عنزة أصحاب المواقف الجاهزة

ماجد ع محمد
2017 / 1 / 4

"ثمة من لا يقرأون في الكتاب إنما ما هو مسطور في أدمغتهم"
علي الوردي
بما أن كل غَرف جديد للنصوص قادرعلى تحريك آلية التفكير والمقارنة لدينا، وقد يفضي المنهل بنا إلى مواضيع مماثلة، أو يحرض الذاكرة لاستحضارغيرها من القصص المحفوظة في الشرائح المركونة في الصندوق الأسود لقائد البدن، لذا فبعد قراءتي لما كتبه الدكتور محمد عبدو علي في جزئي دراسته عن الوجود الكردي في شمال سوريا وتحديداً منطقة جبل الأكراد (عفرين)، حيث جاء جهده وعمله البحثي المتعوب عليه، وكدراسة جادة هي الثالثة من نوعها عن المنطقة بعد دراسة المستشرق الفرنسي روجيه ليسكو في كتابه المسمى "جبل الكرد وحركة المريدين" الصادر عام 1940، وكذلك كتاب المظالم الفرنسية لـ: الضابط البحري جميل كنة المطبوع في عام 1967، وقد اعتمد الباحث محمد عبدو علي فيما يتعلق بمجال التاريخ على المصادر الكتابية التاريخية القديمة والمعاصرة المتوفرة لديه، والذي على ما يبدو حاول جاهداً لأن تكون مصادره عربية وسورية بقدر الإمكان، أولاً ليكون حيادياً في قراءة ما دوّن عن المنطقة قدرالمستطاع، وثانيا تحاشياً وتجنباً للوقوع في شراك الهوى، وثالثاً لتوخي الدقة في نقل المعلومة التاريخية، وفيما يتعلق بالواقع القائم وماهو ملموس ومعاش وكذلك الأوضاع العامة الأخرى استند فيها الباحث على الاستطلاع الميداني في القرى والمواقع ومقابلة المعمرين وأولي المعرفة والاهتمام من أبناء المنطقة.
ولكن رغم تقديرنا الجم للجهود التي بذلها الباحث، إلا أني بعد إتمام ما كتبه في هذا الجو الذي تُرفرف في سمائه أعلام التطرف، وتسيطر فيه العقائديات بقوة على وعي العامة، والتي تسعى جاهدة وبقوة لإزاحة العقل القائم على المنطق والموضوعية جانباً، فوسط المناخ التكفيري والاتهامي السائد في المنطقة، تذكرت على الفور المثل الشعبي (عنزة ولو طارت) وهي القصة التي تتحدث عن المتشبث بآرائه المسبقة وما اقتنع به من قبلُ ولو كان رأيهُ وما يقوله مناهضاً للصواب، حيث يضرب هذا المثال على الشخص ذو الأفكار الجامدة والمكابر الذي يصر على رأيه حتى وإن تبيّن له خطؤه إلا أنه يصر على ذلك، ويقال بأن أصل المثل أن اثنين كانا يسيران في أحد الحقول فشاهدا هالة سوداء بعيدة في وسط الحقول، فقال الأول إنها غراب، بينما الثاني (المكابر) أصرّ على أنها عنزة، فاتفقا على أن يرمياها بحجر من بعيد فإن طارت فهي غراب، وإن بقيت فهي عنزة، فرمياها فطارت، ورغم طيرانها فإذا بالمكابر يقول: عنزة ولو طارت، أي أنه من باب التكبر والعصبية لا يتنازل لقبول الحقيقة ولو كانت ساطعة كعين الشمس، لذا فإن من عُبئ وشُحن وغرف من مناهل حزب البعث والتنظيمات المتفرعة عنه لا يستطيع أن يقبل حقيقةً ما بخلاف تلك التي تم زرعها في تربته الثقافية والعقائدية منذ نعومة أظفاره.
وكنا بمؤسسات البعث التي شوهت البشر والحجر والجغرافيا حتى أينعت مؤسسة خليجية تحذو حذو البعث في بعض الدراسات الصادرة عنها، مَن يدري فلربما يرغب القيمون عليها بملئ الفراغ الذي أحدثه حاخامات البعث العربي بعد أفول نجمهم، وفيما يخص بعض الدراسات الصادرة عن المركز المذكور كان الدكتور محمود عباس في الجزء الثاني من دراسته عن "مصداقية الباحث محمد جمال باروت" قد نبه الحكومات العربية وهيئاتهم السياسية ومؤسساتهم الثقافية إلى قضية مهمة تخص مصداقيتها العلمية ومكانتها، بقوله: إن تشكيل مؤسسات بمستوى "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" الموجودة في إمارة قطر، والمصروف عليها الأموال الضخمة، وتوظيف المفكرين والباحثين، وإرشاد البحوث والمفاهيم والأفكار العلمية بشكل منحرف، والنصوص المبتورة، والمصادر غير المسنودة، تؤثر سلباً عليها وتجلب بغض وكراهية شعوب المنطقة إلى نفسها، عدا عن الإساءة إلى سمعة العرب إسلامياً حسب قوله، ولكن يبدو أن الشرخ الذي أحدثه مؤسس البعث أي ميشيل عفلق وأعوانه لم يكوي أتباعه أو المؤمنون بالأفكار التي دعا إليها عفلق، كالبعث والحركة الناصرية والعربي الاشتراكي والإخوان المسلمين ومن تفرع عن تلك الأحزاب، لذا ربما رأوا في عزمي بشارة خير من يتمم ما بدأه سلفه عفلق، فاختير كمدير عام للمركز المذكور باعتبار أن العقيدة البعثية قد أُحرقت ورقتها ولم يعد مرغوباً بها من قبل معظم شعوب المنطقة على ما تسبب به الحزب من القتل والدمار والتهجير وما خلّفه من دكتاتوريات وطغم فاسدة طوال حكمه.
