وقفات مع مقولات من كلام الصوفية -7-

إبراهيم الوراق
2017 / 1 / 1

وقفات مع مقولات من كلام الصوفية
الوقفة 7‏
وهكذا يكون كل الناس صوفيين بما أوردناه من تفريق بين مناطات المعنى، وتحديد لمساحات ‏المجلى، لأن التصوف يظهر أثره في فلسفة التعامل مع مركب المعاني الذاتية، وكيفية بناء نسق ‏التمازج مع الصور الموحدة للحقائق الإنسانية. وإذا انجلت لنا هذه الحقيقة التي تجمع شتاتنا، وترمم ‏قلاعنا، فلا محالة، سنلمس طريقا يفسر لنا تنوع الظواهر الروحية، وتعدد طرق معانيها ‏العرفانية، وتماثل حقائقها في التجارب البشرية، وتشابك أعراضها في الظواهر الاجتماعية، ولو ‏بدت لنا خصوصياتها متنافرة، وغدت غاياتها متصارعة، لأن الإيقان بمقتضى التعدد في صور ‏اليقين، يجعلنا روحانيين، ويصيرنا متعالين، ولو غرقنا في يم الماديات، وولغنا في وحل الشهوات، ‏وشربنا صديد الغفلات، لأن المعنى الذي يسيطر على الذوات في جنوحها نحو يم المجهول، ومهما ‏كان قعره متضائلا عند الأفول، لا يتأتى لنا فهمه إلا إذا جعلنا تناقضه روحا تجري علينا أقدارها ‏التابعة لمقامنا في الوعي، ومثالنا في الجري. وهنا نكون قد أقمنا الحجة على وجود مشترك بين ‏نوازع الاكتساب في دائرة البشر، ولو اختلفت المنابع، والمشارب، والآبار، لأننا لا نثير سؤال ‏الله إلا في الأماكن المجللة بالآلام، ولا نفقه ضرورته إلا في زمن الآثام. وما لم يكن هذا السؤال ‏نابعا من عناء الإنسان، وضجره، فإنه لن يتحدد له سير في الطريق الموصل إلى مورد طبعه، ‏وحقيقته. لكن أين يتجلى الفرق بين السبل التي نختار منها بكدنا سبيلا واحدا، نجعله مسيرا ‏لأنفاس تتفتق فينا طرائق قددا.؟
‏ إن الإجابة عن هذا السؤال ليس هدف قصدنا، ولا غاية أملنا، بل نعني أن السبيل الواحد ‏الذي يقطع في نجدنا زفير المطالب، لا يؤدي في اعتبار كثير ممن دافع عن وحدته إلا إلى النهاية ‏المقدرة بالفراسخ، والأميال، والوهاد، والسهوب، لاسيما إذا غشي الأماكن ظلام، وتجهم، وكآبة، ‏وضباب. كلا، بل السبيل في أوضاعه الحقيقية التي يفرضها الوضع اللغوي الدقيق، لا يفضي في ‏أنظار تحدس المعنى العميق، إلا إلى تصور الجهة عند مدرك القصد على التحقيق، وهي في نتيجتها ‏انحراف عن مغرب الشمس إلى مشرقها عند الرؤية، وانجذاب إلى الأين في كون لا تحده ‏الأنظار، ولا الفكرة، لأن السبل المتعددة فينا بالحد، والناحية، ولو ظهرت لنا متكاثرة في ‏النهاية، هي التي تؤدي حقيقة إلى الكنه المقصود بماهية الرعاية، وكلها ضمان للحصول على مستقيم ‏الخط في طريق العناية. ولذا قال القرآن المنزول علينا لكسب الوقاية: والذين جهدوا فينا لنهدينهم ‏سبلنا. فلا غرابة إذن إذا كانت كثرة السبل في بحر الوحدة توصل إلى بحبوحة الحقيقة، لأنها هي ‏الأنفاس التي نقطع بها طول مسافات سيرنا على الطبيعة، لكي ندرك من شساعة الكون تمام ‏شرعة المعرفة. وأي نفس أبرز السر المكنون في عمق الذات السوية، كان أقدر على أن ينيلنا ‏جمال المنحة، والهدية. إذ المراد هو البحث عنه في كل ظاهر، وباطن، والطلب له في كل أثر ‏يعظم به التوحيد في الفؤاد، والبيان.‏
