إرضاع الكبير: كيف تصبح الثقافة ثدياً؟

سامي عبد العال
2017 / 1 / 7

أحياناً تُخفِف الثقافةُ أشكالها الخشنة ضمن بدائل محظورة. وهي بدائل نالت من القبول ما نالت بحكم الرصيد الحياتي والاعتقادي لها. الوجهان(الخشن والمحظور) نمطان لعملة واحدة هي الحرام الديني. والأعمق دلالة أن تعتمد البدائل على وجود المحظور كبابٍ خلفي للنظام الاجتماعي. وذلك بما يلحقه من العيب والحياء والفضيحة بسياسات الدولة. حيث تساير البدائل غايات الثقافة مدفوعة بقوة العيب. بينما هي ترتدي أثواب الأوامر الدينية. ولذلك يجد الدين متنفساً ضمنياً وراء الأعمال والوظائف الاقتصادية بمواقعها الحداثية. وهو ذات المتنفس للتدخل في الخطط المدنية وهياكل الإدارة والمؤسسات. يفهم فقهاء الدين ذلك أثناء التباس التبديل السابق ليعاودوا الظهور بوضوح. ولكن لا محل من الاعراب لذلك الدور في الدولة المعاصرة. لأنَّ مسألة التحريم بهذا الالتفاف لن تُحسم بسهولة: أهي موضوع اقتصادي مهني خاص بالأشغال أم بالدين؟
الحرام، التحريم، المحرمات... تنويع ديني داخل أبنية الثقافة المتناقضة. يحاول أن يرسم خطاً سرياً عبر أعصابها الحية. فالمحرم يختلط إلى درجة الخفاء بالإسرار والمسكوت عنه والمهمل والمهمش. إنَّه الجاري مع الكلام الاجتماعي حول الأشخاص والعلاقات العامة. وتاريخياً يمثل العودة الماكرة داخل ما تم تعميمه باسم السياسة وتنظيمات العمل والادارة.
فالمفترض أن مفاهيم العمل انبثقت عن اكتشاف نظام اقتصادي يخضع لسياسات الدولة وأشكال العرض والطلب وآليات الأسواق وقيم السلع وعلاقات التبادل. وعندما يتسلل التحريم عبر علاقة وظيفية فإنما يخاتل قدرة الثقافة إزاء دلالة المحرم بالنسبة لطرائق الحياة التي ترسمها. وهي فكرة توضح طبيعة تلك الثقافة وكيف تطورت. لأن العلاقات المحرمة قديمة حتى أن فرويد اعتبرها قانوناً يتجاوز جميع الثقافات. ولم ينف طابعها الكوني مادام يوجد إنسان ومجتمع. فالناتج عنهما نظام رمزي يمارس سلطة العزل ضمن الحياة المشتركة. ويسهل عملية التصنيف الجندري بين الناس ويفرز روابط القرابة وغيرها.
ارضاع الكبير فتوى تطرح مانعاً شرعياً لإباحة اختلاء الإناث والذكور أثناء العمل أو غيره. بحيث إذا رضع الذكر من ثدي زميلته الأنثى تصبح بمثابة أمه التي أرضعته. وبالتالي لا ينظر إليها- أو هكذا يفترض- نظرة شهوانية. ويحقق التحريم قيداً لا محيد عنه. وإذ ذاك يقع الذكور تحت طائلة الشرع قبل احترام قيمة الإنسان واخلاقيات العمل. فضلاً عن اعتبار الأنثى صيداً مطارداً وسط المكاتب وفي الأسواق. إلى متى تستمر الرضاعة بل لماذا هي أصلاً؟ ألا يستمرئ أحدهم بحيث ينال رضعات مشبعات طوال الوقت؟ ما هو المعيار الذي يحدد هذا الأمر؟ وإلى أن تتحدد تلك الأشياء يصبح المجتمع أثداء وأفواهاً في كل مكان.
إذا تأملناها قليلاً لوجدنا أنها ليست مجرد فتوى تفتق عنها ذهن أحد الشيوخ. لكنها أسلوب حياة، وآلية لممارسة الثقافة العربية الاسلامية بأكثر الأصعدة تداخلاً. فالأم الخيالية ليس بيولوجيا الرغبات والشهوات والكيان الجسدي المحرم. وليست مساحة الاغواء إلا فضاءات لتمكين التبني الاجتماعي لمفاهيم الهيمنة الذكورية وتدجين الإناث في حظائر عامة حتى ولو كن في وظائف حكومية. وبخاصة أن الرضاعة عملية اجتماعية وبيولوجية جنباً إلى جنب. إضافة إلى كونها تشير إلى سريان الأمومة الثقافية عبر أجيال من العلاقات الحميمة والمفاهيم التربوية. ففي الأقوال الشائعة نقول أثناء الأزمات" ألم يوجد أحد رضع من لبن أمه لينهي الأزمة". وهذه إيماءة للرجولة بوصفها نسغاً في حليب الأمهات. وعلاقة نسب موصولة بإنتاج الرموز البطولية في المجتمع.
