23 عقيدة التنزيه كإيمان فلسفي لاديني

ضياء الشكرجي
2017 / 1 / 6

23
هذه هي الحلقة الثالثة والعشرون من مختارات من مقالات كتبي الخمسة في نقد الدين، حيث سنكون مع مقالات الكتاب الثاني «لاهوت التنزيه العقيدة الثالثة». وهي عبارة عن مجموعة موضوعات قصيرة حول عقيدة أو لاهوت التنزيه التي أعتمدها كإلهي لاديني.

اسم أتباع عقيدة التنزيه
أتباع عقيدة (أو لاهوت) التنزيه يأبَون أن يتسمَّوا باسم محدد، وإذا ما ذُكِروا في هذا الكتاب بتسمية ما، فمن قبيل التعريف بمن يدور الكلام عنهم، ثم إن ذُكِرَت لهم ثمة تسمية، فليس من قبيل الحصر. وسبب عدم التسمي باسم خاص حصرا، هو إن أتباع هذه العقيدة، أو هذه الفلسفة التنزيهية، أو الإيمان العقلي، أو اللاديني، لا يريدون أن يجعلوا من فهمهم أو عقيدتهم أو فلسفتهم دينا جديدا، فيقعون فيما وقعت فيه الديانات من دعوى احتكار الحق والحقيقة، أو وهم بلوغ الحقيقة المطلقة أو النهائية. من هنا فهم يحملون من قبيل التعريف مجموعة أسماء، فهم المنزِّهون، أو التنزيهيون، وهم العقليون، وهم اللادينيون، وكما يمكن ذكر أي من هذه التسميات مجردة، أو مقترنة بموصوف يكون أي مما ذكر صفة له، والموصوف يمكن أن يكون المؤمنون، الموحدون، الإلهيون، كما يمكن نعتهم بالحنفاء الجدد، أو أي شيء آخر. ثم هم النسبيون، وهم الظنيون، أو لعله اليقينيون الظنيون، وهم أتباع مرجعية العقل، أو أتباع تأصيل مرجعية العقل، أو أتباع منهج تأصيل مرجعية العقل.

الحياة ما بعد الحياة (المعاد وأصل الجزاء)
حسب عقيدة التنزيه أو اللاهوت العقلي (اللاديني)، فإن الجزاء لازم من لوازم العدل الإلهي المطلق الواجب عقلا، المتكون من ثواب جزاءً أو تعويضا، وعقاب، مع الفارق في أن الثواب لا يحده كرمه عند حد من جهة، بينما ومن جهة أخرى العقاب تحد منه رحمته، مع رفض الصور التي تعرضها الأديان أو جلها عن العقاب.
طريقة الجزاء
إذا كان أصل الثواب والعقاب واجبا عقلا بضرورة العدل، وهذا بضرورة الكمال، فإن طريقة الثواب والعقاب؛ بجنة ونار [مع استحالة صدق النار القرآنية ولامعقولية أكثر مواصفات الجنة القرآنية] أو بطريقة أخرى، روحيا وحسب، أو روحيا وجسديا، فذلك من الممكنات العقلية، فالمعاد [وأفضل استخدام مصطلح الحياة الأخرى] والجزاء يمكن أن يكون كل منهما روحيا فقط [ولعله الأرجح]، ويمكن أن يكون روحيا وجسديا. [لكن يمكن القول أن تصوير العذاب في نار جهنم، من حيث شدته، ومن حيث أبديته، يخالف ضرورات العقل، لتعارضه مع عدل ورحمة الله الواجبتين عليه وجوبا عقليا، بحكم وجوب كماله المطلق، وهذا ما انتبه إليه علي بن أبي طالب في دعائه الذي علمه كميلا، فعرف بـ«دعاء كميل»، إذ جاء فيه: «لولا ما حكمتَ بهِ من تعذيبِ جاحديك، وقضيتَ بهِ من إخلادِ معانديك، لجعلتَ النارَ كلَّها