تناقضات العهد الجديد المنقح6

مهرائيل هرمينا
2017 / 1 / 6

عندما كنت في معهد "مودي"،كان كتاب ،كوكب الأرض العظيم الراحل،لهال ليندسيي Hal Lindsey عن التخطيط الرؤوي apocalyptic لمستقبلنا واحدًا من أكثر الكتب رواجًا في الجامعة. كان كتاب ليندسي هو الأكثر رواجًا ليس فقط في "مودي"،بل إنه كان ،في الحقيقة،العمل الأكثر مبيعًا بين الأعمال المنبنية على حقائقwork of nonfiction (بالإضافة إلى الكتاب المقدس؛واستخدام مصطلح "المنبني على حقائق" هو استخدام فضفاض بعض الشئ) المكتوبة باللغة الإنجليزية في السبعينات.كان ليندسي يؤمن ،مثلنا حينما كنا في مودي، بأن الكتاب المقدس معصومٌ بشكل مطلق من الخطأ في كل كلمة من كلماته،إلى درجة أنك تستطيع أن تقرأ العهد الجديد وأن تعرف الكيفية التي يريدك الرب أن تعيش من خلالها ،و ليس ذلك فحسب ،بل ما يريدك أن تؤمن به،بل و أن تعرف أيضًا ما كان الله ذاته يخطط لأن يفعله في المستقبل وكيف كان سيفعله. كان العالم متجهًا نحو أزمة رؤوية ذات أبعاد كارثية ،وكانت كلمات الكتاب المقدس المنزهة عن الخطأ يمكن قراءتها لإظهار ماهية ،وكيفية و توقيت حدوث كل ذلك. لقد كنت متيمًا بشكل خاص بال"توقيت". أشار ليندسي إلى مثل شجرة التين الذي ضربه يسوع كعلامة على التوقيت الذي يمكننا أن ننتظر عنده حدوث معركة هرمجدون المستقبلية . كان تلاميذ يسوع يريدون أن يعرفوا متى ستحين لحظة "النهاية" ويسوع يجيبهم:

فَمِنْ شَجَرَةِ التِّينِ تَعَلَّمُوا الْمَثَلَ: مَتَى صَارَ غُصْنُهَا رَخْصاً وَأَخْرَجَتْ أَوْرَاقَهَا تَعْلَمُونَ أَنَّ الصَّيْفَ قَرِيبٌ. هَكَذَا أَنْتُمْ أَيْضاً مَتَى رَأَيْتُمْ هَذَا كُلَّهُ فَاعْلَمُوا أَنَّهُ قَرِيبٌ عَلَى الأَبْوَابِ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لاَ يَمْضِي هَذَا الْجِيلُ حَتَّى يَكُونَ هَذَا كُلُّهُ.(متى 24 :32-34).
ماذا يعني هذا المثل؟ يحلل ليندسي رسالتها،معتقدًا أنها كلمة الرب ذاته المعصومة من الخطأ، عبر الإشارة إلى أن "شجرة التين" في الكتاب المقدس كثيرًا ما استخدمت كرمز لشعب إسرائيل. ماذا يعني أن تخرج أغصانها؟ هذا سيعني أن الشعب بعد أن يدخل في بيات فَصْلِيّ (شِتوي) ،سيعود مرة أخرى للحياة.ومتى ستعود إسرائيل مرة أخرى إلى الحياة؟ في 1948، حينما أصبحت إسرائيل أمة ذات سيادة مرة أخرى،يشير يسوع إلى أن النهاية ستأتي في خلال الجيل ذاته الذي سيقع له ذلك .وما هو عمر الجيل وفقًا للكتاب المقدس؟ أربعون سنة.من هنا فإنه حسب التعليم الإلهي الموحى به مباشرة من بين شفاه يسوع: ستحل نهاية العالم في وقت ما قبل عام 1988،أي بعد أربعين سنة من ظهور إسرائيل مرة أخرى.كانت هذه الرسالة آنذاك مقنعة لنا تمامًا .ربما يبدو الأمر غريبًا الآن ــــ مع الأخذ في الاعتبار أن العام 1988 قد جاء وذهب من دون أن تقع هرمجدون ـــ لكن،من ناحية أخرى،هناك ملايين المسيحيين اللذين لا يزالون يعتقدون أنَّ الكتاب المقدس يمكن قراءته حرفيًا ككتاب موحى به في تنبؤاته عمَّا هو مزمع أن يقع وصولا إلى نهاية التاريخ كما نعرفه . انظر إلى آخر صيحة في هذه الأيام وهي سلسلة (Left Behind) للكاتبين "تيم لاهاي" و"جيري جينكينز"،التي هي رؤية رؤوية أخرى لمستقبلنا مبنية على القراءة الحَرْفِية للكتاب المقدس،وهي سلسلة بيع منها ما يزيد عن ستة ملايين نسخة في يومنا الحاضر.إنها لتحول عظيم من قراءة الكتاب المقدس كتخطيط معصوم لإيماننا ،وحياتنا،و مستقبلنا إلى رؤيته ككتاب بشري إلى حد بعيد،يحمل وجهات نظر بشرية ،كثيرٌ منها تختلف الواحدة عن الأخرى ، ولا تمثل واحدة منها دليلاً معصومًا من الخطأ يرشدنا إلى الكيفية التي ينبغي أن نحيا على هديها . هذا هو التغيير الذي انتهيت ،حسب وجهة نظري ، من صياغته،والذي أؤمن به الآن بصورة مطلقة. كثيرٌ من المسيحيين ،بالطبع،لم يؤمنوا أبدًا من البداية بالكتاب المقدس وفقًا لتلك الرؤية الحَرفِيَّة،وبالنسبة لهم مثل هذه الرؤية ربما بدت متحيزة وغير دقيقة(ناهيك عن غرابتها و عدم ارتباطها بقضايا الإيمان) . وهناك ،على الرغم من ذلك، عددٌ كبير من الناس هنا وهناك ما يزالون ينظرون إلى الكتاب المقدس على هذا النحو.أحيانًا،أرى ملصقًا على سيارة يقول:"الرب قاله،أنا أؤمن به،وهو حل مشاكلنا ." ودائما ما يكون جوابي ،ماذا لو كان الرب لم يقله؟ ماذا لو كان الكتاب الذي تعتبره يقدم لك كلمة الرب، يحتوي بدلا من ذلك على كلمات بشرية؟ ماذا لو كان الكتاب المقدس لا يقدم لك جوابًا أكيدًا للأسئلة المعاصرة ــــ الإجهاض،حقوق المرأة،حقوق الشواذ،التفوق الديني،الديموقراطية الغربية،وما أشبه؟ ماذا إن كان من المتحتم علينا أن نستكشف بأنفسنا كيف نعيش وبماذا نؤمن،بدون تنصيب الكتاب المقدس كوثن زائف ــ أو كوسيط يهدينا إلى الطريق المباشر للاتصال بالخالق؟