وإذا كنا قد أدركنا رغبة الإنسان على اختلاف أنماط سيره في رص خط الوصول، وسبك ‏هوية الموصول، فإننا نؤكد معنى قائما بلا امتياز، ونوضح حقا جليا بلا انحياز، لأن طبيعتنا جبلت ‏على التحول، والتغير، ومزجت بالرغبة في البقاء، والاستئثار، وغذيت بالأمل في القوة، ‏والانتشار. لكن هل يمكن لنا أن نميز بين جلب المعارك التي نخوضها على بساط الحياة تلك ‏المعاني الظاهرة بقلقها في وعي الصوفي، ونقول بأنها هي التي تبين لنا كيف اندلقت ذاته من وراء ‏أحراش الألم بعنفوانها القوي، لكي تتجاوز ما غرس في الذاكرة المتعبة بالنسيان، فتغدو سؤالا ‏محيرا في عقل يستمرئ السكون.؟ ربما قد يبدو هذا غريبا، والقول به عجيبا، لاسيما إذا ‏استحضرنا عدم التميز في الحظ إلا بالحصول على النتيجة المرغوبة وهي الخاتمة غير المعلومة، ‏والوقفة الخاشعة لنيل المثوبة. لكن إذا كان في الأمر ما يثير زفير الغرابة، وفيه حقيقة ما يهدينا ‏إلى كسب المناعة، فإن إدراك مدار الاختلاف، ومناط الائتلاف، هو ما يجعلنا نتجاوز النزاع ‏حول الحدود المعذبة للإنسان بلا لطف، والمحيرة له بلا عطف. لأن الوعي الحقيقي عند طلاب ‏المعرفة الصوفية الدقيقة، ليس فيما يحصل لهم من قراءة القراطيس العريضة، بل فيما يقتنصه الجهد ‏من غابة المكابدة، لأنها عين محاورة مغابن الذات بالمجاهدة.‏
‏ فلا غرابة إذا سافر طائر الشوق من فنن إلى فنن، لكي يقطع الطريق إلى شعف المعاني ‏والقنن، لأن غاية الجهد فيما يظهره المقام بين الأعماق، لا فيما يطويه العقل بين الأوراق، أو فيما ‏ينطق به اللسان من أذواق. إذ المعنى المخزون في دائرة الذات، قد تضيق عنه العبارة في ‏النقش، والنحت، لأن المعرفة ذاتية، وما تراءى لنا من صور في البواطن الغامضة، فهو إما ‏نسخ لما نقرأه، أو رشح لما نتذوقه، وكلاهما نعبر عنه بالتجريد المتسم بحدود إدراكنا، أو بالترميز ‏المتصف بانفعال عقولنا، لأن مشكلة المعرفة في الصوغ الأبعد، هو ما نشهده من عجز النفوس ‏عن استجلاء المعاني بالنظر الأحد، إذ ما هي إلا أحد أمرين، لا يظهران إلا لإثبات التفصيل ‏بين مقامات اليقين: فإما شيء لا قدرة لك عليه، وأنت تستظهره في حدود ما تطيقه، وإما شيء ‏قريب الإمساك بما فيه تجريد، وأنت تستوحيه بذاتك المجللة بالتفريد.‏
‏ لعل ما نراه سائغا في المقال، وسابغا في المحال، أن الصوفي لا ينفصل عن غيره، ولا يفضل ما ‏سواه، إلا لكونه سلك طريقا للوعي، واختار مهيعا للسير إلى حقيقة الأمر في المكنون الأزلي، ‏لأن اختلاف الأفكار في الذوات، هو الذي يصير الطرق متعددة في الخطوات، إذ الأقرب منها، ‏هو الأولى في الاقتداء بها، لأن تضييع الأوقات في طي الأماكن الممرعة بالأوحال، هو السبيل ‏الأوعر في نيل حجة الوصول. إذ الوقت نفس، وما فات