه الكلمه اليونانيه قد تشير الى العديد من الوظائف التى تمارس يدويا .




على أى حال , و أيا ما كنت وظيفة يوسف النجار , فقد كانت وظيفته من الوظائف الدنيا , و بالتالى فهذا التقليد تتوفر به صفة " التباين " , فلن يخترع المسيحيون أن والد يسوع كان يعمل بوظيفة دنيا , بل لو اخترعوا قصة بخصوص هذا الأمر لقالوا مثلا أن والد يسوع كان معلما عظيما , او أى وظيفة أخرى من الوظائف المرموقه .




بخصوص مريم , فقد سجلت العديد من المصادر أنها قد عاشت بعد موت يسوع , و يصورها انجيل يوحنا بأنها كانت موجوده فى وقت الصلب .



لا يوجد لدينا ما يشير الى ما كانت تعتقده مريم فى يسوع , لأن التقاليد القائله بأنها قد علمت أن يسوع هو ابن الله قبل أن تلده , لا تشهد لها مصادر متعدده مستقله , فقد وردت هذه التقاليد فى لوقا فقط , و من الواضح أيضا أنه لا تتوفر بها صفة " التباين " , لأنه من المتوقع أن المسيحيين أرادوا أن يقولوا أن مريم أم يسوع كانت تعلم بحقيقته من بداية القصه حتى نهايتها , و من المثير - كما أشرت سابقا - أن أقدم الأناجيل و هو انجيل مرقص يبدو فيه أن مريم لا تعلم شيئا عن حقيقة يسوع .






رابعا : من المؤكد أن يسوع كان له أقرباء من كلا الجنسين :



كان ليسوع أخوه , و كان منهم أخوة ذكور , و قد ذكرهم مرقص , و يوحنا , و يوسيفوس , و فى كتابات بولس , اذن فقد ذكرت فى أربع مصادر مستقله .


أما أخواته من الإناث , فيظهرون فى أحد هذه المصادر فقط , فى انجيل مرقص 3-32 , مرقص 6-3 .


و لا بد للمرء أن يتساءل , لم سيختلق المسيحيون قصة أن ليسوع أخوات اناث ؟؟؟؟ , اذن من المحتمل جدا أن هذا التقليد حقيقى , و أنه كان له أخوة اناث , مع أن هذا التقليد لا يشهد له عديد من المصادر المستقله .




يقول بعض المسيحين أن هؤلاء لم يكونوا اخوة يسوع بالحقيقه , فعلى سبيل المثال , قد قال المترجم الشهير للفلولجاتا اللاتينيه " جيروم " أن هؤلاء كانوا أولاد خالة يسوع و ليسوا أخوه مباشرين ليسوع .... ربما أفلت جيروم بقوله هذا , ربما لأنه كان الشخص الوحيد فى عالمه الصغير الذى يستطيع أن يتحدث اليونانيه , و بالتالى كان بوسعه أن يقف أمام الناس و يقول لهم هذا ما تعنيه الكلمه اليونانيه , و لكن فى واقع الأمر فإن هناك كلمه يونانيه أخرى هى التى تعنى أولاد الخاله , و بالطبع هى ليست الكلمه التى وردت فى وصف أخوة يسوع .



يدعى البعض الآخر , أن هؤلاء كانوا إخوة له , و لكن من زواج سابق ل" يوسف " , و لكن لا يوجد أى ايعاز بهذا فى أى من مصادرنا القديمه .