هناك أسباب واضحة تدفعنا للاعتقاد أن الكتاب المقدس،في الواقع،ليس من ذلك النوع من الهداة المنزهين عن الخطأ لحياتنا :فبين أمور أخرى ، كما كنت أوضح ، في مواضع كثيرة لا نعرف حتى(كعلماء،أو كقراء منتظمين فحسب)كيف كانت أصول كتاب المقدس . لقد تغيرت معتقداتي الشخصية بشكل عنيف من خلال إدراكي لهذا، لتسوقني إلى طرق مختلفة تمامًا عن تلك التي مررت بها في أواخر سني مراهقتي وبواكير العشرينات من عمري. واصلت تقديري للكتاب المقدس وللرسائل الكثيرة والمتنوعة التي يحتويها ــ بقدر ما أصبحت أقدر كتابات المسيحيين الأوائل الأخرى التي كتبت قريبا من الفترة ذاتها وبعد ذلك بقليل ، كتابات الشخصيات الأقل شهرة مثل إجناتيوس الأنطاكي ،كليمنت الروماني (نسبة إلى روما)،وبرنابا السكندري،وأصبحت حتى أقدِّر كتابات الشخصيات الذين ينطلقون من معتقدات أخرى ، في الوقت نفسه تقريبًا،مثل كتابات يوسيفوس ،ولوسيان السمساطي،وبلوتارخ . كلُّ هؤلاء المؤلفين كانوا يحاولون أن يتصوروا العالم وموقعهم فيه، وفي كل عمل من أعمالهم يوجد أشياء قيِّمة يمكننا تعلمها. من المهم أن نعرف كلمات هؤلاء المؤلفين، حتى نستطيع أن نرى ما كان ينبغي أن تكون عليه أقوالهم أو أحكامهم ،ثم،بالنسبة لنا ماذا نعتقد وكيف نعيش في ضوء هذه الكلمات . إن هذا يعود بي إلى اهتمامي بمخطوطات العهد الجديد ودراسة هذه المخطوطات من خلال الميدان العلمي الذي يعرف بالنقد النصي . ما أعتقده حول النقد النصي هو أن هذا هو ميدانُ دراسةٍ ضروريٌّ وجذابٌ ، وهو ذو أهمية ليس فقط بالنسبة إلى العلماء ولكن بالنسبة إلى المهتمين بالكتاب المقدس كلِّهم (سواء أكانوا ممن لا يزالون من أنصار التفسير الحرفي،أو ممن كانوا أنصارا للتفسير الحرفي سابقًا ،أو حتى ممن لم يكونوا يومًا من أنصار التفسير الحرفي، ولأيِّ شخص له اهتمام ولو من بعيد بالكتاب المقدس كظاهرة تاريخية وثقافية). الأمر المثير للصدمة،بالرغم من ذلك،هو أن غالبية القراء ـ حتى هؤلاء اللذين يهتمون بالمسيحية ،وبالكتاب المقدس،وبالدراسات الكتابية،و هؤلاء اللذين يؤمنون بالكتاب المقدس ككتاب معصوم من الخطأ والآخرون اللذين لا يؤمنون بذلك ــ لا يعرفون تقريبًا أي شئ عن النقد النصي.وليس من الصعب معرفة أسباب هذا .وعلى الرغم من حقيقة أن النقد النصي كان موضوعًا لعلم عمره الآن ما يزيد عن ثلاثمائة عام،فإن هناك بالكاد كتابًا واحدًا يدور حول هذا العلم يخاطب الجمهور العلماني ـــأي للذين لا يعلمون شيئا عنه، أي للجمهور الذي لا يعرف اليونانية ولا اللغات الأخرى اللازمة لدراساته الأكثر تعمقًا ،وللذين لا يعلمون حتى أن هناك "مشكلة" في النصوص،ولكنهم في الوقت ذاته لديهم الفضول لمعرفة جواب السؤالين التاليين كليهما: ما هي هذه المشاكل و كيف باشر العلماء التعامل معها؟هذا الكتاب الذي نحن بصدده هو من هذه النوعية ــ و حسب علمي ، هو الأول من نوعه . كتبته لمن لا يعرفون شيئا من الناس عن النقد النصي ولكنهم ربما يحبون أن يتعلموا شيئا عن الكيفية التي كان النساخ يغيرون من خلالها الكتاب المقدس والكيفية التي نعرف بها مواضع هذا التغيير. كتبتها معتمدًا على تفكير دام ثلاثين عامًا حول هذا الموضوع، وصدورًا عن الرؤية التي أعتنقها الآن،مرورًا بهذه التحولات العنيفة لرؤيتي حول الكتاب المقدس. كتبته من أجل كل من يجد في نفسه اهتمامًا بمعرفة الكيفية التي وصل إلينا بها العهد الجديد،وبمعرفة كيف أننا في بعض المواقف لا نعرف حتى الصورة التي كانت عليها الكلمات الأصلية التي خطتها يدُ المؤلف،وبمعرفة الطريقة الطريفة التي تم تغيير هذه الكلمات أحيانًا من خلالها ،ومعرفة كيف أننا ربما ،عبر تطبيق بعض مناهج التحليل الأكثر صرامة، أعدنا بناء هذه الكلمات الأصلية كما كانت .
لأسباب كثيرة،من هنا ، يعتبر لهذا الكتاب وضع خاص بالنسبة إلي،وهو ومحصلة نهائية لرحلة طويلة. وقد يكون ،بالنسبة للآخرين،جزءا من رحلتهم الشخصية.

Misquoting Jesus: The Story Behind Who Changed the Bible and Why

الأناجيل المبكرة
كان المسيحيون بالطبع معنيِّين بمعرفة معلومات أكثر عن حياة ،وتعاليم ، وموت الرب و قيامته ؛ ولذلك كُتِبَتْ العديد من الأناجيل ،التي قامت بتسجيل التقاليد المتصلة بحياة يسوع . أربعة من هذه الأناجيل أصبحت هي الأوسع استخدامًا ـ وهي تلك التي كتبها متَّى ،ومرقس ،ولوقا ، ويوحنا في ثنايا العهد الجديد ـ لكنَّ أناجيلا أخرى كثيرة كُتِبت: منها على سبيل المثال ،الأناجيل المنسوبة إلى فيليبُّس تلميذ يسوع ، ويهوذا توما أخيه ، ورفيقته مريم المجدلية. كما فقدت أناجيل أخرى بعضها من الأناجيل الأكثر قِدمًا . نعلم ذلك ،على سبيل المثال ،من إنجيل لوقا ،الذي يشير مؤلفه أنه يسترشد في كتابة روايته ب"كثيرٍ" من المؤلَّفات السابقة (لوقا 1 : 1)،التي من الواضح جدا أنها لم يعد لها وجود . إحدى هذه الروايات الأكثر قِدَمًا ربما كانت هي المصدر الذي حدده العلماء تحت اسم المصدر "Q" ،والذي يحتمل أنه كان رواية مكتوبة تشتمل على أقوال يسوع بشكل أساسيّ ، واستخدمها كل من لوقا ومتَّى كمصدرٍ لكثير من تعاليم يسوع التي انفردا بها (على سبيل المثال صلاة الرب والتطويبات ) فسَّر بولس وآخرون حياة يسوع ،كما رأينا ، على ضوء الكتابات المقدسة اليهودية. هذه الكتب أيضًا ـ أي كلا من الأسفار الخمسة و الكتابات اليهودية الأخرى ، مثل أسفار الأنبياء و المزامير ـ كانت تُستخدم على نطاقٍ واسعٍ بين المسيحيين ،الذين سبروا أغوارها ليروا ما يمكنها كشفه بخصوص إرادة الله كما تحققت في شخص المسيح خاصةً. كانت نسخ من هذا الكتاب المقدس اليهودي ،مترجمة في العادة باليونانية (تسمى السبعينية ) ، منتشرة على نطاق واسع ،إذن، في المجتمعات المسيحية الأولى كمصادر للدراسة والتأمل
التغييرات التي تعرض لها النص

يخطئ ، مع ذلك ، من يفترض أن التغييرات الوحيدة التي كانت تحدث ، كانت تقع عن طريق نسَّاخٍ فعلوا ذلك بمخاطرة شخصية عبر تدخلهم المتعمَّد في صياغة النص. في الواقع ، غالبية التغييرات الموجودة في مخطوطاتنا المسيحية المبكرة ليس لها علاقة باللاهوت ولا بالأيديولوجيا . معظم التغييرات هي إلى حدٍ بعيدٍ نتاج أخطاء محضة وبسيطة ـ أخطاء القلم ، حذوفات عرضية ، إضافات ناتجة عن الإهمال ، أخطاء في التهجي ،أغلاط من هذا النوع أو ذاك . لقد كان النساخ غير مؤهلين : ومن المهم أن نتذكر أنَّ معظم النساخ في القرون الأولى لم يكونوا مدربين على القيام بهذا النوع من العمل بل كانوا ببساطة أفرادًا متعلمين من بين أعضاء كنائسهم وكانوا ( إن بصورة أكبر أو أقل) قادرين على القيام بذلك وراغبين فيه . بل حتى فيما بعد ، بدءا من القرنين الرابع والخامس ، عندما ظهر النساخ المسيحيون كطبقة محترفة داخل الكنيسةوفيما بعد حينما كانت معظم المخطوطات تُنسخ بمعرفة رهبان مكرّسين لهذا النوع من العمل داخل الأديرة - حتى في ذلك الوقت ،كان بعض النساخ أقل براعة في النسخ من الآخرين. في هذه الأوقات كلها كانت المهمة شاقة ، كما يشار إلى ذلك في بعض الملاحظات التي أضيفت إلى بعض المخطوطاتٍ والتي يكتب فيها أحد النساخ نوعًا من صرخات الارتياح مثل ، " نهاية المخطوطة . لله الحمد وقد يكون النساخ في بعض الأحيان مهملين بالفطرة ؛وأحيانا يكونون جوعى أو شاعرين بالنعاس ، وفي أحايين أخرى يكونون فحسب غير معنيين بتقديم أفضل ما عندهم.

