تناقضات العهد الجديد المنقح

مهرائيل هرمينا
2017 / 1 / 3

إنجيل يوحنا يقوم يسوع بمعجزته الأولى في الإصحاح الثاني عندما يحول الماء إلى خمرويقال لنا إن «هذه كان أولى المعجزات التي صنعها يسوع»(يو 2 : 11 ). في موضع متأخر من هذا الإصحاح يقال لنا إن يسوع صنع «معجزات كثيرة» في أورشاليم(يوحنا 2 : 23 ). وبعدها، أي في الإصحاح الرابع، يشفي ابن قائد المائة، ويخبرنا المؤلف:«هَذِهِ أَيْضاً آيَةٌ ثَانِيَةٌ صَنَعَهَا يَسُوعُ ...» ماذا؟! المعجزة الأولى، ثم معجزات كثيرة، ثم المعجزة الثانية مرة أخرى؟!يأتينا في «خطبة الوادع» التي ألقاها يسوع، وهي خطبته الأخيرة التي ألقاها على مسامع تلامذته عند تناوله عشاءه الأخير برفقتهم، وتشغل الفصول من 13 إلى 17 بالكامل من إنجيل يوحنا. في العدد يوحنا 13 : 36 يقول بطرس ليسوع:«يَا سَيِّدُ إِلَى أَيْنَ تَذْهَبُ؟» بعدها بعدد قليل من الأعداد يخاطبه توما قائلا: «يَا سَيِّدُ لَسْنَا نَعْلَمُ أَيْنَ تَذْهَبُ فَكَيْفَ نَقْدِرُ أَنْ نَعْرِفَ الطَّرِيقَ؟»(يو 14 : 5 ). ثم بعد دقائق قليلة، وأثناء العشاء نفسه يوبخ يسوع تلاميذه قائلا:« وَأَمَّا الآنَ فَأَنَا مَاضٍ إِلَى الَّذِي أَرْسَلَنِي وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَسْأَلُنِي أَيْنَ تَمْضِي؟»(يو 16 : 5 ). إما أن حيز الانتباه لدى يسوع كان حيزا محدودا جدا أو أن هناك شيئا غير طبيعي يتعلق بمصادر هذه الفصول ما أحدث هذا الشكل الغريب من انعدام الاتساق بينها. في سفر الخروج، يخبر الرب موسى:« وأنا ظَهَرْتُ لإبْرَاهِيمَ وَإسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ بِانِّي الْإلَهُ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ. وَأمَّا بِاسْمِي «يَهْوَهْ»[الرب] فَلَمْ أُعْرَفْ عِنْدَهُمْ.» (خرو 6 : 3 ). كيف يتوافق هذا القول مع ما نجده في موضع سابق، في سفر التكوين، حيث يعَرِّفُ الرب إبراهيم على نفسه باعتباره الرب[أي يهوة]: «أَنا الرَّبُّ [يهوة ]الَّذِي أخْرَجَكَ مِنْ أورِ الْكِلْدَانِيِّينَ لِيُعْطِيَكَ هَذِهِ الأرْضَ لِتَرِثَهَا.»(تك 15 : 7 )؟إله الثأر والانتقام ليس ماركة مسجلة باسم العهد القديم تسجيلا حصريًّا كما حاول بعض المسيحيين أن يزعموا. بل إن إله العهد الجديد هو الآخر إله دينونة وعقاب كما يعرف ذلك تمام المعرفة أي قارئ لسفر الرؤيا. بحيرة الكبريت ملتهبة ومعدة لكل من يتمرد على الرب. هذا يشمل فيما يشمل الاحتراق الأبدي- أي عقوبة دائمة حتى لمن عصى الله على فترات متقطعة خلال عمره الذي دام عشرين عامًا. 20 بليون عاما من التعذيب في مقابل عشرين عاما من العيش في تضاد مع تمليه الشريعة؛ وهذه فحسب هي البداية. هل يجدر بنا أن نصف الرب بهذا؟
لابد أن أؤكد أن العلماء والطلاب الذين يثيرون هذه الأسئلة في وجه هذه الفقرات لا يحاكمون الله نفسه. بل يحاكمون ما يقوله الكتاب المقدس عن الله. البعض من هؤلاء العلماء يواصلون إيمانهم بأن الكتاب المقدس من بعض الأوجه هو كتاب أوحاه الله – والبعض الآخر بطبيعة الحال يتوقف عن ذلك. بل حتى إذا كان مؤلفو الكتاب المقدس من بعض الأوجه أنبياءً موحى إليهم، فهم بلا شك لم يكونوا معصومين تماما من الزلل؛ بل ارتكبوا أخطاءً بالفعل. هذه الأخطاء تتضمن تناقضات واختلافات، وتتضمن كذلك مفاهيم مغلوطة عن الله: من كان وماذا كان يريد منا بالحقيقة. هل كان يريد من المؤمنين به أن يرطموا أدمغة أطفال أعدائهم في الصخور؟ هل يخطط بالفعل لتعذيب غير المؤمنين به لبلايين السنين؟في روايات ميلاد المسيح الواردة في إنجيلي متَّى ولوقا، على سبيل المثال، تظهر القراءة الأفقية للإنجيلين أن متى يحكي قصة الرجال الحكماء حال مقدمهم للسجود أمام المسيح، بينما يحكي لوقا قصة الرعاة حين مقدمهم للسجود أمامه. ليس ثمة رعاة في متَّى ولا رجال حكماء في لوقا. ليس هذا تناقضا: يريد متَّى (لأسباب بالغة الأهمية كما سيبدو جليا) أن يحكي قصة الحكماء ولوقا يريد(لأسباب أخرى مختلفة) أن يحكي قصة الرعاة.
إذن لدينا في هذا الموضع اختلافات ربما لا تمثل تناقضا صريحا لكنها ربما تبدو إلى حد ما وكأنها تمثل اختلافا فيما بين القصتين.
لقد ذكرت من قبل بالفعل قصة تطهير الهيكل الواردة في إنجيل مرقس الإصحاح 11 ويوحنا الإصحاح 2. في مرقس تقع هذه الحادثة قبل أن يموت يسوع بأسبوع؛ لكنها في إنجيل يوحنا تمثل الحادثة العلنية الأولى في فترة رسالة يسوع الكهنوتية التي استمرت ثلاث سنوات. أقول جازما إن هذا الاختلاف لا يمثل تناقضا: فلو كان لديك قدر كاف من الإبداع، لاستطعت أن تجد تفسيرا مقبولا يجعل الروايتين صحيحتين. فكما ذكرت في الفصل السابق، ربما يكون المسيح قد طهر الهيكل مرتين، مرة في بداية خدمته وأخرى في نهايتها. من ناحية أخرى، لا يبدو هذا احتمالا مقبولا كما يشي السؤال التالي نفسه: لماذا لم يلق القبض عليه في المرة الأولى؟ بالإضافة إلى ذلك هذا الأمر يعني أنه لكي تحدث توافقا بين مرقس ويوحنا، فقد كان لزاما عليك أن تكتب نسختك الشخصية من الإنجيل، نسخة تختلف اختلافا جذريا عن الإنجيلين الذين تقرأهما، ففي إنجيلك هناكتطهيران للهيكل لا تطهيرا واحدا.

