الأستانة: الجغرافيا تصير تاريخا

منذر خدام
2017 / 1 / 2

الأستانة: الجغرافيا تصير تاريخاً
منذر خدام
بعض الأماكن تدخل مجال الذاكرة التاريخية صدفة، لكن ما إن تدخله حتى تبقى فيه لفترة طويلة من الزمن، أي تصير تاريخاً. هكذا كانت كل المدن التي جرت فيها مفاوضات حاسمة، أو أبرمت فيها الاتفاقات النهائية التي تقرر بموجبها مصير دولة أو منطقة، أو إقليم، وحتى مصير العالم بأسره. من هذه الأمكنة تشغل مدينة الأستانة عاصمة دولة كازاخستان وضعا نموذجيا، فمن مدينة منسية لا يذكرها سوى أهلها صارت اليوم تحت الأضواء العالمية. فعندما اختيرت لتكون مكان انعقاد مؤتمر للمعارضة السورية تحت مسمى " أستانة1 " قيل في حينه أن زوج إحدى المعارضات التي روجت لأستانة كمكان لانعقاد اللقاء يشتغل في تجارة الأسلحة، وأن كازاخستان هي إحدى الدول التي يتاجر زوجها بأسلحتها. بغض النظر عن صحة هذه الرواية فقد صارت أستانة بمنصتها المعارضة السورية جزء من تاريخ الأزمة السورية، وهي اليوم سوف تعزز طابعها التاريخي هذا من خلال انعقاد " أستانة2" الذي دعت إليه روسيا وإيران وتركيا.
لقد أعلن الرئيس الروسي قبيل رأس السنة الجديدة 2017 عن توقيع ثلاث اتفاقيات بين الحكومة السورية وبعض فصائل المعارضة المسلحة( الفصائل الرئيسة السبع) التي لتركيا دالة عليها ، تقضي الاتفاقية الأولى بوقف شامل للأعمال العدائية على كامل الجغرافيا السورية باستثناء مناطق تواجد داعش والنصرة(فتح الشام).أما الاتفاقية الثانية فتنص على إجراءات الرقابة والتحقق على وقف الأعمال العدائية من جميع الأطراف المشمولة، والتي سوف تتولاها روسيا وتركيا، في حين ركزت الاتفاقية الثالثة على الشروع في حوار سياسي " سوري – سوري " لحل الأزمة السورية. اللافت في هذه الاتفاقيات بداية؛ أنه تم التوصل إليها من خلال حوار روسيا مع المجموعات المسلحة برعاية تركيا، وبغياب الطرف الحكومي سوري، مع أنه، كما قيل، كان يتم إعلامه بمجريات المباحثات. ثانيا؛ غابت المعارضة السياسية السورية بجميع أطرافها وبصورة خاصة منصة الرياض عن المباحثات في تجاهل واضح لها من قبل الروس. وثالثاً؛غابت الأمم المتحدة ممثلة بمبعوثها إلى سورية عن إعداد وتوقيع الاتفاقيات الثلاث، وسوف تغيب أيضا عن لقاء الأستانة كما يبدو . ورابعاً؛ وهذا مهم أيضا ، غابت أمريكا عن إعداد الاتفاقات الثلاث، وعن توقيعها أيضا، واكتفت بعلم وخبر حصلت عليه من خلال مجلس الأمن الذي صادق عليها بطلب من روسيا، وليس مستبعدا أن تكون حصلت عليه من خلال تركيا قبل ذلك. وخامساً؛ تم تحييد كامل لمجموعة دعم سورية (مجموعة العشرين) وكأن الروس يقولون لهم " كثرة الطباخين حرقة الطبخة في السابق، ولن يسمحوا لهم بعد الآن بحرقها من جديد".