وحتى النساخ الذين اتسموا بالكفاءة ،و اليقظة و نالوا قسطًا من التدريب كانوا يقعون أحيانًا في الأخطاء . وفي بعض الأحيان قاموا بتغيير النص، كما رأينا ، لأنهم اعتقدوا أنه كان من المفترض أن يتم تغييره . إلا أن ذلك لم يكن نتيجة فحسب لأسباب لاهوتية معينة. لقد كانت هناك أسباب أخرى من وجهة نظر النسَّاخ تجعلهم يقومون بتغييرات عمدية - على سبيل المثال، عندما كانوا يأتون أمام فقرة بدت وكأنها تمثل خطئًا يجب تصحيحه ، أو ربما أمام تناقض موجود في النص ،أو إشارة جغرافية خاطئة ، أو إحالة إلى أحد نصوص الكتاب المقدس في غير محلها . لذا ، عندما أحدث النساخ تغييرات مقصودة ، كانت دوافعهم أحيانا نقية نقاء الثلج الأبيض . لكنّ التغييرات حدثت رغم ذلك ، وكلمات المؤلفين الأصلية ،نتيحة لذلك ،ربما قد حُرِّفت و ضاعت نهائيًّا. هناك صورة توضيحية طريفة للتغيير العمدي الذي وقع لنص موجود في واحدة من أنقى مخطوطاتنا القديمة ،ألا وهي المخطوطة الفاتيكانية ( يسميها البعض كذلك لأنها اكتشفت في المكتبة الفاتيكانية )،التي كتبت في القرن الرابع . ففي افتتاحية سفر العبرانيين هناك فقرة يقال لنا فيها ، وفقا لمعظم المخطوطات، إنَّ " المسيح يحمل (باليونانية : PHERON) كل الأشياء بكلمة قدرته"( عبرانيين 1 : 3 ). أما في المخطوطة الفاتيكانية ،فقد أحدث الناسخ الأصلي اختلافا دقيقا في النص ، باستخدامه أحد الأفعال المشابهة في اللغة اليونانية ؛ حيث يُقرأ النص في الفاتيكانية كالتالي:" المسيح يُظِهر ( باليونانية :PHANERON) كل الأشياء بكلمة قدرته." بعد ذلك بعدة قرون ، قرأ ناسخ ثان هذه الفقرة في المخطوطة (الفاتيكانية) وقرر أن يستبدل الكلمة الغريبة يُظهِِر ( manifests ) بالأكثر شيوعا يحمل (bears) - ماحيًا بذلك الكلمة الأولى وكاتبًا الأخرى. ثمّ قرأ المخطوطة ، بعد ذلك ببعض القرون ، ناسخ ثالث ولاحظ التحريف الذي فعله سلفه ؛ فمحى ، بدوره ،الكلمة يحمل وأعاد كتابة الفعل يظهر .ثم أضاف ملاحظة ناسخ في الهامش ليشير إلى ما دار في خلده عن الناسخ الثاني الذي سبقه . تقول الملاحظة :" أيها الوغد الأحمق ، دع القراءة القديمة ،لاتحرفها !"

أحتفظُ بنسخة من تلك الصفحة وقمتُ بوضعها داخل إطار وعلقتها على الحائط فوق مكتبي كوسيلة ثابتة تذكرني بالنساخ ونزوعهم إلى تغيير ، وإعادة تغيير ما لديهم من نصوص. من الواضح أنَّ هذا كان تغييرا لحق بكلمة واحدة : فلماذا كل هذا الاهتمام به ؟ إن مبعث الاهتمام بهذا التغيير هو أن الطريقة الوحيدة لفهم ما يريد المؤلف أن يقوله هي أن تعرف كيف كانت كلماته - كل كلماته - في الحقيقة .( فكّر في كل المواعظ التي تبنى على أساس كلمة واحدة موجودة في أحد النصوص: ماذا لو أن هذه الكلمة لم يكتبها المؤلف في الحقيقة ؟) إن القول إن المسيح كشف كل الأشياء بكلمة قدرته يختلف اختلافًا تامًّا عن قولنا إنه يمسك الكون كله بكلمته !
"Misquoting Jesus: The Story Behind Who Changed the Bible and Why
مشكلات التعرف على "النص الأصلي"

وهكذا ، وقعت كل أنواع التغيير في المخطوطات عبر النساخ الذين قاموا بنسخها . ولعلنا نقوم بدراسة أنواع التغييرات بتعمق أكبر في أحد الفصول الأخيرة من هذا الكتاب . أما الآن ، يكفي أن نعرف أن هناك تغييراتٍ كانت تحدثُ ،و أنها كانت تحدث على نطاق واسع ، خاصة خلال المائتي عامًا الأولى التي كانت تنسخ فيهما النصوص ،عندما كان معظم النساخ من الهواة . أحد القضايا الرئيسية التي ينبغي أن يتعامل معها النقاد النصيين هي الطريقة التي سيستخدمونها في استرجاع النص الأصلي ـ أي النص كما كتبه المؤلف أول مرة - مع الوضع في الاعتبار أن مخطوطاتنا مليئة على نحوٍ بالغ بالأخطاء . هذه المشكلة تتفاقم وذلك لأنه ما أن يقعَ خطأٌ ،فمن الجائز أن يتحول إلى جزءٍ ثابتٍ من التقليد النصيِّ ، بل أكثر ثباتًا ،في الواقع ، من النص الأصلي نفسه . بطريقة أخرى ،أقول إنه بمجرد أن يغير ناسخٌ من النساخ نصًا ـ سواءٌ أكان ذلك بشكل عارض أو بصورة متعمدة - فإن هذه التغييرات تصبح باقـية في مخطوطته (ما لم يظهر ،بطبيعة الحال، ناسخ آخر ليصحح الخطأ). الناسخ التالي الذي ينسخ هذه المخطوطة ينسخ هذه الأخطاء (ظنًّا منه أنها هي ما يقوله النص )، و يضيف أخطاءا من عنده . الناسخ الذي يليه والذي سينسخ بعدئذ تلك المخطوطة سيقوم بنسخ الأخطاء التي تخص الناسخين السابقين له كليهما ويضيف أخطاءًا من عنديات نفسه ، وهكذا دواليك . الطريقة الوحيدة التي ستتكفل بتصحيح الأخطاء هي أن يعترف ناسخٌ بأنَّ ناسخًا سابقًا له قد وقع في خطأ ويحاول هو أن يصحِّحَ المشكلة . ليس هناك ضمانة ،رغم ذلك ، أن يقوم هذا الناسخ ،الذي يحاول تصحيح هذا الخطأ ،بالأمر بطريقة صحيحة . بطريقة أخرى ،هذا الناسخ ربما في الواقع يغيّر النص بطريقة غير صحيحة عندما كان كل ما يفكر فيه هو أن يصحح الخطأ، لذلك ينتج عندنا الآن ثلاثة أشكال من النص :النص الأصلي ،النص الخطأ ، النص الناتج عن المحاولة الخاطئة لتصحيح الخطأ. وتتعدد الأخطاء و تتكرر ؛ أحيانا يتم تصحيحها و أحيانا تتفاقم المشكلة .وهكذا تسير الأمور لقرون . أحيانا ، بالطبع ، يكون لدى ناسخ أكثر من مخطوطة واحدة بين يديه ، و يستطيع تصحيح الأخطاء في المخطوطة الأولى من خلال القراءات الصحيحة في المخطوطة الأخرى .هذا فعليًّا ، في حقيقة الأمر ، يؤدي إلى تحسين الموقف بصورة ملحوظة . من ناحية أخرى ، من المحتمل أحيانا أيضًا أن يقوم ناسخ بتصحيح المخطوطة الصحيحة في ضوء النص الخاص بمخطوطة غير صحيحة . والاحتمالات تبدو بلا نهاية . مع وضع هذه المشكلات في الاعتبار ، كيف يمكننا أن نأمل في استعادة نصٍّ أصليٍّ ما ، أي النص الذي كتبه المؤلف بالفعل ؟ إنها مشكلة هائلة . في الواقع ، إنها مشكلة ضخمة إلى درجة أنَّ عددًا من نقاد النصوص بدأوا في الادعاء أننا ربما سنتوقف أيضًا عن مناقشة أي شئ يتعلق بالنص " الأصلي" ، لأن النص الأصلي بالنسبة إلينا لا يمكن الوصول إليه . ربما يكون في هذا القول نوعٌ من المبالغة ، لكنَّ مثالا واقعيًّا أو مثالين مأخوذين من كتابات العهد الجديد ربما يكشف لنا حقيقة هذه المشكلات.