ما الذي حدث حتى تصبح الرجولة مصاً لأثداء زميلات العمل؟ لقد افرزت المجتمعات العربية ذكوراً وسط غابة اسمها الحياة. والسياسة تتعامل معهم على هذا الأساس. فالاحتفاء بالرجال ليس لمواقفهم الحكيمة ولقدرات البذل والعطاء. إنما نماذج الفروسية العربية مازالت هي حشو الأدمغة السائبة. وهو نموذج يتلبس بأهمية الذكور اجتماعياً. لأن انجاب الاناث لا يجر إلا الويلات والسخرية. والاناث ينظر إلهن كعاهات مستديمة أينما يأتين أو يمشين أو يعملن.
من تلك الزاوية لم يكن هذا الشيخ أو ذاك هو من يفتي. إنها الثقافة السائدة تتحدث، تحدد العلاقات، تتداعى، تطرح حممها كبركان خامد استيقظ غسقاً. ولعل علاقة الشيوخ بالثقافة الاسلامية كعلاقة الأم بأبنائها. يلجأون إليها وقت الأزمات ويعيشون تحت إبطها. وفوق هذا وذاك يريدون لكل أفراد المجتمع العيش بذات الأسلوب. ولأن التوسط الديني من أقدم المهن في تاريخ الثقافات فإنه يحتفظ بكامل الرواسب لمعتقدات الجموع.
كيف نتصور رجلاً كهلاً يستحلب ثدي زميلته لتحرم عليه؟!
أولاً: اختزلت الفتوى علاقات العمل في الرغبات الجنسية. والمرأة في أي مجال كان تعتبر موضوعاً منكشفاً، فضائحياً كما تهجس الثقافة بوصفها عاراً لا يندمل جرحه. فإذا خرجت لا تخرج إلا إلى "بيت العَدَّل". بيت الزوجية كما هو مصاهرة لردم الفضيحة. وكذلك تخرج إلى قبرها. والردم واضخ المماثلة بين الزواج والقبر. لأن الاثنان يقومان على الستر من العيون. واسكات الرغبات بشكل مشروع.
وعبارة" بيت العَدَّل" تنبني على تصور الضلع الأعوج. ولما كان البيت تكوين ثقافي فالعدل أصبح حاملاً لذات الدلالة. فليس الضلع الأعوج مجرد فكرة دينية كما وردت ببعض الأحاديث. لكنما بنيت عليها أغطية ثقافية ظلت تلاحق المرأة في الحياة العامة أيضاً. ورغم أن مكان العمل له طابع المؤسسات ويخضع لآلياتها فالضلع الأعوج يطفح بالرغبة الجنسية بين طرفي العمل. إنه التصور الحيواني الذي له أولوية على كافة التصورات. وهذا يظهر حرص بعض الموظفين على تحريم الاختلاط بإيعاز ديني. واعتبار المرأة مصدراً للإغواء يلاحقها في أماكن العمل.
ثانياً: ازاحت الفتوى تراكمات الحداثة بجرة قلم. فالمهنة تبلور ما أحرزته الإنسانية من قيم التعايش والتطور. كما أنها تستثمر قدرات الإنسان كإنسان بصرف النظر عن اعتباره انثى كان أم ذكراً. وعندما يأتي خطاب يعيد الصورة إلى الوضع البيولوجي فإنما يسلب قدرة المؤسسات على أداء أدوارها. وهو يقول المرأة مرأةً والرجل رجلاً. وليس بينهما إلا الخطيئة. وهو خطاب يوحي بالإيقاع بينهما لا محالة في حبائل الشيطان.
ثالثاً: نفت الفتوى مفاهيم العمل كإنتاج. فالمرأة ليست مرأة كما تذهب ولا الرجل رجلاً كذلك. لأنَّ العمل هو حصيلة لطاقات ومهارات تبدع انتاجاً جديداً. في تلك الحالة يستحيل اعتبار الرغبات الحسية فوق مستوى الانتاج. فالطاقة ليست جنساً ولا تصنيفاً. كما أن الرغبة تتبلور في إضافة قيمة أخرى. وأكثر من هذا لن يكون الإنسان جسداً لكنه وظيفة داخل إطار مؤسسي فاعل. ليس كما هو الحال في الحياة الخارجية.