برداً وسلاماً، وما كانت لأحدٍ مقراً ولا مقاماً، لكنك تقدست أسماؤُك أقسمتَ أن تملأَها من الكافرينَ من الجِنّةِ والناسِ أجمعين، وأن تخلّدَ فيها المعاندين، وأنتَ جلَّ ثناؤُك قلتَ مبتدئاً، وتطوّلتَ بالإنعامِ متكرّماً، أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون»، فهو يفهم إن رحمة الله توجب أن تكون «النار بردا وسلاما، ولا تكون لأحد مقراً ولا مقاماً»، لكنه مضطر للتسليم بما جاء به قرآن ابن عمه ومربيه بأن الله (القرآني) «حكم بتعذيبِ جاحديك، وقضى بإخلادِ معانديك» وأنه «أقسم أن يملأها من الكافرينَ من الجِنّةِ والناسِ أجمعين، وأن يخلّدَ فيها المعاندين»، لكونه قال في قرآن محمد «أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون»، وذكر هنا الفاسق ولم يذكر الكافر، والفاسق هو المسلم غير الملتزم بأحكام الدين، أو غير المتدين، فهو أيضا يستحق أن يشوى بنار جهنم.]

الأصول الفكرية والأصول العملية للاهوت التنزيه
[أو ما يسمى بالأصول والأركان، أو بتعبير آخر بأصول العقيدة وأصول الشريعة]
الأصول الفكرية:
1. العقل
2. التوحيد
3. العدل
4. التنزيه
الأصول العملية:
1. العقلانية
2. الإنسانية
3. الحرية
4. المسؤولية
الأصول الفكرية:
1. العقل: أي ابتناء الإيمان، أو ما نسميه بالإيمان العقلي في مقابل الإيمان الديني، على أساسي كل من العقل الفلسفي والعقل الأخلاقي.
2. التوحيد: المتضمن الإيمان بالله كعلة أولى للوجود، والمقترن بالإيمان بوحدانيته ووحدته، أي استحالة تعدده، واستحالة كونه مركبا، وبالتالي استحالة كونه قابلا للتجزؤ.
3. العدل: بمعنى العدل الإلهي، وما يترتب عليه من وجوب الجزاء ما بعد هذه الحياة، على نحو يتحقق به العدل المطلق، دون معرفة أحد لتفاصيل وكيفية الجزاء. [فمن المعارف العقلية ما يمثل معرفة إجمالية، يكون تكلف معرفة تفاصيلها سعيا لاعقلانيا، لاستحالة معرفة التفاصيل.]
4. التنزيه: تنزيه الله عن كل المقولات الدينية المتعارضة مع الأصول أعلاه، أو مع أي من كمالاته، لاسيما مع عدله ورحمته وحكمته، كما ومع علمه وقدرته.
الأصول العملية:
1. الإنسانية: أي البعد الأخلاقي كضابط أساسي لسلوك الإنسان.
2. العقلانية: أو ما يسمى بالحكمة أو العقل العملي، كضابط أساسي هو الآخر للسلوك [وإن كانت العقلانية تشمل عقلانية التفكير، فيما هي التفاصيل، وهذا يختلف عن (العقلية) كتأسيس فلسفي.]
3. الحرية: أي حرية الإنسان ككائن عاقل حر الإرادة وحر الاختيار في الفكر والسلوك.
4. المسؤولية: كضابط للحرية، لنفي الحرية العبثية، أو الحرية المتجاوزة على حريات وحقوق وكرامات الآخرين؛ هذه المسؤولية المستمدة من أصلي الإنسانية والعقلانية.
ومن كل ذلك تتفرع: النسبية، والعلمانية، والليبرالية، والعدالة الاجتماعية، والحداثة وروح العصر.
