متى ينتهي كتابي عن الإمارات؟

فاطمة ناعوت
2017 / 1 / 3

==============
كلّما قلتُ لنفسي: "ها هي الصفحة الأخيرة في كتابي الجديد عن الإمارات، وغدًا بإذن الله أشرع في مراجعته، ومن ثم أرسله إلى دار النشر"، فوجئت بجديد في تلك البلد المدهشة، يجعلني أزيدُ الكتابً عدة صفحات، فيتأجل صدورَه برهةً أخرى!
“إنهم يصنعون الحياة"، ذلك هو العنوان الذي استقررتُ عليه للكتاب. وما حيلتي وقد كشف العنوانُ عن مضمون الكتاب؟! حيث مفردة "الحياة" تضمُّ بين تضاعيفها "كلَّ" شيء، من علوم وفنون وعقائد وقيم وأخلاق وسلوكات وقوانين وثقافات وإنسانيات. الكتابُ مشغول بكائن جميل اسمه "الإنسان". والإنسانُ ابنُ الحياة. فإن أحبَّ الحياةَ، صنعها، وأعلى من قيمتها، فاستحقّ بهذا لقب: "إنسان"، وإن أهانها وأهدرها، حطَّ من قيمتها، وما استحق إلا لقب: "كائن حيّ". وهذا البلدُ الأمين، دولة الإمارات العربية المتحدة، مشغولٌ بإكرام "الإنسان"، لأن اللهَ في عليائه، قدّ كرّمه، فخلقه وسوّاه على أحسن صورة، ثم أطلقه في الأرض ليُعمّرها، ويُعبّد دروبها، ويُشذّب أحراشَها، ويُهذّب غلاظتَها، ويروّض جموحها. الإنسانُ مرآةٌ لما يصنع. فإن أكرمَ الإنسانُ الإنسانَ، فإنه أولا يكرّمُ نفسَه. وإن أهانَ إنسانٌ إنسانًا، فما أهان إلا نفسَه.
الاستثمارُ في "الإنسان". بناؤه على الصيغة الممتازة التي أرادها اللهُ لنا فوق الأرض، حتى نستحقّ "الحياةَ" التي منحها لنا، وكرّمنا بأن نكون صِنعة يديه، وأن تنبعث أرواحُنا بنفخة من روحه المباركة. تلك هي الرسالةُ التنويرية الطيبة التي جاء بها سمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله وعوّضنا عنه خيرًا، منذ تدشين هذه الدولة الاتحادية الجميلة، وهي الرسالة ذاتُها التي حملها من بعده أبناؤه وآلُه من صُنّاع القرار في دولة الإمارات العربية المتحدة.
قضيتُ جُلَّ هذا العام الآفل، 2016، الذي يوشكُ أن يلملم أوراقَه ويحمل عصاه، ويمضي إلى حال سبيله راقدًا جوار سابقيه سطرًا في كتاب التاريخ، في دولة الإمارات العربية المتحدة: أتأمل .... وأكتب. منذ مارس، وحتى أكتوبر، سبعة شهور كاملة، تخللتها سفراتٌ قصيرة إلى أمريكا وكندا، ولكن المستقرّ كان هنا في مدينة أبو ظبي الوادعة. وكانت المحصلة هذه المخطوطة التي بين يدي، ستتحوّل عمّا قريب إلى كتاب جديد أعتزُّ به، وأرجو أن يكون هذا المقالُ هو خاتمتَه؛ لأختار دار نشر مناسبة، وأدفع به للطباعة، قبل أن تُدهشني صحفُ الغد بمُدهشاتٍ جديدة تصنعها تلك الدولة، فلا ينتهي الكتابُ أبدًا!!
لم تكتف الإماراتُ بتكريس قيم التسامح بين ربوعها، فتجد المسلمَ جوار المسيحيّ جوار الهنودسي جوار البوذي، وتجد الرجل جوار المرأة، والشيخ جوار الصبيّ، والأبيض جوار الأصفر جوار الأسود، يصنعون الرغدَ والسلام والثقافة والحبَّ والقيم في هذا البلد، فلا تُميّز إلا "الإنسان" في هارمونية بشرية متناغمة لا تعرف العنصرية ولا الطائفية ولا تدين إلا للقيم السماوية العليا والسمو الخلقي الرفيع، لم تكتف بهذا، بل قرّرتِ الإماراتُ أن تنشر دعوتها بين ربوع العالم بإطلاق مبادرة عالمية لإفشاء قيم التسامح في الكوكب؛ بإنشاء ما اطلقوا عليه: "المعهد الدولي للتسامح" الذي أعلن عنه مؤخرًا صاحبُ السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة وحاكم إمارة دبيّ. يعمل هذا المعهد على تقديم المشورة وتدريس الخبرات في المجالات السياسية والثقافية من أجل ترسيخ قيمة التسامح بين الشعوب المختلفة ونشر الدراسات والتقارير المتعلقة بالأمر والتعاون مع المؤسسات الثقافية المعنية في دول العالم، من أجل نشر مبادئ التسامح بين الأجيال الجديدة في العالم العربي المرزوء بالمحن والطائفيات والمذهبيات المتناحرة. مبادرةٌ عالمية طيبة أطلقها هذا الشيخ المثقف المهموم بحُسن صياغة الإنسان، كما أمرنا اللهُ، ليس في دولته وفقط، ولكن في مجمل دول العالم. مبادرة "التسامح" ستقوم الإمارات عبرها بتكريم رموز التسامح العالمي في مجالات الفكر الإنساني والإبداع الأدبي والفنون الجميلة، ستتوّج بمنح "جائزة محمد بن راشد للتسامح" من أجل بناء قيادات وكوادر عربية شابة تُكرس تلك القيمة النبيلة: التسامح، وتعمل على الانفتاح على الآخر في العالم العربي.
تحية احترام لتلك الدولة الشابّة المُلهمة، ولقياداتها المثقفين حملةِ مشاعل التنوير والسلام، صُنّاع الحياة. والعُقبى لنا.