وبذلك سيكون العمل نوع من رغبة كلية تتعين بجميع الرغبات الأخرى. لأن الأداء له معايير مختلفة عن معايير الحلال والحرام. هناك آليات وتصاميم وابتكار وأهداف تعود على جميع العناصر برؤى مختلفة.
رابعاً: ارضاع الكبير لا ينفصل عن ماهية الثقافة العربية الاسلامية. من حيث كونها تكرس إملاءً متواصلاً بتضخم الذكورة. ويصبح الذكور في رعايتها بشكل مباشر دون عناء.
هناك واقعة أم موسى التي ألقب بصغيرها في اليم امتثالاً لأمر إلهي كما ورد بالقرآن. هذه الحالة تقول فليكن الوليد قادراً -رغم عجزه- على الحياة الصعبة. وأن هناك يداً خفية سترعاه ليقوم بوظائفه الدينية والاجتماعية. وتواصل حبكتها التاريخية عندما دخل الولد بيت الفرعون. هذا الحاكم الذي يمثل خطراً محدقاً به. ثم يعود ثانية إلى أمه عن طريق الرضاعة بوصفها فعلاً مميزاً للأم دون سواها. والأم هي التي ألقته باكراً في اليم وهي من ستأخذه بعملية بيولوجية رمزية. حيث تؤكد الأخير كلية المعنى وراء الحالة نحو مسار الثقافة كأم، كرحم بديل.
إذن في حالة فقدان الأم سترجع الثقافة وليدها إليها ثانية. لكن ماذا لو كان الرضيع كبيراً؟ هنا لا مجال إلا ارضاع الثقافة له. فالتحريم لن يتم بين صغار. ولهذا ستملأ الثقافة ذهنيات الذكور والإناث بالمحرمات والأسوار. وهي رغم كونها سلطة عزل لكنها تخلق حالة من الأوهام والإيقاع في الأخطاء. لأن غياب ثقافة العمل ومؤسساته يخلق الشهوات على قارعة المكاتب والأضابير. وتصبح العلاقة بين الذكر والأنثى طاغية على أي شيء آخر.
الحالة الأخرى هو مولد نبي الاسلام يتيماً. ولكن أوجدت الثقافة السائدة أماً بديلة له. فقد أخذته المرضعة حليمة السعدية. وبالتأكيد لم يكن الأمر مجرد رضاعة بل رعاية ضمن العادات والتقاليد. لأن العلاقة بالأم أكثر من مجرد حليب. فالثدي هو بالمقام الأول ثدي ثقافي يشكل تصورات الألم والحب والحياة والخوف والمصير بالنسبة لطفل. وتظل تلك الرضاعة سارية مع ذات التصورات باستمرار. حتى يكبر البناء في هيئة أبنية كلية تحكم أنماط التفكير ورؤى العالم.
خامساً: التحريم بالمعاني السابقة ينقلب إلى اشاعة الكراهية. لأن التحريم لا يثري إنسانية الطرف المقابل، لا ينوع الآخر، ولا يشعرنا بإضافته المهمة. حتى ولو كان نقيضاً لنا. إنه يعين حدوداً فاصلة تكرس ظلاماً دامساً. فالنظرة الأولية للإنسان هي اعتباره للآخر. وعندما نقذفه بالتحريم فإننا نطرده من نظرتنا بالكلية. ولهذا ينتشر النقاب بين النساء في الثقافة الاسلامية. يبدو أنه يغطي الوجه بقدر ما يخفي الكائن، ويحوله إلى قالب مصمت بلا رغبة. مجرد عيون مرتعبة وغائبة عن الوعي. تراقب الحياة كأنها تقف خارج الواقع.
سادساً: الحرام لا يشكل نسقاً. لأنه مرهون بإرادة الأفراد حاجباً إرادة الحياة لديهم. كما قيل فإن الأصل في الأشياء الإباحة. وهذا معناه أن الحياة تجد مكانها ضد التحريم، ضد المنع. فهي تتفتح بكامل طاقاتها، لا تعبأ بغير ذلك. وعلامة فسادها انتشار المحرمات بلا مبرر. لأن الأخيرة تحل بطابع تقديسي. فالموضوع المحرم يأخذ دلالة المقدس رغم كونه مدنساً. كحال علاقات الذكور بالإناث أثناء العمل. وخطورة الحرام أنه يناور بوجوده الكلي، بأطيافه التي تلح على الحضور.