01/10/2008

أحكام عقيدة التنزيه
عقيدة التنزيه ليست دينا مشتملا على أحكام وتشريعات تنسب إلى الله، بل إنها تعتمد كل ما تعتمده وتتبانى عليه البشرية مما يجسد البعد الإنساني والبعد العقلاني في السلوك، وهي بالتالي تعتمد ثقافة الحداثة ومتبنياتها في السلوك، ملتزمة بالحرية والمسؤولية والضمير والمساواة والعدالة وكل القيم الإنسانية. لكن مع هذا لو تساءلنا عن تصورات عقيدة التنزيه حول أحكام الله، فيمكن عرضها من حيث المبدأ كالآتي.
ابتداءً نقول إن السلوك الإنساني يمكن تقسيمه إلى ثلاثة أقسام إجمالية، مع تقسيم تفصيلي للقسم الأوسط منها، وهي نفس التقسيمات المعتمدة من قبل الأديان، أو المدارس الأخلاقية. فهناك سلوك واجب الإتيان به، ومحرم تركه، وسلوك محرم الإتيان به، وواجب تركه، وسلوك مرخص الإتيان به، ومرخص تركه. بالمصطلح الديني يسمى الأول بالواجب، أو الفرض، والثاني بالمحرم، والثالث بالمباح، أو الحلال. وهذا الأخير ينقسم انقساما ثانويا تفصيليا، إلى سلوك مرخص تركه، ويفضل الإتيان به، وسلوك مرخص الإتيان به، ويفضل تركه، وسلوك ثالث لا مفاضلة البتة بين الإتيان به وتركه. الأول يسمى بالمصطلح الديني بالمستحب، أو المندوب، أو النافلة، أو السنة، والثاني بالمكروه، والثالث هو المباح، أو الحلال مطلقا. وسميت الواجبات والمحرمات بالتكاليف الإلزامية، بينما سميت المباحات بالتكاليف الترخيصية، بما في ذلك ما يكون الإتيان به أو تركه مفضلا وراجحا، فيبقى ترخيصيا رغم رجاحة أحد طرفيه، الإتيان به عندما يكون مستحبا أو مندوبا، أو تركه عندما يكون مكروها.
الآن لنتناول تصورات عقيدة التنزيه في ما يمكن أن نعده أحكام الله. كل ما توجبه الإنسانية أو العقلانية فهو من واجبات الله وفروضه، وكل ما تنهى عنه الإنسانية أو العقلانية فهو من محرمات ونواهي الله، وكل ما تبيحه الإنسانية أو العقلانية فهو من مباحات الله، وكل ما ترجح الإتيان به أو تركه الإنسانية أو العقلانية فهي مما يرجح الله الإتيان به أو تركه.
بتعبير آخر كل ما كان ضرره واضحا ومعتدا به، فيجب تركه، وما يعود ضرره على غير الفاعل يكون تركه واجبا، وما يعود ضرره على نفس الفاعل يكون تركه راجحا، وكلما ارتفعت درجة الإضرار بالنفس، ازدادت درجة الإلزام بالترك، حتى بلوغ وجوب الترك، أي الحرمة أو المنع الذي لا رخصة معه. وبعض الإضرار بالنفس، إذا ما كانت له مردودات على آخرين، يتحول إلى النوع الأول، أي الإضرار بالغير. ونفع الغير، إذا لم يكن واجبا من حيث المبدأ بل راجحا أخلاقيا، يكون ذلك النوع من نفع الغير الذي يكون تركه إضرارا بذلك الغير، ويكون متوقفا فعله على شخص بعينه، يتحول تركه إلى مكروه أو محرم بحسب طبيعة ودرجة المنفعة والضرر المترتب على تركها. وتقسم الواجبات والمحرمات كما هو التقسيم الديني إلى عيني وكفائي، أو خاص وعام، وإلى غير ذلك من التقسيمات، التي تعد تقسيمات عقلائية أكثر من كونها دينية، وإن اعتمدتها الأديان، لاسيما القواعد الفقهية والقواعد الأصولية، من قبيل العنوان الأولي والعنوان الثانوي، وغيرها. لكن المعيار في