تناقضات العهد الجديد المنقح4

مهرائيل هرمينا
2017 / 1 / 5

شهادة بابياس
على الرغم من الأدلة التي تنفي أن يكون أحد من التلاميذ قد ألف إنجيلا، فإننا نحتاج إلى أن نتعامل مع التقليد الكنسي المبكر الذي يشير إلى أن بعض التلاميذ قد فعل هذا. فكيف على المرء أن يتعامل مع هذا التقليد؟
أقدم مصدر لهذا التقليد، وهو أب من آباء الكنيسة الأوائل ويدعى بابياس، يتناول بالبحث إنجيلين مسيحيين قديمين وهما إنجيل مرقس وإنجيل متَّى. بابياس هو شخصية مبهمة ألف كتابا من خمسة مجلدات يدعى «شروحات أقوال الرب» أو «Expositions of the Sayings of the Lord». وقد حدد العلماء على نحو مقبول كتاريخ لتأليف هذا العمل لحظة ما بين العامين 110 و 140 ميلاديا، أي بعد 70 عاما من تاريخ كتابة الإنجيل الأول.[1] لم يعد لكتاب بابياس وجود: لقد نظر عدد من المراجع المسيحية في العصور التالية إلى آراء بابياس باعتبارها إما أنها تحوي هجوما على المسيحية أو أنها ليست راقية بالقدر الكافي ولهذا لم ينسخ كتابه نسخا واسعة لمصلحة الأجيال التالية.[2] أما جل معلوماتنا عن هذا العمل فمصدرها اقتباسات آباء الكنيسة المتأخرين لها.
ومع ذلك فقد جرى تصوير بابياس كثيرا باعتباره مصدر صالح لتعيين التقليد المبكر للكنيسة، وذلك إلى حد ما من أجل الطريقة التي أشار بها إلى كيفية تلقيه ما لديه من معلومات. في بعض الاقتباسات التي نجت من الضياع من كتابه«الشروحات»، يصرح بأنه شخصيا قد تحدث إلى مسيحيين كانوا قد عرفوا مجموعة من الناس يسميهم هو «الكبار» الذين كان لهم سابق بمعرفة ببعض التلاميذ، وبأنه نقل معلومات تلقاها منهم. ولما سبق فنحن بقراءتنا لما كتبه بابياس نكون قد وضعنا أيدينا على معلومات مستقاة من الجيل الثالث أو الرابع الذي يمثل أناسا كانوا على علاقة برفاق التلاميذ.
أحد الفقرات التي كثيرا ما يقتبسها بابياس(والتي نقلها عنه يوسابيوس القيصري) تصف هذا النوع من المعلومات التي ينقلها الجيل الثالث أو الرابع، فيما يتعلق بمرقس ومتى باعتبارهما من مؤلفي الأناجيل:
هذا ما اعتاد الشيوخ على قوله:«حينما كان مرقس شارحا (وربما مترجما؟) لبطرس، فقد دون بدقة كل شئ تذكره من أقوال الرب وأعماله- لكن هذا لم يقع على الترتيب. لأنه لم يسمع من الرب مباشرة ولم يقابله؛ لكنه فيما بعد، كما قد أشرت، رافق بطرس الذي دأب على تنظيم تعاليمه بما يتناسب مع احتياجاته الحاضرة، فلم يرتب، إذا جاز التعبير، مؤلفا منظما يضم كلمات الرب. ولهذا لم يقترف مرقس إثمًا حينما كتب بعض الأمور كما تذكرها. وذلك لأنه كان مصمما على إتمام غرض واحد لا غير: ألا يترك أي شئ سمعه وألا يضم إلى كلامه شيئا مفترى.»
ثم يواصل كلامه، متحدثا عن متَّى:
وهكذا رتب متَّى كلمات المسيح باللسان العبراني وكل إنسان فسرها(هل يقصد ترجمها؟)بأفضل ما يستطيع من قدرات.(يوسابيوس، تاريخ الكنيسة 3 . 39 )
أليس في هذا الكلام دليل على أن متَّى هو بالفعل من ألف إنجيل متَّى وأن مرقس هو حقا من كتب إنجيل مرقس؟
هناك بعض المشكلات بالغة الخطورة تقابل من يحاول أن يثمِّن القيمة التاريخية لملاحظات بابياس. دعونا نبدأ بمتَّى. أولا، فيما يتعلق بمتَّى- بخلاف الحال مع مرقس- لا يعلمنا بابياس بمصدر لمعلوماته، أو ما إذا كان يملك أساسا مصدرا لها. هل مصدرها شخص من الجيل الثالث؟ أم من الرابع؟ أم من الجيل الخامس؟ إذا كان بابياس يكتب هذه الكلمات، فلنقل، في عام 120 م أو 130 م، فهذا يتوقيت قريب من 40 أو 50 عاما بعد الفترة التي كتب فيهاكاتب مجهول إنجيل متى. وقد جرى تداول هذا الإنجيل تداولا سريا لعشرات السنين. أليس من الممكن أن يكون التقليد الذي ينقله بابياس قد جرى اختلاقه في غضون هذا الوقت؟
في هذا الصدد، من الجدير بالملاحظة أن هاتين الفقرتين من المعلومات الجامدة التي يعطينا إياها بابياس ليست صحيحة فيما يتعلق بـ«صاحبنا» متَّى. فصاحبنا متَّى ليس مجرد جامع لأقوال يسوع، وإنجيله يقينا لم يكتب بالعبرانية، بل باليونانية. [3] فهل حصل بابياس ببساطة على معلومات غير صحيحة؟ أم هو يتكلم عن كتاب ما آخر كتبه متَّى ولم يعد بحوذتنا - مجموعة من أقوال يسوع على سبيل المثال؟
لو أن بابياس غير موثوق به فيما يتعلق بمتَّى، فهل هو أهل للثقة فيما ينقله عن مرقس؟ في حالة مرقس يصرح ببياس بأننا نتحصل على معلومات سلمها لنا الجيل الثالث أو الرابع.[4] ولكن مرة أخرى، معلومة واحدة من الاثنتين اللتين يخبرنا بهما على وجه تأكيدي هي يقينا معلومة خاطئة.: فهو يزعم أن غرضا من الغرضين الأساسين الذين كانا يهدف إليهما مرقس هو أن يخبرنا بكل شئ ما سمعه من بطرس فيما يتعلق بيسوع. ببساطة ليس هناك احتمال واحد لأن تكون هذه المعلومة صحيحة. فإنجيل مرقس لا تستغرق تلاوته بصوت عال سوى ساعتين اثنتين. أفبعد أن قضى بطرس كل هذه الشهور أو السنوات مع يسوع، وبعد أن استمع مرقس لبطرس وهو يبشر بيسوع ليلا ونهارا، يمكننا تخيل أن كل ما سمعه مرقس هو مقدار ساعتين اثنتين من المعلومات؟
على أية حال، لا يمدنا بابياس فيما يبدو بنوع من المعلومات التي يمكننا وضع قدر كبير من ثقتنا بها. وفي هذا الصدد، ينبغي أن أوضح أن العلماء رفضوا تقريبا أجمعين كل شئ آخر ذُكِرَ أن بابياس قاله في الاقتباسات المحفوظة من كتابه.
فنتأمل فقرة أخرى نقلها الجيل الرابع:
الشيوخ الذين رأوا يوحنا، تلميذ الرب، ذكروا أنهم سمعوه يقول كيف كان الرب معتادا على أن يعلمهم بشأن هذه الأوقات، قائلا:
«ستأتي أيام تظهر فيها أشجار الكرم، كل واحدة منها لها عشرة آلاف فرع؛ وعلى فرع واحد سيكون عشرة آلاف برعم وعلى كل برعم عشرة آلاف عنقود؛ وفي كل عنقود ستنبت عشرة آلاف عنبة، وكل عنبة، حينما تعصر، ستثمر خمسة وعشرين مكيالا من الخمر. وحينما يمسك واحد من القديسين عنقودا منها، سيصرخ العنقود الآخر قائلا:«أنا أفضل منه، خذني أنا، مَجِّد الرب بي.» (يوسابيوس، تاريخ الكنيسة، 3 . 39 . 1 )
لا أحد يعتقد أن يسوع بالفعل قد قال هذه الكلمات، أو أن يوحنا تلميذ يسوع قد قال إن يسوع قال هذا. فهل قال الشيوخ الذين عرفوا يوحنا هذه الكلمات حقا؟[5]
إن كان العلماء يشعرون بميل إلى عدم الاعتداد بما يقوله بابياس في كل قضية أخرى تقريبا، فلماذا يلجأون في بعض الأحيان لشهادته إظهارا لكوننا نملك تقليدا مبكرا يربط متى بأحد أناجيلنا ، ومرقس بإنجيل آخر؟ لماذا يقبل العلماء بعضا مما قاله بابياس ويكفرون بالبعض الآخر؟ أظن أنهم يريدون دعما لوجهات نظرهم(التي تقول إن متى بالفعل هو مؤلف إنجيله) وقد قرروا أن يثقوا ببابياس حينما يؤكد وجهات نظرهم، وأن لا يثقوا به إذا لم يفعل.
إن نتيجة هذا التقييم السريع لبابياس فيما أعتقد هو أنه نقل قصصا كان قد سمعها وهو ينسبهم إلى أناس يعرفون أناسا آخرين قالوا هذا الذي نقلوه. لكنه في المواضع التي يمكن فيها معرفة مصادره يبدو مخطئا. فهل يمكن أن نثق به في المواضع التي لا يمكن فيها معرفة مصادر معلوماته؟ إذا كنت تعرف صديقا دائما ما يرشدك خطئا إلى عناوين أنت تعرفها جيدا، فهل تثق به حينما يرشدك إلى مكان أنت لم تزره من قبل مطلقا؟
لم ينقل عن بابياس أنه قال أي شئ بخصوص لوقا يوحنا كليهما. لست على يقين من سبب هذا. لكن المحصلة النهائية لهذا الأمر هي كالتالي: ليس بين أيدينا مرجع قوي يمكننا الوثوق به فيما يتعلق بمؤلفي أناجيلنا الأربعة (أعني أن يكون المؤلف يشير بالفعل لمتى ومرقس الذين نعرفهما) حتى وقت قريب من نهاية القرن الثاني- وهي الفترة الزمنية التي تبعد تقريبا عن لحظة ذيوع هذه الأناجيل منسوبة إلى مؤلفين مجهولين بمائة عام كاملة
لم تكن الأهمية التي احتلتها الكتب لدى المسيحية الأولى تعني أنَّ كلَّ المسيحيين كان بإمكانهم قراءة الكتب ؛ بل على العكس من ذلك تماما ، معظم المسيحيين الأوائل ،مثلهم مثل غالبية الشعب في أنحاء الإمبراطورية (بمن فيهم اليهود ! ) ، كانوا أمِّيين . لكنَّ ذلك لا يعني أنَّ الكتب لعبت دورًا ثانويًا بالنسبة إلى الدين . في الحقيقة ، كانت الكتب ذات أهمية رئيسية، بشكل مطلق ، لحياة المسيحيين في مجتمعاتهم .دور مارقيون في تشكُّل القائمة الرسمية للكتاب المقدس


