22 العقلانية والروحانية لدى كل من الديني واللاديني والمادي

ضياء الشكرجي
2017 / 1 / 4

22 العقلانية والروحانية لدى كل من الديني واللاديني والمادي
ضياء الشكرجي
dia.al-shakarchi@gmx.info
هذه هي الحلقة الثانية والعشرون من مختارات من مقالات كتبي الخمسة في نقد الدين، حيث سنكون مع مقالات الكتاب الثاني «لاهوت التنزيه العقيدة الثالثة». وستكون هذه الحلقة استثناءً قصيرة نسبيا، وهي عبارى عن مشروع مقالة أريد لها أن تنشر باسمي المستعار تنزيه العقيلي.
العقلانية والروحانية لدى كل من الديني واللاديني والمادي
المؤمن اللاديني بحسب فهمي هو من يجمع بين عقلانية اللاديني المادي، ذي النزعة الدنيوية، وروحانية المؤمن الديني، ذي النزعة الأخروية. لكن روحانية المؤمن اللاديني، الذي يعتمد الإيمان العقلي/الفطري، ليست روحانية غارقة في الغيبيات، بل هي روحانية عقلانية، أو لنقل هي عقلية/فلسفية في الفكر والنظرية، وعقلانية/واقعية في الممارسة والتطبيق. كما إن الحديث عن النزعة الدنيوية للمادي لا يجب أن تكون بالضرورة بمعناها السلبي الديني، بل وحتى بالمعنى السلبي من وجهة نظر الأخلاق، بحيث تنتزع النزعة المادية من صاحبها القدرة على التحليق الروحي في الجماليات، سواء المحسوسة أو المعنوية، والتحلي بالنزعة الإنسانية، بل المقصود بالدنيوية واقعية التعاطي مع الواقع، وليس بمعنى الاستغراق في الأنانية. فالإنسان في محتواه الداخلي ذو بُعدين؛ بُعد العقل والفكر والذهن والمنطق والرياضيات والفلسفة من جهة، ومن جهة أخرى بُعد الروح والنفس والعاطفة والخيال والأخلاق. ولنسمهما العقل والروح، أو العقلانية (rationality)، والروحانية (sprituality). ولكل منهما معنى مفهومي مطلق، ومعنى مصداقي نسبي. فالمعنى المطلق (المفهوم) إنما هو حصرا في عالم التجريد، والمنعكسة كصورة في الذهن، أما في عالم الواقع الإنساني، عالم ما خارج التصور الذهني، فمن غير شك لا نجد إلا المعنى النسبي (المصداق)، ولذا فالمفهوم المطلق واحد، والمصاديق النسبية متعددة. وهنا أستعير من القرآن نصين، تألق فيهما المؤلف؛ النص الأول هو: «قُل إِنَّما أَنا بَشَرٌم مِّثلُكُم يوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُم إِلهٌ واحِدٌ فَاستَقيموا إِلَيهِ وَاستَغفِروهُ»، مهملا ذيل الآية «قُل إِنَّما أَنا بَشَرٌم مِّثلُكُم يوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُم إِلهٌ واحِدٌ فَاستَقيموا إِلَيهِ وِاستَغفِروهُ وَوَيلٌ لِّلمُشرِكينَ» والنص الثاني «يا أَيُّهَا الإِنسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدحاً فَمُلاقيهِ». بالنسبة للنص الأول لا يهمنا ذيل الآية التي خدشت من جمالية ما قبلها، ألا هو قول المؤلف: «وَوَيلٌ لِّلمُشرِكينَ»، لأن لاهوت التنزيه يأبى أن تكون عقيدة الإنسان مبررا لعذاب الله، كما لا يهمنا مطلعها بقوله: «قُل إِنَّما أَنا بَشَرٌ مِّثلُكُم يوحى إِلَيَّ»، إلا إذا فُهم من الوحي غير معنى دعوى النبوة وتلقي الوحي من الله، بل بمعنى إيحاءات وتأملات العقل وتألقات الروح، بل الذي يهمنا من النص عبارة «أَنَّما إِلهُكُم إِلهٌ واحِدٌ فَاستَقيموا إِلَيهِ وَاستَغفِروهُ». ففي كلا النصين؛ في نص «إِنَّما إِلهُكُم إِلهٌ واحِدٌ فَاستَقيموا إِلَيهِ وَاستَغفِروهُ»، وفي نص «يا أَيُّهَا الإِنسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدحاً فَمُلاقيهِ»، نستوحي أكثر من معنى جميل، أوردها كالآتي:
الله وحده المطلق، ويبقى الإنسان يمثل وجودا نسبيا، لكنه يمتلك القابيلة على السير التكاملي باتجاه المطلق دون بلوغه، لاستحالة تحول النسبي إلى مطلق، فهو أي الإنسان «يستقيم [في سيره] إلى الله»، و«يكدح إليه» في مسيرة تكاملية في خط الاستقامة؛ هذه الاستقامة النسبية التي ليس من ضمانات ألا يعتريها شيء من الاعوجاج والانحراف عن الخط المستقيم، بسبب عناصر الضعف المتأتية من حدوث حالات من ارتفاع منحنى النزعة الأنانية للإنسان المستقيم، وحالات هبوط لذلك المنحنى، مما يستوجب مواصلة التصحيح في كل مرة؛ هذا التصحيح المعبر عنه بعبارة «وَاستَغفِروهُ»، وذلك عبر إبقاء الضمير حيا ومتوقدا ليمارس الإنسان بواسطته الرقابة الذاتية، التي تصطلح عليها الأدبيات الدينية بالتقوى والورع والنفس اللوّامة. فالإنسان كما يعبر القرآن أيضا مخلوق من جهة من (طين) الأرض، ومنفوخ فيه من جهة أخرى من (روح) الله، وذلك حسب النص القرآني: «... وَبَدَأَ خَلقَ الإِنسانِ مِن طينٍ، ... ثُمَّ سَوّاهُ وَنَفَخَ فيهِ مِن رّوحِهِ ...». فكون الله «بَدَأَ خَلقَ الإِنسانِ مِن طينٍ»، [دون اعتماد قصة خلق آدم وحواء، إلا على مستوى الرمزية] أي من مادة الأرض، تعبير عن البعد المادي في الإنسان، وكون الله قد «نَفَخَ فيهِ مِن رّوحِهِ» تعبير عن البعد الروحي فيه. من هنا أقول عسى أن يكون الإلهي اللاديني هو القادر أكثر من غيره على أن يعيش الروحانية، دون الغلو بها إلى حد الوقوع في الهلوسة الغيباوية، وأن يعيش العقلانية، دون أن تحوله عقلانيته إلى حالة من الجفاف والتصحر الروحي. [استشهادي بنصوص قرآنية هنا، ليس من قبيل اتخاذي للقرآن مرجعية لي، بل للإشارة بكل تجرد وموضوعية إلى مواطن التألق فيه، رغم الإيمان العميق بوجوب تنزيه الله من نسبة أي من الأديان وكتبها (المقدسة) إليه، تألقت آيات جماله، وتقدست صفات كماله، وتنزهت محامد ذاته.]
إضافة لم ترد في الكتاب:
وقد أشرت في مواقع أخرى من كتبي إلى موضوع آخر ذي علاقة، أذكره هنا بإيجاز، وهو إن المعنى المستوحى من «يا أيها الإنسانُ إنك كادحٌ كدحاً إلى ربِّك»، ومن «فاستقيموا إليه واستغفروه»، يسري حتى على اللاإلهي الشائعة تسميته بـ(الملحد)، ذلك من خلال استيحاء معنى نسبية صفات الكمال الإنسانية فيه، وسعيه للتحرك نحو المُثل العليا المطلقة، وهو مدرك استحالة بلوغ المطلق، ولكنه مدرك أيضا مسؤوليته أن يتدرج كادحا نحو تلك المُثل، ويجعل حركته باتجاهها، وإن كان مدركا أنه لن يبلغها، فهي قبلته التي يستقبلها في مسيرته التكاملية، عبر مزاولة المراجعة ونقد الذات والتصحيح المتواصل لما يعتري مسيرته من إخفاقات، أو حالات بعض اللاانسجام من جهة بين ما يؤمن به من قيم ويحاول تجسيده، ومن جهة أخرى بين ما يبتعد فيه عن تلك المثل قليلا أو كثيرا، بسبب عناصر الضعف التي تعتريه، حيث يمارس التصحيح والتدارك عبر وازع الضمير، أو ما يصطلح عليه قرآن محمد بالنفس اللوامة. فالإلهي يتخذ الله قبلة له يكدح تكامليا باتجاهها، والإنساني اللاإلهي يتخذ من المثل الأعلى، كقيمة في عالم المثال، كأن يكون ذلك المثل ما يسمى بالـHumanism، فيتخذه هو الآخر قبلة يكدح تكامليا باتجاهها.