قصتى العجيبه مع التاريخ.

حسين الجوهرى
2017 / 1 / 2


1945. كنت فى رابعه ابتدائى "شهادة اتمام الدراسه الأبتدائيه". رحت لأبويا باعيط وقلتله أنا حاسقط مايه المايه. التاريخ ده مش هاضمه ولا فاهم فيه اى حاجه. كان المقرر علينا "تاريخ مصر الحديثه" خسرو والأخشيد ومحمد على ..الخ. تواريخ ومش قادر أحفظ ولا واحد فيهم. أبويا راح جايب لى صديق له وكان مدرس تاريخ. الراجل قعدنى قدامه وقال لى:
.
التاريخ ده عباره عن حكايه. مش انت ممكن تحكى ان خالتك جت وقالت كذا لمامتك اللى راحت لباباك فراح عامل كذا وكذا. اهو ده تاريخ. مش مهم التواريخ دلوقتى دى حتيجى من نفسها بعدين. المهم تسلسل الأحداث أيه اللى حصل بعد أيه. أما ترجمة اللى حصل وفهم معنى الحكايه فده شىء يرجع ليك أنت. اوعى تمشى ورا ترجمة حد تانى عميانى. واحد قال لك "سيد ابن الكلب عمل كذا", ابن الكلب دى رايه هوه مالكش أنت دعوه بيها....بعد ماتسمع كل اللى حصل انت اللى تترجم وتقيّم الأخ سيد.....وبرضه دايما خليك مرن. ترجمتك لموقف النهارده ممكن تغيرها أذا ظهرتلك حاجات تانيه بعدين. يعنى العمليه مش مره وخلصت او حكايه وعدت........... وراح الراجل حاكى لى تاريخ مصر الحديث كله فى أقل من ساعتين. ومن لحظتها واستهوانى التاريخ وبقيت فيه زى اللهلوبه. وفعلا التواريخ نفسها (عقدتى) بقت منطقيه وسهلة الحفظ طالما التسلسل نفسه محفوظ. وطبعا انا وبس اللى يترجم حتى لو كل الناس أحمعت على ترجمه تانيه. (( وده حصل فعلا وبالحرف بعد 22 سنه من هذا اليوم. مايو 67 كنت الوحيد اللى ماشى أصرخ فى الشوارع والمواصلات وف شغلى وأى مكان أتواجد فيه "الراجل البهيم ودانا فى داهيه والزلزال جاى والدنيا حتتطربق على دماغنا". لم يشاركنى الراى/التقييم انسان واحد من المئات اللى تحدثت معهم)).
.
دارت الأيام ومن "الاستقلال التام أو الموت الزؤام" الى اضرابات الطلبه ثم تركى للأسلام 49 ثم أنقلاب 52 والى تأميم القناه 56. هنا كانت نقطه فارقه فى فهمى للأمور. قررت ان مصر لازم حتنضرب. وتحليلى كان جاى من السياق التاريخى للأستعمار مش من عبد الناصر أو روسيا أو أمريكا بيقولو أيه. وحصل فعلا اللى توقعته.
طبعا تاريخ كل حاجه وتطورها أصبح طريقتى الوحيده لفهم الأمور. تاريخ لغات. تاريخ أديان. تاريخ مجتمعات. نقطه فاصله تانيه حصلت لما رحت سنه فى باريس وعرفت أن فيه حاجه أسمها "تاريخ العلوم" وكانت قفلة الحلقه.
.
على مطلع الألفيه تمكنت من وضع كل القطع المتناثره اللى جمعتها من هنا وهناك فى تنظير أسميته "قصة التطور الحضارى للأنسان, الحقائق الغائبه". (سميتها فى الاول قصة الانسان لكن دينا بنتى اعترضت على الاسم بشده). التنظير هو أثبات بصمة الأنسان هى مقومات حياتيه أربعه (الأدوات - اللغه - النظام الأجتماعى - النظره الكونيه). وأثبتت النظريه ايضا ان المقومات الأربعه تجمعهم علاقه وهى (كل مقومه تؤثر فى وفى نفس الوقت تتاثر ب الثلاثه الأخر). تنظير شبههه أحد الفلاسفه بأنه بمثابة جهاز أشعة أكس يستخدمه الطبيب لرؤية خبايا فى الجسد لا يراها أحد بدونه. نشرت مختصر للنظريه بالعربى (الأصل مدون بالأنجليزيه) على مواقع مختلفه.
.
(نقطه أعتراضيه: هذا التنظير هوه اللى بيقدم الاثبات على أن معتقدنا (نظرتنا الكونيه) يدا بيد مع لغتنا الزخرفيه والغير دقيقه والمكتسبه نوع من القداسه لأرتباطها بالمعتقد ينتجون باستمرار, وبغض النظر عن الزمان أو المكان, نظما أجتماعيه قاهره مما يستتبع شللا فى انتاج المتطلبات. اى انه طالما بقى المعتقد ومفاهيمه فى أدمغة الناس فالمجتمع بأكمله سائر لامحاله نحو الهاويه).
.
المهم علشان ماأطولش 60 سنه. لا أتذكر موقف واحد أما عارضته او ساندته الا واثبت الزمن أنى كنت على صواب فى الموقف اللى اتخذته. كما أن ألأغلبيه الساحقه لما توقعت حدوثه تحقق بالفعل. أعزو هذا لألتزامى الدقيق باصول المعرفه وقواعد الأستنباط المنطقى مسلحا فى العشرين سنه الماضيه ب "معرفة" نتائج وأحكام تنظير قصة التطور الحضارى......... ولسّه, فالستار لم يسدل بعد.