يمكننا تتبع أثر تشكُّل القائمة الرسمية للكتاب المقدس المسيحي حتى الآن عن كثب من خلال ما بين أيدينا من دليل . ففي الوقت ذاته الذي كان يكتب فيه جوستينوس ، أي في منتصف القرن الثاني ، كان ثمة كاتبٌ مسيحيّ بارزٌ آخر يمارس نشاطه داخل روما ، وهو الفيلسوف المعلم مرقيون ، الذي حكم عليه فيما بعد بالهرطقة (12) . مرقيون كان شخصية مثيرة للاهتمام للعديد من الأسباب . فهو كان قد جاء إلى روما من آسيا الصغرى ، وكان بالفعل قد كوَّن ثروة مما كان واضحًا أنه أعمال متعلقة ببناء السفن . عند وصوله إلى روما ، تبرع للكنيسة في روما بمبلغ طائل ،ربما لكي يحصل ، إلى حدٍ ما ، على عونها الكريم . وقد ظلَّ في روما لخمس سنوات ، منفقا كثيرا من وقته في نشر مفهومه عن الإيمان المسيحي وفي كتابة تفاصيل هذا الإيمان في العديد من الكتابات. لم يكن عمله الأكثر تأثيرا هو شئ قام بكتابته ،بل شئ قام بتعديله. لقد كان مرقيون هو أول مسيحيٍّ، فيما نعلم، قام بتشكيل "قانون" فعليٍّ للكتاب المقدس ـ أي مجموعة من الكتب التي ،كما زعم ، تضم النصوص المقدسة النافعة للإيمان . لكي نفهم هذه المحاولة الأولى لتشكيل قائمة رسمية للكتاب المقدس ، نحتاج إلى أن نعرف قليلا من المعلومات حول تعاليم مرقيون الفريدة . لقد كان مرقيون مأخوذًا تمامًا بحياة وتعاليم الرسول بولس ،الذي كان يعتبره الرسول الوحيد "الحقيقيَّ" من الأيام الأولى للكنيسة. في بعض رسائله ، مثل الرسائل إلى أهل رومية و أهل غلاطية ، كانت تعاليم بولس تنص على أن المنزلة الطيبة أمام الله تأتي فقط من الإيمان بالمسيح ، وليس بأداء أيٍٍّ من الأعمال التي فرضتها الشريعة اليهودية. التقط مرقيون هذا الاختلاف بين شريعة اليهود و بين الإيمان بالمسيح ليصل به إلى ما رأى أنه نتيجة ذلك المنطقية ،وهي أنَّ هناك تمايزًا تامًّا بين الشريعة من ناحية وبين الإنجيل من الناحية الأخرى. لقد كانت الشريعة مختلفة تمام الاختلاف عن الإنجيل ،في الحقيقة ، إلى درجة جعلت من المستحيل أن يكونا كلاهما قد جاءا من الإله ذاته . استنتج مرقيون أن رب يسوع (وبولس) لم يكن ،لهذا السبب ،الإله ذاته الذي أوحى العهد القديم. لقد كان ثمة ،في الواقع، إلهان اثنان مختلفان: إله اليهود ، الذي خلق العالم ، ودعا إسرائيل ليكونوا شعبه المختار ، وأنزل إليهم قانونه القاسي ؛ وإله يسوع ،الذي أرسل المسيح إلى العالم لينقذ بني البشر من الانتقام القاسي لرب اليهود الخالق.
آمن مرقيون بأن هذا المفهوم عن يسوع هو ما بشَّر به بولس نفسُه ،وهكذا ، ضمَّت قائمتُه الرسمية للكتاب المقدس الرسائلَ العشرَ التي كتبها بولس وهي التي كانت متاحة له ( هذه الرسائل كلها موجودة في العهد الجديد ما عدا الرسائل الرعوية، وهي الرسالتان الأولى والثانية إلى تيموثي وتيطس)؛ ولأنَّ بولس كان أحيانًا يشير إلى "إنجيله"، فقد ضمَّ مرقيون إنجيلا (Gospel) إلى قائمته ، وهو شكل من إنجيل لوقا المعروف لنا الآن . وهذا كل ما في الأمر . لقد تكونت قائمة مرقيون من أحد عشر كتابا : لم يكن ثمة عهدٌ قديمٌ ،بل كتابٌ مقدسٌ واحدٌ فحسب ، مضافا إليه عشر رسائل . ليس ذلك فحسب : بل كان مرقيون يعتقد أن المؤمنين الكاذبين ، أي الذين لم يكونوا يشاطرونه مفهومه الخاص عن الإيمان ، قد نقلوا هذه الأحد عشر كتابا عبر نسخها و إضافة أجزاء من هنا ومن هنالك لكي تتماشى مع معتقداتهم الخاصة التي من بينها مفهومهم "الباطل" عن كون إله العهد القديم هو أيضا إله يسوع . وهكذا "صحَّح" مرقيون الكتب الأحد عشر التي تضمنتها قائمته عبر حذف الإشارات إلى إله العهد القديم ،أو إلى الخلق باعتباره عمل الإله الحق ، أو إلى الشريعة باعتبارها شئ ينبغي الالتزام به .
كما سنرى ، محاولة مرقيون لجعل نصوصه المقدسة تتوائم بشكل أكثر إحكاما مع تعاليمه عبر تحريفها لم تكن بالأمر الجديد . فقبله وبعده على حدٍ سواء ، حرَّف نساخ الأدب المسيحي المبكر من وقت لآخر نصوصهم ليجعلوها تقول ما يعتقدون أنها بالفعل تعنيه.

