التغريب والياس في قصيدة -يا صاحبي السجن- مفلح أسعد

رائد الحواري
2017 / 1 / 2

التغريب والياس في قصيدة
"يا صاحبي السجن"
مفلح أسعد
بعث الشاعر "مفلح اسعد" مجموعة من القصائد للاطلاع عليها، لن أقول لا أدري من أين يأتي هذا اليأس/السواد، فحاضرنا يبث السموم في الهواء، حتى بتنا نجدها في كل مكان، في البيت، في العمل، في الشارع، وحتى في أحلامنا، سموم تأتينا على طبق بهي مزخرف، إن كانت تحمل الفكرة الدينية أو فكرة الديمقراطية، فكلاهما مزقنا وشردنا وجعلنا نتيه في صحراء نبحث فيها عن ماء، لكن هيهات.
"مفلح اسعد" يستحضر القرآن الكريم في نصوصه، ولا يقحمه في النص الشعري ـ وهذا يحسب له ـ فيأتي التناص بشكل انسيابي سلس، يرفع مكانة اللغة وأيضا يقدمنا من الفكرة ويعمقها في النفس، يبدأ الشاعر قصيدته:
"يا صاحبي السجن
الليل طويل جدا
والصبح بعيد
يا صاحبي السجن
استبعد أن يسقى احد منكم ربه
الكل ستأكل طير الشدة من رأسه"
كلنا يعرف قصة صاحبي السجن في قصة يوسف، فأحدهما تأكل الطير من رأسه والثاني يسقي ربه، لكن الشاعر غرب الحدث، وجعلهما معا ينتهيان إلى "تأكل الطير من رأسه" وهذا التغريب للقصة يجعلنا نتوقف عندها، عن السبب وراء هذا السواد المطروح، يجعلنا نفكر فيما آلت إليه أحولنا، إلى أين نسير وأين وصلنا، وهنا تكمن فكرة الشاعر، في جعلنا نفكر فيما نحن فيه، فيما نقوم به، فيما نطرحه، وكأنه بتغريب قصة "صاحبي السجن" ينبهنا إلى ضرورة التوقف هنا، يكفينا ما وصلنا له، فالليل طويل جدا، والصبح بعيد جدا، حسم/قضي الأمر الذي فيه نستفتي.
ربط الحالة العامة بحالة خاصة جاء من خلال هذا المقطع الذي يتحدث عن الأسير الفلسطيني "سامر العيساوي" الذي أضرب عن لطعام لأطول مدة في تاريخ البشرية، لكي يجبر المحتل على اطلاق سرحه:
"يا عيساوي
أستيأس منك ولاة لأمر
وأستخلصك العداء لأنفسهم لن تبرح سجنك ما دام الأرباب هم الأرباب
فعليك سلام الله
الآن بلادك يحكمها ربان
رب يكتال لنفسه
ويسارع قبل نفاذ المخزون
والآخر يحتكر أسم الله
ويبث الفرقة والعصيان
ما أكثر آلهة الشعب
علمانيون ودينيون
علمانيون يهجون العلمانية
أحلام الطير تفوق ثقافتهم
والدينيون يدينون الحسنى
ويظنون السوء" إذا ما تمعنا فيما سبق نجد "مفلح أسعد" يتجاوز الحالة الفلسطينية منتقلا إلى الحالة العربية، فهو يجعل من "سامر العيساوي" الذي يعتبر طفرة في زمن التقهقر، والذي يعبر عن قدرة الإنسان على المواجهة والانتصار، جعل ما قام به "العيساوي" هباء منثورا، فرغم أنه فعليا خرج من السجن واستطاع أن يفرض صموده على الجلاد، إلا أن الشاعر غرب الحدث وقلب البياض إلى سواد، وكأنه بهذا التغريب يحذرنا من الانقياد وراء كل من الطرفين/الربان اللذان يبثان الخراب والدمار والقتل والتشرد في بلادنا، المدعان الفكر "الديني والعلماني" فكلاهما ربان، يبحث عن ذاته، عن مصالحه فقط.
إذن الشاعر يرى عبثية الفعل الايجابي، ويغرب/يجعل كل ما هو أبيض أسود، لكن في ظل هذا السواد، وفي ظل وجود الأرباب/الأصنام إلى أين نتجه؟ ومن يخلصنا من هذه الأوثان، ليجعل حياتنا بيضاء/سلام/أمان ورخاء؟
يجيبنا الشاعر على هذه الأسئلة:
"رحم الله الأرض
من أين سيأتيها النور"
قد يسأل البعض: هذه ليست اجابة؟، هذا سؤال وليس جواب، ونقول نعم الاجابة جاءت بهذا السؤال، ضمن السؤال، فليس من واجبات الشاعر أن يقدم الحلول، بل من واجباته أثارة الأسئلة، اثارة التفكير فينا، وعلينا نحن المتلقين التعب في البحث عن الجواب/عن الحل/عن الخلاص، فالنور/البياض نحن من يصنعه وليس الآخرين.
ونذكر هنا أن الشاعر لم يهمل ضرورة الإيمان، ضرورة التجاءنا إلى المخلص/إلى الله، فهو من سيمدنا بالرحمة التي نرحم بها الجهلاء.