هناك اختلافات أخرى، في رأي عدد كبير من علماء النقد التاريخي، لا يمكن التوفيق بينها ببساطة من غير أن تستعمل العنف استعمالا فعليا مع النص. سأقوم بتناول بعضا من هذه الاختلافات على مدى هذا الفصل، ولا أريد أن أقطع متعتي بذكر أكثر النماذج طرافة وإمتاعا من بين هذه الاختلافات في هذا الفصل. أما الآن فالنقطة الأساسية التي أريد التشديد عليها هي أن غالبية القراء لا يلحظون هذه الاختلافات لأنهم دربوا على قراءة الإنجيل بطريقة واحدة وهي الطريقة العمودية، أو على الأقل يميلون إلى ذلك، بينما يقترح منهاج النقد التاريخي أنه من المفيد أن يقرأ النص بطريقة أخرى وهي طريقة القراءة الأفقية.

لو كنت أيها القارئ معني بالعثور على التناقضات بنفسك، فيمكنك، في الواقع، فعل هذا بسهولة تامة. اختر قصة من الأناجيل- ميلاد المسيح على سبيل المثال، أو شفاء ابنة يايرس، أو حادثة الصلب أو القيامة- ومهما يكن اختيارك من بين هذه القصص فستنطبق عليه القاعدة في الغالب. اقرأ الرواية في أحد الأناجيل، وأدرج في جدول قائمة بكل ما يحدث على التتالي؛ ثم اقرأ القصة ذاتها في إنجيل آخر، ومرة أخرى دون ملاحظاتك بعناية. قارن، كخطوة أخيرة، بين ملاحظاتك. في كثير من الأحيان تحصل اختلافات بسيطة، لكن في أوقات أخرى كثيرة يكون لها شأن كبير- حتى لو بدت للوهلة الأولى تافهة إلى حد ما. وهذا هو شأن مثالي الذي سأتكلم عنه أولا. القضية موضع دراستنا هي قضية بالغة البساطة وجوهرية إلى حد بعيد ويمكن التعبير عنها في صيغة سؤال مباشر فيما يبدو:

متى مات يسوع؟ أعني في أي يوم صلب يسوع، وفي وقت من هذا اليوم ؟
سيتضح لنا أن إجابة هذا السؤال تختلف باختلاف الإنجيل الذي تقرأه.


