ونحن والاحتلال في رواية -كافر سبت- عارف الحسيني

رائد الحواري
2017 / 1 / 6

ونحن والاحتلال في رواية
"كافر سبت"
عارف الحسيني
هنا قاعدة تعتمد في تقيم أي عم الادبي، تقول: بضرورة تمتع القارئ/المتلقي بهذا العمل، واعتقد بأن أهم ما في هذه الرواية حالة المتعة التي يحصل عليها القارئ، وإذا ما اضفنا ميزة أخرى، معرفة المحتل وكيف يفكر وكيف يتصرف معنا كفلسطينيين، تكون الرواية قد جمعت بين الفكرة/المضمون والتمتع بالنص.
الانسيابية في تناول الاحداث، وقدرة الراوي السرد جعل النص سهل وينساب بكل أريحية، وهذه ميزة ثالثة تحسب للرواية، تقسيم الرواية إلى فصول، في كل فصل يتحدث "نبيه" عن حدث معين، الأعمال التي قام بها لكي لا يكون عالة على الآخرين، بحيث نجده ينطبق عليه المثل القائل : "سبع صنايع والبخت ضائع" فهو يعمل في اكثر من مجال، من أجير عند صاحب الدكان، إلى موزع صحف، إلى مصلح اجهزة كهربائية، إلى العمل بالتجارة، إلى عامل في مطعم، إلى "كافر سبت" عند اليهود، بمعنى بأن بطل الرواية عمل في أكثر من مجال، لكن بقى حاله كما هو، مكانك سر.
إذن هناك علاقة بين عنوان الرواية والعمل عند اليهود، فهو يكون في أيام السبت تحديد حيث يمتنع اليهود عن القيام بأي نوع من الاعمال في يوم السبت، مما يوجب عليهم أن يكون هناك شخص يقوم بهذه الأعمال عنهم، أي يقترف الخطيئة/الكفر عنهم من خلال تجاوز الشريعة التي تمنعهم من العمل في هذا اليوم، ومن هنا يسمى هذا الشخص بالمفهوم الديني اليهودي "كافر سبت" لكن هذا العمل بالنسبة للشخص الذي يقوم بالعمل مسألة طبيعية تماما، لعدم وجود قناعة/إيمان عنده بأنه يقدم على عمل محرم.
من خلال الحديث عن لأعمال التي قام "نبيه" يحدثنا عن واقع الفلسطيني في مدينة القدس وعن اليهود أيضا، فالراوي شخصية مقدسية، تعيش في القدس، وهنا يمكننا أن نضيف ميزة أخرى للرواية حيث تتحدث عن أوضاع الفلسطينيين في مدينة القدس.
نحن الفلسطينيون
يصف لنا الراوي حالة المجتمع العربي في القدس بأكثر من مشهد وأكثر من حالة، فنجد اهتمام الأسرة المقدسية بالتعليم وأيضا فشل أو عدم رغبة الابناء في تحقيق أمنيات الأهل:
"ـ وأخيرا رجعت لتحكمنا وتنفع شعبك وأمتك، بكفي خدمة بالأجانب عاد، حط عينك على أي عيادة ورقبتي سدادة.
ـ بس يابا أنا تعبت من الطب، ويمكن الغربة هدتني، من القدس للعراق إلى المانيا، وهلأ في عمان، بدي أرتاح وأشتغل بالتجارة!!" ص28، هذا الحوار يبين اهتمام الأب بتعليم، ويكشف لنا ادعاء الابن الذي لم يدرس الطب مطلق وانغماسه في الأعمال غير السوية، "فصلاح الدين" ولم يرعي الاعباء الاقتصادية والنفسية التي تحملتها الأسرة في سبيل تعليمه، فكان يمثل حالة الفشل، والشخص الكاذب والمخادع الذي لا يراعي مشاعر الآخرين.