إن الادعاء بأن هؤلاء لم يكونوا أخوة يسوع بالحقيقه , سببه العقيده الرومانيه الكاثوليكيه التى نشأت بعد ذلك , من أن مريم لم تكن فقط عذراء عندما ولدت يسوع , بل لقد ظلت عذراء لبقية حياتها أيضا .... و لكن هذه الأمور لا نجدها فى الأناجيل , و بالتالى فالاستنتاج الطبيعى , أن يوسف و مريم قد ارتبطا جسديا و أنجبا عائلة كبيره , كان يسوع فيها هو الإبن الأكبر . (2)





خامسا : تعليم يسوع :



من الواضح أن يسوع قد تحدث الآراميه , و هى لغة ساميه قريبة الصله بالعبريه , و يشهد لهذا العديد من الفقرات فى الأناجيل , حيث يتحدث يسوع , و ربما فى نهاية كلامه تأتى كلمه آراميه , فيقوم مؤلف الانجيل بترجمة هذه الكلمه من كلام يسوع الآرامى الى اليونانيه , و أشهر مثال لهذا , أخر كلمات ليسوع , و التى جاءت فى انجيل مرقص , " الوى الوى لم شبقتنى ؟ " .



كذلك يوجد لدينا اشارات أن يسوع كان بمقدوره أن يقرأ الكتاب اليهودى بالعبريه , كما نجد فى لوقا 4 , و مرقص 12 , و من المؤكد أنه عرف كمفسر للكتاب اليهودى , فقد أطلق عليه لفظ " راباى " فى مصادرنا .



كذلك , فإن لدينا تقاليد متعدده مستقله , أن الناس الذين كانوا على علم بخلفية يسوع , كانوا يندهشون من علمه الغزير , و هذه التقاليد أيضا تتوفر بها صفة " التباين " , لأنه لن يوجد مسيحى سيرغب أن يخبر الناس أن يسوع كان يتعلم ببطء عندما كان طفلا صغيرا .



ان المعلومات السابقه تشير الى أن يسوع قد تعلم كيفية القراءه كطفل , و أنه حظى بنوع ما من التعليم , و لكن أحدا ممن كان حوله و شاهد يسوع و هو ينمو عاما بعد عام لم يعتقد أن يسوع كان مثقفا خارقا للعاده .




لا توجد أية تقاليد تشير الى أن يسوع قد تحدث اليونانيه , بالرغم أن بعض الناس قد يعتقد أنه كان يتحدث اليونانيه , حيث أنها كانت تستخدم أحيانا فى "الجليل" حيث عاش يسوع .




اننى أعتقد أن يسوع قد تحدث الآراميه , و كان بوسعه أن يقرأ بعضا من العبريه , و ربما كان يعرف القليل من اليونانيه .







للأسف , فإن حياة يسوع المبكره يكتنفها الظلام , و معرفتنا عنها قليلة جدا , و لكن ربما علينا أن نفترض أنه حظى بطفولة طبيعيه , و لكن لسوء الحظ , فإنه لا يتوفر لدينا معلومات عن سمات الطفوله الطبيعيه فى بلد مثل " الجليل " , و ربما أنه مارس مهنة أبيه كما هو متوقع , و قد وصفت مهنة يسوع بنفس الكلمه اليونانيه التى وصفت بها مهنة أبيه , و قد ورد ذلك فى مرقص 6 , و من المستبعد أن مسيحيا قد اختلق عبارة يفهم منها أن يسوع كان يمتهن مهنة من المهن الدنيا .


هناك مفهوم خاطىء لدى الناس الذين يشاهدون أفلاما كثيره عن يسوع , و هو أن القوات الرومانيه كانت تتواجد فى كل مكان , و لهذا كان الناس يشعرون بالاضطهاد , لأنهم يشعرون أن الرومان يراقبونهم فى كل حركاتهم ....هذا الكلام غير صحيح بالمره , فلم يضع الرومان قواتهم فى كل مكان فى فلسطين , بل كانوا يضعونها على الحدود حيث يمكن أن يواجهوا خطر الغزو , و كانت هناك مجموعه صغيره فقط من الحراس فى فلسطين , كحراس شخصيين للحاكم , و هى أصغر بكثير من أن تعتبر جيشا , و لهذا فإن يسوع لم ير جنديا رومانيا فى فلسطين مطلقا , و لكنهم كانوا يعلمون أنهم خاضعين لروما لأنهم يدفعون الضرائب لروما , و لكن الفكره القائله بوجود جنود رومانيين فى كل مكان غير صحيحه بالمره .