بيان استهلالي: موت يسوع في إنجيلي مرقس ويوحنا


هذا بيان للتناقضات بين دفتي العهد الجديد التي أستعملها مرارا وتكرارا مع تلامذتي.[2] إنه «حالة نموذجية» لأن مرقس ويوحنا كليهما قد قدما إشارات واضحة للوقت الذي مات فيه يسوع. وهويموت في وقتين مختلفين بحسب الإنجيل الذي تقرأ فيه.
من الراجح أن مرقس كان أول الأناجيل تأليفا. وقد اعتقد العلماء لأزمنة مديدة أنه قد جرى تأليفه بعد وفاة يسوع بخمس وثلاثين أو أربعين سنة، أي ربما سنة 65 أو 70 ميلاديا.[3]
الإصحاحات العشرة الأولى من إنجيل مرقس: موضوعها خدمة يسوع التبشيرية في الجليل الواقعة في الطرف الشمالي لإسرائيل حيث كان يعلم ويشفي المرضى ويطرد الشياطين ويواجه خصومه اليهود والفريسيين. في نهاية حياته يقوم برحلة نحو أورشليم ليحضر احتفال اليهود بعيد الفصح؛ وبينما كان هناك يلقى القبض عليه ويتعرض للموت صلبا(الإصحاحات 11 – 16 ). لكي تفهموا قضية توقيت الصلب في إنجيل مرقس(وتوقيت يوحنا من وجهة النظر نفسها)، أحتاج إلى أن أتلو على مسامعكم بعض المعلومات العامة. في أيام يسوع، كان عيد الفصح، الذي يقام سنويا، أهم الأعياداليهودية. لقد أسس هذا العيد احتفالا بذكرى وقائع الخروج والتي جرت في زمن موسى قبل ذلك بقرون وذكرت تفاصيلها في سفر الخروج في العهد القديم( خروج 5 – 15). وفقا لرواية الخروج، كان أبناء الشعب الإسرائيلي مستعبدين في مصر لمدة أربعمائة سنة، لكن الرب سمع لبكائهم وربى على عينيه مخلصا لينقذهم وكان موسى هو ذاك المخلص. أرسل موسى إلى فرعون وطالبه، متحدثا نيابة عن الرب، أن «أطلق شعبي.» لكن قلب فرعون كان أقسى من الحجر فرفض الخضوع لأمر الله. ولكي يخضعه الله، زود الله موسى بقوة يستطيع من خلالها أن يرسل على المصريين الأوبئة المرعبة،وكان آخرها هو أكثرها رعبا: أن كل مولود بكر من أبناء المصريين أو من الحيوانات يكون عرضة للهلاك بيد ملك الموت.
وقد أعطي الإسرائيليون إرشادات لكي يجنبوا أبناءهم المصير ذاته. فكل عائلة كان عليها أن تقدم أضحية على هيئة خروف وأن تأخذ بعضا من دمه وأن تنثرها على عضادة الباب وعتبة البيت الذي يعيشون بين جنباته. بعد ذلك سوف يرى الملاك الدم على الباب ويتجاوز (وهو معنى الفعل pass over الذي سمي به العيد) هذا البيت الإسرائيلي لينتقل إلى البيوت التي ليس عليها دم لكي يقتل كل طفل بكر. وهذا ما حدث. أصيب فرعون بالرعب وسمح على مضض للإسرائيليين( ستمائة ألف رجل مضافا إليهم النساء والأطفال) بأن يغادروا البلاد. لكنه بعد انطلاقهم تغير قلبه عليهم فقاد جيشه في إثرهم. تعقب فرعون الإسرائيليين حتى البحر الأحمر –يسمى بالعبري«بحر الرياح العاصفة»- لكن الرب صنع معجزة أخرى فأعطى موسى القدرة على قطع مياه البحر حتى استطاع الإسرائيليون المرور على الأرض اليابسة. وعندما تبعتهم الجيوش المصرية التي تتعقبهم، أمر الرب المياه أن تعود لسابق عهدها وأغرق الشطر الأكبر منهم. وهكذا أنقذ الرب الإسرائيليين من العبودية في مصر. وقد أخبر الله موسى أنه على الإسرائيليين من هذه اللحظة فصاعدا أن يحتفلوا بذكرى هذه الواقعة العظيمة بتناولهم وجبة خاصة أثناء عيد الفصح الذي يحتفلون به سنويا(خروج إصحاح 12 ). في زمان المسيح كان اليهود من مختلف أرجاء المعمورة يأتون إلى أورشليم بغرض الاحتفال بهذا الحدث. في اليوم السابق ليوم تناول الطعام المخصص للاحتفال، كان على اليهود أن يجلبوا خروف الفصح إلى الهيكل في أورشليم، أو أن يشتروا بالأحرى واحدا من هناك، وأن يذبحه الكهنة نيابة عنهم. وعندها كانوا ليأخذوه إلى بيوتهم لكي يعدوا وجبة الطعام. كل هذا وقع في يوم الاستعداد ليوم الفصح.
الآن الوجه المربك الوحيد لهذا الاحتفال يتعلق بالطريقة التي كان اليهود يعبرون بها عن مواقيتهم- وهي الطريقة ذاتها التي يعبر بها اليهود المعاصرون عن التوقيت. فحتى اليوم يوم السبت هو نفسه يوم «السبَّاث» لكنه يبدأ من يوم الجمعة ليلا، حينما يبدأ الكون في الإظلام. وهذا لأن اليوم الجديد في الديانة اليهودية التقليدية يبدأ عند غروب الشمس، أي عند المساء( ولهذا السبب قيل لنا في سفر التكوين حينما خلق الله السماوات والأرض:« وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ ، اليوم الأول » فاليوم كان يتكون من مساء وصباح وليس من صباح ومساء.) وهكذا يبدأ السبت يوم الجمعة مساءً- وكل الأيام في حقيقة الأمر يبدأ على هذا النحو، أي من لحظة الغروب.

وهكذا، في يوم الاستعداد ذبح الخروف وأعدت الوجبة في وقت العصر. وأكلت الوجبة في هذه الليلة والتي هي في حقيقة الأمر بداية اليوم التالي: أعني يوم الفصح. كانت الوجبة تتكون من عدد من الأكلات التي تمثل شكلا من الرموز : فهناك الخروف وهو يرمز إلى الاحتفال بذكرى الذبح الأول للخراف أثناء الخروج؛ وهناك الأعشاب المرة التي تذكر اليهود بمرارة العبودية التي قاسوها في مصر؛ وأما خبز الفطير( وهو خبز يصنع بدون أن يختمر العجين)فيذكرهم بأنه كان لزاما على اليهود أن يهربوا من مصر بدون سابق إنذار حتى إنهم لم يستطيعوا أن ينتظروا أن يختمر الخبز؛ وهناك أخيرا كؤوس متعددة من النبيذ. يوم الفصح إذن كان يبدأ بوجبة المساء ويستمر لما يقارب الأربع والعشرين ساعة خلال نهار اليوم التالي وعصره والذي يأتي بعده اليوم التالي ليوم الفصح.
الآن يمكننا الرجوع إلى رواية مرقس عن موت المسيح. لقد حج يسوع وتلاميذه إلى أورشليم للاحتفال بيوم الفصح. في العدد 14 : 12 من إنجيل مرقس، يسأل التلاميذ يسوع عن المكان الذي يفترض بهم أن يعدوا وجبة الفصح لهذا المساء. أي أن هذا، إذا أردنا صياغتها بطريقة أخرى، كان في يوم الاستعداد للفصح. فيعطيهم يسوع توجيهاته. يقومون بانهاء الاستعدادات وحينما يحل المساء- أي بداية يوم الفصح- يتناولون وجبة الفصح. لا شك أنها وجبة مميزة. يتناول يسوع الأطعمة المشحونة بالمعاني الرمزية ويضفي عليها فوق رمزيتها المزيد من المعاني الرمزية الجديدة. يتناول خبز الفطير، يكسره، ويقول:«هذا جسدي.» ضمنيا هذا يعني أن جسده لابد أن يكسر من أجل الخلاص. ثم بعد العشاء يتناول كأس النبيذ ويقول:« هَذَا هُوَ دَمِي الَّذِي لِلْعَهْدِ الْجَدِيدِ الَّذِي يُسْفَكُ مِنْ أَجْلِ كَثِيرِينَ.»(مرقس 14 : 22 – 25)، قاصدا أن دمه لابد أن يراق.
وبعد أن يأكل التلاميذ طعام الفصح يخرجون إلى ضيعة جَثْسَيْمَانِي من أجل الصلاة. ويجلب يهوذا الإسخريوطي الجنود ويقترف صنيع خيانته. فيؤخذ يسوع ليقف أمام المحكمة قضاتها قادة الشعب اليهودي. يقضي الليلة في السجن وفي الصباح التالي يوقفوه ليحاكم أمام الوالي الروماني بيلاطس البنطي الذي يجده مذنبا ويحكم عليه بالموت صلبا. ثم يقال لنا إنه صلب في اليوم نفسه في الساعة التاسعة صباحا(مرقس 15 : 25). فموت يسوع إذن قد وقع في يوم الفصح، وتحديدا في أول صباح بعد تناوله طعام الفصح.