عقيدة التنزيه ليس النص الديني، بل العقل والضمير، الحكمة والأخلاق، علاوة على القانون كعقد مجتمعي ملزم، ويكون القانون ملزما، إذا شُرّع في ظل نظام ديمقراطي، أو إذا كان عادلا، حتى لو لم يكن في ظل نظام ديمقراطي، أو توقف عليه الصالح العام. وكل ما اعتمدته مجتمعات الحداثة من الحقوق والحريات، لاسيما ما دونته لوائح ومواثيق حقوق الإنسان، فذلك ملزم فعلا وتركا. [يضاف إلى ذلك ما تكرر ذكره، وهو النسبية والتحول، أي التطور إيجابيا نحو مزيد من العدل في عالم الإنسان، ومزيد من العقلانية. ثم إني فصلت أكثر فيما يمكن تصوره مما ينتظره الخالق من الإنسان، وذلك في موضوع «رسالة من الله إلى الإنسان»]
الغيب في لاهوت التنزيه
الغيب مصطلح ديني وقرآني على وجه الخصوص، ويقابله مصطلح الشهادة. ولأبدأ بعالم الشهادة، لأننا نعيشه، فهو عالم المحسوسات، أي مشهود بحواس البصر والسمع والذوق والشم واللمس. عندما يقال عن شخص إنه شهد الشيء، فمن حيث الأصل اللغوي يعني أبصره، لكنه شمل كمعنى منقول جميع الحواس، فالشاهد في المحكمة يشهد بما بصره، أو بما سمعه، أو بما أدركته أي من حواسه. من هنا نُعِتَ العالم المادي، أو عالم الطبيعة أو الحياة الدنيا بعالم الشهادة بالمصطلح الديني القرآني، ويسمى بالمصطلح العام أو المحايد بعالم الطبيعة، أو العالم المحسوس. في مقابل هذا العالم هناك عالم آخر بحسب الذين يعتقدون بوجوده، ألا هو عالم الغيب، أي العالم الغائب عن الحواس، فهو غير مُبصَر، ولا مسموع، ولا ملموس، ولا مَذوق ولا مشموم، إذ إنه ليس من عالم المادة، بل من عالم الروح، أو العالم المعنوي، وبالنسبة للحياة المفترضة فيه فهي الحياة الآخرة، أو الأخرى، مقابل الحياة الدنيا، وتسميتها بالحياة الأخرى بمعنى المغايرة للحياة الدنيا، وبالآخرة بمعنى أنها الحياة الأخيرة، فلا حياة ثالثة بعدها بحسب المعتقد الديني، فهي إما أبدية، وإما إنها تنتهي عند أجل ما، إلا ما ذهبت إليه بعض الأديان غير الإبراهيمية من تناسخ الأرواح وغيرها. طبعا الغيب غير مقتصر على الحياة الأخرى، أي حياة ما بعد الموت، بل هي أحد مصاديق هذا المفهوم.
لاهوت التنزيه لا يعتمد فيما يتعلق بالغيب أيا من مقولات أي من الأديان حول الغيب والحياة الأخرى، كما لا يعتمد التجربة، وما يخضع لها من العلوم الطبيعية المختلفة، التي هي معنية حصرا بالمادة والمحسوسات، والتي لا تستطيع أن تثبت عالم ما وراء الطبيعة، كما ولا تستطيع نفيه. إذن لاهوت التنزيه يعتمد الفلسفة والمناهج العقلية، لا الدين ولا العلم، أو بتعبير آخر لا الوحي المفترض ولا التجربة.
من هنا فإن عقيدة التنزيه تؤمن بالغيب، لكن لها منهجها الخاص الذي قد يلتقي في بعض مفرداته مع بعض المناهج الدينية، وتفترق عنها وتخالفها في مفردات أخرى، وتقف موقف اللاحسم واللاأدرية تجاه مدعيات دينية غيبية، مما يُعَدّ من الممكنات العقلية، من هنا فالعقل المجرَّد والمتجرِّد لا يستطيع القطع في تكذيب تلك المقولات، كما لا يستطيع أن يُقرّ بصدقها، لاسيما إن الأديان تعتبر مصادر معرفة غير موثوق بها بالنسبة لها.