وهنا شخصية سلبية أخرى يمثلها "الشيخ حسام" الذي كان يمثل رجل الدين الانتهازي، "أستولى ابن عمي "الشيخ حسام" على جهاز الفونوغراف، وهو الذي لم يسمع في حياته أكثر من أغاني الراديو عند تنقله بالمواصلات العامة، وكان يلوي رأسه لسماعها ويقول "استغفر الله" ... فأخذه وباعه مع جميع الاسطوانات بثمن بخس" ص30، هذا الحالة أيضا تشير إلى سلبية العلاقة الأسرية في المجتمع الفلسطيني المقدسي، فمثل هذا المجتمع المتخلخل والمتزعزع اجتماعيا لا يمكن له أن يقف بوجه احتلال.
وهذا الأمر أكده الراوي من خلال انتقاله إلى الحديث عن المجتمع المقدسي، الذي كان أيضا يتصف بالسبية والجهل معا، فيحدثنا عن إزالة قبر من جانب الجدار لعمل مطبخ، بعد أن منعت دولة الاحتلال المقدسين من القيام بأي توسعة أو أي عملية بناء في القدس، وذلك لإجبارهم على ترك المدينة ومن ثم سحب هوية القدس منهم، لتفريغ المدينة من سكانها، "كان الأذناب يندسون عند المحتل ليحيكوا الضغائن، ويبلغوا عن مواقع الأبنية غير المرخصة، التي بنيت في حاراتهم، وللمرة الأولى لم يهتم أحد من الفاسدين والعملاء بالتبليغ عن برندة عمي غير المرخصة، بل أطلق مؤذن المسجد الحشري "أبو محمد" إشاعة بين الناس تقول أن هذه هي خطية القبر، ولو لم يكن عمي أزاله من أجل البناء لزوجته لما كان حصل على المخالفة وتعرض للهدم والحبس، والحقيقة أنه لو لم يزل القبر لما كان قد استطاع البناء" ص37،
بهذا التفسير/التعليل يتشفى رجل الدين بالمواطنين، فكأن ما يقوله يبرر ما تقوم به قوات الاحتلال من هدمه ومخالفة وسجن للعم، الذي يتعرض لعقاب رباني لأنه تطاول على إزالة القبر.
لم يتوقف فساد المجتمع المقدسي عند هذا الحد، فنجد هذا الشيخ يتدخل في مسائل ليست من اختصاصه، "ـ ما تسمعش كلامه وغير مكان المطبخ ليكون في الناحية المقابلة
... إذ اعتقد من كلامه وهيأته أنه صاحب الرأي والشأن، أبلغت صاحب الورشة بما حدث، فجأة على الفور، وطرد أبا محمد، يومها لامه جميع سكان الحارة وقالوا يصوت واحد:
ـ بتطحي المؤذن وشيخ الجامع من دارك يا فاسق.
ما هو اكيد بعرف أكثر منك وين لازم يكون المطبخ" ص36 و37، هذا المشهد يشير إلى فساد رجال الدين من جهة، وإلى تخلف المجتمع من جهة أخرى، المؤذن تدخل في مسألة شخصية، وثانيا كان طرده عملية قصاص مناسبة له، لكن المجتمع الذي يهتم بالشكل فقط، وجد في طرد هذا الشيخ امتهان لهيبته وهيبتهم معه، ولهذا وقفوا ضد عملية الطرد، رغم انها تمثل قصاص عادل وتصرف طبيعي يمكن أن يقوم به أي شخص يتعرض لمثل هذ التصرف الوقح.
