الاستبداد في العالم العربي

مولود مدي
2017 / 1 / 6

ان اشكالية الاستبداد بالرأي و عدم القدرة على تقبل الرأي الاخر و ثقافة الاقصاء و عدم الاعتراف بالطرف الاخر اصبحت ظاهرة عادية مألوفة في العالم العربي الذي يكاد أن يجرم الاختلاف و خاصة ان كان الاختلاف متعلق بقضايا دينية.
العالم العربي من شماله اى جنوبه و من شرقه الى غربه يعتبر مرتعا خصبا للاستبداد و الرجعية في جميع المجالات فرغم نجاحه في التخلص من الاستعمار الاروبي الا ان كل المؤشرات تدل على أن الاوطان العربية احوالها تسير للانحدار من عام الى أخر و السبب هيمنة الانظمة الاستبدادية على مصير هذه الاوطان, فشعوب هذه الاوطان التي اخرجت الاستعمار من الباب نجد ان الانظمة التي تحكم هذه الشعوب قد اعادت الاستعمار من النافذة لان بين الاستعمار و الاستبداد مصالح مشتركة, فهذه الانظمة عطلت في شعوبها طاقاتها الفكرية و الابداعية و سلبت حرياتها فرغم ان العالم العربي يزخر بالامكانات الطبيعية و البشرية الهائلة و بالموقع الاستراتيجي المهم الذي هو محل صراع القوى الكبرى للهيمنة عليه , فشلت في الخروج من قوقعة التخلف و اللحاق بركب التقدم بسبب حكم الاقلية المفروض بالقوة على الاغلبية.
ان الاستبداد بجميع انواعه يعتبر عائقا اما التقدم و اما حرية و حقوق الانسان لانه يسير عكس عجلة التاريخ , فهذا الاستبداد جعل الشعول العربية تعيش في و تتخبط في مشاكل لا حصر لها كما جلبت الهزيمة و الكوارث التي لا تنتهي الى الأن , فبدءا من هزيمة 1948 الى نكسة 1967 مرورا بكارثة احتلال لبنان عام 1982 ... هذا قليل من كثير فعلى الصعيد الاقتصادي لا يمكن تجاهل حقيقة تدني اقتصاد الدول العربية التي لا تملك اي نظام اقتصادي واضح المعالم سوى اقتصاد الريع المعتمد على عائدات النفط مما جعل هذه الدول عرضة لهزات عنيفة عند كل مرة يتراجع فيها سعر النفط, ان غياب اقتصاد قوي في هذه الدول انتج مشكلة تدني القدرة الشرائية للمواطن العربي الذي يتقاضى اجورا اصبحت مستفزة لا تلبي كل ما يحتاج اليه في حياته اليومية.
اما على الصعيد الفكري نجد ان الانظمة الاستبدادية تسببت في هجرة الكثير من خيرة ابنائها ذوي القدرات العلمية الى الدول الغربية لانهم لا يجدون في بلدانهم ما يشجعهم على الابداع و الذهاب بعيدا في مشوارهم العلمي, لقد تسببت هجرة الادمغة هذه في تعميق الفارق الاقتصادي و الثقافي بين دول عالم الشمال المتقدم و بين الدول العربية, ان اهمال العلوم في الدول العربية تسبب في تعطيل قدرات الانسان العربي الفكرية و الذهنية و قتلت فيه حب الاطلاع و التعلم.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو كيف يمكننا ان نتخلص من الاستبداد ؟ ان الاجابة عن هذا السؤال جد صعبة لأن الاستبداد لا يعتبر وليد البارحة في العالم العربي لكن للتخلص منه نجد انه لا مناص من كسر علاقة " الحب و المودة " بينه وبين الاستعمار الحديث, فالاستبداد لا يملك اي اساس قوي يستند عليه الا الاستعمار الذي يدعمه لان هذا الاخير لا يمكنه ان يستأثر بثروات الشعوب العربية الا بتواطئ الاستبداد, و يجب الاعتراف بأن الهوة بين الاحزاب السياسية و الشعوب العربية اصبحت صعبة العبور, فالمواطن فقد الثقة في الاحزاب السياسية التي عجزت عن تقديم البديل الافضل له مما افسح المجال للاحزاب الدينية بالخطابات الشعبوية غير الواقعية التي لا عمل لها الا الوعود التي لا يمكن ان توفي بها بل ان هذه الاحزاب الدينية اما ان تتحالف مع الاستبداد لتبقى في الحكم وفي اسوء الاحوال تسير الامور الى اختلاق المشاكل الامنية في هذه الدول.
ما يحتاجه العربي هو نظام ديمقراطي يأتي عن طريق صندوق الاقتراع و ليس عن طريق الانقلابات و القمع, ما يحتاجه هو حكومة يأتي بها عن ارادته و يغيرها ان استخدمت السلطة لأغراض هدامة.