ذكريات...من هنا... وهناك...

غسان صابور
2017 / 1 / 3

ذكـــــريـــــات... من هــنــا... وهـــنـــاك...
أيام.. وأشهر.. وسنين... تعبر وتعبر... 2006 ــ 2007 هنا... وعرفت ما قبلها.. وما قبلها... ولدت بنهاية 1933 وعرفت هتلر وستالين وتشرشل وديغول.. بأيام فتوتي بمدرسة رهبان فرنسية, بمدينة اللاذقية أيام ما سمي الانتداب الفرنسي آنذاك.. وكنت أعرف أنهر فرنسا كلها.. ولا أعرف النهر الذي كان على بضعة كيلومترات من اللاذقية... وجـف نهائيا بعد سنوات.. لما ورد ما سمي استقلال البلد.. لأن بعض كبار المزارعين وشركاؤهم من ضباط السلطة, والذين شكلوا البورجوزية الجديدة.. (شفطوا كل مياهه) حتى الجفاف.. كما شفطوا كل ما ينتجه البلد... ومرت الأيام والأشهر والسنوات... إنقلاب إثر انقلاب.. حتى نسينا أننا دولة مستقلة ذات سيادة.. لأن السيادة بعد أقل من عشرة سنوات من (استقلال البلد) حصرت بأصحاب السيادة...وبدأنا نقلد الاتحاد السوفياتي بالحزب الواحد.. حزب من يسيطر على الإذاعة وقناة التلفزيون الوحيدة آنذاك.. وكانت حوالي حوالي عشرة عائلات فقط.. بكل مدينة سورية, تملك جهاز تلفزيون بذلك الوقت.. ومنهم والدتي.. بورجوازية جامدة أصيلة عتيقة.. بعد أن توفي والدتي بسنوات قليلة.. دون أن يعرف التلفزيون... ودون أن يرى التغيرات التي حدثت بالبلد... وهو الذي كان من اوائل ضباط الجيش الفرنسي (المسيحيين) الذين التحقوا بالقوات الوطنية... لأنه كان يؤمن بالوطن السوري والوطنية... وبعد سنوات قليلة.. ضاعت فلسطين.. وهيمنت دولة إسرائيل الجديدة على حياتنا اليومية... وما زلنا نطالب بأنطاكية واسكندرون.. ونطرد جميع اليهود بالبحر.. ونستعيد فلسطين.. كل فلسطين.. إسلامية طبعا.. ومن المحيط إلى الخليج.. والعالم كله.. بالسيف بإمرة خلافة داعش والبغدادي... وملايين القتلى من المحيط إلى الخليج.. عرب.. عرب.. أكبر أرض تنتج الغباء.. معاهد الغباء.. مزارع الغباء.. مصانع الغباء.. دول الغباء.. والتي لا تنتج سوى شعوب الغباء.. وهنا أعيدكم إلى كاتب فلسطيني بأيامنا هذه.. اسمه أكرم عطاالله والذي يكتب قائلا: بأنه لو غابت فجأة كل شعوب العرب عن الأرض.. لما شعرت الإنسانية بغيابهم.. لأن الحياة ستدور وتتابع بشكلها العادي اليومي الطبيعي.. سوف تتابع إنتاج السيارات والأدوية والاختراعات.. وحتى صناعة الأسلحة... تحسبا لعودتنا كأشباح.. وحاجتنا لتقتيل بعضنا البعض من جديد... قرأت كتابات هذا الإنسان الصريح المتعب... وتساءلت معه, ماذا أنتجنا للبشرية.. على الأقل بالمائة سنة الأخيرة على الأقل.. ولن أطلب منكم أن تعودوا عشرة قرون.. أو خمسة عشر.. ماذا شاهدنا غير حكام تقطع الرؤوس التي أينعت.. وكلما فكر إنسان.. فــج رأسـه.. لأنه كافر زنديق... لأن التفكير والتحليل والتحضر والتطور.. كان دوما كــفــرا وزندقة عند العرب ودياناتهم, والتي كانت دوما منشأ كل منابع وعادات وقواعد الحياة اليومية.. حتى طريقة الدخول إلى الحمام للاغتسال... دون أن ننتج أي شــيء يفيد البشر و البشرية.. والإنسان والإنسانية!!!...........