وأيضا قدم لنا الراوي صورة المرأة المقدسية وكيف تعامل معها المجتمع، فالمجتمع المحافظ المتخلف لا بد أن يظلم نفسه قبل أن يظلمه الأخرين، بنات عم الراوي يعنسن بسبب عدم وجود الأب الذي غاب في رحلة طويلة، وطويلة جدا، فهناك عرف اجتماعي يقول بعدم صواب زواج البنات والأب غائب، ولهذا نجد حالة العنوسة كثيرة في المجتمع المقدسي،
"لم تكن جدتي ترغب بتزويج بناتها خوفا على الأملاك الافتراضية التي لم تعد موجودة، أو على "الحسب والنسب" أو أي سبب نفسي آخر، لا ادري عنه شيئا، أو لأنه من العيب أن يزوجوا البنت في غياب أبيها المجهول، وبعد تكرار الحادثة عدة مرات تناثرت الأخبار:
ـ فاطمة بدهاش تزوج بناتها ... إبصر شو في؟
بقيت عماتي معتزات وفخورات بعذريتهن وعنوستهن حتى لآخر يوم في حياتهن" ص39، هذه الحالة تؤكد هشاشة وضعف المجتمع المقدسي، فهو مجتمع متخلف، يقمع المرأة ويقنعها بأن هذا القمع وهذا الحرمان هو من المثل التي يجب أن تتصف بها المرأة الشريفة، لكن ما وراء هذا الحرمان/القمع مسألة أخرى، مصالح اقتصادية، ومصالح/مفاهيم اجتماعية، وعادات متخلفة.
حالة قمع المرأة لم تقتصر في حرمانها من الزواج، من الحصول على حاجتها لإنسانية من الجنس، لكن نجدها مقموعة وهي متزوجة أيضا، فها هو الجد يتغزل بالمذيعة كما يحلو له، لكن عندما تحاول الزوجة أن تقترب منه، تشعره بوجودها كزوجة يقوم بها الأمر:
"ـ حج ... اعملك قهوة؟
فيشتمها ويشتم نفسه، ويقوم ليصلي العشاء وينام" ص55، لا اعتقد بأن مجتمع بمثل هذه الهشاشة وهذا السلوك يمكن له أن يصمد أمام أي احتلال، أو أمام أي جهة تأتي لتحكمه، فهو مجتمع مهزوم من الداخل، مفكك، متصارع مع نفسه، يظلم بعضه البعض، ويقمع نصفه الآخر، يستخدم الدين كأفيون/مخدر ليبرر سلوكه السلبي، فنجد رجل الدين كيف يبرر اعمال الاحتلال من هدم ومخالفة وسجن المواطنين، وكيف يتدخلوا فيما ليس لهم به علم أو خصوصية، ونجدهم يستخدموا الصلاة كمتنفس/كهرب من المواجهة.
ويعطينا الراوي رؤيته عن المجتمع المقدسي بهذه الخلاصة التي جاءت على لسان غاندي:
"ـ في البداية يستخفون فيك بحجة جهلك.
بعدها يعملون جاهدين على إحباطك بحجة أنهم يعرفون مصلحتك ومن ثم يبدأون بمحاربتك وقمعك، لأنك لا تسير على دربهم.
وفي مرحلة ما يبدأون بمنافقتك لأن الأغراب بدأوا يهتمون بنجاحك وفي النهاية تنتصر." ص197، عندما وضع لراوي هذا الخلاصة في الفصل الأخير من الرواية راد أن يحسم رؤيته من مسألة التغيير الايجابي في المجتمع، فهو يكفر بهذا المجتمع تماما كما يكفر اليهود بالعمل يوم السبت، فهو يكفر المجتمع الذي يقدم على فعل كل هذا الأعمال دون أن يفكر بالصواب، لأنه يجرم بحق نفسه قبل أن يجرم بحق الآخرين.
اليهودي
الرواية تحدثت من المحتل الذي يسعى جاهدا للاستيلاء على الأرض وطرد/تهجير/قتل الفلسطيني، فهو يقوم بأعمال شريرة، نابعة عن فكر ومنهجية واضحة تعتمد على خطط وبرامج مدروسة، تهدف إلى تفريغ القدس من سكانها، من هنا نجده يتعامل مع عم "نبيه" العائد من الغربة بهذا الشكل، "ـ جيب هوية أردن!
ـ أنا من القدس ولدت هون قبل ما تيجيي دولتكم، وبشتغل في البلدية.