أمثلة لهذه المشكلات


بالنسبة للمثال الأول ، دعونا نأخذ رسالة بولس إلى أهل غلاطية . الصعوبات العديدة التي يتحتم علينا التعامل معها ، حتى بخصوص الكتابة الأصلية للرسالة ، ربما ستجعلنا متعاطفين أكثر مع هؤلاء الذين يريدون أن نتخلى عن التفكير في الشكل الذي كان عليه النص " الأصلي ". لم تكن غلاطية مدينة منعزلة بها كنيسة منعزلة ؛ بل كانت منطقة في آسيا الصغرى (تركيا المعاصرة ) كان بولس قد أنشأ فيها كنائس. عندما يكتب إلى أهل غلاطية ، فهل كان يكتب لواحدة من الكنائس أم لها جميعا ؟ كان بولس ،على ما يبدو ، بما أنه لا يحدد أي مدينة على وجه الخصوص ، يقصد أن تصل الرسالة إليها جميعا . هل هذا يعني أنه كتب نسخا متعددة من الرسالة نفسها ، أم أنه أراد أن يتم تمرير الرسالة الواحدة على كل كنائس المنطقة ؟ ليس لدينا معلومات بخصوص هذا الأمر . لنفترض أنه كتب نسخا متعددة . فكيف فعل ذلك ؟ في البدء ، يبدو أن هذه الرسالة ، مثل رسائل بولس الأخرى ،لم تكتب بخط يده وإنما بيد أمين سر للنسخ . الدليل على ذلك يأتي من نهاية الرسالة ، حيث أضاف بولس حاشية في مخطوطته الخاصة ، لكي يعرف المرسل إليهم أنه شخصيا هو المسئول عن الرسالة ( وهو أسلوب شائع مستخدم في الرسائل المكتوبة بطريق الإملاء في العصور القديمة ):" اُنْظُرُوا، بأي أحرف كبيرة أكتب إِلَيْكُمْ بِيَدِي!"(غلاطية 6 : 11). رسالته المكتوبة بخط يده ، بكلمات أخرى ، كانت أكبر حجما و ربما أقل احترافية من ناحية الشكل من تلك التي كتبها الناسخ الذي كان قد أمليت عليه الرسالةلآن ، لو أملى بولس الرسالة ، فهل أملاها كلمة بكلمة ؟ أم هل قام بتوضيح النقاط الرئيسية وترك للناسخ الحرية في تسويد ما تبقى ؟