بعد معركة استعادة السيطرة على حلب من قبل الجيش السوري وحلفائه وبدعم روسي فعال، كان النظام يريد أن يتوجه غربا ليفتح جبهة إدلب، وهذا ما كان يتوقعه كثير من المراقبين لحالة الصراع المسلح في سورية، لكن الروس قالوا بصورة حاسمة لا جبهة أخرى قادمة، بل وقف شامل لإطلاق النار على كامل الجغرافيا السورية، والبدء بحوار سياسي " سوري – سوري " لحل الأزمة سياسياً. لقد كان واضحاً لأي متابع حصيف لمجريات الأزمة السورية أن التدخل العسكري الروسي المباشر في الأزمة السورية، قبل نحو عام ونيف من الأشهر، قد غير مجرى الصراع المسلح فيها بصورة حاسمة، بل وغير الخيارات السياسية أيضا لكثير من المتدخلين فيه، وبدلا من أن تٌراه المعارضة السياسية السورية بصورة صحيحة وتحلله، وتبني من ثم خياراتها السياسية على الفرص الجديدة التي خلقها اكتفت بالشتم والسب وتوصيفه على أنه احتلال، وقد جاء أصلا( بحسب زعمها) لكي ينقذ النظام من الانهيار(كذا). لقد كان من نتائج التدخل الروسي المباشر في الأزمة السورية منع انهيار الدولة السورية، وهذا مهم جدا، ودفع باتجاه الواقعية السياسية في التعامل مع الأزمة، في تأكيد قوي لمقولة طالما رددت من قبل أطراف عديدين، وبصورة خاصة من قبل روسيا، بأن لا حل عسكري للأزمة السورية بل حل سياسي، لكن هذه المرة حل سياسي وفق التصور الروسي له. من أولى ملامح هذه الواقعية السياسية أن مقولة تنحي الأسد قبل المرحلة الانتقالية، أو في بدايتها، وحتى في نهايتها، قد سحبت من التداول كمطلب رئيس، لكنها بقيت لدى بعض الأطراف وخصوصا لدى معارضة منصة الرياض، كورقة تريد توظيفها في المفاوضات السياسية لتحقيق تنازلات معينة من قبل النظام. وتالياً؛ صار الروس و النظام يعدون بعض مجموعات المعارضة المسلحة ( المجموعات السبع) قوى معتدلة ، مع أنهم كانوا يضعونها، حتى حين، في خانة القوى الإرهابية، وقد فاوضها الروس في تركيا وتوصلوا معها إلى الاتفاقيات الثلاث المذكورة أعلاه، وسوف يجلس معها ممثلو النظام وجها لوجه في الأستانة للتفاوض. وثالثا؛ صارت المعارضة المسلحة، بعد هزيمتها في حلب، أيضا أكثر واقعية، و قبلت التفاوض المباشر مع النظام برعاية روسية تركية إيرانية.
ويبقى السؤال ما هي حظوظ لقاء الأستانة من النجاح ؟ وهل يمكن تحقيق السلام في سورية بدون موافقة أمريكا وبعض حلفائها الإقليمين؟ للجواب عن هذين السؤالين وغيرهما من أسئلة ينبغي النظر في أهداف كل طرف متدخل في الأزمة السورية وماذا حقق له الصراع المسلح منها؟. لكن قبل ذلك نحن بحاجة إلى التأكيد مرة أخرى، في سلسلة مرات عديدة، أنه من المستحيل في ظروف الصراع في سورية وعليها، صيغة الغالب والمغلوب بالنظر إلى طبيعة المصالح الدولية المتقاطعة على الجغرافية السورية فهي لا تقبل بهذه الصيغة ولن تسمح بها، ولذلك تمت إدارة الأزمة طوال الفترة الماضية بحيث يتأسس الحل السياسي في نهاية المطاف على صيغة لا غالب ولا مغلوب. بطبيعة الحال السوريون كلهم مهزومون وخاسرون لأن الحرب جرت على أرضهم فدمرتها، وأصابت النسيج الاجتماعي بتهتك فظيع يحتاج إلى سنين طويلة لكي يشفى منها. هذه النتيجة المأساوية هي كانت الهدف الرئيس بالنسبة لأمريكا وحلفائها الغربيين لكي تقضي على أي دور فاعل لسورية في المنطقة لعقود من السنين حفاظا على أمن إسرائيل ومصالحها، وفي النهاية لا يمكن أن يتحقق الحل السياسي المنشود بدون موافقة أمريكا. يبدو لكثير من المراقبين والمحللين وكأن أمريكا قد تخلت عن دورها في سورية للروس، وهذا صحيح من حيث الشكل على الأقل. فإذا كانت صحيحة فرضية أن هدف أمريكا في سورية كانت تتكاثف في تدمير قدرات سورية، واستنزاف إيران وحزب الله، والقضاء على سمعة هذا الأخير كحزب مقاوم ليصير حزب طائفي لا أكثر، وإزاحة النموذج الذي مثله في الوعي العام العربي، فقد تحققت جميعها، وصارت ،من ثم، سورية عبء تم تسليمه لروسية لكي تغرق به أكثر وهي تحاول علاجه.
أما بالنسبة إلى روسية فإن الأزمة قد رفعتها لتؤدي دور القطب على المسرح الدولي الموازي لأمريكا، وصار صوتها وحضورها الدولي من مسلمات السياسة الدولية العامة وهذا مهم جدا بالنسبة لها، بعد أن أزلتها أمريكا في البلقان وفي ليبيا وفي اليمن وفي غير مكان.
