الإلحاد... والتألُّه

سامي عبد العال
2017 / 1 / 4

ربما أبرز ما في الإلحاد هو روح الرفض لأشكال التفكير اللاهوتي وليس الايمان فقط. بينما التقاليد هي أكثر الأشياء ضجيجاً في الديانات. لأنَّ الأول يبتكر وجوداً على أسنة الشك دونما توقف. فتأرجح الأفكار الخاصة به يرمي نحو أصالة ما خارج أسوار المحرمات. وهي قيود اختلطت بالآفاق الاجتماعية والسياسية لحركة الثقافة، والتي تمارس أدوارها كبدائل بقوة الحقائق المهيمنة. أما الثانية(الديانات) فتُعلق حرية الأفراد تحت سقف ضاغط بعناوين متكررة. ما معنى أن يبدع الإنسان طرائق مختلفة لتفكيره؟ ماذا لو اخترق كل سقف ممكن ولو كان إلهاً؟ وماذا لو جاءت النتائج - فوق هذا وذاك- معارضة للسلطة السائدة؟!
تلك الأسئلة مبعث القلق إزاء كلمة إلحاد. لأنَّ إلهاً بحكم تواريه يستحيل للبشر الوصول إليه. فالحقائق التي يؤمنون بها ولا يستطيعون إثباتها تساوي( رياضياً) عملية أنكارها دون إمكانية دحضها أيضاً. المعادلة من تلك الجهة معادلة صفرية إيماناً وإلحاداً. لكن اللافت للنظر أن جميع أشكال الإيمان قد قعدَّت أنظمة للحياة وأراحت الناس مؤونة التفكير الحر وهدَّأت آلام الشكوك. فأكثر ما يتهرب منه فاعلو الثقافة العربية هو الحرية. فوبيا الحرية كعملٍّ يحمل تبعات الاعتقاد. إذن لماذا سيفكرون ثانية بشكل مغاير؟ إذا كان الموضوعُ كذلك فما بالنا حين يأتي شاكٌ في قواعد الإيمان؟! هنا لا يقف الإلحاد في مواجهة المعتقد وحسب بل يصطدم بما فوقه من اقتصاديات المصالح والعلاقات والأبنية السلطوية.
ضمن اللغة العربية ثمة معنى صامت في عمق الالحاد: أنه الميل عن القصد. ولحد إليه بلسانه مال. وقيل: أصل الالحاد الميل والعدول عن الشيء. الصمت بهذه الحالة ينطق بكل الكلام المسكوت عنه. فنحن نعرف أن القصد عادة له فاعل ما. وطالما لم يذكر القاصد فإنه يدل على فاعل خفي. إنه الهدف المفهوم ضمنا عبر اعتقادات الناس، ويدخل كمرجعية في القوانين والأنظمة السياسية والاجتماعية. فأي قصد هو الجاري بخلاف هذا التكوين المركب لمعاني الإيمان؟ القصد هنا قد يكون حقاً، حقيقة، وغاية وأصلاً كما يُشار. ولا تأتي المقصودات عارية من لحمها الاجتماعي والثقافي بالمرة. ففي تاريخ الثقافة العربية الاسلامية كان القصد حكراً على الحكام والفقهاء ورجال الدين. إنَّ تفسيرات النصوص المقدسة تحولت إلى سوق رمزي أدي خدمات للأنظمة الحاكمة المستبدة. وكم سمعنا مقاصد الشريعة التي تتعانق سياسياً مع قصد المشرع على مستوى القوانين والسياسات.
وبالطبع يعتبر القصد هو تأويل لغاية الحياة والأفعال في المجال العام. وليس بإمكان أحد التحدث عن ماذا يقصد حتى غلى مستوى سلوكياته الجزئية. لأن الحكام والفقهاء في المجتمعات العربية الاسلامية يفكرون له، يقصدون قبل أن يقصد. كما أنه كمسلم يردد في ثواني اليوم والليلة مرات القصد إلى الله بما لا يحد. رغم كونه يرتكب جميع أصناف الأعمال اللاأخلاقية. وظلت تتواتر عبارة" والله من وراء القصد" عقب انجاز الأشياء والمشروعات. علماً بأن هذا الوراء مزدحم بمآرب أخرى تضر بالمجتمع. ليس الإله هنا سوى مقولة بلاغية لتمرير المقاصد الاجتماعية. والعبارات لا تخلو من خطاب طاغ على الواقع ومغطياً أزمة اليقين وراء الأفعال وما إذا كانت ناجعة في ثقافة مأزومة أم لا!!