منه فلن يرد إلى دقائق الساعات، ‏والأجراس. وما نحن إلا مجموعة أنفاس، وفي كل خطوة تذوب منها طائفة بين الأرماس. ومن هنا، ‏فالصوفي لم يتميز إلا بسلوكه لألحب الطرق في المعقول، وذلك يقينه في عقيدته التي يتوسل بها ‏لكسب الصدارة بالمنقول، وحجته ما يجده من أذواق في حضرة الحق، ودليله ما يشهده من نيته ‏البارزة عليه بلا تلفيق. لكن ألا يكون هذا حكما على الظاهر، والتصوف ما هو إلا لغة الباطن ‏المستور.؟
‏ قد يكون هذا إرادة نقشتها ضروب العناء في حرد الصوفي، وهو بذلك يخالف عهد الشيوخ في ‏قديم الدليل، والرأي، لأنهم حاربوا ما يبديه التصوف من مظاهر تميزه، فقالوا بالتجريح لمن أظهر ‏ملامح خصوصيته على بارزه، وهم ما رأوا ذلك إلا خروجا عن هداية الطريق، وما عدوه إلا ‏كشفا لمستور تبرزه أسمال النفاق. ومن هنا، لن تكون تجربته في مشترك ظاهره، لأنه محكوم ‏بحرية فعله في واقعه، بل تؤتى من باب باطن ذاته، وهو الحاكم بالمحصول منه على موضوعه، ‏ومحموله. ولرتبما قد يكون ظاهره مستساغا للحكم عليه، لكن كيف لنا أن نحكم على شيء لم نره، ‏لاسيما والباطن مكتوم، والظاهر ما هو إلا سحنة لسنوخ ما نتصوره في العمق المزموم.؟‎ ‎لعل ما ‏يرد علينا في هذا المقام، هو الذي يحتاج إلى تأويل، وتصريف، لئلا نقع في الزيغ، والتحريف، ‏لأن ظاهر التجربة مكتسب بالضرورة الاجتماعية، لكن باطنه منتخب جسيمه للذات الواعية ‏العاقلة. إذ الصوفي يجسد بهويته مثالا للمتوله المنسرح الروح، وهو في هذا ينازل معنى آخر بما ‏يجود به من نفيسه بين سبل الرباح، لأن تفرد السير ليس في وضع القدم على نقطة الوصول، ‏بل في الكيفية التي حصل التآلف بين المعاني عند الحصول. ‏
ومن ثم، فالصوفي حين أعلن عن رسم البداية، فهو لا يريد إلا إثبات عوزه إلى دائرة النهاية، ‏لأنها لا ترتجى إلا في الحياة الزائلة، وهي إما تعب يؤلمك وصله، وإما أمل يفرحك فقده. فهل ‏كانت النهاية المقررة بموت الذات عن المعنى قرحا عنده، وحزنا فيه.؟ كلا، لم تكن النهاية في ‏عقل باطنه إلا بداية استعداد لما تشرق به شمس الحقيقة الجلية، ولم تكن النهاية في كسبه إلا ‏لحظة سارحة بين زمن غير محصور بالحدود المدركة للعقول الفتية، لأنه في غور ما يضع عليه قدم ‏الانطلاق، يحصل له الانسجام بمنتهى الآراء الحاصلة في النتيجة باتفاق، إذ التميز هنا يقع ‏بالإدراك للمعالم المحددة القصد، وحينها يكون ما بين المراحل من صوى، ومُدد، هو المراح الذي ‏نزل عليه المعنى غضا طريا، لكي تغدو الغاية المكشوفة في النظر صفيا، جليا. لكن كيف نالت ‏الصوفية الحظوة، فتمتعوا بما في الفناء من جلوة.؟ ‏