بشكل عام هناك من الغيب ما هو واجب عقلي، يجب التسليم بصدقه، ومن الغيب ما هو ممتنع عقلي، يجب القطع في عدم صدقه، وهناك قسم ثالث من الغيب هو الغيب الممكن، فلا هو واجب عقلي، يجب التسليم له، ولا هو ممتنع عقلي، يجب الكفر به. الأديان حسب عقيدة التنزيه تشتمل على جميع الأقسام الثلاثة من الغيب. ولو اشتملت على القسمين الأول والثاني دون الثالث لكان بالإمكان الإبقاء على احتمال صدق الأديان، ولكن اشتمالها على الممتنعات العقلية هو الذي منح عقيدة التنزيه مبرر أن تكون، لتنزُّه الله عندها عما لا يليق بجماله وجلاله، ولتنزُّه الإنسان وعقله وحياته عما شابها من مساوئ وخرافات الأديان.
لاهوت التنزيه يرفض بشكل قاطع المبالغة في الاستغراق في الغيبيات وتفاصيلها، بل هو يقر حصرا بالغيب الواقع في دائرة الواجب العقلي، وقد يتعداه قليلا إلى دائرة الممكنات الراجحة، على سبيل التأمل، لكن دون القطع في صدق تلك الممكنات الراجحة، ودون الخوض في تفاصيلها، بل حتى في تفاصيل الواجبات العقلية، بل يعتمد الاستغناء بالمعرفة الإجمالية والكلية عن المعرفة التفصيلية والجزئية. [لأن ذلك من نوع العلم الذي لا ينفع من علم به، ولا يضر من جهله.]
11/08/2011

مصطلح (التَّأَنْسْلُه) مقابل (التديّن)
كـ(منزِّه)، أو (تنزيهي)، أو (إلهي لاديني)، أو (إلهي عقلي)، ملتزم بمرجعية العقل، والمثل الأخلاقية، كمؤمن إيمانا عميقا بالله، لم أجد توصيفا مناسبا لمن هو مثلي، يعيش العلاقة الإيمانية الحميمة مع الله، ويلتزم بما يُرضي ضميره، وهو ذاته الذي يرجو أن يرضي ربه، بما يوازي مصطلح «المتدين»، كما يُصطلَح عليه فيما يتعلق بأتباع الدين المقتنعين بدينهم، والملتزمين بأحكامه، أو مصطلح «المتقي»، أو «المؤمن». نعم لو كنت أسمح لنفسي أن أنعت عقيدتي (لاهوت التنزيه) دينا، لاعتبرت نفسي «متدينا»، ولكن لكون كلمة «متدين» مشتقة من كلمة «دين»، ولكوني أرفض أن يُسمّى إيماني المُنزِّه لله دينا، لا يمكن أن أتفاعل مع هذا التوصيف. أما «المتقي» فلا أجده منسجما مع عقيدتي، لأن التقوى تعني بالمعنى الديني الاستقامة بسبب اسشعار الملتزم بها رقابة الله له، واستشعاره الخوف من عقابه، فيستقيم لـ(يَقِيَ) نفسه من عذاب الله، بينما الاستقامة في عقيدة التنزيه، تعني رقابة الضمير، أي إن المُجهِد نفسه لتحقيق الاستقامة، وصاحب الضمير الحيّ، المراقب لسلوكه الإنساني، إنما يسلك هذا السلوك ويفعل الخير دون أن يستحضر انتظاره للثواب، كما ويجتنب السوء، دون استحضاره الخوف من العقاب الإلهي، بل من موقع القناعة من ذاته، وإيمانه بالقيم الإنسانية والمثل الأخلاقية وتفاعله عاطفيا ووجدانيا معها، ومن موقع حبه للخير، ومقته للشر، وممارسته الرقابة الذاتية لسلوكه، عبر إحساسه بالمسؤولية الحرة، النابع من إيمانه بالحرية المسؤولة. نعم أنا بكل تأكيد (مؤمن)، وأرفض احتكار توصيف «المؤمن» للدينيين، لكوني أرى أن الإيمان التنزيهي يمكن أن يكون أرقى مرتبة من الإيمان الديني، دون أن أقع في مطب الاحتكار من جانبي هذه المرة، فالمؤمن الديني، هو مؤمن من زاوية ما يراه إيمانا، وأنا مؤمن من زاوية ما أراه إيمانا، بل وحتى اللاإلهي (الملحد) هو مؤمن من زاوية ما يراه حقائق علمية مادية يؤمن هو بها، مع التزامه بمثل وقيم إنسانية.