كل هذه الأمور واضحة وتحكى بطريقة مباشرة لا اعوجاج فيها في إنجيل مرقس، لكن رغم بعض أوجه الشبه الأساسية، فهي تقف على خلاف مع قصة موت المسيح التي يحكيها لنا إنجيل يوحنا والتي تتسم هي الأخرى بالوضوح والمباشَرة. فهنا يذهب كذلك إلى أورشليم في الأسبوع الأخير من حياته ليحتفل بيوم الفصح وهنا كذلك هناك عشاء أخير وخيانة ومحاكمة أمام بيلاطس وأخيرا هناك صلب.

لكن المثير للصدمة في رواية يوحنا أنه في بداية الرواية، وعلى خلاف في ذلك مع ما يقوله مرقس، لا يسأل التلاميذ يسوع عن مكان «إعداد الفصح.» وبناءً على ذلك لا يعطيهم يسوع أي توجيهات فيما يتعلق بإعداد طعام الفصح. صحيح أنهم يتناولون العشاء الأخير معا، لكن يسوع في إنجيل يوحنا لا يذكر أي شئ عن كون الخبز يرمز إلى جسده أو أن الكأس يمثل دمه. بدلا من ذلك يعسل يسوع أقدام تلاميذه وهي القصة التي لا نعثر لها على مثيل في أي إنجيل آخر(يوحنا 13 : 1 – 20 ).

بعد انتهائهم من تناول العشاء ينطلقون للخارج. ويخون يهوذا يسوع، ويظهر أمام السلطات اليهودية ويقضي الليلة في السجن ويوقفونه أمام محكمة قاضيها بيلاطس البنطي الذي يجده مذنبا ويحكم عليه بالموت صلبا. ويقال لنا تحديدا حينما يرفع بيلاطس صوته ناطقا بالحكم:« وَكَانَ اسْتِعْدَادُ الْفِصْحِ وَنَحْوُ الظهيرة. »(يو 19 : 14 ).

الظهيرة؟! في ويوم الاستعداد للفصح؟ أي في اليوم الذي ذبح فيه الخروف؟ كيف يصح هذا؟

في إنجيل مرقس اجتاز يسوع هذا اليوم وهو حي يرزق وأعد تلامذته طعام الفصح وتناوله معهم قبل أن يلقى القبض عليه، وقبل أن يؤخذ إلى السجن ليقبع فيه مدة ليلة وقبل أن يحاكم في الصباح التالي ويعدم في تمام التاسعة صباحا من يوم الفصح.
لكن هذا لا ينطبق على إنجيل يوحنا. ففي يوحنا يموت يسوع قبل يوم من كل هذه الأحداث، أي في يوم الاستعداد للفصح في وقت ما بعد الظهيرة.
لا أعتقد أن هذا الاضطراب هو من النوع الذي يمكن دفعه. لقد حاول الناس عبر سنوات بطبيعة الحال أن يفعلوا ذلك. فأشار بعضهم إلى أن مرقس أشار هو الآخر إلى أن يسوع مات في يوم سماه « يوم الاستعداد»(مرقس 15 : 42 ). وهذا الزعم صحيح تماما- لكن ما أخفق هؤلاء القراء في الانتباه إليه هو أن مرقس يخبرنا بما يقصده من هذه الجملة: إنه يوم الاستعداد للـ«سبت»( وليس الاستعداد للفصح). في مرقس بطريقة أخرى هذا الأمر لم يحدث في اليوم السابق ليوم تناول طعام الفصح بل في اليوم السابق ليوم السبت؛ ويطلق على هذا اليوم يوم«الاستعداد» لأن المرء كان عليه أن يعد الأطعمة ليوم السبت في يوم الجمعة بعد الظهر.
وهكذا يظل التناقض قائما: في مرقس يتناول يسوع طعام الفصح(الخميس ليلا) ويجري صلبه في الصباح التالي. أما في يوحنا فلا يتناول يسوع طعام الفصح بل يصلب في اليوم السابق ليوم تناول طعام الفصح.[4]

أضف إلى ذلك أن يسوع في إنجيل مرقس يتم تسميره إلى الصليب في التاسعة في الصباح؛ لكنه في يوحنا لا يتم الحكم بإدانته قبل الظهيرة، ويؤخذ حينها خارجا يوتم صلبه.

بعض العلماء جادل قائلا إن هذا الاختلاف بين الأناجيل حدث لأن هناك طوائف يهودية مختلفة من اليهود تحتفل بيوم الفصح في أيام مختلفة من أيام الأسبوع. هذا النوع من التفسيرات هو من ذلك النوع الذي يبدو مقبولا ظاهريا إلى أن تفتش وراءه وتتأمله قليلا. صحيح أن ثمة طوائف لم يكن لها علاقة بهيكل في أورشليم كانوا يعتقدون أن سلطات الهيكل تتبع تقويما جرى حسابه على نحو غير صحيح. لكن يسوع في إنجيلي مرقس ويوحنا لا يتم تصويره كعضو في طائفة يهودية خارج أورشليم: لقد كان في أورشليم حيث يذبح الخروف. وفي أورشليم كان ثمة يوم فصح واحد في العام. والكهنة في أورشليم لم يكونوا ليعدلوا تقويمهم وفقا لتقويمات شاذة لمجموعات هامشية ضيقة الأفق وقليلة العدد.

ماذا بمقدور المرء أن يصنع تجاه مثل هذا التناقض؟ مرة أخرى أقول إنها من ناحية قد تبدو كما لو كانت قضية ثانوية تافهة. أعني أنه من يهتم بالفعل إذا كان هذا الحدث قد وقع في أحد الأيام أو في اليوم الذي يليه؟ فالقضية الأكثر أهمية هي أن يسوع قد صلب، أليس كذلك؟
حسنا، هذا الأمر صحيح وغير صحيح في الآن ذاته.

سؤال آخر ينبغي أن يسأل لكنه ليس التالي:«هل صلب يسوع؟» بل كذلك:«ماذا يعني قولنا إن المسيح قد صلب؟»
وللإجابة على هذا السؤال، تفاصيل قليلة مثل قضية التوقيت ويوم وقوع الصلب لها أهمية كبيرة في واقع الأمر.