لا بد أن بعضا من القراء الدونكيشوتيين المتعنترين المنتفخين مجانا, والمعلقين "الحكماء" الاختصاصيين بالرصد والتعليق.. سوف يتهمونني كالعادة بكراهيتي للوطن والعروبة.. وتفرنسي.. ناسين انخراطي وكل ما أعطيت لهذا الوطن منذ سن الخامسة عشر من عمري.. وما عانيت.. بدون أي مقابل.. لغاية اضطراري إلى مغادرة هذا الوطن.. مع ديمومة دفاعي عنه بأخطر الفترات وأصعبها.. وكان عمري تسعة وعشرون عاما... وبدأت من نقطة الصفر.. وحتى أدنى من الصفر.. وخلال عدة سنوات كنت أعمل أكثر من ثمانية عشر ساعة بعدة وظائف.. ستة أيام بالأسبوع.. وأحيانا سبعة أيام على سبعة بالأسبوع الواحد.. زائد انخراطي بالسياسة الفرنسية.. وعودتي إلى الدراسة الجامعية... حيث جمعت من عملي ساعات إضافية.. أعطتني الحق بالعودة للدراسة والتحصيل واكتساب معرفات قانونية وسياسية واسعة... بعد حصولي من السنة الأولى على الجنسية الفرنسية.. نظرا لخدمة والدي بالجيش الفرنسي في سوريا.. ومشلركته بالحرب العالمية الثانية, بلباس الجيش الفرنسي.. وحصوله على أوسمة رفيعة المستوى.. ورغم مشاركته بسنة 1945 وقبلها بالحركات الانتفاضية (لتحليلها تاريخيا)... حافظت السلطات الفرنسية على خدماته وأوسمته.. ما لم تحفظ لـه السلطات ( الوطنية) فيما بعد أي اعتبار.. ولم يعش كثيرا.. ليرى مــا آل إليه بلدنا من تراجع.. وتراجع.. ومــــآسي!!!...
*********
أزمــة... أزمــــات
هل يعرف القراء العرب, والذين لا يعرفون أوروبا عامة وفرنسا خاصة.. أن هناك آلاف العائلات الفرنسية, ورغم المساعدات الاجتماعية, تعيش تحت خط الــفــقــر... ومع هذا ورغم كل المشاكل والأزمات التي يثيرها الإرهاب.. تستقبل الدول الأوروبية مئات الآلاف من اللاجئين.. وخاصة فرنسا.. أو بالأحرى مواطنون فرنسيون من طبقات اجتماعية متوسطة وغيرها.. يستقبلون ويساعدون الآلاف من اللاجئين السوريين وغيرهم.. رغم العديد من تحكيم وتشديد إغلاق الأبواب بوجه اللاجئين من مختلف البلدان الشرق أوسطية والإفريقية... منذ بداية الربع الأخير من السنة الفائتة.. والاهتمام فقط بالموجودين هنا.. والذين وصلوا إلى الشواطئ الفرنسية, رغم الأزمات والصعوبات وانعدام منح الفيز Les Visas بالقنصليات الفرنسية بالبلدان العربية... ومع هذا دخل مئات الآلاف السنة الماضية وما قبلها.. والدولة الفرنسية رغم إعلانات طفرها.. تهتم بهم, نظرا لضغط الجمعيات الإنسانية المتعددة.. وخاصة الجمعيات الحقوقية, التي ما زالت تمارس مراقبة كل التأمينات الحقوقية للاجئين وغيرهم.. بحال تردد الحكومات بالتراجع عن تنفيذ قوانينها ودساتيرها الحالية السائرة المفعول.. والتي تؤمن جميع الحمايات الاجتماعية والإنسانية.. لأي إنسان أو عائلة.. أو مع أولاد موجودين على الأرض الفرنسية.. ولو لم تكن معهم أية إقامة نظامية شرعية... وقد صدرت احكام قضائية عديدة ضد الدولة الفرنسية.. ونــفــذت من أجل حماية لاجئين..... ما لا يوجد بأي بلد عربي بالعالم.. وخاصة بالبلاد العربانية النفطية والإسلامية.. حيث لم تستقبل لاجــئــا واحدا خلال كل هذه الأزمات الحربجية الغبية المجرمة, والتي سميت ألف مرة خــطــأ " الربيع العربي " والتي سببت ملايين الضحايا.. ملايين اللاجئين الذين تدفقوا باتجاه البلدان الأوروبية... وليس لدى أخوانهم بالعروبة العرجاء وأبناء عمهم العربان النفطيين والصحراويين, والذين يبذخون ويصرفون المليارات من الدولارات.. بالمواخير الأوروبية.....