القائمة "الأرثوذكسية " بعد عصر مرقيون

يعتقد كثير من العلماء أن المسيحيين الآخرين أصبحوا أكثر اهتماما بوضع تصور لما يفترض أن يصبح قائمةً لأسفار العهد الجديد كشكل من أشكال المقاومة لمرقيون تحديدا. من الطريف أنه في العصر الذي عاش فيه مرقيون ،كان جوستينوس يمكنه الكلام بطريقة أكثر غموضا عن " مذكرات الرسل "بدون الإشارة إلى أيٍّ هذه الكتب ( أو ربما الأناجيل ) كان مقبولا في الكنائس ولماذا ، في حين اتخذ كاتبٌ مسيحيٌّ آخرُ، عارض مرقيون أيضًا ، بعد ذلك بحوالي ثلاثين عاما موقفا أكثر مَيْلا للجزم والتأكيد . إنه إيريناوس، أسقف ليون في بلاد الغال (فرنسا في العصر الحديث )،الذي كتب عملا من خمس مجلدات ضد الهراطقة من أمثال مرقيون والغنوصيين ، و كانت لديه أفكارٌ شديدةُ الوضوح فيما يتعلق بأيِّ الكتب ينبغي أن يعتبر من بين الأناجيل القانونية . في فقرة يكثر اقتباسها من مؤلَّفه ضد الهراقطة ، يقول إيريناوس إن مرقيون لم يكن وحده فحسب الذي افترض بالباطل أن هذا الإنجيل أو ذاك فقط من بين الأناجيل هو المستحق لأن يقبل باعتباره كتابا مقدسا ، بل كان معه أيضا "هراطقة" آخرون ، :فالمسيحيون المتهوِّدون الذين تمسكوا بالصلاحية المتواصلة للشريعة استخدموا متى وحده ؛ بعض المجموعات الذين زعموا أن يسوع ليس هو المسيح في الحقيقة قبلوا إنجيل مرقس فحسب ؛ مرقيون وأتباعه قبلوا فقط (شكلا من ) لوقا ؛ ومجموعة من الغنوصيين سموا بال"فلانتينيين "قبلوا إنجيل يوحنا فحسب . هؤلاء جميعًا كانوا مخطئين ، مع ذلك، لأنه ليس من الممكن أن تكون الأناجيل أكثر أو أقل عددًا مما هي عليه حيث إن المناطق التي نعيش فيها في العالم هي أربع مناطق ، والرياح الرئيسية أربعة ، وفي حين تنتشر الكنيسة في أنحاء العالم ، وعامود الكنيسة و أرضها هو الإنجيل... . فمن المناسب أن يكون لها عمدان أربع ، (ضد الهراطقة 3 . 11 .7)
بكلمات أخرى ، زوايا الأرض أربع ، الرياح أربعة ، العمدان أربعة ـ فمن الضروري ،حينذ ، أن تكون الأناجيل أربعة . وهكذا ، قرب نهاية القرن الثاني كان هناك مسيحيون يصرُّون على أنَّ متَّى ، مرقس ، لوقا ، ويوحنا كانت هي الأناجيل ؛ ولم يكن ثمة أكثر من ذلك أو أقل. ولقد استمرت النقاشات حول حدود القائمة الرسمية لقرون عديدة . ويبدو أن المسيحيين هنا وهناك كانوا مهتمين بمعرفة أيِّ الكتب ينبغي أن تُقْبَل باعتبارها كتبًا مقدسة وذلك ليعلموا :
أولا: أي الكتب ينبغي قراءتها في خدمة الصلاة
وثانيًا: وهو الأمر وثيق الصلة بالسبب الأول ، ليعرفوا أي الكتب يمكن الوثوق بها كناصح أمين يرشدهم إلى ما يجب أن يؤمنوا به والسلوكيات التي ينبغي أن يسيروا على هديها .
لم تكن القرارات التي اتخذت بشأن الكتب وأيها ينبغي أن ينظر إليه في النهاية باعتباره قانونيًّا قرارات تم اتخاذها على نحوٍ آليٍّ أو بشكل خال من المشاكل ؛ لقد كانت مناقشات طويلة وممتدة ، وأحيانا عنيفة . ربما يعتقد كثير من المسيحيين اليوم أن قائمة كتب العهد الجديد الرسمية ظهرت إلى الوجود ببساطة في يوم ما بعد موت يسوع بوقت قليل ، إلا أن هذا الاعتقاد لا يضارعه في البعد عن الحقيقة أيُّ شئٍ آخر. كما سيتضح ، نحن قادرون على تحديد الوقت الذي قام فيه واحدٌ من المسيحيين من الموثوق بهم بوضع قائمة تضم كتب عهدنا الجديد السبعة والعشرين - أو أكثر أو أقل . ربما سيبدو مدهشا أن هذا المسيحي كان يمارس الكتابة في النصف الثاني من القرن الرابع ، أي بعد ثلاثمائة عام تقريبا من العصر الذي بدأت تُكتَب فيه كتب العهد الجديد ذاتها. هذا المؤلف هو أثناسيوس، أسقف الإسكندرية الأقوى. في عام 367 م ، كتب أثناسيوس رسالته الرعوية السنوية إلى الكنائس المصرية تحت ولايته ، ضمَّنها نصيحة بخصوص الكتب التي ينبغي أن تقرأ في الكنائس باعتبارها الكتاب المقدس. حيث ذكر في قائمته كتبنا السبعة والعشرين ، واستثنى ما عداها من كتب . هذه هي المناسبة الأولى المسجلة لشخص يؤكد أن مجموعة الأسفار التي نعرفها هي العهد الجديد . بل حتى أثناسيوس لم يحسم هذه المسألة . فقد استمرت المناظرات لعشرات السنين ، بل وحتى القرون . إنَّ الكتب التي نطلق عليها لفظ العهد الجديد لم تُجمَع معًا في قائمة رسمية واحدة و لم تعتبر كتابا مقدسا ،في النهاية ،إلا بعد مرور المئات من السنين على العصر الذي كتبت فيه هذه الكتب للمرة الأولى.