المثال التالي هو الذي أستعمله دائما لكي أوضح لطلابي أهمية تلك التفاصيل: عندما تقع جريمة قتل في عصرنا هذا، يصل أفراد المباحث إلى موقع الجريمة ويشرعون في البحث عن أجزاء الدليل بالغة الصغر، فيبحثون عن آثار أو بصمات الأصابع أو ضفائر شعر على أرضية الموقع.
ربما ينظر أحد الناس مصطنعا العقلانية إلى ما يقومون به ويبدأ في القول:« ماذا دهاكم؟ أتعجزون عن رؤية الجثة راقدة على أرضية المكان؟ لماذا تفتشون المكان بحثا عن البصمات؟» وذلك رغم أن أبسط الأدلة بمقدورها في كثير من الأحيان أن تكون السبيل إلى حل القضية: لماذا قتل هذا الشخص ومن قتله؟ والأمر نفسه يصدق على الأناجيل. في كثير من الأحيان يمكن لأقل الأدلة أهمية أن تمنحنا مفاتيح بالغة الأهمية تعيننا على معرفة الفكرة التي كانت تدور في عقل المؤلف في واقعة الأمر.

لا يسعني أن أضع تحليلا كاملا لهذا الأمر في موضعنا هذا من الكتاب، لكني سأشير إلى سمة بالغة الأهمية ينفرد بها إنجيل يوحنا الذي هو آخر الأناجيل تدوينا، فقد دوِّن على الأرجح بعد حوالي خمس وعشرين سنة من لحظة تأليف إنجيل مرقس.
إن إنجيل يوحنا هو الإنجيل الوحيد الذي يشير إلى أن يسوع هو«...حَمَلُ اللَّهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ.»(1: 29)ويكررها مرة أخرى بعد هذا العدد بسبع أعداد(يوحنا 1: 36). فلماذا إذن يُقْدِم يوحنا- آخر أناجيلنا تدوينا- على أن يغير اليوم والتوقيت الذي مات فيه يسوع؟ لعل السبب في ذلك هو أن يسوع في إنجيل يوحنا هو خروف الفصح الذي تجلب التضحية به الخلاص من الخطايا. فكون يسوع مثل خروف الفصح حذو القذة بالقذة، كان لزاما عليه أن يموت في اليوم(أعني يوم الاستعداد) والتوقيت(في لحظة ما بعد الظهيرة) الذي يذبح فيه خروف الفصح في الهيكل.
فيوحنا، إذا صغناها بطريقة أخرى، أدخل تغييرات على المعطى التاريخي لكي يرسخ قضية لاهوتية ألا وهي أن يسوع هو حمل الفصح. ولكي يوصل لنا هذه المسألة اللاهوتية، كان على يوحنا أن يخلق بيده تناقضا بين روايته وبين روايات الآخرين.

هذه الدراسة التمهيدية لتناقض واحد فحسب وقليل الأهمية يمكنه أن يقود خطانا إلى العديد من الاستنتاجات التي سأوردها على نحو أكثر تفصيلا في نهاية هذا الفصل.
1- هناك تناقضات بين أسفار العهد الجديد
2- بعض هذه التناقضات لا يمكن التوفيق بينها
3- من المستحيل أن تكون روايتا مرقس ويوحنا كلتاهما دقيقتين من الناحية التاريخية، حيث تتناقض إحداهما مع الأخرى حول قضية توقيت موت يسوع.

لكي نفهم ما كان كل مؤلف منهما يرمي إلى قوله، علينا أن نمعن النظر في تفاصيل كل رواية – وأن لا نتعامل مع أي رواية منهما مطلقا باعتبارها تقول الشيء نفسه الذي تقوله الرواية الأخرى. فيوحنا مختلف تمام الاختلاف عن مرقس في قضية محورية، وإن بدت تافهة ظاهريا. إذا كنا نريد أن نفهم ما يقوله يوحنا عن يسوع على حقيقته، لا يمكننا أن نوفق بين التناقض وإلا ضاعت علينا فرصة فهم مقصده
تناقضات في روايات ميلاد المسيح وحياته


يمكننا الآن أن نتناول بالدراسة عددا من التناقضات بين روايات الأناجيل فيما يتعلق بحياة يسوع التي تبدأ من لحظة الميلاد. لقد قسمت هذه التناقضات تقسيما اعتباطيا إلى حد ما ليظهر أمامنا نوعان من الاختلافات: اختلافات تصيب المرء بالدهشة باعتبارها ذات أهمية خاصة وأخرى قد تبدو نسبيا غير ذات أهمية أو مثيرة للفضول. مرة أخرى أجد نفسي ملزما بالتشديد على أنني لن أتناول كل أمثلة التناقضات التي يمكن رصدها، فهذا يستدعي تأليف كتاب يفوق كثيرا حجم كتابي هذا.


ميلاد المسيح




لدينا روايتان فحسب عن ميلاد المسيح بين دفتي العهد الجديد وهما يتشكلان من الإصحاحات الافتتاحية لإنجيلي متى ولوقا. أما مرقس ويوحنا فيلتزمان الصمت تجاه هذه المسألة(أعني الميلاد من عذراء وأن بيت لحم هي مسقط رأسه وعناصر أخرى من تلك التي تشتمل عليها قصة ميلاد المسيح)؛ في مرقس ويوحنا يطل علينا يسوع كشابِّ يافع. كما لم تُذْكَرْ تفاصيل ميلاده في أي من كتابات بولس أو كتابات المؤلفين الآخرين لأسفار العهد الجديد. من أجل ذلك ما يعرفه الناس عن قصة عيد الميلاد، أو ما يظنون بالأحرى أنهم يعرفونه عنها، مصدره على وجه الحصر إنجيلا متى ولوقا. والقصة التي يتواصل سردها في شهر ديسمبر من كل عام هي في حقيقة الأمر مزيج من الروايتين اللتين وردتا في هذين الإنجيلين، أي أنها توليفة تجمع تفاصيل ذكرت في الإنجيل الأول مع تفاصيل أخرى من الإنجيل الآخر، والهدف من هذا الصنيع هو خلق إنجيل أكبر يحمل بين طياته رواية محكمة متناغمة. وفي الحقيقة، هذه الروايات بحد ذاتها ليست متناغمة على الإطلاق. فهي لا تقدم فحسب قصصا مختلفة تمام الاختلاف عن كيفية ميلاد يسوع، بل إن بعضا من هذه الاختلافات تبدو متناقضة(والبعض الآخر لا يجتاز اختبار المصداقية التاريخية كذلك، لكن هذه قضية أخرى).