من هنا حاولت أن أبتكر مصطلحا يعبر عن هذه الحالة الإيمانية الروحية والملتزمة، تكون بديلا لمصطلح «المتدين»، فوجدت أن أن أنحت مصطلحا من «المُتَأَنسِن»، و«المُتَأَلِّه»، أي التأنسن المقترن بالإيمان بالله، فكان مصطلح «المُتَأَنْسْلِه» بدلا من «المُتَدَيِّن» أو «المُتَّقي»، و«التَّأَنسْلُه» بدلا من «التَّدَيُّن» أو «التَّقوى»، و«المُتَأَنْسْلِهون» بدلا من «المُتَدَيِّنون» أو «المُتَّقون».
13/10/2012

عقيدة التفكيك بين الإيمان والدين
نشرت كمقالة باسمي المستعار (تنزيه العقيلي).
هناك ثلاثية لا بد من تحديد العلاقات فيما بين بعضها البعض؛ ثلاثية الإيمان الديني، الإيمان اللاديني، الإلحاد [وأعني به اللاإلهية atheism على وجه التحديد]. ومن المهم جدا أن يحدد العقل موقفه من كل أضلاع المثلث، وطبيعة العلاقة بين كل من الثلاثة وكل من الاثنين المتبقيين، أهي علاقة تلازم، تضادّ، علاقة عموم وخصوص من وجه، أو عموم وخصوص مطلق. فـ[سبق وبينت أنه] في الوقت الذي يكون فيه كل دين لونا من الإيمان، لا يجب أن يكون كل إيمان دينا بالضرورة، إذن هي علاقة عموم وخصوص مطلق، وبالتالي لا تلازم بين الإيمان والدينية. وهكذا في الوقت الذي يكون فيه كل إلحاد لادينيا بالضرورة، فليس كل لادينية إلحادا، لوجود الإيمان اللاديني أو اللادينية المؤمنة، ومن هنا فلا تلازم بين اللادينية والإلحاد، بل هي الأخرى علاقة عموم وخصوص مطلق. على ضوء ذلك لا يجب أن تكون هناك ثنائية محضة على أحد طرفيها الدين أو الإيمان الديني، وعلى الطرف الآخر الإلحاد، بل هناك الإيمان اللاديني الذي يمثل الخيار الثالث، وهو في تقديري خيار العقل الفلسفي، لأنه الأكثر انسجاما مع كل من عقل وفطرة الإنسان، وهو إلى جانب ذلك الأكثر قدرة على الإجابة على الأسئلة التي بقيت بلا جواب شاف من قبل كل من مدرستي الدين والإلحاد، مع احترامنا لعقلاء وإنسانيي كل منهما، ومع الإقرار أن الإلحاد لا يختزن خطورة على التعايش السلمي، كما هو الحال مع الدين، ومع الإقرار أيضا بوجود دينيّين معتدِلين سلميّين متسامِحين متنوِّرين عقلانيين إنسانيين، لكن الدين، أيّ دين، يختزن حيامن وبويضات التطرف [بسبب نسبته إلى المطلق، وبالتالي اتخاذ الموقف الرافض بالمطلق أيضا لكل ما يعارضه، كلما اشتدت قناعة المؤمنين به وبإلهيته وبالتالي نهائيتيه واللامسموح التساؤل عنه والتشكيك به أو مخالفته].