المنهجان كلاهما كانا شائعا الاستخدام لدى كتَبَة الرسائل في العصر القديم لو أكمل الناسخ بقية الرسالة ، فهل يمكننا التيقن من أنه قد أكملها تماما على الصورة التي أرادها بولس ؟ فإذا لم يفعل ، فهل لدينا في الواقع كلمات بولس ، أم هي كلمات بعض النساخ المجهولين ؟ لكن دعونا نفترض أن بولس أملى الرسالة كلمة بكلمة . فهل من الممكن أن يكون الناسخ في بعض المواضع قد كتب الكلمات الخاطئة ؟ أغرب من ذلك قد حدث . في هذه الحالة ، فمخطوطة الرسالة ( أي النص الأصلي ) فيها من البداية " خطأ" ، لذا فجميع النسخ اللاحقة لن تكون من كلمات بولس ( في المواضع التي أخطأ فيها ناسخه ).
فلنفترض ، مع ذلك ، أن الناسخ كتب الكلمات صحيحة بنسبة مائة بالمائة . لو صدرت نسخ عديدة من الرسالة ، فهل يمكننا أن نتأكد من أن كل النسخ كانت أيضًا صحيحة مائة بالمائة ؟ من المحتمل ، على الأقل ، أنه حتى لو نسخت جميعا في حضور بولس ، فكلمة أو اثنين هنا أو هناك ستتغير في نسخة أو في أخرى من النسخ. لوكان الأمر كذلك ،ماذا لو أن واحدة من تلك النسخ كانت هي التي صنعت منها كل النسخ اللاحقة ـ بدءا من القرن الأول ،وصولا إلى القرنين الثاني والثالث،وهلم جرًّا؟
في هذه الحالة ، النسخة الأقدم التي مثلت الأساس لكل النسخ اللاحقة من الرسالة لم تكن بالتمام ما كتبه بولس ،أو الذي أراده أن يُكتب. وبمجرد أن تنتشر النسخة ـ أي بمجرد أن تصل إلى غايتها في إحدى مدن غلاطية ـ فهي ،بطبيعة الحال ،ستنسخ ، وستحدث الأخطاء . في بعض الأحيان ربما سيغير النساخ النص بصورة عمدية ؛وأحيانا تقع الأخطاءعن طريق السهو . هذه النسخ المشتملة على الأخطاء يتم نسخها ؛وهكذا ،سيحدث الأمر ذاته في المستقبل. في مكان ما وسط هذا كله ، النسخة الأصلية ( أو كل من النسخ الأصلية ) ينتهي بها الحال إلى الضياع، أو البِلى ، أو إلى التلف. في بعض الأحيان ، لا يعود ممكنا مقارنة نسخة بالأصل للتأكد من أنها "صحيحة" ، حتى لو وُجِد شخص ما لديه الرغبة في فعل ذلك.
ما ظل باقيا اليوم ، إذن ، ليس هو النسخة الأصلية من الرسالة ، ولا واحدة من النسخ الأولى التي كان بولس نفسها قد كتبها ، ولا أيًا من النسخ التي أنتجت في أيٍّ من مدن غلاطيا التي أرسلت إليها تلك الرسالة ، ولا أيًا من النسخ المنسوخة بناءا على هذه النسخة . النسخة الأولى الكاملة إلى حد ما التي نملكها من الرسالة إلى أهل غلاطية (مخطوطة مؤلفة من كِسَر ،أي أن فيها عددا من الأجزاء المفقودة ) هي ورقة بردي تعرف باسم (P46)( حيث أنها كانت البردية رقم ستة وأربعين من برديات العهد الجديد وضعا في الفهارس أو الكشوف الخاصة بذلك)، والتي يرجع تاريخها إلى 200 ميلاديا تقريباأي تقريبا بعد مرور 150 عاما من كتابة بولس للرسالة . لقد كانت متداولة ، ويتم نسخها أحيانا بشكل صحيح وأحيانا بشكل غير صحيح ، لخمسة عشر عَقْدًا قبل أن يتم إنتاج أيٍ من النسخ التي بقيت إلى الوقت الحاضر. لا يمكننا إعادة بناء نسخة من تلك النسخ التي أنتجت منها البردية " P46 ". فهل كانت هي ذاتها نسخة دقيقة ؟ لو كان الأمر كذلك ،فإلى أي درجة كانت دقتها (how accurate)؟ لقد كانت بالتأكيد تحوي أخطاءا من نوعا ما ، كما كان الحال مع النسخة ذاتها التي نُسِخَت منها ، والنسخة التي نسخت منها تلك النسخة ، وهلم جرا.
باختصار ، إن الحديث عن النص "الأصلي" للرسالة إلى أهل غلاطية هو أمرٌ شديد التعقيد . فالنص ليس لدينا . وأفضل ما يمكننا فعله هو أن نعود إلى مرحلة نسخه المبكرة ، وأن نأمل ببساطة في أن ما نعيد بناءه فيما يتعلق بالنسخ التي أنتجت في هذه المرحلة ـ بناءا على النسخ التي حدث وأن نجت من الضياع ( بعدد متزايد كلما اتجهنا إلى العصور الوسطى ) ـ يعكس بصورة معقولة ما كتبه بالفعل بولس نفسُه ، أو على الأقل ما كان ينوي أن يكتبه حينما قام بإملاء الرسالة .
بالنسبة للمثال الثاني لهذه المشكلات، دعونا نأخذه من إنجيل يوحنا . هذا الإنجيل يختلف بشدة عن غيره من الأناجيل الموجودة في ثنايا العهد الجديد ،فهو يخبرنا بعدد من القصص التي تختلف عن مثيلاتها في الأناجيل الأخرى و يستخدم أسلوب كتابة شديد الاختلاف . هنا ،في يوحنا ، أقوال المسيح هي عبارة عن حورات مطولة كبديل عن الأقوال المباشرة والفصيحة ؛ لا يقول يسوع في يوحنا ، على سبيل المثال ،أمثالا أبدا وهو ما يختلف مع الأناجيل الثلاثة الأخرى . فوق ذلك ، الأحداث المحكية في يوحنا غالبا ما لا يكون لها وجود إلا في هذا الإنجيل فحسب : فعلى سبيل المثال ، حوارات المسيح مع نيقوديموس (في الفصل 3 ) ومع المرأة السامرية (الفصل 4) أو معجزاته الخاصة بتحويل الماء إلى خمر (الفصل 2) و إقامة أليعازر من الأموات (الفصل10). إن الصورة التي يرسمها المؤلف ليسوع هي صورة مختلفة اختلافًا تامًّا أيضًا ؛ فيسوع يقضي كثيرا من وقته ،وهو ما يختلف مع الأناجيل الثلاثة الأخرى ، في شرح من يكون هو (باعتباره المرسل من السماء )و في صنع " المعجزات" لكي يثبت أن ما يقوله عن نفسه صحيح .
لقد كان ليوحنا بلا شك مصادره الخاصة التي بنى عليها روايته ـ مصدر ربما كان يحكي معجزات يسوع ، على سبيل المثال ، ومصادر كانت تصف حواراته . لقد جمع هذه المصادر معا ليحصل على سرده المتدفق لحياة يسوع ، ومهمته التبشيرية ، وموته و قيامته. من المحتمل ، مع ذلك ، أن يكون يوحنا في الواقع قد أنتج عددا مختلفا من النسخ لإنجيله . لقد لاحظ القراء طويلا ،على سبيل المثال، أن الفصل 21 يبدو وكأنه إضافة متأخرة . يبدو الإنجيل بالتأكيد أنه قد انتهى عند العدد 20 : 30 – 31 ؛ وأن الأحداث الواردة في الفصل 21 تبدو كنوع من الأفكار التي تخطر على البال في وقت متأخر ، ويحتمل أن تكون قد أضيفت لكي تكمل قصص ظهورات ما بعد القيامة ولتشرح أنه عندما مات "التلميذ الحبيب" المسئول عن حكاية التقاليد في الإنجيل ، لم يكن ذلك عكس النبوءة (قارن مع 21 : 22 – 23 ). فقرات أخرى من الإنجيل أيضًا غير مترابطة تماما مع الفقرات الباقية . حتى الفقرات الافتتاحية 1 : 1 – 18 ، التي تشكل نوعا من المقدمات الاستهلالية للإنجيل ، تبدو وكأنها مختلفة عن باقي الأعداد . هذه القصيدة المشهورة التي تتحدث عن "كلمة" الله الذي كان موجودا مع الله منذ البدء وكان نفسه الله ، والذي "صار جسدا " في المسيح يسوع . هذه الفقرة مكتوبة بأسلوبٍ شعريٍ رفيع ليس له وجود في بقية الإنجيل ؛ فوق ذلك ،وبينما تتكرر موضوعاته الحيوية في بقية القصة ، بعض كلماته الأكثر أهمية لم تتكرر مرة أخرى. لذا ، يسوع قد رسمت له صورة في أنحاء القصة باعتباره الشخص الذي جاء من فوق ، لكنه لم يُدْعَ "الكلمة" مرة أخرى في الإنجيل. هل يمكن أن تكون هذه الفقرة الاستهلالية قد أخذت من مصدر مختلف عن بقية الرواية ، وأنها أضيفت كبداية لائقة بمعرفة المؤلف بعد أن كانت نسخة أقدم من كتابه قد تم بالفعل نشرها ؟
افترض جدلا ، لمدة ثانية ، أن الفصل 21 و الأعداد 1 : 1- 18 لم يكونوا عناصر أصلية من الإنجيل . ماذا سيقدم ذلك من نفع لناقد نصيّ يريد أن يعيد بناء النص "الأصلي"؟ وأي أصل يعاد بناؤه ؟ كل مخطوطاتنا اليونانية تحتوي على هذه الفقرة موضع الدراسة . لذا فهل يعيد الناقد النصيّ بناء شكل من الإنجيل كان يحتوي هذه الفقرات في الأصل باعتباره النص الأصلي ؟ لكن أليس من الأولى أن نعتبر أن الشكل " الأصلي " المفترض أن يكون هو النسخة الأقدم ، هو ذلك الذي لا يحتويها ؟ لو أن شخصا أراد أن يعيد بناء الشكل الأقدم ،فهل من العدل أن يتوقف عند إعادة بناء ، فلنقل ، النسخة الأولى من إنجيل يوحنا ؟ لماذا لا يذهب حتى أبعد من ذلك و يحاول أن يعيد بناء المصادر التي تقف وراء الإنجيل ، مثل مصادر الآيات و مصادر الحوارات ، أو حتى التقاليد الشفهية التي تقف وراءها ؟
هذه أسئلة تؤرق النقاد النصيين ، والتي أدت بالبعض إلى أن يجادلوا حول ضرورة إهمال أي سعي وراء النص الأصلي ـ حيث إننا حتى لا يمكننا أن نتفق حول ما يحتمل أن يعنيه الحديث عن النص "الأصلي" ، فلنقل ،للرسالة إلى أهل غلاطية و إنجيل يوحنا . من ناحيتي ،مع ذلك ، ما زلت أفكر في أننا حتى لو لم نكن قادرين على الوصول إلى اليقين التام بخصوص ما يمكننا أن نحصل عليه ، إلا أننا نستطيع على الأقل أن نصل إلى التأكد من أن كل المخطوطات الباقية قد نسخت من مخطوطات أخرى ، والتي كانت بدورها منسوخة من مخطوطات أخرى ، وأننا على الأقل قادرين على العودة إلى المرحلة المبكرة و الأكثر قدما لكل تقليد مخطوط لأيٍ من كتب العهد الجديد . كل مخطوطاتنا لرسالة الغلاطيين ،على سبيل المثال ،تعود بشكل واضح إلى نص ما كان ينسخ ؛ كل مخطوطاتنا الخاصة بإنجيل يوحنا تعود بوضوح إلى نسخة من إنجيل يوحنا كانت تضم المقدمة الاستهلالية و الفصل 21 . وهكذا ينبغي أن نبقى راضين عن معرفتنا أن العودة إلى أقدم نسخة يمكن الحصول عليها هو أفضل ما يمكننا فعله ، سواء أستعدنا النص " الأصلي " أم لا . هذا الشكل الأكثر قدما من النص هو بلا شك متصل بشكل وثيق ( وثيق للغاية ) بما كتبه المؤلف في الأصل ، و لذلك فهو بمثابة الأساس لتفسيرنا لتعاليمه الخاصة .إعادة بناء نصوص العهد الجديد
هناك مشكلات مماثلة ، بطبيعة الحال ، تنطبق على كتاباتنا المسيحية المبكرة ، سواء أكانت تلك الموجودة في العهد الجديد أو الموجودة خارجه ، وسواء أكانت أناجيل ، وأعمالا ، رسائلا ،رؤىً ، أو أيًّا من أنواع الكتابة المسيحية الأخرى .
مهمة الناقد النصي هي "تحديد" ما يمثله الشكل الأقدم لكل هذه الكتابات . كما سنرى ، هناك مبادئ مستقرة للقيام بهذا ال"تحديد" ، وهناك طرق لتقرير أي من الاختلافات الموجودة في مخطوطاتنا هي التي تمثل الأخطاء(غير المقصودة) ، وأيها يمثل تغييرات مقصودة ، وأيها يبدو أنه يعود إلى المؤلف الأصلي . لكنها ليست مهمة يسيرة . فالنتائج ، من ناحية أخرى ،يمكن أن تكون كاشفة ،وممتعة و حتى مثيرة . لقد كان النقاد النصيون قادرين على تحديد عدد من المواضع التي لا تمثل فيها المخطوطات التي بين أيدينا نص العهد الجديد الأصليّ وذلك بيقين نسبيّ. بالنسبة لهؤلاء الذين ليس لديهم إطلاقا أيُّ معرفة مناسبة بهذا المجال ، ولكنهم يعرفون العهد الجديد جيدا ( فلنقل ، من خلال الترجمة الإنجليزية)، يمكن أن تكون بعض النتائج مفاجئة . في ختام هذا الفصل ، سأناقش فقرتين مشابهتين ـ فقرتان من الأناجيل ،في حالتنا هذه،نحن الآن على يقين تام من أنهما لم تكونا منتميتين في الأصل إلى العهد الجديد، على الرغم من أنهما أصبحتا أجزاءا مشهورة من الكتاب المقدس بالنسبة للمسيحيين عبر القرون وظلا هكذا حتى اليوم .