قُرَّاءُ الكتابات المسيحية

في الباب السابق تركّز نقاشنا حول تقنين (canonization )الكتاب المقدس. وكما رأينا سابقا كان المسيحيون ، رغم ذلك ،يكتبون و يقرأون أنواع كثيرة من الكتب في القرون الأولى ، وليس فقط الكتب التي نجحت في أن تصبح جزءا من العهد الجديد. لقد كان ثمة أناجيل أخرى ،وأعمال ، ورسائل ، و رؤى ؛ و كان هناك تدوينات للاضطهادات ، وحكايات عن الاستشهاد ، وكتب تدافع عن الإيمان ، ونظم كنسية ، وأعمال تهاجم الهراطقة ، ورسائل وعظية و تعليمية ،وشروحات للكتاب المقدس - منظومة كاملة من الأعمال الأدبية التي ساعدت في رسم حدود المسيحية وجعلها تلك الديانة التي كانتها . سيكون من المفيد في هذه المرحلة من نقاشنا أن نسأل سؤالا أساسيًّا حول كل هذه الأعمال الأدبية. من الذي كان يقوم بقراءتها ؟
في عالم اليوم ، ربما سيبدو ذلك سؤالا غريبًا نوعًا ما . فلو كان المؤلفون يكتبون كتبًا من أجل المسيحيين ، فالذين يقرأون الكتب سيكونون ولابد من المسيحيين. فإذا كان السؤال يتناول العالم القديم فإنه سيمثل مرارة خاصة لأن غالبية الناس ، في العالم القديم ، لم يكونوا يعرفون القراءة . إنَّ معرفة القراءة والكتابة هي أسلوبُ حياة بالنسبة لنا في الغرب المعاصر . نحن نقرأ طوالَ الوقت ، وكلَّ يوم . نقرأ الجرائد و المجلات و الكتب من كل الأنواع - ترجمات الشخصيات ، الروايات ،كتب "كيف تفعل كذا" (how-to books) ، كتب "اعتمد على نفسك" (self-help books)، كتب الحمية (diet)، كتب دينية ، كتب فلسفية ، علوم التاريخ ،مذكرات ، وهكذا بلا توقف .
لكنَّ السهولة التي نشعر بها اليوم مع اللغة المكتوبة ليس لها أي علاقة بممارسات القراءة وحقائقها في العصور القديمة. لقد أظهرت الدراسات المتعلقة بمعرفة القراءة والكتابة أن ما نعتقده حول معرفة الجماهير للقراءة والكتابة هي ظاهرة حديثة ، ظهرت فقط مع بزوغ فجر الثورة الصناعية (13) .فهي تحدث فقط عندما ترى الأمم أن ثمة فائدة اقتصادية في جعلها كلَّ شخص قادرا على القراءة ، إلى الدرجة التي تجعلهم ينتوون أن يكرسوا كل الموارد الضخمة - خاصة الوقت ، المال ، و الموارد البشرية- التي يحتاجونها للتأكد من أن كل إنسان قد حصل على قدر أساسي من التعليم يؤهله للقراءة والكتابة. في المجتمعات غير الصناعية ، كانت الموارد مطلوبة لأشياء أخرى بدرجة كبيرة ، ومعرفة القراءة والكتابة لم تكن تساعد اقتصاد المجتمع ولا رفاهيته ككل. وفي المحصلة ، حتى العصر الحالي ، كل المجتمعات تقريبًا كانت تضم أقلية صغيرة فحسب من القادرين على القراءة والكتابة .
وهذا ينطبق حتى على المجتمعات القديمة التي نربطها تلقائيًا بالقراءة والكتابة - روما ، على سبيل المثال ،خلال القرون المسيحية المبكرة ، أو حتى اليونان في أثناء الفترة الكلاسيكية . أفضل دراسة معروفة عن معرفة القراءة والكتابة في الأزمنة القديمة و أكثرها تأثيرا ،هي تلك التي كتبها ويليام هاريس البروفيسور بجامعة كولومبيا ،حيث تشير إلى أنه في أفضل الأوقات و الأماكن ـ أثينا ،على سبيل المثال ، في أوج الفترة الكلاسيكية في القرن الخامس قبل الميلاد- كانت معدلات القراءة والكتابة نادرًا ما تتعدى نسبة 10 – 15 في المائة من السكان . لكي نعكس حقيقة هذه الأرقام ، هذا يعني أنه في أفضل الظروف ،85 – 90 في المائة من السكان لم يكن بإمكانهم القراءة ولا الكتابة . في القرن المسيحي الأول ، في مختلف أنحاء الإمبراطورية الرومانية ، معدلات معرفة القراءة والكتابة ربما كانت أقل نوعًا ما (14) . حتى وضع تعريف ، كما سيتضح ، لما تعنيه القدرة على القراءة والكتابة هو عمل شديد التعقيد . فكثير من الناس يمكنهم القراءة لكنهم ، على سبيل المثال ، يعجزون عن تكوين جملة كاملة. ثمَّ ما هو معنى كونك تعرف القراءة ؟ هل الناس يمكن تصنيفهم بين من يعرفون القراءة والكتابة لو كان باستطاعتهم معرفة معنى المسلسلات الكرتونية في الوقت الذي لا يعرفون فيه معنى الصفحة الافتتاحية ؟ هل يمكننا أن نقول عن الناس إنهم يعرفون الكتابة لو كان باستطاعتهم توقيع أسمائهم في الوقت الذي لا يستطيعون فيه نسخ صفحة بها أحد النصوص ؟
مشكلة التعريف تبدو أكثر وضوحا عندما نطبقها على العالم القديم ، حيث كان لدى القدماء أنفسهم صعوبة في تحديد ما يعنيه أن تكون عارفا للقراءة والكتابة . أحد الأمثلة التوضيحية الأكثر شهرة تأتي من مصر في القرن المسيحي الثاني . طوال معظم العصور القديمة ، حيث لم يكن معظم الناس يعرف الكتابة ، كان ثمة " قرّاء" و "كتّاب" أجروا أنفسهم لتقديم خدمات لمن يحتاجهم من الناس ممن يمارسون الأعمال (business) التي تتطلب نصوصًا مكتوبة : إيرادات الضرائب ،عقود قانونية ،تراخيص ،رسائل شخصية ، وما شابه . في مصر ، كان ثمة موظفون رسميون تم تعيينهم للقيام بمهمة مراقبة بعض المهام الحكومية التي تتطلب معرفة الكتابة . هذه الوظائف للعمل كنساخ محليين ( أو في القرى) لم تكن عادة يسعى إليها: فمثل كثير من الوظائف الإدارية " الرسمية " ، كان الناس الذين يطلب إليهم أن يتولوها مطلوب منهم أن يدفعوا من جيوبهم أموالا للحصول على هذه الوظيفة . هذه الوظائف ، بمعنى آخر ، كانت تذهب إلى الأفراد الأكثر ثراءا داخل المجتمع وكانت تحمل بالنسبة لهم نوعا من المنزلة ،لكنها كانت تتطلب إنفاقا من أموالهم الشخصية .
المثال الذي يصور مشكلة تعريف معنى معرفة القراءة والكتابة يتعلق بأحد النساخ المصريين وكان يدعى بتاوس ، من قرية كارانيس في صعيد مصر . كما يحدث كثيرا ، عُيّن بيتاوس للقيام بواجباته في قرية أخرى اسمها بتوليمايس هورمو، حيث أوكلت إليه مهمة الإشراف على الشئون المالية والزراعية . في عام 184 ميلاديا ، كان من المفترض أن يقوم بالرد على شكاوى موجهة ضد ناسخ قرية أخرى من "بتوليمايس هورمو" ، وهو شخص يدعى "إيشيريون"، الذي كان قد عُيِّن في مكان آخر للقيام بمسئولياته كناسخ . سكان القرية تحت ولاية "إيشيريون" كانوا منزعجين بسبب عجز "إيشيريون" عن القيام بواجباته ، لأنه ،كما اتهموه ، كان "أمّيّا".
في تعامله مع هذا النزاع جادل "بتاوس" قائلا إن "إيشيريون" لم يكن أمِّيًّا على الإطلاق ، لأنه كان قد وقع بالفعل باسمه على مجموعة من الوثائق الرسمية . أي بمعنى آخر ، "معرفة القراءة والكتابة" كانت تعني من وجهة نظر "بيتاوس " ببساطة القدرة على التوقيع على الوثائق باستخدام الاسم .
"بيتاوس " نفسه كان يجد مشقة في التوقيع على الوثائق أكثر من ذلك بكثير . فلدينا قصاصة من البردي مارس "بيتاوس" عليها قدرته على الكتابة ،حيث كتب عليها ،لأكثر من اثني عشر مرة ، كلمات (باليونانية) تقول إنه كان متوجبا عليه توقيع وثائقا رسمية :" أنا "بيتاوس" ، ناسخ القرية ،قمت بتحرير هذه ." الأمر الغريب أنه قام بنسخ الكلمات في المرات الأربع الأولى بطريقة صحيحة ،لكنه في المرة الخامسة أغفل الحرف الأول من الكلمة الأخيرة ، وفي المرات السبع الباقية استمر في إغفال الحرف ،الأمر الذي يشير إلى أنه لم يكن يكتب كلمات يعرف كيف يكتبها، بل ينسخ السطر السابق ذكره ليس إلا.
من الواضح أنه لم يكن باستطاعته قراءة الكلمات البسيطة التي كان يدونها في الصفحة حتى. وذلك على الرغم من أنه كان الناسخ المحلي الرسمي (15) !
لو وضعنا "بيتاوس " بين "القادرين على القراءة والكتابة" في العصور القديمة ، فكم من الناس كان بإمكانهم قراءة النصوص فعليا وفهم معناها ؟ من المستحيل أن نحاول التفكير في رقمٍ دقيقٍ ، لكنَّ النسبة المئوية يبدو أنها لن تكون عالية جدا . هناك أسباب تدعونا للاعتقاد بأنه في داخل المجتمعات المسيحية ، كانت الأرقام أقل حتى من هذا بوجه عام . هذا سببه أن المسيحيين فيما يبدو ، خاصة في وقت مبكر من عمر الحركة ، كانوا في الغالب منحدرين من الطبقات الدنيا غير المتعلمة . كانت هناك استثناءات دائما ،بالطبع ، مثل الرسول بولس و المؤلفين الآخرين الذين دخلت أعمالهم ضمن العهد الجديد والذين كانوا كتَّابًا ماهرين بشكل واضح . بالتأكيد هذا هو الوضع الحقيقي للمسيحيين الأوائل ، الذين كانوا رسلا ليسوع . في روايات إنجيلية ، نجد أن معظم تلاميذ يسوع كانوا أميين بسطاء من الجليل - صيادين غير متعلمين ، على سبيل المثال . اثنان منهما ، بطرس ويوحنا ، قيل عنهما بوضوح أنهما كانا "أمِّيين" في سفر الأعمال ( 4 : 13). بولس الرسول يشير لشعب كنيسته الكورنثيين : " قليل منكم من هم حكماء بالمقاييس البشرية " (1 كو 1 : 27 ) ـ التي ربما تعني أن البعض القليل كان حاصلين على تعليم جيد ، لكن ليس الغالبية . فإذا تقدمنا إلى القرن المسيحي الثاني ، يبدو أن الأمور لم تتغير كثيرا . فكما أشرت ، بعض المثقفين قبلوا الإيمان ، لكنّ المسيحيين معظمهم كانوا من الطبقات الدنيا وغير المتعلمة . أحد الأدلة على صحة هذه الرؤيا تأتي من مصادر عديدة . واحدة من أكثرها طرافة هو أحد الوثنيين من خصوم المسيحية المسمى "سيلزس" والذي عاش في أواخر القرن الثاني . كتب "سيلزس" كتابا اسمه " الكلمة الحقة "( The True Word) ، هاجم فيه المسيحية لعدد من الأسباب ، متذرعا بأنها ديانة حمقاء خطرة يجب محوها من على وجه الأرض . للأسف ، لا نملك "الكلمة الحقة " ذاتها ؛ وكل ما لدينا هو اقتباسات منها وردت في كتابات أوريجانوس أحد الآباء المشهورين في الكنيسة ، الذي عاش لمدة سبعين عاما بعد "سيلزس" وطلب إليه أن يكتب ردا على اتهاماته .
كتاب أوريجانوس "ضد سيلزس" نجا من الضياع وهو المصدر الرئيسي لمعلوماتنا عما قاله الناقد المثقف "سيلزس" في كتابه ضد المسيحيين (16). أحد أهم خصائص كتاب أوريجانوس هو أنه يقتبس من أقدم كتاب من كتب "سيلزس" بشكل مطول ،سطرًا بسطر ، قبل أن يقدم تفنيده لما جاء في الاقتباس. هذا يسمح لنا بإعادة بناء دعاوى "سيلزس" بدقة متناهية . أحد هذه الدعاوى هو أن المسيحيين هم أناس جاهلون من الطبقات الدنيا . والغريب أن أوريجانوس ، في ثنايا رده ، لم ينكر ذلك . تأمل الاتهامات التالية التي وجهها "سيلزس".
الوصايا المسيحية هي مثل ذلك . "لا تتركوا شخصا متعلما ، أو حكيما ، أو عقلانيا يقترب . لأن هذه القدرات حسب اعتقادنا هي قدرات شريرة . أما الشخص الجاهل ، الشخص الغبي ، الشخص غير المتعلم ، الشخص الذي هو مثل طفل ، فلتتركوه يأتي بجسارة ."( ضد سيلزس 3 . 44 )
فوق ذلك ، نحن نرى أن هؤلاء الذين يظهرون معارفهم السرية في المعارض و يتجولون للتسول لن يدخلوا أبدا إلى جماعة الأذكياء من الناس ، ولن يجرؤا على كشف معتقداتهم النبيلة في حضورهم ؛ ولكن عندما يرون غلمانا مراهقين أو حشدًا من العبيد أو رفقة من الحمقى ، فإنهم يندفعون ويبدأون في التفاخر .( ضد سيلزس 3 . 50 )
في البيوتات الخاصة أيضا نرى عمال الصوف ، والإسكافيين ،وعمال غسل الملابس وأكثر الفلاحين جهلا و بداوة ، ممن لن تواتيهم الجراءة أن يتفوهوا ببنت شفة في مواجهة ساداتهم الأكبر سنا و الأكثر ذكاءا .لكنهم حالما يجدون صغار السن في السر أو بعض النساء الحمقى معهم ، فإنهم يخرجون من أفواههم بعض الأقوال المثيرة للدهشة مثل أنهم(أي الأطفال) ، على سبيل المثال، يجب ألا يولوا لحديث آبائهم وأساتذتهم في المدارس أي انتباه. . . ؛ويقولون إن هذه الأحاديث لا معنى لها وغير مفهومة … لكن ، لو كانوا يريدون ، فينبغي أن يتركوا آباءهم وأساتذتهم في المدارس ، وأن يذهبوا مع النساء والأطفال صغيري السن من زملاء لعبهم إلى محل الملابس الصوفية ، أو إلى محل الإسكافي أو إلى محل غاسلة الملابس ، حيث يمكنهم تعُّلم الكمال. و يقنعونهم من خلال قول ذلك. ( ضد سيلزس 3 . 56 )
يرد أوريجانوس بأن المسيحيين المؤمنون حقا هم في الحقيقة حكماء ( وبعضهم ، في الواقع ، من ذوي التعليم الجيد)، لكنهم حكماءا فيما يتعلق بالله ، وليس فيما يتعلق بالأشياء في هذا العالم . أي أنه ،بمعنى آخر ،لم ينكر أن المجتمع المسيحي يتشكل في الغالب من الطبقات الدنيا ،غير المتعلمة.