ـ يعني إنت من أورشاليم؟
بنعطيك هوية مؤقت وبنشوف كيف إنت مؤدب ولا ترخ على ليفانون أو يردين؟" ص32، احدى الاشكال التي يقوم بها الاحتلال لتهجير المواطنين من القدس، فهو يعمد إلى وضع العراقيل والصعوبات أمام المواطنين مع بداية احتلال القدس، فكيف سيكون اجراءاته بعد أن يستقر فيها؟
يبن لنا الراوي من خلال عملة "كافر سبت" الطريقة الملتوية التي يفكر ويتصرف بها اليهودي، فهو يهتم بالشكل فقط، ولهذا نجده يقدم على اقتراف المخالفة بكل قناعة وإيمان بأنه بريء منها، وكأن هذا الخداع يمر/ينطلي على الله!!
" ـ صحيح أننا لن ندفع مباشرة خلال السبت ولكنك سوف تحصل على مكافأة كبيرة ، ولكن لا تسرع إلى أداء أي مهمة بعد أن يأتيك صاحبها ويرمز لك بذلك، خذ وقتك، أجلس واشرب القهوة وبعدها نفذ العمل بهدوء ثم انصرف" ص132، تأكيد على اقتراف المحرم، وتأكيد على سذاجة التفكير الديني عن اليهود، وتأكيد بأنهم قادرون على خداع الكل، الناس وحتى خالقهم، فهم متميزون بذكاء خارق بحيث أنهم يخدعون الله نفسه!!.
طريقة التفكير والسلوك عند اليهود غريبة جدا، فأما أنهم مخبولين في عقولهم، أو أن الآخرين لا يفهمونهم، يحدثنا الراوي عن أحد اليهود الذي جاء لزيارة فلسطين قبل احتلالها، والذي تم استضافته من قبل احد الفلسطينيين وبالطريقة العربية التي تكرم الضيف وتقدم له كل متطلبات والحاجات التي تجعله يشعر بالراحة، يكتب في يومياته عن هذه الزيارة والطريقة التي استقبل فيها بهذه الفقرات: "أنا اليوم في بيت أحد الأغيار الذين يسكنون أرضي منذ 2000 عام، وقد نام كل من في البيت وأنا الآن اتفقد أملاكي لأتأكد أنهم لم يعبثوا بما هو لي" ص136، هذا الحدث يؤكد حالة الخبل التي يفكر بها اليهودي، فهو يفكر ويتصرف بطريقة غير منطقية، تأكد حالة المرض التي يعاني منها كل من ينتمي لهذا الفكر المشوه.
من خلال عمل "نبيه" مع اليهود يتعرف على شخص يشعر بأنه مختلف بتفكيره عن بقية اليهود، لكن هذا الاعتقاد مجرد اعتقاد، على أرض الواقع يبقى يهودي بامتياز،
"ـ نعم أنا من هؤلاء العرب القذرين.
هنا ـ في العادة ـ تأتي الجملة الشهيرة التي تولد مع كل إسرائيلي، ولا يستطيع التخلص منها أبدا، "سمحة" كان طويل البال نسبيا، فتأخرت الجوهرة في حلقه قبل أن ينطقها:
ـ إذاً، لماذا تريدون أن ترمونا في البحر"
صفقت له لأنه لم يخيب ظني، فكدت اعتقد بأنه مختلف، لكنه أثبت لي أنه إسرائيلي حقيقي، وأن العشرين سنة التي قضاها في إسرائيل جعلته كما تريد دولته، قال لي بغيظ:
لماذا تصفق؟ قلت:
ـ لأني خفت أن تكون مختلفا، فيتغير بذلك شيء داخلي نحوكم، والإنسان بطبعه يخاف التغيير" ص190، كما حسم الراوي عملية التغيير الايجابي في المجتمع الفلسطيني المقدسي، حسمها في دولة الاحتلال، وكأنه بهذا الشكل يقوم باستحالة التغيير نحو الأفضل، الفلسطيني المحتل جاهل ومتخلف، والاحتلال عنصري بامتياز وقادر على تغيير العقول والنفوس حسب ما يريد.
الرواية من منشورات دار الشروق، رام الله/عمان، الطبعة الأولى 2012.