المرأة الزانية
قصة يسوع والمرأة الزانية ربما هي واحدة من أشهر قصص يسوع في الكتاب المقدس ؛ ولقد ظلت دائما إحدى القصص المفضلة لدى جميع أفلام هوليوود التي تناولت حياته . بل إنها حتى نجحت في أن تكون جزءا من فيلم آلام المسيح لمخرجه مل جيبسون ،رغم أن الفيلم يركز فقط على الساعات الأخيرة من حياة يسوع ( القصة تمت معالجتها في إحدى الارتجاعات الفنية (flashbacks) ). هذه القصة ،رغم شهرتها ، موجودة في فقرة واحدة فقط من العهد الجديد ،تحديدا في يوحنا 7 : 53 ـ 8 : 12 ، وهي لا تبدو أصليةً حتى في هذا الموضع .

حبكة القصة عادية . فيسوع يعلِّم في الهيكل ، ومجموعة من الكتبة والفريسيين ،أعداءه اللدودين ،يقتربون منه ، محضرين معهم امرأة " أُمْسِكَتْ وَهِيَ تَزْنِي فِي ذَاتِ الْفِعْلِ" .لقد أحضروها أمام يسوع لأنهم يريدون أن يضعوه أمام اختبار. فالشريعة الموسوية ،كما يخبرونه ،تطالب بأن ترجم مثل هذه المرأة حتى الموت ؛ لكنهم يريدون أن يعرفوا ما سيقوله هو حول هذا الأمر. هل ينبغي أن يرجموها أم يظهروا تجاهها الرحمة ؟ إنه شَرَكٌ ،بطبيعة الحال. فلو أخبرهم يسوع أن يتركوها لحال سبيلها ، سيتهم بأنه قد انتهك شريعة الله ؛ ولو قال لهم أن يرجموها سيتهم بمخالفة تعاليمه الخاصة عن المحبة والرحمة و الغفران . لم يتعجل يسوع الرد ؛ بدلا من ذلك انحنى ليتمكن من الكتابة على الأرض . ولما استمروا في سؤاله ، إذا به يقول لهم ،" مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلاَ خَطِيَّةٍ فَلْيَرْمِهَا أَوَّلاً بِحَجَرٍ! ". ثم يعود إلى كتابته على الأرض ،في حين يبدأ هؤلاء في المغادرة - وهم يشعرون كما هو واضح بالخزي من فعلتهم الشريرة - حتى إن أحدًا بخلاف المرأة لم يبق في المكان. فنظر يسوع إلى أعلى ، وهو يقول:" يَا امْرَأَةُ أَيْنَ هُمْ أُولَئِكَ الْمُشْتَكُونَ عَلَيْكِ؟ أَمَا دَانَكِ أَحَدٌ؟ " فردت عليه " لاَ أَحَدَ يَا سَيِّدُ " فأجابها حينئذ " ولاَ أَنَا أَدِينُكِ. اذْهَبِي وَلاَ تُخْطِئِي أَيْضاً" . إنها قصة رائعة ، مفعمة بالمشاعر و بالمدارة الماكرة التي استخدم فيها يسوع ذكاءه لينجو بنفسه- ناهيك عن المرأة المسكينة- من هذا الشَرَك .

بطبيعة الحال ، بالنسبة لقارئٍ يقظٍ ، تثير القصة أسئلة عديدة . لو كانت هذه المرأة مقبوض عليها بتهمة الزنا ، على سبيل المثال ،فأين الرجل الذي ضبطت معه ؟ كلاهما مستوجبٌ الرجم ، وفقا لشريعة موسى (انظر لاويين 20 : 10 ). فوق ذلك ، عندما كتب يسوع على الأرض ، ماذا كان يكتب بالضبط ؟ (وفقا لتقليد قديم ، كان يسوع يكتب خطايا المشتكين ،الذين لما رأوا أن جرائمهم كانت معروفة ،غادروا يجللهم العار!)

وحتى لو كان يسوع بالفعل يعلِّم رسالة المحبة ،فهل كان يعتقد فعلا أن شريعة الله التي أعطاها لموسى لم تعد سارية المفعول و ينبغي أن لا تطاع ؟ وهل كان يعتقد على وجه الإطلاق أن الخطايا لا يعاقب المرء عليها ؟

على الرغم من رونق القصة ،وجودتها الأخاذة ، وحبكتها الفطرية ، فهناك مشكلة أخرى عويصة تواجهها . كما سيتضح ، فهذه القصة لم تكن أصلية في إنجيل يوحنا. بل لم تكن ،في الواقع ، جزءا أصيلا من أيِّ إنجيل . فلقد أضيفت بمعرفة ناسخ آخر في زمن متأخِّر . كيف نعرف ذلك ؟ في الواقع ، العلماء الذين اشتغلوا بالتقليد المخطوط ليس لديهم أي شكوك بشأن هذه الحالة على وجه الخصوص . في هذا الكتاب في وقت لاحق سنقوم بفحص أكثر عمقًا أنواع الدليل الذي يورده العلماء للحكم على هذا النوع من التغيير. سأشرح الآن قليلا من الحقائق الأساسية التي ثبت أنها مقنعة للعلماء كلهم تقريبا من مختلف الاتجاهات : القصة غير موجودة في أقدم وأفضل مخطوطاتنا لإنجيل يوحنا (18) ؛ أسلوب الكتابة المستخدم فيها أصعب كثيرًا من ذلك الذي نجده في بقية إنجيل يوحنا (بما في ذلك القصص التي قبلها والتي بعدها مباشرة)؛كما تتضمن عددا كبيرا من الكلمات والجمل التي هي بطريقة أخرى غريبة عن الإنجيل . والنتيجة التي لا مفر منها : هذه الفقرة لم تكن جزءًا أصيلا من الإنجيل .

