لماذا تقاتل روسيا في سوريا

جعفر المظفر
2017 / 1 / 1

لماذا تقاتل روسيا في سوريا
جعفر المظفر.
ليس هناك من سبيل لإنكار أن العامل الإقتصادي هو من أهم الأسباب التي تؤسس للحروب, غير ان التوقف أمام أهمية هذا العامل بِنِيَّة التعرف على الأسباب الحقيقة التي تقف خلف التدخل الروسي في سوريا يأتي في بعض الأحيان لغرض التقليل من أهمية الأسباب الحقيقة التي دفعت روسيا لأن تتدخل في هذه الساحة المعقدة والعنيفة والمليئة بالمخاطر, بما ينال من نواياها بتوصيفها كدولة تتحرك بقوة أطماعها وليس لسبب آخر.
لقد سمعنا في هذا السياق من أخبرنا بقصة إنبوب الغاز الروسي المنافس للإنبوب القطري, وكيف أن الدولتين, الروسية والقطرية, تقفان بالضد من بعضهما البعض لأجل كسب المعبر السوري وصولا إلى أوروبا. ثم يأتي من يخبرنا أيضا أن روسيا وضعت عينها على آبار النفط السورية المفترضة في البحر الأبيض المتوسط, رغم أن سوريا لا تملك منها إلا القليل مقارنة بإسرائيل ولبنان, إضافة إلى أن مخزون روسيا النفطي كبير جدا بحيث يعفيها تماما من الدخول في اية حرب من أجل هذه السلعة .
وثمة حديث أيضا عن الأهمية الإستراتيجية للقاعدة البحرية الروسية شمال طرطوس إلا أن من الصواب الإعتقاد أن روسيا لن تجازف بالدخول إلى حرب قد تكون تبعاتها أخطر بكثير جدا من المكاسب التي تحافظ عليها من خلال بقاء هذه القاعدة. وستخبرنا سعة الأساطيل البحرية الروسية المتواجدة في كل بحار العالم ان روسيا قادرة على التعويض عن خسارتها لهذه القاعدة.
إن الحروب نوعان, أولاهما الحرب الساخنة التي تدخلها الجيوش والأسلحة في مواجهة بعضها البعض والثانية الباردة التي يتقاتل فيها الأضداد بكل الأسلحة ما عدا العسكرية منها, وهناك أيضا الحروب بالنيابة التي تدخل في خانة الحروب الباردة, والتي تشعلها او تدعمها الدول الكبرى لكسب صفحات الحروب الباردة ضد بعضها البعض. ولنتذكر ان واحدة من أضخم وأعظم الإمبراطوريات في التاريخ وهي الإتحاد السوفيتي كانت أسقطتها الحرب الباردة, أما السلاحين الأخطر اللذين إستعملها الغرب ضد السوفيت فكان سباق التسلح أولا الذي أنهك الخزينة السوفيتية وجعلها عاجزة عن إنجاز اية تحولات داخلية تمنع إنهياراتها الإجتماعية وكان الثاني إنهاكها بالحرب في أفغانستان عن طريق الجهاد الإسلامي الذي إعتمد كثيرا على المتطوعين المقاتلين في صفوف قاعدة إبن لادن المصنفة كمنظمة إرهابية.
إن إنهيار الإتحاد السوفيتي لم يوقف الحرب الباردة بين الشرق والغرب وما كان بوتن بحاجة إلى من يخبره أن روسا الإتحادية ذات الأربعة وثمانين كيانا إتحاديا ما زالت مستهدفة وإن النية موجودة للعمل على إستمرار تفكيكها وإلهائها بحروب داخلية في خواصرها الإسلامية الرخوة تمنع نهوضها مرة أخرى كدولة عظمى وكوريث قطبي للإتحاد السوفيتي.
ولقد صارالروس أمام الحقيقة التالية :
إن المتطرفين المسلمين كانوا الأداة الرئيسة في الإجهاز النهائي على الإتحاد السوفيتي بعد الخسائر التي قدمها الإتحاد في افغانستان.