أيسر السبل لتوضيح الاختلافات الواقعة بين الروايات هو أن تضعهما في صورة مختصرة. فالأعداد من 1: 18 إلى 2 : 23 من إنجيل متَّى تسير فيها أحداث الرواية كالتالي: مريم ويوسف مخطوبان وفي سبيلهما للزواج وفي هذا الوقت تُرَى مريم حبلى. يوسف الذي يفترض أسوأ الافتراضات يخطط لتطليقها لكن يوحى إليه في حلم أن مريم حبلى من الروح القدس. ثم يتزوجان ويولد المسيح. بعد ذلك يصل الرجل الحكماء من الشرق مقتفين أثر نجم قاد خطاهم إلى أورشليم حيث يسألون عن مكان ملك اليهود المزمع أن يولد. يستوضح الملك هيرودس الأمر فيخبره العلماء اليهود أن ثمة نبوء بظهور ملك يولد في بيت لحم. يخبر الملك هيرودس الرجال الحكماء الذين وصلوا إلى بيت لحم ومرة أخرى يقودهم نجم، هذا النجم يتوقف فوق البيت الذي يسكنه آل يسوع. يقدم الحكماء هدايا من أجله ثم يحذرون في حلم من العودة إلى الملك هيرودس كما قد طلب منهم، بل ليسلكوا سبيلا آخر في طريق عودتهم إلى وطنهم. هيرودس، لأنه الملك، يصيبه هذا الذي سيولد ليصير ملكا بالرعب فيرسل جنوده ليذبحوا كل طفل ذكر من سن عامين فما يزيد في بيت لحم وما حولها. لكن الملائكة تنذر يوسف في حلم رآه. فيهرب ومريم ومعهما يسوع من المدينة قبل أن تبدأ المذبحة ويسافرون إلى مصر. ويبلغ يوسف فيما بعد وهو في مصر في حلم أن هيرودس قد وافته المنية وأن بمقدورهم العودة. لكنهم حينما يكتشفون أن أرخيلاوس، ابن هيرودس، هو الحاكم على اليهودية، يقرران ألا يعودوا، بل أن يذهبوا عوضا عن ذلك إلى الجهة الشمالية من الجليل، إلى مدينة تدعى الناصرة. وهناك في هذه المدينة يترعرع يسوع.

واحدة من الميزات التي ينفرد بها متَّى، والتي تجعله متميزا عن لوقا هي الطريقة التي يؤكد بها المؤلف باستمرار على أن كثيرا من الحوادث قد وقعت «لكي يتم ما قيل بالأنبياء»(الأعداد 1: 22 ، 2 : 6 ، 2 : 18 ، 2 : 23 ).
هذا يعني أن ميلاد يسوع كان تحقيقا لنبوءات الكتاب المقدس. لم يكن لوقا على الأرجح لينكر هذا، لكنه لاذ بالصمت فيما يتعلق به. فثمة مسألتان لم يتفق عليهما لوقا مع متَّى: أن مريم كانت عذراء وأن يسوع ولد في بيت لحم. لكن المثير للدهشة هو تلك الكيفية بدت عبرها رواية لوقا مختلفة عن رواية متى في الطريقة التي أظهر بها هاتين النقطتين.

النسخة الأكثر إسهابا من رواية الميلاد التي للوقا(لوقا 1 : 4 – 2 : 40) تبدأ برواية مطنبة عن إعلان الملاك للمرأة العاقر إليصابات أنه ستلد يوحنا المعمدان الذي هو، وفقا لما ورد في لوقا، أحد أقرباء يسوع(فإليصابات ومريم تربطهما علاقة قرابة ولوقا هو المؤلف الوحيد في العهد الجديد الذي أشار لهذا). يقول لوقا إن مريم هي عذراء مخطوبة ليوسف. فيما بعد سيظهر ملاك لها ليخبرها أنها، كذلك، ستحبل بالروح القدس وستنجب ابن الله. تقوم مريم بزيارة إليصابات التي مضى على حملها ستة شهور والتي يقفز جنينها في رحمها فرحا بزيارة «أم [الـ]سيد.» فتبدأ مريم في ترنيم الرب بطريقة عفوية. ويولد يوحنا ويبدأ أبوه زكريا بعفوية أيضًا في التنبوء. وبعيد ذلك تبدأ قصة ميلاد يسوع في البروز أمامنا.
ويصدر قرار من قِبَل الإمبراطور الروماني أغسطس بوجوب أن يتقدم كل فرد في الإمبراطورية للاكتتاب العام من أجل التعداد ؛ يقال لنا إن هَذَا الاِكْتِتَابُ الأَوَّلُ جَرَى إِذْ كَانَ كِيرِينِيُوسُ وَالِيَ سُورِيَّةَ. وكان على كل فرد أن يعود إلى وطنه الأصلي لكي يتم الاكتتاب. ولأن أجداد يوسف كانوا من بيت لحم(فهو ينحدر من نسل الملك داوود الذي كان قد ولد هنا)، يسافر إلى هناك برفقة مريم خطيبته. وبينما هي هناك تلد يسوع فتقمطه بقطع من الأقمشة وأضجعته في مزود« إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا مَوْضِعٌ فِي النزل». وفي أحد الحقول تزور الرعاةَ جمهرة ملائكية تخبرهم أن المسيح قد ولد في بيت لحم؛ فيذهبون ويسجدون للطفل الوليد. بعد ذلك بثمانية أيام يختن يسوع. وبعدها يقدم يسوع إلى الرب في الهيكل ويقدم والداه الأضحية التي عينتها الشريعة الموسوية من أجل هذه المناسبة. وهناك يتعرف عليه باعتباره المسيح أحدُ الرجالِ الأتقياء الصالحين واسمه سمعان وامرأةٌ طاعنة في السن تقية اسمها حنَّة. وعندما أديا، مريم ويوسف، كل ما طلبته منهما شريعة الرب فيما يتعلق بميلاد الابن البكر، يعودان للناصرة حيث سيتربى يسوع.