فكيف حدث أن أضيفت هذه القصة إذن ؟ هناك العديد من النظريات حول هذا الأمر . معظم العلماء يعتقدون أنه من المحتمل أنها كانت قصة معروفة ومتداولة في التقليد الشفوي حول يسوع ،وأنها أضيفت في لحظة ما إلى هامش إحدى المخطوطات . ومن هناك اعتقد بعض النساخ أو غيرهم أن الملاحظة الموجودة في الهامش يقصد منها أن تكون جزءا من النص ولذلك أدخلوها مباشرة بعد القصة التي تنتهي عند يوحنا 7 : 52 . من الجدير بالملاحظة أن نساخا آخرين أدخلوا القصة في مواضع مختلفة في العهد الجديد ـ بعضهم بعد يوحنا 21 : 25 ،على سبيل المثال،والآخرون ،وهو أمر في غاية الطرافة ،بعد لوقا 21 : 38 . على أية حال ، أيّا كان كاتب القصة ، إلا أنه لم يكن يوحنا بالتأكيد.

لو لم تكن هذه القصة جزءا من يوحنا في الأصل،فهل كان من المفترض أن تكون جزءا الكتاب المقدس؟ لن يجيب كل إنسان على هذا السؤال بالطريقة ذاتها ،لكن بالنسبة لغالبية النقاد النصيين ، الإجابة هي لا .

الاثنا عشرة عددًا الأخيرة من مرقس


المثال الثاني الذي سنناقشه ربما لا يكون مألوفا لدى القارئ المتقطع للكتاب المقدس، لكنه كان ذا أثر عظيم الشأن في تاريخ التفسير الكتابي (biblical) ويفرض مشكلات على الدرجة نفسها على علماء التقليد النصي للعهد الجديد. إن هذا المثال مأخوذ من إنجيل مرقس و يتعلق بخاتمته.

في الرواية المرقسية ، يقال لنا إن يسوع يصلب و يدفن بمعرفة يوسف الأريماتي في اليوم السابق للسبت (15 : 42 – 47 ). في اليوم التالي للسبت ،عادت مريم المجدلية و نساء أخريات إلى القبر ربما لكي يدهنَّ الجسد (16 : 1- 2 ). عندما يصلن ، يجدن أن الحجر قد تم تحريكه بعيدا . ولدى دخولهن إلى القبر ، يرين شابا في ثوب أبيض ، يخبرهن أن،" لاَ تَنْدَهِشْنَ! أَنْتُنَّ تَطْلُبْنَ يَسُوعَ النَّاصِرِيَّ الْمَصْلُوبَ. قَدْ قَامَ! لَيْسَ هُوَ هَهُنَا. هُوَذَا الْمَوْضِعُ الَّذِي وَضَعُوهُ فِيهِ. " ثم يأمر النساء أن يخبرن التلاميذ أن يسوع قد سبقهم إلى الجليل و أنهم سيرونه هناك ،" هُنَاكَ تَرَوْنَهُ كَمَا قَالَ لَكُمْ " لكن النساء يهربن من القبر ولا يقلن أي شئ لأي شخص ،" لأَنَّهُنَّ كُنَّ خَائِفَاتٍ "(16 : 4-8 ).

ثم تأتي الأعداد الاثنا عشر الأخيرة في مرقس الموجودة في كثير من الترجمات الإنجليزية المعاصرة ، وهي الأعداد التي تواصل الحكاية. يسوع نفسه يقال عنه إنه ظهر لمريم المجدلية ، التي ذهبت و أخبرت التلاميذ ؛ لكنهم لم يصدقوها( ألعداد 9 – 11). فيظهر بعد ذلك إلى اثنين آخرين (الأعداد 12-14 )، وفي النهاية للأحد عشر تلميذا (الاثنا عشر باستثناء يهوذا الإسخريوطي) الذين اجتمعوا معا على المائدة . يوبخهم يسوع على عدم إيمانهم ،ثم يكلفهم بالخروج و أن يكرزوا بإنجيله " لكل الخليقة". من يؤمن ويعتمد " يخلُص"، ومن لا يؤمن "يُدن". ثم يأتي اثنان من أكثر الأعداد إثارة للجدل في الفقرة :

وَهَذِهِ الآيَاتُ تَتْبَعُ الْمُؤْمِنِينَ: يُخْرِجُونَ الشَّيَاطِينَ بِاسْمِي وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ جَدِيدَةٍ.يَحْمِلُونَ حَيَّاتٍ وَإِنْ شَرِبُوا شَيْئاً مُمِيتاً لاَ يَضُرُّهُمْ وَيَضَعُونَ أَيْدِيَهُمْ عَلَى الْمَرْضَى فَيَبْرَأُونَ. (الأعداد 17 – 18 )

يُرْفَع يسوع إلى السماء ، ويجلس على يمين الله . وأما التلاميذ فيخرجون إلى العالم مكرزين بالإنجيل ،و كلامهم يشهد على صحته ما يرافقه من آيات (الأعداد 19 – 20 ).

إنها فقرة رهيبة ،غامضة ،مثيرة للمشاعر ،و قوية . إنها واحدة من الفقرات التي يستخدمها المسيحيون الخمسينيون لإظهار أن أتباع يسوع سيكونون قادرين على التكلم ب"ألسنة" غير معروفة لهم ، كما يحدث ذلك في أثناء طقوس العبادة عندهم ؛ وهي الفقرة الرئيسية التي تستخدمها مجموعات "مدربي الثعابين الأبالاتشيين " (Appalachian snake-handlers) الذين حتى اليوم يمسكون بالثعابين السامة في أيديهم لكي يظهروا إيمانهم بكلمات يسوع بأنهم عندما يفعلون ذلك لن يصيبهم أي أذى. لكن ثمة مشكلة واحدة . مرة أخرى ، هذه الفقرة ليست جزءا أصيلا في إنجيل مرقس . فلقد أضافها أحد النساخ المتأخرون . هذه المشكلة النصية بطريقة ما هي أكثر إثارة للجدل من الفقرة التي تتحدث عن المرأة الزانية ، لأن مرقس بدون هذه الأعداد الختامية سيكون له خاتمة شديدة التناقض و يصعب فهمها .

هذا لا يعني ،كما سنرى بعد لحظات، أن العلماء يميلون لقبول هذه الأعداد . أسباب اعتبارها إضافة هي أسباب قوية ، وتقريبا لا يمكن الجدال بشأنها . لكنَّ العلماء يتجادلون حول ما كانت عليه بالفعل النهاية الأصلية لإنجيل مرقس ، مع التسليم بأن هذه الخاتمة ،الموجودة في كثير من الترجمات الإنجليزية (على الرغم من أنها توسم عادة بأنها غير موثوقة )و في بعض المخطوطات اليونانية الأحدث ،غير أصلية . الدليل على أن هذه الأعداد لم تكن أصلية في إنجيل مرقس مشابه نوعيًا لذلك الخاص بالفقرة التي تتحدث عن المرأة الزانية ،ومرة أخرى لست بحاجة إلى الدخول في التفاصيل هنا .هذه الأعداد مفقودة في أقدم وأفضل مخطوطاتنا التي تخص إنجيل مرقس ، إلى جانب شواهد أخرى هامة ؛ فمثلا أسلوب الكتابة فيها يختلف عن ما نجده في أي مكان آخر في مرقس ؛ التحول أو النقلة بين هذه الفقرة و الأخرى التي تسبقها يصعب فهمه( مريم المجدلية ، مثلا ، يتم التعريف بها في العدد 9 كما لو كانت لم تذكر من قبل ، على الرغم من أنها تم التحدث عنها في الأعداد السابقة ؛ هناك مشكلة أخرى مع اللغة اليونانية يجعل حتى هذا التحول أكثر صعوبة )؛ وهناك عدد كبير من الكلمات والجمل في الفقرة ليس لها وجود في أي مكان آخر في مرقس. باختصار ، الدليل كاف لإقناع كل علماء النص تقريبا أن هذه الأعداد تمثل إضافة إلى إنجيل مرقس. في غياب هذه الأعداد ،مع ذلك ،تنتهي القصة بشكل مفاجئ للغاية . انتبه لما سيحدث عندما تحذف هذه الأعداد .يقال للمرأة أن تخبر التلاميذ أن يسوع سيسبقهم إلى الجليل و سيلتقيهم هناك ؛ لكنهن ،أي النساء ، يهربن من القبر و لا يقلن أي شئ لأي شخص " لأَنَّهُنَّ كُنَّ خَائِفَاتٍ ". وهنا ينتهي الإنجيل . من الواضح أن النساخ اعتقدوا أن الخاتمة كانت مفاجئة للغاية . هل النساء لم يخبرن أحدًا ؟ إذن ،هل التلاميذ لم يعرفوا على الإطلاق بحدوث القيامة ؟ وهل يسوع نفسه لم يظهر لهم أبدا ؟ يالها من خاتمة! لحل هذه المشكلة ، أضاف النساخ خاتمة من عندهم (19) .