القراءة العامة في العصور المسيحية القديمة

يبدو أننا ، إذن ، في وضع ينطوي على تناقض ظاهريٍّ اتسمت به المسيحية الأولى. فالمسيحية كانت ديانة كتابية ، لديها كتابات من كل الأنواع ثبت أنها ذات أهمية بالغة لكل شأن تقريبًا من شئون الإيمان. إلا أن الناس لا يمكنهم قراءة هذه الكتابات. كيف يمكننا تفسير هذا التناقض ؟
في الواقع ، القضية ليست بكل هذه الغرابة لو تذكرنا ما أشرنا إليه من قبل ، ألا وهو أن المجتمعات من كل الأنواع في كل زمن من العصور القديمة كانوا عموما يحصلون على خدمات المتعلمين لمصلحة غير المتعلمين . لأن "قراءة" كتاب في العالم القديم لم تكن تعني ، عادة ً ، قراءة الإنسان كتابا لنفسه ؛ بل كانت تعني قراءته بصوت عالٍ أمام الآخرين . فمن الممكن أن يقال عن الشخص إنه قرأ كتابا عندما يكون في حقيقة الأمر قد سمعه يُقْرَأُ على لسان الآخرين . يبدو أنه لا مفر من التسليم بالاستنتاج الذي يقول إن الكتب- بقدر ما كانت مهمة للحركة المسيحية المبكرة – إلا أنها دائما ما كانت تقريبا تُقرأ بصوتٍ عالٍ في المشاهد الاجتماعية ، مثل مشهد الصلاة .
ينبغي أن نتذكر هنا أن بولس علَّم مستمعيه السالونيكيين أن " تُقْرَأَ هَذِهِ الرِّسَالَةُ عَلَى جَمِيعِ الإِخْوَةِ الْقِدِّيسِينَ. " ( 1 تس 5 : 27 ). وهذا من المحتمل أنه كان يحدث بصوت عال ، في الاجتماع . وكاتب الرسالة إلى أهل كولوسي كتب : وَمَتَى قُرِئَتْ عِنْدَكُمْ هَذِهِ الرِّسَالَةُ فَاجْعَلُوهَا تُقْرَأُ ايْضاً فِي كَنِيسَةِ اللاَّوُدِكِيِّينَ، وَالَّتِي مِنْ لاَوُدِكِيَّةَ تَقْرَأُونَهَا انْتُمْ ايْضاً." ( كولو 4 : 16 )
وتذكروا أيضًا تقرير جوستينوس الشهيد الذي يقول إنه " في اليوم المسمى الأحد ، كل من يعيشون في المدن أو في البلدة يجتمعون معا في مكان واحد ، وتُقرأ عليهم مذكرات الرسل و كتابات الأنبياء ، بقدر ما يسمح الوقت "(1 أبولوجي 67).
النقطة ذاتها أثيرت في كتابات مسيحية مبكرة أخرى . على سبيل المثال ، في سفر الرؤيا قيل لنا ، " طُوبَى لِلَّذِي يَقْرَأُ وَلِلَّذِينَ يَسْمَعُونَ أَقْوَالَ النُّبُوَّة "(1 : 3) ـ التي تشير بوضوح إلى القراءة العامة للنص . في كتاب أقل شهرة يدعى رسالة كلمنت الثانية ، من منتصف القرن الثاني ، يشير المؤلف ، في إشارة إلى كلماته الوعظية ،" أقرأ إليكم طلبا أن تصغوا إلى المكتوب ، لعلكم تخلِّصون أنفسكم ومن يقرأ لكم "(2 كلمنت 19 . 1 )
خلاصة القول ، كانت الكتب التي كانت ذات أهمية قصوى في المسيحية المبكرة تُقرأ في الغالب بصوت عال عبر هؤلاء الذين كان باستطاعتهم القراءة ، لكي يستطيع الأمِّيون الاستماع إليها ، وفهمها ، بل وحتى دراستها . على الرغم من أن المسيحية الأولى كانت في العموم تتشكل من المؤمنين الأميين ، إلا أنها كانت ديانة أدبية إلى حد كبير . مع ذلك، هناك موضوعات أخرى مهمة نحتاج أن ندرسها. لو كانت الكتب ذات أهمية كبيرة للمسيحية الأولى ، لو كانت تقرأ للمجتمعات المسيحية في محيط البحر المتوسط ، كيف حصلت هذه المجتمعات على هذه الكتب فعليًّا؟ كيف أصبحت متاحة للاستخدام العام . لقد حدث ذلك في عصور ما قبل ظهور أدوات النشر المكتبي ، وكذلك وسائل الطباعة الإليكترونية ،بل وحتى حروف الطباعة المتحركة. لو حصلت مجتمعات المؤمنين على نسخٍ من الكتب المسيحية العديدة المتداولة ،فكيف حصلوا على هذه النسخ ؟من كان يقوم بعملية النسخ ؟ والأكثر أهمية بالنسبة لموضوع دراستنا النهائي ،كيف يمكننا ( أو كيف أمكنهم ) أن نعرف أن النسخ التي حصلوا عليها كانت نسخًا دقيقة ، وأنهم لم يقوموا بتعديلها في أثناء عملية النسخ ؟



هوامش الفصل الأول

(1) يستخدم العلماء في عالم اليوم هذا المصطلح (Common Era) بديلا عن الشكل القديم (Anno domini) أو (A.D ) التي تعني :"في يوم ميلاد الرب"، لأن الأول منهما مناسب أكثر لكلّ الأديان.

(2) للاطلاع على وصف إجمالي يتناول تشكل القائمة الرسمية للكتاب المقدس اليهودي ، انظر مادتي ("Canon, Hebrew Bible") في كتاب "جيمس ساندر " (the Anchor Bible Dictionary) المطبوع بتحرير ديفيد نويل فريدمان (نيويورك ، دابلداي ،1992)، الجزء 1 ص 838 – 852 .
(3) إن إطلاق لقب "ربِّي" أو "معلم" على يسوع لا يعني أنني أقول إن المسيح حظي باحترام رسمي داخل الديانة اليهودية لكنني ببساطة أعني أنه كان معلمًا يهوديًّا . لم يكن ،بالطبع ،معلمًا فحسب ، ربما يمكن من الأفضل اعتباره كـ"نبيّ."
للاطلاع على المزيد من النقاشات ،انظر كتاب بارت إرمان : يسوع :النبيّ الرؤوي للألفية الجديدة (Apocalyptic Prophet of the New Millennium) من مطبوعات (جامعة أكسفورد نيويورك . القسم المطبوعات،1999لم يكن مرقيون هو المتهم الوحيد . فتقريبا في الفترة ذاتها التي كان إيريناوس يعيش فيها ،عاش أسقف كورينثيا الأرثوذكسي المسمى "ديونيسيوس" الذي كثيرا ما جأر بالشكوى من أن المؤمنين الكاذبين قد حرَّفوا كتاباته من غير وازع من ضمير ، مثلما قد فعلوا مع كثير من النصوص المقدسة .
عندما دعاني رفاقي المسيحيون إلى أن أكتب رسائل إليهم فعلت ما طلبوه مني . رسل الشيطان هؤلاء مملؤون بالزوان ©- ، يحذفون أشياء و يضيفون أشياء . لهم العذاب مدَّخر . لا عجب إذن لو تجرأ بعضهم على تشويه أعمالي المتواضعة ماداموا يتآمرون على العبث حتى بكلمة الرب نفسه .

كانت الاتهامات من هذا النوع الموجه ضد "الهراطقة" ـ أي بخصوص قيامهم بتحريف نصوص الكتاب المقدس ليجعلوها تقول ما أرادوا منها أن تعنيه ـ أمر واسع الانتشار بين الكتّاب المسيحيين الأوائل . من الجدير بالملاحظة ، مع ذلك ، أن دراسات حديثة أظهرت أن الدليل المستمد من مخطوطاتنا الباقية يشير بأصابع الاتهام إلى الاتجاه المعاكس . فالنساخ الذين كانوا مؤمنين بالتقليد الأرثوذكسي كثيرا ما قاموا بتحريف النصوص ، أحيانا بهدف التخلص من احتمال أن " يسئ استخدامها " المسيحيون لتأكيد العقائد الهرطوقية وأحيانا ليجعلوها أكثر موافقة للعقائد التي يتبنّاها مسيحيو طائفتهم . (11)

الخطورة الحقيقية التي تمثلت في إمكانية تحريف النصوص حسب الرغبة ، بمعرفة نسّاخ لم يشعروا بالاستحسان تجاه الطريقة التي صيغت بها هذه النصوص ،هي أمر واضح بطرق أخرى كذلك . نحتاج دائما إلى أن نتذكُّر أنَّ نساخ الكتابات المسيحية المبكرة كانوا يعيدون إنتاج نصوصهم في عالمٍ لم يعرف ماكينات طباعة أو بيوت نشر فحسب وإنما أيضًا لم يكن فيه على الإطلاق أية قوانين تتعلق بحقوق النشر. فكيف يمكن للمؤلفين أن يضمنوا أن نصوصهم لم تكن تتعرض للتَّعديل عند توزيعها ؟ الإجابة المختصرة هي أنهم لم يكن لديهم أية ضمانة على الإطلاق . وهذا ما يوضِّح السبب الذي من أجله كان المؤلِّفون في أحايين كثيرة يبتهلون لكي تتنزَّل اللعنات على أي ناسخ يُدْخِلُ على نصوصهم أية تعديلات بغير إذن منهم . هذا النوع من اللعنات نجده في إحدى الكتابات المسيحية المبكرة التي نجحت في أن تصبح جزءا من العهد الجديد ، ألا وهي سفر الرؤيا ،التي يكتب مؤلفها ، قريبا من نهاية نصه ، تحذيرا رهيبًا :