إذن كيف تريدونني ألا أحب هذا البلد الذي أعيش بـه منذ أكثر من نصف قرن.. ولا أغيره لقاء الجنة, إن كان بها جــن أو حوريـات.. أو بلا جــن وحوريات.. أحب فــرنــســا وتناقضاتها وغرابات سكانها وتناقضات تعابيرهم وتصريحاتهم وكتاباتهم وأفكارهم وحرياتهم الملونة.. وغضبهم وانتفاضاتهم ولهوهم .. وعادات مدنهم المختلفة... والحريات المتشابكة التي تتجاذبها.. وحرية الفكر والتعبير والعلمانية التي تندرج بها تيارات مطاطية لهضم الإســلام وقبوله كتيارات اجتماعية للنقاش والتحليل, وقبوله من ضمن ألاف المتناقضات الموجودة بالمجتمع الفرنسي.. وثوراتها الاجتماعية والبشرية.. ومنذ أعلن الرئيس Charles De GAULLE نهاية الأنظمة الاستعمارية, ومنح جميع المستعمرات الإفريقية استقلالها, مع إمكانية منح الجنسية الفرنسية لمن يرغب من مواطني هذه المستعمرات.. خلال فترة من الزمن...
تناقشت بهذه الأيام الأخيرة, مع عديد من اللاجئين السوريين الذين وصلوا إلى فرنسا, أو أي بلد أوروبي آخر... كلهم بلا استثناء يصرحون بأنهم كانوا (ميسورين الحال) على حد التعبير المشرقي, يملكون بيوتا وسيارات وتجارة... ولكنهم جميعا يصرحون أنهم (لا يتعاملون بالسياسة) وهذه كانت عادة غالب السكان السوريين.. منذ استقلال البلد... ولهذا كانت والدتي تعتبرنى (ولدا مغضوبا علي) لأنني كنت أمارس السياسة وأكتب وأحكي وأنتقد واعبر... وخاصة أعبر وأدافع عن العلمانية.. وأناقش بحرية المعتقد أو اللامعتقد.. منذ فتوتي وشبابي... وببلدان مولدنا, كان هذا أمرا غير طبيعي... لا يمارسه سوى المغامرين القلائل... لأنه يؤدي إلى فصل من يمارسه عن العائلة والمجتمع... وخاصة السلطة.. أيــة ســلطـة كانت...........
***************
عــلــى الهــامــش :
ــ عجائب وغرائب سياسية
رئيسنا.. رئيسنا هنا وأعني بـه طبعا الرئيس الفرنسي الحالي, فرانسوا هولاند François Hollande والذي يزور كردستان العراق, والعراق المتفجر.. معلنا أنه يزور القوات المتطوعة الفرنسية هناك لمحاربة "داعش"... مع متابعة تصريحاته وتصريحات حكومته, ألا مفاوضات مع بشار الأسد (رئيس هناك الشرعي)... أو ليس هذا أمر عجيب غريب.. وسياسة عجيبة غريبة.. علما أن هذا الرئيس (هناك) هو المقاتل الرئيسي بالصفوف الأولى.. ضد داعش وحلفاء داعش وأبناء عم داعش من ستة سنوات ضارية شرسة؟؟؟... وغريبة عجيبة حروب اليوم.. والتي لم يتبق فيها أي مبدأ, ولا أسباب واضحة معروفة.. ولا أيـة قاعدة إنسانية...
فعلا رئيسنا (هنا) مع احترامي لـه... وخاصة لأنه أعلن عدم ترشيحه بالانتخابات الرئاسية بشهر نيسان وأيار من هذه السنة... يبقى أغرب رئيس عرفته بهذه البلد.....
بــــالانـــتـــظـــار...
للقارئات والقراء الأحبة الأكارم.. هـــنـــاك و هـــنـــا... وبكل مكان بالعالم... وخاصة للقليل النادر الذي تبقى من الأحرار الحقيقيين الذين ما زالوا يدافعون ــ على حساب أمنهم وحياتهم ورزقهم ــ عن الحريات العامة وحرية الفكر والتعبير, وعن العلمانية الحقيقية, وحقوق الشعوب بتقرير مصيرها, ومساواة المرأة والرجل كليا, دون أي استثناء... لـهـن ولـهـم كل مودتي وصداقتي ومحبتي واحترامي وتأييدي ووفائي وولائي.. وأطيب وأصدق تحية مهذبة.
غـسـان صــابــور ـــ لـيـون فــرنــســا