بوتن, إبن (الكي جي بي) والأكثر خبرة بوسائل تآمر الغرب على بلده يعلم من خلال التجربة المرة إن بقاء روسيا موحدة إضافة إلى المحافظة على أمنها الإجتماعي مرتهن كثيرا بالساحة السورية الذي يشكل إنتصار الإسلام السياسي على أرضها نصرا أكيدا لمجموعة من القوى والدول المعادية لها وعامل دفع لقوى التطرف الإسلامي في داخلها, وهي لا تميز بين إسلام سياسي معتدل وإسلام سياسي تكفيري, وهو في هذا يشبه كل أولئك الذين يعلمون أن هذا من ذاك, وذاك من هذا.
روسيا بتكوينها الدستوري دولة إتحادية تضم 84 كيانا منها فدراليات ذات أغلبية مسلمة كبيرة (يقيم المسلمون في منطقتين رئيسيتينّ وهما منطقة الفولغا والتي تقع في قلب البلاد، ومنطقة القوقاز الشمالي التي تقع في الجزء الجنوبي الغربي من البلاد، وتضمّ كلّاً من داغستان والشيشان وإنغوشيا وغيرها.
أما النسبة العامة إلى عدد السكان الإجمالي فتصل إلى أكثر من 10%من سكانها البالغ تعدادهم 140 مليونا, وكعادتهم فإن المسلمين يتزايدون بمتتالية هندسية في حين ان المسيحيين يتكاثرون بالقطارة وبواسطة أطفال الأنابيب !! وتشير بعض المصادر أن سكان روسيا من المسلمين يتكاثرون بمعدلات انفجارية تطلقها معدلات مواليد المرأة الواحدة من المسلمين التتار، أو الشيشان، أو الأنغوش، والتي تبلغ نحو ستة مقارنة بمعدلات الولادة المنخفضة بين الروسيات من أصل سلافي.
من ناحية أخرى لا يشكل (الشيعة الروس) سوى نسبة ضئيلة من سكانها المسلمين في حين تصل نسبة (السنة) إلى 95% من هؤلاء السكان, وبوتن يعلم تماما إن الإرهاب هو الإبن الشرعي للمذهب الوهابي الذي يشكل إنتصاره على الساحة السورية هزيمة إستراتيجية لأمن ووحدة روسيا, لذلك فهو يحسب ان إيران الشيعية لا تشكل خطرا حقيقيا على أمنه الداخلي أو على وحدة أراضيه, بل هو على العكس من ذلك يرى أن إختلاف إيران مع دول الإسلام السني يعمل في خدمته ولذلك فهو يميل للتحالف مع إيران في مجابهة الدول التي تهدد أمنها ومصالحها.
بوتن آخر من يتسامح مع خطر الإسلام السياسي ومع الدول التي تقف خلفه وفي المقدمة منها السعودية وقطر, هو أكثر من يعرف وبالتفاصيل مكامن الخطر على بلاده.
وهو ليس بحاجة إلى من ينبهه إلى خطر الإسلام السياسي, فقد كان, يوم إنهيار الإتحاد السوفيتي, هناك من موقعه في الكي بي جي يراقب مصدر الخطر وقد عرف جيدا من أين أتت الريح, وحين يحسب معطيات الساحة السورية فهو يكاد يرى فيها نسخة تقريبية من أفغانستان ذاتها, لكنه يحسب أن الخطر الإسلامي سيهدد قلب الكيان الروسي وليس خواصره الرخوة فحسب .
إن (روسيا) تقاتل في (سوريا) من أجل (روسيا) ولذلك فهي لا تعطي أذنا صاغية لأصوات المثقفين من أمثالنا الذين يحسبون, من مواقعهم وموروثهم وتنظيراتهم الإنسانية المفتوحة, حسابات خاصة قد تؤدي في النهاية إلى الوقوف في موقف وسطي متأرجح لا يملك قدرة القرار في أمور يتوقف عليها وجود وإستمرار الأمم.
البعض يعتقد أن روسيا تقف مع إيران وبشار الأسد في حربهما ضد (الشعب السوري), هكذا دون أي حساب حقيقي للمصالح الروسية الإستراتيجية الخطيرة, في حين يكون من حق بوتن أن يعتقد أن إيران وبشار الأسد هما اللذان, عند حساب الأرباح, من يقف معه لحفظ أمن روسيا ووحدة أراضيها.
لنتذكر أن بوتن ليس إبن عم بشار ولا إبن خالة خامنئي ولا إبن عمة حسن نصر الله.
بل هو إبن عم نَفسِه .. وإبن خالتها أيضا, وهو هناك في سوريا يخوض المعركة من أجل روسيا وليس من أجل سوريا