لأَنِّي أَشْهَدُ لِكُلِّ مَنْ يَسْمَعُ أَقْوَالَ نُبُوَّةِ هَذَا الْكِتَابِ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَزِيدُ عَلَى هَذَا يَزِيدُ اللهُ عَلَيْهِ الضَّرَبَاتِ الْمَكْتُوبَةَ فِي هَذَا الْكِتَابِ. وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ يَحْذِفُ مِنْ أَقْوَالِ كِتَابِ هَذِهِ النُّبُوَّةِ يَحْذِفُ اللهُ نَصِيبَهُ مِنْ سِفْرِ الْحَيَاةِ، وَمِنَ الْمَدِينَةِ الْمُقَدَّسَةِ، وَمِنَ الْمَكْتُوبِ فِي هَذَا الْكِتَابِ. (رؤيا 22 : 18 – 19 )

لم يكن هذا تهديدًا للقارئ بأنه ينبغي أن يقبل أو أن يؤمن بكلِّ ما هو مكتوب في كتاب النبؤات هذا ، كما يتمُّ تفسيره في أحيان كثيرة ؛ بل هو تهديد تقليديٌّ لنسّاخ السفر بأنهم ينبغي أن لا يضيفوا أو يحذفوا أيًّا من كلماته . لعناتٌ مشابهةٌ يمكن رؤيتها متناثرة في ثنايا عدد من الكتابات المسيحية المبكرة . تأمَّلْ التهديدات الأكثر صرامة التي كتبها العالم المسيحي اللاتيني روفينوس بخصوص ترجمته لواحد من أعمال أوريجانوس :

أناشد كل إنسان ربما ينسخ أو يقرأ هذه الكتب، بإخلاص في حضرة الله الآب والابن والروح القدس ، وأستحلفه بحق إيمانه بالملكوت الآتي ، وبكنيسة القيامة من الأموات ، وبالنار الأبدية المُعدّة للشيطان وملائكته ، أن لا يضيف أيَّ شئ لما هو مكتوب و أن لا يحذف منه شيئا ، وأن لا يحدِثَ أي إدخال أو تحريف ،و أن يقارن بين منسوخ يده وبين النسخ التي قام بالنسخ منها، كي لا يرث إلى الأبد هذا المكان ، حيث العويل وصرير الأسنان وحيث النار التي لا تنطفئ والأرواح التي لا تموت .(12)

هذه التهديدات الرهيبة ـ جحيم وكبريت ـ هي ببساطة من أجل تحريف بعض الكلمات الواردة في نص . بعض المؤلفين ، رغم ذلك ، كانوا عازمين بكل ما في الكلمة من معنى على التأكد من أن تنسخ كلماتهم بصورة سليمة ، فليس ثمة تهديد يمكن أن يكون رادعًا على نحوٍ كافٍ في مواجهة نسّاخ يمكنهم تحريف النصوص حسب أهوائهم ، في عالم لم تكن فيه حقوق نشر وتأليف.

التغييرات التي تعرض لها النص

يخطئ ، مع ذلك ، من يفترض أن التغييرات الوحيدة التي كانت تحدث ، كانت تقع عن طريق نسَّاخٍ فعلوا ذلك بمخاطرة شخصية عبر تدخلهم المتعمَّد في صياغة النص. في الواقع ، غالبية التغييرات الموجودة في مخطوطاتنا المسيحية المبكرة ليس لها علاقة باللاهوت ولا بالأيديولوجيا . معظم التغييرات هي إلى حدٍ بعيدٍ نتاج أخطاء محضة وبسيطة ـ أخطاء القلم ، حذوفات عرضية ، إضافات ناتجة عن الإهمال ، أخطاء في التهجي ،أغلاط من هذا النوع أو ذاك . لقد كان النساخ غير مؤهلين : ومن المهم أن نتذكر أنَّ معظم النساخ في القرون الأولى لم يكونوا مدربين على القيام بهذا النوع من العمل بل كانوا ببساطة أفرادًا متعلمين من بين أعضاء كنائسهم وكانوا ( إن بصورة أكبر أو أقل) قادرين على القيام بذلك وراغبين فيه . بل حتى فيما بعد ، بدءا من القرنين الرابع والخامس ، عندما ظهر النساخ المسيحيون كطبقة محترفة داخل الكنيسة (13) ، وفيما بعد حينما كانت معظم المخطوطات تُنسخ بمعرفة رهبان مكرّسين لهذا النوع من العمل داخل الأديرة - حتى في ذلك الوقت ،كان بعض النساخ أقل براعة في النسخ من الآخرين. في هذه الأوقات كلها كانت المهمة شاقة ، كما يشار إلى ذلك في بعض الملاحظات التي أضيفت إلى بعض المخطوطاتٍ والتي يكتب فيها أحد النساخ نوعًا من صرخات الارتياح مثل ، " نهاية المخطوطة . لله الحمد " (14) . وقد يكون النساخ في بعض الأحيان مهملين بالفطرة ؛وأحيانا يكونون جوعى أو شاعرين بالنعاس ، وفي أحايين أخرى يكونون فحسب غير معنيين بتقديم أفضل ما عندهم.

وحتى النساخ الذين اتسموا بالكفاءة ،و اليقظة و نالوا قسطًا من التدريب كانوا يقعون أحيانًا في الأخطاء . وفي بعض الأحيان قاموا بتغيير النص، كما رأينا ، لأنهم اعتقدوا أنه كان من المفترض أن يتم تغييره . إلا أن ذلك لم يكن نتيجة فحسب لأسباب لاهوتية معينة. لقد كانت هناك أسباب أخرى من وجهة نظر النسَّاخ تجعلهم يقومون بتغييرات عمدية - على سبيل المثال، عندما كانوا يأتون أمام فقرة بدت وكأنها تمثل خطئًا يجب تصحيحه ، أو ربما أمام تناقض موجود في النص ،أو إشارة جغرافية خاطئة ، أو إحالة إلى أحد نصوص الكتاب المقدس في غير محلها . لذا ، عندما أحدث النساخ تغييرات مقصودة ، كانت دوافعهم أحيانا نقية نقاء الثلج الأبيض . لكنّ التغييرات حدثت رغم ذلك ، وكلمات المؤلفين الأصلية ،نتيحة لذلك ،ربما قد حُرِّفت و ضاعت نهائيًّا. هناك صورة توضيحية طريفة للتغيير العمدي الذي وقع لنص موجود في واحدة من أنقى مخطوطاتنا القديمة ،ألا وهي المخطوطة الفاتيكانية ( يسميها البعض كذلك لأنها اكتشفت في المكتبة الفاتيكانية )،التي كتبت في القرن الرابع . ففي افتتاحية سفر العبرانيين هناك فقرة يقال لنا فيها ، وفقا لمعظم المخطوطات، إنَّ " المسيح يحمل (باليونانية : PHERON) كل الأشياء بكلمة قدرته"( عبرانيين 1 : 3 ). أما في المخطوطة الفاتيكانية ،فقد أحدث الناسخ الأصلي اختلافا دقيقا في النص ، باستخدامه أحد الأفعال المشابهة في اللغة اليونانية ؛ حيث يُقرأ النص في الفاتيكانية كالتالي:" المسيح يُظِهر ( باليونانية :PHANERON) كل الأشياء بكلمة قدرته." بعد ذلك بعدة قرون ، قرأ ناسخ ثان هذه الفقرة في المخطوطة (الفاتيكانية) وقرر أن يستبدل الكلمة الغريبة يُظهِِر ( manifests ) بالأكثر شيوعا يحمل (bears) - ماحيًا بذلك الكلمة الأولى وكاتبًا الأخرى. ثمّ قرأ المخطوطة ، بعد ذلك ببعض القرون ، ناسخ ثالث ولاحظ التحريف الذي فعله سلفه ؛ فمحى ، بدوره ،الكلمة يحمل وأعاد كتابة الفعل يظهر .ثم أضاف ملاحظة ناسخ في الهامش ليشير إلى ما دار في خلده عن الناسخ الثاني الذي سبقه . تقول الملاحظة :" أيها الوغد الأحمق ، دع القراءة القديمة ،لاتحرفها !"

أحتفظُ بنسخة من تلك الصفحة وقمتُ بوضعها داخل إطار وعلقتها على الحائط فوق مكتبي كوسيلة ثابتة تذكرني بالنساخ ونزوعهم إلى تغيير ، وإعادة تغيير ما لديهم من نصوص. من الواضح أنَّ هذا كان تغييرا لحق بكلمة واحدة : فلماذا كل هذا الاهتمام به ؟ إن مبعث الاهتمام بهذا التغيير هو أن الطريقة الوحيدة لفهم ما يريد المؤلف أن يقوله هي أن تعرف كيف كانت كلماته - كل كلماته - في الحقيقة .( فكّر في كل المواعظ التي تبنى على أساس كلمة واحدة موجودة في أحد النصوص: ماذا لو أن هذه الكلمة لم يكتبها المؤلف في الحقيقة ؟) إن القول إن المسيح كشف كل الأشياء بكلمة قدرته يختلف اختلافًا تامًّا عن قولنا إنه يمسك الكون كله بكلمته !