يبدو مفهوم التألُّه بمثابة الخيط الناظم لتك الحركة التي تعضد بعضها البعض. وليس بمستطاع الإلحاد أن يزيح ذلك التراكم الثقافي لكنه ينال كماً وفيراً من الإقصاء. ولعل مصطلحات: الكفر، الهرطقة، الخروج على ثوابت الأمة، ازدراء الاديان، تهديد الهوية، زعزعة الاستقرار، مس المعتقدات، التعدي على المقدسات، الإضرار بكيان المجتمع، تهديد الوحدة الوطنية، انكار الدستور والشرائع... نقول إن هذه الكلمات رماح يسلطها المجتمع تجاه الملحدين. سهام تخرج تلقائياً ضد فيروسات -كما يصورنهم- تنخر بنية الثقافة الشائعة. لكنها كلمات تعبير عن هوس التمسك بالشائع. والدفاع عن أبنية راسخة من التصورات الحاكمة.
التأله ليس فقط تصوراً دينياً ولن يكون. صحيح هو يعود إلى أصل ميتافيزيقي اعطته الديانات مساحة كبيرة. ففي الكتب المقدسة يشار إلى الإله التوحيدي بوصفه صاحب التأله الحقيقي. ويأتي في تضاعيفها نسب الكلام إليه بصيغة الغائب الحاضر. لكن ظلت العملية مفتوحة لادعاءات كثيرة. سواء إذا كان هناك من يتأله باسم الدين أم يحتكر نصوصاً دينية خالعاً على ذاته القداسة. كان الله عليماً وجاء حكام المسلمين يعلمون القاصي والداني، الباطن والظاهر. كان الله حكيما ووصف الحكام أنفسهم بالملهمين والعظماء ومصدر الخيرات. كان الله قديراً وجاء الحكام أسياد الشعوب. كان الله راعياً للكون وجاء الحكام مسؤولين عن رعاياهم وتحويلهم إلى عبيد. كان الله منتقماً وظل حكام المسلمين ينتقموا ويمثلوا بضحاياهم.
من تلك الزاوية ليس الإلحاد انحرافاً كما يزعم حراس الأيديولوجيات الدينية. فلئن كان كذلك، فهو انحراف عن ماذا؟ هل انحراف عن عقائد راسخة؟ إذن ليست معياراً ليقينها ولا لاستمراريتها!! وعليه لا يعتبر الإلحاد ضرباً من التيه في غياهب المجهول كما يحذر هؤلاء. لكنه سؤال مصيري يضع وجود الإله وبدائله على المحك. قدرة متجددة بحثاً عن الحقيقة، عن المعرفة، عن اختبار الأسس. الإلحاد تجربة غامرة في أحضان اللا أساس. هذا الإله الذي تسند إليه العوالم والحقائق والموجودات...فجأة يعتبره كأنه لم يكن. ليس الأمر نفياً معرفياً لكنه خوض غمار الشك داخل الشك، إعادة تأسيس اللا أساس من جذوره القصوى. وبالتالي فهو قدرة تنضح من معين سحيق بعمر العصيان الآدمي للرب. وأي دين يتحرش – مجرد التحرش فقط- بتلك الأشياء سيكون ذابلاً لدى أصحابه. وما لم يلتصق بإرادة نافذة لن تكون خطوط سيره إلا التماثل الأعمى. إن اختصار الطاقات العقلية في الاحتذاء هو الوجه الناعم للقتل البطيء.
ليس ثمة فعل فاضح – على كافة مستوياته الإنسانية-أكثر من النسخ الاعتقادي المشوِّه للعقول. إن "أحبار" الدين، رجاله، فقهاءه، دهاقنته، كهانه لا ينقطعون عن الظهور في هوامش الديانات ومتونها. تلك المكانة شهدت تنويعات متتابعة طوال آلاف، بل عشرات الآلاف من السنين. لا وظيفة لهم سوى قولبة الأدمغة على مقاس الفكر الديني السائد. وهو ما يحدد أركان المعتقد وجوانبه بمعناها المعرفي والميتافيزيقي، رافضاً أي اعتبار للجوانب المفقودة وممارساً اخضاعاً لكل نظر مفتوح. الدين- ايديولوجيا وطقوسياً ورسماً- قائم على قانون الجاذبية بامتياز اعتقادي. بل مشكلة الديانات أنها لا تستطيع العيش إلا في ظل "قوانين جاذبية" تربط حلقاتُّها القاصي والداني. ثم تتشكل القوانين وتستبدل بشرياً ويتوهم أصحابها أنها أصول إلهية. الإلحاد يقطع تلك السلسلة. فالإنسان لا يكف عن طلبها –على الأقل- ببصمة النزوع نحو تأليه ذاته.
دون الاخلال بعلمية الموضوع هل هي مصادفة أن يكتشف اسحاق نيوتن - وهو دارس اللاهوت- قانون الجاذبية؟ وماذا هنالك حين ترتب عليه من مفاهيم الفعل ورد الفعل، السكون والحركة، المركز والهامش؟! كان جراء فيزياء نيوتن أن ظهرت اتجاهات معرفية لتأسيس فيزياء نفسية واجتماعية بجوارها. تحاول ترسيخ نفس المفاهيم المادية على نطاق إنساني عام.