"بعض العلماء يتفقون مع النساخ حول الاعتقاد بأن العدد 16 : 8 هو نهاية تم بترها بشكل مفاجئ جدا يتجاوز الحد المعقول بالنسبة لخاتمة إنجيل. و لا يعني هذا ،كما أشرت من قبل ، أن هؤلاء العلماء يؤمنون بأن الأعداد الاثنا عشر الأخيرة الموجودة في مخطوطاتنا الحديثة نسبيا تمثل النهاية الأصلية ـ هم يعلمون أن هذا ليس صحيحا ـ لكنهم يعتقدون أن الصفحة الأخيرة من مرقس ، التي يلتقي فيها يسوع فعليا تلاميذه في الجليل ، من المحتمل ، أن تكون قد فُقِدَت بطريقة ما، ويعتقدون أن كل نسخنا من الإنجيل تعود لتلك المخطوطة المبتورة بدون صفحتها الأخيرة . هذا التفسير جائز تماما .ومن الجائز أيضًا ،في رأي علماء آخرين ،أن مرقس لم يكن يقصد حقا أن ينهي إنجيله بالعدد 16 : 8 (20) . فهي بالتأكيد نهاية مروعة . فالتلاميذ لم يعلموا أبدا حقيقة قيامة يسوع لأن النساء لم يخبرنهم بذلك على الإطلاق . بقي سبب وحيد فقط يدفعنا للتفكير بأن هذه ربما تكون الطريقة التي اختارها مرقس لينهي بها إنجيله :ألا وهو أن مثل هذه النهاية تتوافق جيدا مع دوافع أخرى في كل مكان من إنجيله .فكما لاحظ دارسوا إنجيل مرقس طويلا ، لم يبدُ التلاميذ أبدا " أذكياء" في هذا الإنجيل (بخلاف بعض الأناجيل الأخرى). فالإنجيل يقول عنهم مرارا وتكرارا أنهم لم يفهموا يسوع (6 : 51 – 52 ؛ 8 : 21 )، وعندما يقول لهم يسوع في مناسبات عديدة أنه ينبغي أن يتألم ويموت ، يفشلون بوضوح في فهم كلماته (8: 31 – 33 ؛9 : 30 – 32 ؛10 : 33- 40 ). ربما ،في واقع الأمر ، لم يكن بإمكانهم على الإطلاق أن يفهموا( بخلاف قرّاء إنجيل مرقس ، الذين يستطيعون أن يفهموا من هو المسيح في الواقع من أول الأمر ). أيضًا ، من الطريف أن نلاحظ أنه في كل موضع من إنجيل مرقس ، عندما يتمكن شخص ما من فهم شئ ما عن المسيح ،يأمر يسوع هذا الشخص بالسكوت ـ إلا أن الشخص كثيرا ما يتجاهل الأمر ويذيع الخبر ( انظر مثلا 1 : 43 – 45 ). فياله من أمر مثير للسخرية أنه عندما يقال للنساء عند القبر أن لا يصمتن بل يتكلمن ، فإذ بهن يتجاهلن الأمر أيضًا ـ ويصمتن !

باختصار ، ربما كان مرقس قد تعمد أن يوقف قارئه مندهشا أمام هذه النهاية المبتورة ـ وهي طريقة ذكية لجعل القارئ يتوقف ، ويأخذ نفسا متقطعا و يسأل : ما هذا ؟
الفقرات التي ناقشناها فيما سبق تغطي موضعين فقط من بين آلاف المواضع التي تعرضت فيها مخطوطات العهد الجديد للتغيير على يد النساخ . في المثالين كليهما ، نحن نتعامل مع إضافات أحدثها النساخ في النص ، أضافات ضخمة العدد . ومع أن معظم التغييرات لم تكن بهذه الجسامة ، إلا أنه ثمة كثير من التغييرات الهامة (وكثير جدا من التغييرات غير الهامة ) في مخطوطات العهد الجديد الموجودة لدينا . في الفصول التالية سنرغب في رؤية كيف بدأ العلماء في اكتشاف هذه التغييرات وكيف طوروا مناهج لفهم ما كان عليه الشكل الأقدم من النص ( أو النص " الأصلي ") ؛ سنكون حريصين بشكل خاص على رؤية المزيد من الأمثلة عن المكان الذي تعرضت فيه هذه النصوص للتغيير ـ وكيف أثرت هذه التغييرات على ترجماتنا الإنجليزية للكتاب المقدس . أودّ أن أنهي هذا الفصل بملاحظة بسيطة عن أمر مثير للسخرية الشديدة يبدو أننا اكتشفناه . كانت المسيحية منذ البداية ديانة كتابية أكدت على بعض النصوص باعتبارها الكتاب المقدس الرسمي . وكما رأينا في هذا الفصل ، رغم ذلك ، نحن لا نملك في الواقع هذه النصوص الرسمية . إن الديانة المسيحية هي ديانة توجهها النصوص وهذه النصوص قد تعرضت للتحريف ، وما بقي فقط ،في شكل نسخ، يختلف من واحدة لأخرى ، وفي كثير من الأحيان يكون الاختلاف في أمور شديدة الأهمية . إن مهمة الناقد النصي هي محاولة استعادة الشكل الأقدم من هذه النصوص . هذه المهمة واضح أنها شديدة الأهمية ، حيث إننا لا يمكن أن نفسر الكلمات الواردة في العهد الجديد لو لم نكن نعرف الشكل الذي كانت عليه الكلمات . فوق ذلك ، كما آمل أن يكون واضحا الآن ، معرفة هذه الكلمات هي أمر مهم ليس فقط من أجل هؤلاء الذين يعتقدون أن هذه الكلمات موحاة من الله . بل هي مهمة من أجل أي شخص يعتقد أن العهد الجديد كتاب هام . وبالتأكيد كل شخص مهتم بالتاريخ ، والمجتمع و بثقافة الحضارة الغربية يعتقد ذلك ، لأن العهد الجديد ،إن لم يكن أكثر من ذلك ، هو منتج ثقافي ضخم ، وكتاب يوقِّره الملايين ويمثل الأساس لأكبر الديانات في عالم اليوم ."للاطلاع على دراسة كلاسيكية ترصد الطريقة التي فُهِمَ بها الكتاب المقدس وتم التعامل معه من خلالها في القرون الوسطى ، انظر كتاب بيرللي سمالي (Beryl Smalley) " دراسة الكتاب المقدس في العصور الوسطى" (The Study of the Bible in the Middle Ages) (من مطبوعات دار كلارندون ،أكسفورد،1941 ).
(2) ريتشارد سيمون ( Richard Simon) ،"تاريخ نقدي لنص العهد الجديد" (A Critical History of the Text of the New Testament) (لندن : ر.تايلور ،1689 ) ، في المقدمة .
(3) سيمون "تاريخ نقدي" جزء 1 ، ص 65 .
(4) سيمون "تاريخ نقدي" جزء 1 ، ص 30-31 .
(5) سيمون "تاريخ نقدي" جزء 1 ، ص 31 .
(6) قام جورج وارنر كومل باقتباس هذه الفقرة في كتابه " العهد الجديد : تاريخ بحث مشكلاته " (he New Testament: The History of the Investigation of Its Problems) (ناشفيل :مطبعة أبينجدون ،1972 )، ص 41 .
(7) السيرة الذاتية الكاملة التي نعتمد عليها ما تزال هي تلك التي كتبها حيمس هنري مونك في كتابه ،حياة ريتشارد بنتلي، الصادر في مجلدين (لندن: ريفنجتون، 1833 ).




تحريف أقوال يسوع ...
من حرَّف الكتاب المقدس ولماذا ؟