كان لا بد أن نذكر هذا السياق التاريخى السريع لأنه كانت له تداعيات اجتماعيه و ثقافيه , أثرت على حياة اليهود فى فلسطين



فقد أثرت فتره المكابيين على الحياه السياسيه و الاجتماعيه و الدينيه , و تسببت فى إعادة هيكلة الفرق اليهوديه التى وجدت فى عصر يسوع , و على سبيل المثال الفريسيين و الصدوقيين و الآسينيين



كذلك فقد تسبب الاحتلال الرومانى فى حدوث العديد من الثورات العنيفه أو غير العنيفه فى زمن يسوع .




دعونى أتكلم أولا عن الفرق التى ظهرت أثناء فترة " الحشمونيين " .. لقد ذكر المؤرخ اليهودى يوسيفوس أربعا من هذه الفرق , و جميع هذه الفرق تلعب دورا هاما - بطريقة أو بأخرى- فى فهمنا لشخصية يسوع التاريخى



هناك بعض النقاط التى نستطيع أن نقولها عن هذه الفرق اليهوديه مجتمعه



أولا : و خلافا للمتوقع , فإن معظم اليهود لم يكونوا ينتمون الى أى من هذه الفرق , و قد قال يوسيفوس أن أكبر الفرق و هى فرقة " الفريسيين " ادعت لنفسها أنها تضم ستة آلاف عضو , و أن فرقة " الأسينيين " ادعت لنفسها أنها تضم أربعة آلاف عضو , أما فرقة الصدوقيين فمن المحتمل أن عدد أعضائها كان أقل من ذلك



اذا قارنا هذه الأعداد بالتعداد الكلى لليهود فى العالم فى ذلك الوقت و الذى كان يبلغ حوالى ثلاثة أو أربعة ملايين , سيتضح لنا أن هذه الفرق كانت صغيرة جدا , و سيتضح أن معظم اليهود لم يكونوا ينتمون الى هذه الفرق .



و لكن , بالرغم مما سبق , فإن هذه الفرق الصغيره كانت قوية التأثير من الناحيه السياسيه أو الاجتماعيه فى فلسطين .



كان كل عضو من أعضاء هذه الفرق يشارك نفس الرؤى العقائديه الأساسيه التى يشترك فيها اليهود فى أى مكان , فكلهم كان يعبد الها واحدا يعتقد أنه خالق كل شىء , و الذى تحدث عنه الكتاب المقدس اليهودى , و الذى اختار شعب اسرائيل ليكون شعبه المختار , و الذى وعد بحماية هذا الشعب فى مقابل اخلاص هذا الشعب له و اتباعهم للناموس ....هذه أمور يشترك فيها كل اليهود .



بالرغم من ذلك , فإن هذه الفرق السابقه قد اختلفت فى العديد من الأشياء المهمه , خصوصا فيما يتعلق بتفسير " المتطلبات اللازمه لاتباع ناموس الله" , و فى كيفية التعامل مع الحاكم الأجنبى , أو مع الكاهن الأعظم الذى لا ينحدر من نسل " صاداق " .



تعتبر فرقة " الفريسيين " من أكثر الفرق التى نمتلك معلومات بخصوصها , و لكنها تظل مع ذلك أكثرها غموضا بالنسبة لنا , و الذين لم يكونوا منافقين خلافا للمفهوم الشائع عنهم , فقد كانوا يحرصون على اتباع أوامر الله الوارده بالتوراه , و لكن المشكله أن الأوامر الوارده فى التوراه قد تكون غامضة فى بعض الأحيان .