مشكلات التعرف على "النص الأصلي"

وهكذا ، وقعت كل أنواع التغيير في المخطوطات عبر النساخ الذين قاموا بنسخها . ولعلنا نقوم بدراسة أنواع التغييرات بتعمق أكبر في أحد الفصول الأخيرة من هذا الكتاب . أما الآن ، يكفي أن نعرف أن هناك تغييراتٍ كانت تحدثُ ،و أنها كانت تحدث على نطاق واسع ، خاصة خلال المائتي عامًا الأولى التي كانت تنسخ فيهما النصوص ،عندما كان معظم النساخ من الهواة . أحد القضايا الرئيسية التي ينبغي أن يتعامل معها النقاد النصيين هي الطريقة التي سيستخدمونها في استرجاع النص الأصلي ـ أي النص كما كتبه المؤلف أول مرة - مع الوضع في الاعتبار أن مخطوطاتنا مليئة على نحوٍ بالغ بالأخطاء . هذه المشكلة تتفاقم وذلك لأنه ما أن يقعَ خطأٌ ،فمن الجائز أن يتحول إلى جزءٍ ثابتٍ من التقليد النصيِّ ، بل أكثر ثباتًا ،في الواقع ، من النص الأصلي نفسه . بطريقة أخرى ،أقول إنه بمجرد أن يغير ناسخٌ من النساخ نصًا ـ سواءٌ أكان ذلك بشكل عارض أو بصورة متعمدة - فإن هذه التغييرات تصبح باقـية في مخطوطته (ما لم يظهر ،بطبيعة الحال، ناسخ آخر ليصحح الخطأ). الناسخ التالي الذي ينسخ هذه المخطوطة ينسخ هذه الأخطاء (ظنًّا منه أنها هي ما يقوله النص )، و يضيف أخطاءا من عنده . الناسخ الذي يليه والذي سينسخ بعدئذ تلك المخطوطة سيقوم بنسخ الأخطاء التي تخص الناسخين السابقين له كليهما ويضيف أخطاءًا من عنديات نفسه ، وهكذا دواليك . الطريقة الوحيدة التي ستتكفل بتصحيح الأخطاء هي أن يعترف ناسخٌ بأنَّ ناسخًا سابقًا له قد وقع في خطأ ويحاول هو أن يصحِّحَ المشكلة . ليس هناك ضمانة ،رغم ذلك ، أن يقوم هذا الناسخ ،الذي يحاول تصحيح هذا الخطأ ،بالأمر بطريقة صحيحة . بطريقة أخرى ،هذا الناسخ ربما في الواقع يغيّر النص بطريقة غير صحيحة عندما كان كل ما يفكر فيه هو أن يصحح الخطأ، لذلك ينتج عندنا الآن ثلاثة أشكال من النص :النص الأصلي ،النص الخطأ ، النص الناتج عن المحاولة الخاطئة لتصحيح الخطأ. وتتعدد الأخطاء و تتكرر ؛ أحيانا يتم تصحيحها و أحيانا تتفاقم المشكلة .وهكذا تسير الأمور لقرون . أحيانا ، بالطبع ، يكون لدى ناسخ أكثر من مخطوطة واحدة بين يديه ، و يستطيع تصحيح الأخطاء في المخطوطة الأولى من خلال القراءات الصحيحة في المخطوطة الأخرى .هذا فعليًّا ، في حقيقة الأمر ، يؤدي إلى تحسين الموقف بصورة ملحوظة . من ناحية أخرى ، من المحتمل أحيانا أيضًا أن يقوم ناسخ بتصحيح المخطوطة الصحيحة في ضوء النص الخاص بمخطوطة غير صحيحة . والاحتمالات تبدو بلا نهاية . مع وضع هذه المشكلات في الاعتبار ، كيف يمكننا أن نأمل في استعادة نصٍّ أصليٍّ ما ، أي النص الذي كتبه المؤلف بالفعل ؟ إنها مشكلة هائلة . في الواقع ، إنها مشكلة ضخمة إلى درجة أنَّ عددًا من نقاد النصوص بدأوا في الادعاء أننا ربما سنتوقف أيضًا عن مناقشة أي شئ يتعلق بالنص " الأصلي" ، لأن النص الأصلي بالنسبة إلينا لا يمكن الوصول إليه . ربما يكون في هذا القول نوعٌ من المبالغة ، لكنَّ مثالا واقعيًّا أو مثالين مأخوذين من كتابات العهد الجديد ربما يكشف لنا حقيقة هذه المشكلات.

أمثلة لهذه المشكلات


بالنسبة للمثال الأول ، دعونا نأخذ رسالة بولس إلى أهل غلاطية . الصعوبات العديدة التي يتحتم علينا التعامل معها ، حتى بخصوص الكتابة الأصلية للرسالة ، ربما ستجعلنا متعاطفين أكثر مع هؤلاء الذين يريدون أن نتخلى عن التفكير في الشكل الذي كان عليه النص " الأصلي ". لم تكن غلاطية مدينة منعزلة بها كنيسة منعزلة ؛ بل كانت منطقة في آسيا الصغرى (تركيا المعاصرة ) كان بولس قد أنشأ فيها كنائس. عندما يكتب إلى أهل غلاطية ، فهل كان يكتب لواحدة من الكنائس أم لها جميعا ؟ كان بولس ،على ما يبدو ، بما أنه لا يحدد أي مدينة على وجه الخصوص ، يقصد أن تصل الرسالة إليها جميعا . هل هذا يعني أنه كتب نسخا متعددة من الرسالة نفسها ، أم أنه أراد أن يتم تمرير الرسالة الواحدة على كل كنائس المنطقة ؟ ليس لدينا معلومات بخصوص هذا الأمر . لنفترض أنه كتب نسخا متعددة . فكيف فعل ذلك ؟ في البدء ، يبدو أن هذه الرسالة ، مثل رسائل بولس الأخرى ،لم تكتب بخط يده وإنما بيد أمين سر للنسخ . الدليل على ذلك يأتي من نهاية الرسالة ، حيث أضاف بولس حاشية في مخطوطته الخاصة ، لكي يعرف المرسل إليهم أنه شخصيا هو المسئول عن الرسالة ( وهو أسلوب شائع مستخدم في الرسائل المكتوبة بطريق الإملاء في العصور القديمة ):" اُنْظُرُوا، بأي أحرف كبيرة أكتب إِلَيْكُمْ بِيَدِي!"(غلاطية 6 : 11). رسالته المكتوبة بخط يده ، بكلمات أخرى ، كانت أكبر حجما و ربما أقل احترافية من ناحية الشكل من تلك التي كتبها الناسخ الذي كان قد أمليت عليه الرسالة (15) .

الآن ، لو أملى بولس الرسالة ، فهل أملاها كلمة بكلمة ؟ أم هل قام بتوضيح النقاط الرئيسية وترك للناسخ الحرية في تسويد ما تبقى ؟