وعن حلقات دراسته التي شكك فيها الدكتور محمود عباس بمصداقية الباحث السوري محمد جمال باروت، فقد توجهت إليه بعد قراءتي لتلك الحلقات مجتمعةً في موقع الحوار المتمدن، بالسؤال قائلاً: معروف أن دولتا العراق وسورية خضعتا معاً لسلطة العفالقة، ولكن لِمَ ياترى في العراق ظهر كتاب منصفون أمثال شاكر خصباك، هادي العلوي، عبدالحسين شعبان، ومنذ الفضل وآخرون، بينما في سوريا لم نجد من ارتقى الى مصافهم في العدل والحق والإنصاف خاصةً فيما يتعلق بحقوق الاثنيات والطوائف رغم خضوع الدولتين لنفس المنظومة الأيديولوجية؟ فكان رده بأن هنالك عدة احتمالات منها: أن الثورات الكردية المتتالية في جنوب كردستان، منذ بدايات القرن الماضي احتضنت معظم الأحزاب السياسية المعارضة العراقية ومعهم شريحة واسعة من الحركة الثقافية العربية، وهذه الحاضنة كانت مفقودة في سوريا، كما وأن الحركة الكردية في المناطق الكردية بسوريا كانت أضعف من أن تستطيع الدعم أو التأثير على الحركة الثقافية العربية السورية، أو حتى على تلك الشريحة التي كانت تدعي الفكر الثوري، مع ذلك لم تخلى الحركة الثقافية والسياسية السورية العربية من شخصيات بل شرائح ساندوا القضية الكردية في سوريا، ولكن حسب رأي الدكتور عباس كان صوتهم أي الكتاب الذين لوحظ لديهم بوادرالإنصاف أضعف من أن يؤثروا أو يظهروا بكل جرأة على الإعلام كما ظهر فيها أصوات الإخوة في العراق، وأردف عباس قائلاً بأن أمثال محمد جمال باروت موجودون في العراق أيضا، وفي العديد من الدول العربية الأخرى، وهي شريحة انتهازية تبحث عن مصالحها وتضر بالقومية العربية، مثلما فعلها المذكور، ومع المذكور والقول لعباس مجموعة من الكتاب تستغل في مركز الاستراتيجيات العربية في قطر، من أجل المال، وأن بعضهم انتقلوا من أحضان البعث السوري إلى دولة قطر الإسلامية الداعمة للفكر العروبي الإسلامي التكفيري.
وفي ختام هذه الوقفة القراءاتية، فإن ما ورد من المعلومات والوثائق والحقائق الملموسة في دراستي محمد عبدو علي، وكذلك ما أشار إليه الدكتور محمود عباس في قراءته لكتابات الباحث السوري جمال باروت كأحد أبرز الباحثين في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الوطن العربي، وفي لجوء باروت إلى البتر والتحريف والتزوير، فنقول يا ترى من سيلتفت إلى من يسعون لكشف الحقائق وتعرية المزورين والمدلسين، فيقرأ ما يُنشر لمن لم تُشترى ذممهم في وقت يسيطر فيه الإعلام المرئي المضلل على ثلاثة أرباع وقت ووعي الناس، حيث يسوق الإعلام المرئي ووسائل التواصل الاجتماعي والمسيطرين عليه الجماهير الى الجهة التي يريدون للرعية المكوث فيها إلى حين الانتهاء من مآربهم، ومَن يا ترى ذلك الذي سيقنع ذلك الفيلق البشري المساق إعلامياً بسلاح المنطق والإنصاف والموضوعية؟ وهو ما ذكرني صراحة بقصة طريفة كان يقصها المرحوم رشيد حمو وهو أحد رواد الحركة الكردية في سوريا، وقد كان الراحل من نفس المنطقة التي خصها محمد عبدو علي بدراسته أي (عفرين) فكان يقول حمو: بأن أحد الأشخاص تهيأ له يوماً بأنه صار حبة قمح، وظل الخوف يلاحقه وهو يخشى من أن يتم انتشاله من الأرض بمنقارٍ ما فيؤكل من قِبل الدجاجات بعد ابتلاعه، وبعد المحاولة المريرة معه من قبل أصحابه ومعارفه للتخلص من شر ما توهمه، اقتنع الرجل أخيراً بآرائهم وقال لمن كان يسعى لتحريره من أوهامه، يا جماعة أنتم حقيقةً أقنعتموني بأني لستُ حبة قمح، ولكن كيف ومن سيقنع الدجاجات بذلك؟.