كان من الأوامر الواضحه مثلا أن يحفظ اليهود يوم السبت , بمعنى ألا يمارس اليهودى عملا فى يوم السبت , و لكن ما لم يكن واضحا ما هى الأعمال التى يشملها هذا الأمر , لأن التوراه لم تحدد هذه الأعمال , و لهذا فإن الفريسيين الذين أرادوا أن يحافظوا على ناموس الله قد وضعوا قواعد لتحديد ما الذى يمكن عمله و ما لا يمكن عمله فى يوم السبت , و قد انتشرت هذه القواعد شفويا , و أصبح من المفهوم أنك اذا اتبعت هذه الأوامر الشفهيه التى وضعها الفريسيون فإنك بهذا تحافظ على ناموس موسى المكتوب .



هذه الأوامر الشفويه سجلت بعد ذلك بواسطة أحبار متأخرون , حوالى مائتى عام بعد يسوع , فى كتاب " المشنا " , الذى هو بمنزلة القلب من التلمود .



سيكون من الخطأ أن ننظر الى الفريسيين على أنهم مجموعه من المنافقين , فعلى العكس تماما , لقد كانوا أناسا مخلصين لشريعتهم , يريدون أن يحافظوا على ناموس الله بكل حذافيره , و لكن سوف نرى لاحقا أن يسوع كان له رأى آخر فيما يتعلق بكيفية المحافظه على الناموس .




ان المعلومات المتوفره لدينا عن فرقة " الصدوقيين " قليلة نوعا ما , لأنهم لم يتركوا لنا أى مصدر مكتوب على الاطلاق , و لكن يبدو مما قاله عنهم يوسيفوس , و ما قيل عنهم فى العهد الجديد , أنهم كانوا يتألفون من الطبقه الأرستقراطيه العليا بين اليهود , و يبدو أن كثيرا منهم كانوا كهنة فى الهيكل اليهودى .



من المعروف أن الصدوقيين كانوا على خلاف مع الفريسيين بخصوص القواعد الشفهيه التى وضعها الفريسيون فيما يتعلق بكيفية تطبيق ناموس موسى , فقد اعتبر الصدوقيون أن ما يجب الاهتمام به هو "ما كتبه موسى فى التوراه " , خصوصا فيما يتعلق بكيفية عبادة الله فى الهيكل .




و خلافا لما هو شائع , فقد كان الصدوقيون - و ليس الفريسيون - هم أصحاب اليد الطولى فى النفوذ فى القرن الأول فى فلسطين , فقد كان الكاهن الأكبر يأتى من وسطهم , و كانوا هم من يتحدثون عن احتياجات الشعب اليهودى أمام الحاكم الرومانى .




كان اهتمام الصدوقيين الرئيسى منصبا على طقس الذبائح الذى يجرى فى الهيكل , و يبدو أنهم كانوا منفتحين على الحكام الرومان طالما سمح لهم الرومان بتأدية طقس الذبائح فى هيكلهم و التى أمر الله بها فى التوراه .... و مرة أخرى نجد أن يسوع كان له فهم مختلف عما يهتم به الله خلافا لأمر الذبائح التى تقدم فى الهيكل .






الفرقه الثالثه , هى فرقة " الأسينيين " , و قد كانت تتألف من مجموعه من اليهود المتدينين , الذين يعتقدون أن باقى شعب اسرائيل قد ابتعد عن الله , و كما سيتضح , فربما أننا نعرف عن الأسينيين أكثر من الفرق الأخرى السابقه , برغم أنهم لم يذكروا أبدا بوضوح فى العهد الجديد .



بخلاف ما أورده " يوسيفوس " و كتاب قدماء آخرون , فإنه بحوزتنا الآن مجموعه من الكتابات يبدو أنها كتبت بواسطة الأسينيين , و هى تنتمى الى لفائف البحر الميت الشهيره , التى كتب معظمها بالعبريه , و بعضها بالآراميه , و القليل منها باليونانيه , و التى احتوت على أنواع كثيره من الكتابات الأدبيه , فهناك تقريبا نسخه من معظم أسفار كتاب اليهود المقدس , و هناك تعليقات على هذه الكتب , و هناك كتب خاصه بالتراتيل , و هناك كتب خاصه بالنبوات , و هناك قواعد خاصه بمجتمع الأسينيين .