المنهجان كلاهما كانا شائعا الاستخدام لدى كتَبَة الرسائل في العصر القديم (16) . لو أكمل الناسخ بقية الرسالة ، فهل يمكننا التيقن من أنه قد أكملها تماما على الصورة التي أرادها بولس ؟ فإذا لم يفعل ، فهل لدينا في الواقع كلمات بولس ، أم هي كلمات بعض النساخ المجهولين ؟ لكن دعونا نفترض أن بولس أملى الرسالة كلمة بكلمة . فهل من الممكن أن يكون الناسخ في بعض المواضع قد كتب الكلمات الخاطئة ؟ أغرب من ذلك قد حدث . في هذه الحالة ، فمخطوطة الرسالة ( أي النص الأصلي ) فيها من البداية " خطأ" ، لذا فجميع النسخ اللاحقة لن تكون من كلمات بولس ( في المواضع التي أخطأ فيها ناسخه ).
فلنفترض ، مع ذلك ، أن الناسخ كتب الكلمات صحيحة بنسبة مائة بالمائة . لو صدرت نسخ عديدة من الرسالة ، فهل يمكننا أن نتأكد من أن كل النسخ كانت أيضًا صحيحة مائة بالمائة ؟ من المحتمل ، على الأقل ، أنه حتى لو نسخت جميعا في حضور بولس ، فكلمة أو اثنين هنا أو هناك ستتغير في نسخة أو في أخرى من النسخ. لوكان الأمر كذلك ،ماذا لو أن واحدة من تلك النسخ كانت هي التي صنعت منها كل النسخ اللاحقة ـ بدءا من القرن الأول ،وصولا إلى القرنين الثاني والثالث،وهلم جرًّا؟
في هذه الحالة ، النسخة الأقدم التي مثلت الأساس لكل النسخ اللاحقة من الرسالة لم تكن بالتمام ما كتبه بولس ،أو الذي أراده أن يُكتب. وبمجرد أن تنتشر النسخة ـ أي بمجرد أن تصل إلى غايتها في إحدى مدن غلاطية ـ فهي ،بطبيعة الحال ،ستنسخ ، وستحدث الأخطاء . في بعض الأحيان ربما سيغير النساخ النص بصورة عمدية ؛وأحيانا تقع الأخطاءعن طريق السهو . هذه النسخ المشتملة على الأخطاء يتم نسخها ؛وهكذا ،سيحدث الأمر ذاته في المستقبل. في مكان ما وسط هذا كله ، النسخة الأصلية ( أو كل من النسخ الأصلية ) ينتهي بها الحال إلى الضياع، أو البِلى ، أو إلى التلف. في بعض الأحيان ، لا يعود ممكنا مقارنة نسخة بالأصل للتأكد من أنها "صحيحة" ، حتى لو وُجِد شخص ما لديه الرغبة في فعل ذلك.
ما ظل باقيا اليوم ، إذن ، ليس هو النسخة الأصلية من الرسالة ، ولا واحدة من النسخ الأولى التي كان بولس نفسها قد كتبها ، ولا أيًا من النسخ التي أنتجت في أيٍّ من مدن غلاطيا التي أرسلت إليها تلك الرسالة ، ولا أيًا من النسخ المنسوخة بناءا على هذه النسخة . النسخة الأولى الكاملة إلى حد ما التي نملكها من الرسالة إلى أهل غلاطية (مخطوطة مؤلفة من كِسَر ،أي أن فيها عددا من الأجزاء المفقودة ) هي ورقة بردي تعرف باسم (P46)( حيث أنها كانت البردية رقم ستة وأربعين من برديات العهد الجديد وضعا في الفهارس أو الكشوف الخاصة بذلك)، والتي يرجع تاريخها إلى 200 ميلاديا تقريبا (17) . أي تقريبا بعد مرور 150 عاما من كتابة بولس للرسالة . لقد كانت متداولة ، ويتم نسخها أحيانا بشكل صحيح وأحيانا بشكل غير صحيح ، لخمسة عشر عَقْدًا قبل أن يتم إنتاج أيٍ من النسخ التي بقيت إلى الوقت الحاضر. لا يمكننا إعادة بناء نسخة من تلك النسخ التي أنتجت منها البردية " P46 ". فهل كانت هي ذاتها نسخة دقيقة ؟ لو كان الأمر كذلك ،فإلى أي درجة كانت دقتها (how accurate)؟ لقد كانت بالتأكيد تحوي أخطاءا من نوعا ما ، كما كان الحال مع النسخة ذاتها التي نُسِخَت منها ، والنسخة التي نسخت منها تلك النسخة ، وهلم جرا.
باختصار ، إن الحديث عن النص "الأصلي" للرسالة إلى أهل غلاطية هو أمرٌ شديد التعقيد . فالنص ليس لدينا . وأفضل ما يمكننا فعله هو أن نعود إلى مرحلة نسخه المبكرة ، وأن نأمل ببساطة في أن ما نعيد بناءه فيما يتعلق بالنسخ التي أنتجت في هذه المرحلة ـ بناءا على النسخ التي حدث وأن نجت من الضياع ( بعدد متزايد كلما اتجهنا إلى العصور الوسطى ) ـ يعكس بصورة معقولة ما كتبه بالفعل بولس نفسُه ، أو على الأقل ما كان ينوي أن يكتبه حينما قام بإملاء الرسالة .
بالنسبة للمثال الثاني لهذه المشكلات، دعونا نأخذه من إنجيل يوحنا . هذا الإنجيل يختلف بشدة عن غيره من الأناجيل الموجودة في ثنايا العهد الجديد ،فهو يخبرنا بعدد من القصص التي تختلف عن مثيلاتها في الأناجيل الأخرى و يستخدم أسلوب كتابة شديد الاختلاف . هنا ،في يوحنا ، أقوال المسيح هي عبارة عن حورات مطولة كبديل عن الأقوال المباشرة والفصيحة ؛ لا يقول يسوع في يوحنا ، على سبيل المثال ،أمثالا أبدا وهو ما يختلف مع الأناجيل الثلاثة الأخرى . فوق ذلك ، الأحداث المحكية في يوحنا غالبا ما لا يكون لها وجود إلا في هذا الإنجيل فحسب : فعلى سبيل المثال ، حوارات المسيح مع نيقوديموس (في الفصل 3 ) ومع المرأة السامرية (الفصل 4) أو معجزاته الخاصة بتحويل الماء إلى خمر (الفصل 2) و إقامة أليعازر من الأموات (الفصل10). إن الصورة التي يرسمها المؤلف ليسوع هي صورة مختلفة اختلافًا تامًّا أيضًا ؛ فيسوع يقضي كثيرا من وقته ،وهو ما يختلف مع الأناجيل الثلاثة الأخرى ، في شرح من يكون هو (باعتباره المرسل من السماء )و في صنع " المعجزات" لكي يثبت أن ما يقوله عن نفسه صحيح .
لقد كان ليوحنا بلا شك مصادره الخاصة التي بنى عليها روايته ـ مصدر ربما كان يحكي معجزات يسوع ، على سبيل المثال ، ومصادر كانت تصف حواراته (18) . لقد جمع هذه المصادر معا ليحصل على سرده المتدفق لحياة يسوع ، ومهمته التبشيرية ، وموته و قيامته. من المحتمل ، مع ذلك ، أن يكون يوحنا في الواقع قد أنتج عددا مختلفا من النسخ لإنجيله . لقد لاحظ القراء طويلا ،على سبيل المثال، أن الفصل 21 يبدو وكأنه إضافة متأخرة . يبدو الإنجيل بالتأكيد أنه قد انتهى عند العدد 20 : 30 – 31 ؛ وأن الأحداث الواردة في الفصل 21 تبدو كنوع من الأفكار التي تخطر على البال في وقت متأخر ، ويحتمل أن تكون قد أضيفت لكي تكمل قصص ظهورات ما بعد القيامة ولتشرح أنه عندما مات "التلميذ الحبيب" المسئول عن حكاية التقاليد في الإنجيل ، لم يكن ذلك عكس النبوءة (قارن مع 21 : 22 – 23 ). فقرات أخرى من الإنجيل أيضًا غير مترابطة تماما مع الفقرات الباقية . حتى الفقرات الافتتاحية 1 : 1 – 18 ، التي تشكل نوعا من المقدمات الاستهلالية للإنجيل ، تبدو وكأنها مختلفة عن باقي الأعداد . هذه القصيدة المشهورة التي تتحدث عن "كلمة" الله الذي كان موجودا مع الله منذ البدء وكان نفسه الله ، والذي "صار جسدا " في المسيح يسوع . هذه الفقرة مكتوبة بأسلوبٍ شعريٍ رفيع ليس له وجود في بقية الإنجيل ؛ فوق ذلك ،وبينما تتكرر موضوعاته الحيوية في بقية القصة ، بعض كلماته الأكثر أهمية لم تتكرر مرة أخرى. لذا ، يسوع قد رسمت له صورة في أنحاء القصة باعتباره الشخص الذي جاء من فوق ، لكنه لم يُدْعَ "الكلمة" مرة أخرى في الإنجيل. هل يمكن أن تكون هذه الفقرة الاستهلالية قد أخذت من مصدر مختلف عن بقية الرواية ، وأنها أضيفت كبداية لائقة بمعرفة المؤلف بعد أن كانت نسخة أقدم من كتابه قد تم بالفعل نشرها ؟
افترض جدلا ، لمدة ثانية ، أن الفصل 21 و الأعداد 1 : 1- 18 لم يكونوا عناصر أصلية من الإنجيل . ماذا سيقدم ذلك من نفع لناقد نصيّ يريد أن يعيد بناء النص "الأصلي"؟ وأي أصل يعاد بناؤه ؟ كل مخطوطاتنا اليونانية تحتوي على هذه الفقرة موضع الدراسة . لذا فهل يعيد الناقد النصيّ بناء شكل من الإنجيل كان يحتوي هذه الفقرات في الأصل باعتباره النص الأصلي ؟ لكن أليس من الأولى أن نعتبر أن الشكل " الأصلي " المفترض أن يكون هو النسخة الأقدم ، هو ذلك الذي لا يحتويها ؟ لو أن شخصا أراد أن يعيد بناء الشكل الأقدم ،فهل من العدل أن يتوقف عند إعادة بناء ، فلنقل ، النسخة الأولى من إنجيل يوحنا ؟ لماذا لا يذهب حتى أبعد من ذلك و يحاول أن يعيد بناء المصادر التي تقف وراء الإنجيل ، مثل مصادر الآيات و مصادر الحوارات ، أو حتى التقاليد الشفهية التي تقف وراءها ؟
هذه أسئلة تؤرق النقاد النصيين ، والتي أدت بالبعض إلى أن يجادلوا حول ضرورة إهمال أي سعي وراء النص الأصلي ـ حيث إننا حتى لا يمكننا أن نتفق حول ما يحتمل أن يعنيه الحديث عن النص "الأصلي" ، فلنقل ،للرسالة إلى أهل غلاطية و إنجيل يوحنا . من ناحيتي ،مع ذلك ، ما زلت أفكر في أننا حتى لو لم نكن قادرين على الوصول إلى اليقين التام بخصوص ما يمكننا أن نحصل عليه ، إلا أننا نستطيع على الأقل أن نصل إلى التأكد من أن كل المخطوطات الباقية قد نسخت من مخطوطات أخرى ، والتي كانت بدورها منسوخة من مخطوطات أخرى ، وأننا على الأقل قادرين على العودة إلى المرحلة المبكرة و الأكثر قدما لكل تقليد مخطوط لأيٍ من كتب العهد الجديد . كل مخطوطاتنا لرسالة الغلاطيين ،على سبيل المثال ،تعود بشكل واضح إلى نص ما كان ينسخ ؛ كل مخطوطاتنا الخاصة بإنجيل يوحنا تعود بوضوح إلى نسخة من إنجيل يوحنا كانت تضم المقدمة الاستهلالية و الفصل 21 . وهكذا ينبغي أن نبقى راضين عن معرفتنا أن العودة إلى أقدم نسخة يمكن الحصول عليها هو أفضل ما يمكننا فعله ، سواء أستعدنا النص " الأصلي " أم لا . هذا الشكل الأكثر قدما من النص هو بلا شك متصل بشكل وثيق ( وثيق للغاية ) بما كتبه المؤلف في الأصل ، و لذلك فهو بمثابة الأساس لتفسيرنا لتعاليمه الخاصة .

Misquoting Jesus: The Story Behind Who Changed the Bible and Why
Interrupted: Revealing the Hidden Contradictions in the Bible