بدورها إيران قد حالت دون سقوط النظام مما يسمح لها لاحقا بالحفاظ على مصالحها الإستراتيجية في أي حل سياسي قادم ،على الأقل في المدى القريب والمتوسط. لقد نجحت إيران في تحميل تدخلها على سياسة محاربة الإرهاب كما فعل النظام وهي تدرك أن هذه السياسية سوف تنجح، وهي تطمح بلا شك لربط مصالحها في العراق وسورية ولبنان وربما في ساحات عربية أخرى من خلال الحلول السياسية القادمة.
المستفيد الأكبر من فرصة تحقيق الحل السياسي للأزمة السورية هو تركيا، وذلك بعد أن تفجرت مشكلاتها الداخلية، وهي سوف تناور بموقعها ودورها لتحقيق مصالحها وهي بصورة عامة لا تتعارض مع مصالح النظام. في الواقع أي حل سياسي للأزمة السورية من غير الممكن تحقيقه بدون مشاركة تركيا فيه وهذا ما يفهمه جيدا الروس وكذلك الإيرانيين و النظام أيضاً.
دول الخليج العربي وتحديدا السعودية وقطر التي حملت مشروعها السياسي على قوى التطرف والإرهاب تبدو للوهلة الأولى قد خسرت، لكنها لا تزال تملك أوراق قوية يمكنها المناورة بها من قبيل أوراق الاستثمار في إعادة الإعمار. ويبدو هذا ما تريد أن تفعله أيضا الدول الأوربية التي اشترطت مساهمتها في إعادة الإعمار بتحقيق تغيرات جوهرية في بنية النظام السياسي.
يبدو للوهلة الأولى أن النظام هو الرابح الأكبر من التدخل الروسي ومن النتائج التي انتهى إليها الصراع مع إعلان وقف العمليات القتالية نهاية عام 2016، حتى ولو قدم بعض التنازلات لجهة انفتاح النظام أكثر على المشاركة ، لكنه بلا شك سوف يكون الخاسر الأكبر على المدى البعيد نسبيا (ربما بعد عام 2021)، مع أنه سوف يحاول الاستمرار من خلال تجديد نفسه بحلي جديدة لا تغير من جوهره. لكن سوف يأتيه العقاب الشديد مثله من مثل جميع القوى السياسية الاستبدادية( أغلب قوى المعارضة استبدادية) عندما يتاح للشعب السوري أن يدلي بصوته بحرية وشفافية في الانتخابات التي سوف تشرف عليها الأمم المتحدة كما هو متوقع في أي حل سياسي قادم.
قد تكون المعارضة السياسية الخاسر الأكبر، تشاركها في الخسارة المعارضة المسلحة لجهة هزيمة مشروعها السياسي الإسلامي، لكنها سوف تستفيد في المدى القريب والمتوسط من خلال انفتاح النظام وإمكانية مشاركتها في الحكم. لكنها كما النظام سوف يأتي عقابها الشديد من الشعب في أول انتخابات ديمقراطية نزيهة كما هو متوقع.
ويبقى الشعب السوري المستفيد الأكبر من تحقيق الحل السياسي للأزمة إذ سوف يتوقف القتل والتدمير، وسوف يبدأ بمداواة جراحه، وإعادة إعمار بلده، وفي نهاية المطاف سوف يعود ليصير المقرر لجميع خياراته السياسية من خلال صندوق الاقتراع.
باختصار جميع الأطراف لها مصلحة في الحل السياسي، من هذا المنطلق أميل إلى أن لقاء الأستانة سوف ينجح، خصوصا إذا صحت بعض المعلومات التي تفيد بأن جميع أوراق المؤتمر قد أعدت سلفا ومتفق عليها وهي تحتاج للإخراج والغطاء الأممي فقط ، وهذا يمكن أن يحققه لقاء جنيف القادم.
ما قمنا به من قراءة لحال الأزمة السورية بعد معركة حلب لا يعني أبدا أن جميع العراقيل قد أزيلت من طريق الحل السياسي، وان جميع الأطراف سوف ترضى بما قسم لها، إذا لا تزال أوراق عديدة وقوى عديدة يمكنها أن تخربط المشهد برمته لكن إلى حين.من هنا الرهان الكبير اليوم على جدية التدخل الروسي والتعاون مع تركيا وإيران، لأن عودة الصراع المسلح ثانية سوف يصعب عندئذ إيقافه بدون صيغة جديدة قد تكون أقرب إلى صيغة الغالب والمغلوب، مع تموضع جديد لكثير من الأطراف في جهة الغالب.2/1/2017