من خلال مطالعتنا لهذه الكتب نستطيع أن نتعرف على حياة الأسينيين , فمن الواضح أنهم اعتقدوا أن اليهود فى أورشاليم قد ضلوا , و لهذا فقد أسسوا مجتمعاتهم الخاصه من أجل المحافظه على الناموس الالهى , و قد توقعوا أن تحل نهاية العالم قريبا , و أن الله سيتدخل عما قريب و يطيح بقوى الشر و منها اليهود المنحرفين , و يؤسس مملكته على الأرض , و أن أبناء النور سوف يهزمون ابناء الظلمه فى المعركه الأخيره , و بالطبع فإن المقصود بأبناء النور هم الأسينيون , و أن ما على الأسينيين أن يفعلوه حاليا أن يبتعدوا عن رجاسات العالم , و عن الانحرافات التى يمارسها اليهود فى الهيكل , و بالتالى أسس هؤلاء الأسينيون مجتمعات تشبه المجتمعات الرهبانيه , و وضعوا قواعد صارمه لمن يرغب بالإنضمام اليها .



يبدو أن الحرب اليهوديه عندما اندلعت فى عام 66 ميلاديه , قام الأسينيون باخفاء كتبهم قبل أن يشاركوا فى هذا الصراع , و ربما ظنوا أن هذه هى معركة النهايه , و أن الله سينصرهم , و لكنهم لم ينتصروا , و دمروا تماما .



و باختصار , فإن الأسينيين يعتبرون ان طهارتهم الطقسيه هى أهم شىء فى العلاقه بينهم و بين الله .... و مرة أخرى نجد أن يسوع كانت له وجهة نظر مختلفه .






المجموعه اليهوديه الرابعه التى ذكرها يوسيفوس أطلق عليها اسم " الفلسفه الرابعه " , و هذا المصطلح فى الحقيقه يشمل العديد من فرق اليهود , كانوا يؤمنون أن الله أعطاهم أرض اسرائيل , و أنه يتوجب استرجاعها بالقوه ممن انتزعوها منهم , و بالتالى فقد آمنت هذه المجموعه بالمقاومه المسلحه ضد أى محتل غريب و خصوصا الرومان .



كما ذكرت سابقا , فقد اندلعت ثورة ضد الرومان فى عام 66 ميلاديه , و أدت الى حرب مدتها ثلاث سنوات و نصف , انتهت بدمار أورشاليم , و احتراق الهيكل .


اذن هذه المجموعه آمنت بالمقاومه المسلحه , و أن أرض اسرائيل قد أعطاها الله لهم , و لا يصح لأى حاكم غريب أن يحكمهم فيها ..... و مرة أخرى نجد أن يسوع كانت له وجهة نظر مختلفه عن هذه .





اذن فقد تحدثنا عن الفرق اليهوديه الأربعه و عن صفاتها , و كما يتضح فإن يسوع كانت له وجهة نظر تختلف عما تؤمن به أى فرقه من هذه الفرق الأربعه .



و فى الختام نقول , أنه من الواجب علينا أن نستوعب سمات المجتمع اليهودى الذى عاش فيه يسوع , حتى يتسنى لنا أن نميز أى من التقاليد يصلح أن ينسب له من خلال هذه السياق , و أى منها لا يصح .. أما لو انتزعنا التقاليد الوارده لنا عن يسوع من سياقها التاريخى فسنخطىء فى فهم معناها بكل تأكيد



سلسلة " يسوع التاريخى


.https://www.youtube.com/user/bartdehrman
https://www.youtube.com/watch?v=kbLm_Xiqih8