«شريعة الرب» التي تتكرر الإشارة إليها طوال هذه الرواية هي سفر اللاويين الإصحاح 12 والذي ينص على أن التقدمات التي تساق إلى الهيكل ينبغي تقديمها بعد ميلاد الطفل بثلاثة وثلاثين يوما.
قبل أن أفحص الاختلافات الموجودة بين الروايتين، لابد أن أشير إلى أن الناقد التاريخي يجد صعوبات حقيقية في الروايتين كلتيهما. في متَّى، على سبيل المثال، ماذا يعني قول البشير إن نجما دل الرجال الحكماء وإن هذا النجم يتوقف فوق أورشليم، ثم ينطلق ثانية ويقودهم إلى بيت لحم، ويقف مرة ثانية فوق البيت المقصود بعينه والذي يعيش فيه يسوع؟ أي نوع من النجوم يفعل هذا بالضبط؟
أهو نجم يتحرك حركة بطيئة لدرجة تكفي لأن يقتفي أثره الرجال الحكماء الماشين على أقدامهم أو الممتطين ظهر بعير لهم ثم يتوقف ليبدأ من جديد، ثم يتوقف ثانية؟ وكيف تحديدا يقف النجم فوق بيت؟ أقول عادة لطلابي أن يخرجوا في بعض الليالي التي تكون فيها النجوم ظاهرة وأن يختاروا واحدًا من أكبر النجوم حجما في السماء وأن يتخيلوا أي بيوت الحي الذي يعيشون فيه سيقف فوقه هذا النجم. جلي أن ما يجري سرده هنا هو حادث إعجازي، ومع ذلك فيصعب جدا استيعاب ما كان يقصده المؤلف من هذا الكلام. لا يبدو أنه نجم حقيقي أو نجم مستعر أو مذنب أو أي ظاهرة فلكية يعرفها الناس من قبل.

من حيث التسجيل التاريخي، لابد أن أشير كذلك إلى أنه ليس ثمة رواية في أي مصدر عتيق من أي نوع تحدثت عن الملك هيرودس وقيامه بقتل الأطفال في بيت لحم أو فيما حولها أو في أي مكان آخر. وليس هناك مؤلف آخر، سواء أكان كتابه جزءًا من الكتاب المقدس أو لم يكن، يذكر هذه الحادثة. فهل هي، مثل رواية وفاة يسوع بحسب يوحنا، عنصر في القصة اختلقه متَّى اختلاقا لكي يثبت قضية لاهوتية ما؟

إن المشكلات التاريخية التي نصطدم بها في إنجيل لوقا هي أكثر وضوحا من هذه. فأولا لدينا سجلات جيدة نسبيا لفترة حكم قيصر أغسطس وليس هناك ذكر في أي مكان من أي تسجيل منها لتعداد للسكان يشمل الإمبراطورية جمعاء فرض لإتمامه على جميع الأفراد أن يتقدموا للاكتتاب العام من خلال العودة لأوطانهم الأصلية. وكيف يمكن لأمر كهذا أن يتصوره عقل؟ أعني أن يعود يوسف إلى بيت لحم لأن جده الأعلى داوود كان قد ولد هناك. لقد عاش داوود قبل ميلاد يوسف بألف عام. أعلينا أن نتصور أنه كان على كل مواطن في الإمبراطورية الرومانية أن يعود إلى وطن أجداده الذين عاشوا منذ آلاف السنين؟ لو أن تعدادًا سكانيا يشمل سكان الكرة الأرضية جرى تنظيمه اليوم وكان لزاما علينا أن يعود كل منا إلى المدن التي عاش فيها أجداده منذ ألف سنة، فأين كنت ستذهب؟ هل يمكنك أن تتخيل الارتباك الشامل الذي سيضرب الحياة الإنسانية الذي سيفرضه هذا النوع من الهجرة الكونية؟ وهل يمكنك أن تتصور أن لا يرد لمثل هذا المشروع ذكر في أي جريدة من الجرائد؟ ليس ثمة أي إشارة وحيدة فريدة لأي تعداد في أي مصدر قديم، باستثناء إنجيل لوقا. فلماذا إذن يقول لوقا إنه كان ثمة تعداد؟ ربما تبدو لك الإجابة واضحة وضوح شمس الضحى في كبد السماء. لقد أراد أن يستولد المسيح في بيت لحم مع أنه على يقين من أن الناصرة هي موطنه. لقد فعل متى الشيء ذاته، لكنه فعله بطريقة مختلفة.

والفروق التي بين الروايتين صادمة للغاية. فكل شيء في الواقع كان قد قيل في متَّى لا نجد له ذكرًا في لوقا، وكل القصص التي رواها لوقا، لا نعثر لها على وجود في متَّى. يذكر متَّى الأحلام التي رآها يوسف والتي لا نجد لها مثيلا في لوقا؛ ولوقا يذكر زيارات الملائكة لإليصابات ومريم والتي نجدها غائبة في إنجيل متَّى. أما متى فينفرد بذكر قصة الرجال الحكماء، وذبح هيرودس للأطفال، والرحلة إلى مصر، وتخطي العائلة المقدسة لليهودية في طريق عودتهم إلى الناصرة- كل هذه القصص مفقودة في لوقا. أما لوقا فقد انفرد بذكر ميلاد يوحنا المعمدان والتعداد الذي نظمه قيصر والرحلة إلى بيت لحم والمزود والنُزُل والرعاة والختان وتقديم الطفل يسوع في الهيكل ثم أخيرا العودة إلى الوطن مباشرة- كل هذه الأمور مفقودة في إنجيل متَّى. ربما متى الآن يقصد ببساطة أن يحكي طرفا من القصة ولوقا يرمي إلى سرد بقيتها حتى إذا حل ديسمبر من كل عام يكون لدينا مبررنا في دمج الروايتين لتكون النتيجة موكب عيد الميلاد ترى فيه الرعاة والرجال الحكماء جنبا إلى جنب ومعهما الرحلة من الناصرة والهروب إلى مصر كلاهما. المعضلة تكمن في أنك لو تنظر إلى الروايات عن كثب، فستجد أمامك اختلافات في وجهات النظر وتناقضات يصعب، بل يستحيل، أن تبعث في أرجائها التناغم.