وثمرة الخيار الثالث، أي هذا الإيمان العقلي، أو الإيمان اللاديني هو عقيدة التنزيه، المنزهة لله مما لا يليق بجماله وجلاله من مقولات الدين، والمنزهة له سبحانه من الإلحاد، أي من فلسفة لاوجود الخالق، أو الفلسفة المادية. وعقيدة التنزيه هذه قائمة على نظرية التفكيك بين الإيمان والدين كممكن عقلي ابتداءً، وراجح على ضوء الدراسة لمدى صدقية هذا الممكن على ضوء واقع الأديان، فكرا، وتشريعا، وتاريخا، وواقعا راهنا للأديان عموما، وللإسلام بشكل خاص، لاسيما الإسلام السياسي، لتنزيه عقيدة التنزيه هذه لمن هو أهل لتمام وكمال ومطلق التنزيه، وهي، أي عقيدة التنزيه، أو فلسفة التفكيك تعتبر نفسها في دعوتها خطوة، إما موازية لعقيدة الإيمان الظني، وإما خطوة متقدمة عليها درجة في التنزيهية، ولا يجب أن تكون لاغية أو ناسخة لها، وإن كانت هناك مرجحات لذلك إتماما لتنزيه الله إلى آخر أشواط التنزيه.

كل الدينيين إلهيون وليس كل الإلهيين دينيين
المقصود هنا بالدينيين هم أتباع الديانات الإبراهيمية أو التوحيدية، أي أولئك الذين يؤمنون بالله والحياة ما بعد الحياة وما فيها من جزاء وبالنبوات. على ضوء ما مر وجدنا أن من الطبيعي أن يكون كل الدينيين إلهيين، ولكن ليس كل الإلهيين دينيين، فمن الإلهيين من هم إلهيون لادينيون. لكن يمكن القول - أو هذا ما أزعمه - أن الإلهي اللاديني أقدر على أن تكون إلهيته نقية وغير مشوبة، لأن إلهية الديني مشوبة بالضرورة بشوائب الدين، بينما الإلهي اللاديني أقرب إلى احتمال أن تكون إلهيته منزهة ونقية وغير مشوبة، لأنه ينزه الله من شوائب الدين، دون أن يعني ذلك أنه من غير الممكن أن تكون إلهيته مشوبة أيضا، ولكن بشوائب من نوع آخر، مع فارق إن شوائبه غير مقدسة، أي غير مدعى انتسابها إلى الله، كما هو الحال مع شوائب الدين، سواء كانت شوائب أصيلة أو شوائب مكتسبة عبر عمليات الفهم والاجتهاد والاستنباط البشرية. ولكني إنما أزعم أن اللاديني أقدر على الاقتراب من الإلهية النقية غير المشوبة، لأنه حقق شرطا من شروط النقاء، ألا هو نفيه للدين، وتنزيهه لله عن مقولات الدين، وإزاحته هذا الصنم القائم بينه وبين الله، ألا هو الدين، لتكون علاقته بالله ربه مباشرة، وليست بواسطة، إلا واسطة العقل والفطرة الإنسانية، والمعبَّر عنها قرآنيا بالروح الإلهية المنفوخة من الله في الإنسان. فهو مستغن عمن يقربه إلى الله زلفى من أصنام أو أوثان متلبسة بصور شتى، كصور الدين والوحي، أو صور الأنبياء والرسل والأوصياء والأولياء والقديسين والرهبان والكهنة، أو صور الطقوس والشعائر، أو الشرائع والأحكام، أو الشفاعات والمراقد والقبور والرموز.