لو أن الأناجيل كانت على صواب حين صرحت بأن ميلاد يسوع حدث في فترة حكم هيرودس، فإن لوقا لا يمكن أن يكون مصيبا هو الآخر حين زعم أن الميلاد قد وقع حينما كان كيرينيوس واليا على سورية. فنحن نعلم من عدد من المصادر التاريخية الأخرى، من بينها تاسيتوس المؤرخ الروماني ويوسيفوس المؤرخ اليهودي إلى جانب العديد من النقوش القديمة، أن كيرينيوس لم يعتل سدة الولاية في سورية قبل عام 6 ميلاديا، أي بعد وفاة هيرودس بعشر سنوات.

إن مقارنة دقيقة بين الروايتين تظهر كذلك وجود تناقضات داخلية بينهما. إحدى طرق استيعاب حقيقة المشكلة تتمثل في توجيه السؤال التالي: وفقا لإنجيل متَّى، أي مدينة على وجه التحديد كانت هي مسقط رأس الزوجين مريم ويوسف؟ إجابتك التلقائية هي أن «الناصرة» هي تلك المدينة. لكن لوقا وحده ينفرد بهذا القول. لا يذكر متى أي شيء بهذا الصدد. فهو يذكر يوسف ومريم للمرة الأولى لا فيما يتصل بالناصرة، بل ببيت لحم. فالحكماء الذين تبعوا النجم( من المفترض أن هذا حدث في وقت ما)، يأتون إلى بيت لحم ليسجدوا ليسوع في بيته. يبدو جليا أن يوسف ومريم يعيشان هنا. فليس هناك أي ذكر لنُزُل أو لمزود في متى. أضف إلى ذلك أن هيرودس حينما يأمر بذبح الأطفال، يصدر أوامره لجنوده بأن يذبحوا كل ذكر من عمر سنتين فما تحت. لابد أن يشير هذا إلى أن يسوع كان قد ولد قبل مدة من ظهور الرجال الحكماء. وإلا فلن يكون لهذه الأوامر أي معنى: فحتى الجنود الرومان كان بمقدورهم يقينا أن يعرفوا أن طفلا لم يتعلم المشي بعد يتسكع حول ملعب من الملاعب ليس طفلا ولد في وقت ما خلال الأسبوع المنصرم. إذن مريم ويوسف ما يزالان منذ شهور أو حتى عام أو أكثر من عام من بعد ميلاد يسوع يعيشان في بيت لحم. فكيف إذن يكون لوقا مصيبا عندما يقول إنهم من الناصرة وقد عادوا إليها فحسب منذ شهر تقريبا بعد ميلاد يسوع؟ فوق ذلك تخطط العائلة، وفقا لمتى، وبعد هروبها إلى مصر ثم عودتها عند هلاك هيرودس، في البداية للعودة إلى اليهودية حيث تقع مدينة بيت لحم. لكنهم يعجزون عن فعل هذا، مع ذلك، لأن أرخيلاوس هو الآن من يعتلي سدة الحكم، ولهذا يرحلون مرة أخرى إلى الناصرة. في رواية متَّى، لا يعود أصلهم من الأساس إلى الناصرة، بل إلى بيت لحم.

والأمر الأكثر وضوحا مع ذلك هو ذلك التناقض المتعلق بالأحداث التي جرت بعيد ميلاد يسوع. ولو كانت رواية متىَّ عن هروب العائلة المقدسة إلى مصر صحيحة تاريخيا، فكيف تكون رواية لوقا عن عودتهم إلى الناصرة بطريقة مباشرة صحيحة من المنظور نفسه؟
هناك مشكلات كبيرة، إذا قصدنا إلى الاختصار، تتعلق بروايات ميلاد يسوع حينما تفحصها من منظور علم النقد التاريخي. وهناك أمور غير جديرة بالتصديق من الناحية التاريخية وتناقضات يمكن بالكاد التأليف بينها. ولماذا نجد هذه التناقضات؟ ربما بدت الإجابة بديهية لبعض القراء. فما ظل النقاد يطرحونه من أقوال لآماد متطاولة عن هذه الروايات الإنجيلية هو أن الروايتين كلتيهما تحاولان التأكيد على القضيتين نفسيهما: أن أم يسوع كانت عذراء وأنه ولد في بيت لحم. ولماذا ولد في بيت لحم؟ لقد كان متى يعلم من أين تؤكل الكتف: فهناك نبوءة في سفر ميخا في العهد القديم تنص على ظهور مخلِّص في بيت لحم. فماذا كان هؤلاء الكتاب سيفعلون وهم يعلمون حقيقة أنه كان معروف على نطاق واسع أن مسقط رأس عائلة يسوع هي الناصرة؟ لقد كان لزاما عليهم أن يوجدوا رواية تفسر الطريقة التي جاءت بيسوع من الناصرة الواقعة جغرافيا في الجليل تلك المدينة المحدودة جدا من ناحية المساحة الجغرافية والتي لم يسمع بها أحد من قبل، مع أنه في الأساس كان قد ولد في بيت لحم موطن الملك داود الجد الملكي للمسيح. ولكي يرسخ متى ولوقا الاعتقاد بأن يسوع قد ولد في بيت لحم ورُبِّي في الناصرة، يجد كل منهما على حدى حلولا لا شك في أنها تطعن في مصداقية كل منهما في الصميم. لكن المؤرخ بمقدوره أن يكتشف المشكلات التي تشتمل عليها كل رواية على حدى، والقارئ الواعي بمستطاعه أن يرى أنه عندما نوضع هذه الروايات جنبا إلى جنب( أي تقرأ قراءة أفقية)، تبدو كل واحدة منهما مخالفة للأخرى حول العديد من القضايا المحورية.
Jesus, Interrupted: Revealing the Hidden Contradictions in the Bible
(And Why We Don’t Know About Them )
أو
"صوت يسوع المحجوب: كشف تناقضات الكتاب المقدس (وأسباب عدم ملاحظتنا لها
اوردت ترجمة لاحد اشهر متخصصى النقد التاريخى بالنص ربما يقرر عقل البحث ومعرفة مدارس النقد وفتح الانجيل والقراءة مرة اخرى حينها سيستيقظ عقلك ويرى .