خاض الناس في هذا زمنا طويلا ذيله، وتاهوا فيه بدافع استكشاف عاقبته، لكن الصوفي الذي ‏نطق بالحق، لم يعرج إلا على قائم في العمق، وهو الذي يحدده، وهو الذي يلتبس به في سيره، ‏لأنه لم ينطق بشيء لم يكن جاريا على الألسن، بل تعددت في حصره عند إرادة البيان. فلذا لم ‏يكن تميزهم في كونهم فتقوا من العناء طريقا غير معلوم، بل من كونهم عاشوا بين الناس بأجساد ‏ترفض المقام المزموم، وترسم لخطوات الذات صورا محررة المعنى، لعلها تسعد بالكمال عند ‏تساوي الخطوط في الحظ المعرى. ومن هنا أخطأ كثير ظن التصوف بلها، وغباء، لأنه قاس ‏العقل بما يعيشه السعي بين المناكب من شقاء، ولم يدر أن مسمى العقل هو محل الاختلاف، ‏وأنى لما تضاربت فيه الأنصبة أن يصير مقاما للائتلاف، إذ العقل ما هو إلا النباهة في أقصى ‏حدودها، وأي نباهة أعلى من أن تنال من الدنيا سلامتها.؟ ربما قد يضيع من المتصوف كثير من ‏سبل راحته، لكن هدفه الأبدي حين جرى به السلوك نحو نبع حقيقته، لم يكن إلا طلبا لما فقده ‏غيره، وهو معرفة الإله بما تقتضيه حكمته، ونيل مدلول الفناء في نور ملكوت قدسه.‏
فلا غرابة إذا كان مرمى نظر من استغرب أمره، فهاجم قلاعه بما تنطوي عليه السريرة من كرهه، ‏لأنه لم يستبعد رغبته في غايته، بل ظن معرفته غير قائمة بما تطلبه المقامات من صفاء العقيدة في ‏ديانته، ولولا ذلك، لما عده معتدل الآراء ضمن دائرة المسلمين، لأنه لم يبرح في ظاهره دائرة ‏الملة، والدين، بل كان الاستظهار لمعاني الانطلاق من الكثرة إلى الوحدة صعب التصور في ‏الإدراك الشخصي، فلم يظهر للمعاند كيف ينتقل الصوفي من الرسم النفسي إلى الحد الروحي. ‏وهنا كانت العبارة إشارة، ورموزها إحالة، لأن منطق الحقيقة في المعرفة، أن يحاسب كل واحد ‏على وعيه بمفهوم الأشياء في حدود اللغة. وإلا، فإن ما يرد من كلام له احتمال، لن يكون في ‏واجب التقدير لمحموله محلا للتأويل، بل سيصرف إلى المعنى المفهوم عندنا، وإذ ذاك سننبذ من ‏خالف ما ندرك لفظه بمحدود ما يفيده فينا. ومن هنا، فإن اتهام الصوفية بما نخاله عقلا، سيبعدنا ‏عن الحرية التي نراها أملا، لأن تنوع الطرق في سير العباد إلى الغاية السامية، هو الدليل على ‏اختلاف الأدوات في الطرق الوافية، بل ليس ذلك إلا من مسميات الاجتهاد في كسب الغاية ‏الوافرة. ولذا، لا يستساغ أن ننفي أثر التجربة الماضية، ولا أن نستهجن الوسائل الحاضرة، لأن ‏امتزاج التجارب في حركة الطرق الموصلة إلى الحدود المتآلفة الكلية، لا يفرد أحدا بتهمة ابتداع ‏وسيلة غير متبعة في النصوص المعتبرة. وإلا، فإن طاقات البشر قد تعددت، وسبلهم قد ‏تنوعت، وإن اتحد المبدأ في الوحدة، وتنافر عند بعض في الكثرة. فالمتصوف لا ينطلق من ‏المكان غير القابل للاشتراك، بل ينتهي إلى المحل الذي يدل التكاثر فيه على الاشتباك، إذ المراد ‏هو الوحدة، وهي نبع من زلال الأحدية. ‏
وتأسيسا على هذا، فإننا ما زلنا لم نحدد معنى التفوق في تجربة الصوفي، ولم نبين خطوط ‏الافتراق مع غيرها في الجهد البشري، لكن ألا يجدر بنا أن نتساءل، ونقول: هل هذه التجربة ‏غامضة، وتحتاج إلى إظهار لها بالأدلة الدافعة.؟ أم هي في وضوحها بسيطة المورد، وقريبة ‏المعهد.؟ إن النبش في التراث الصوفي، هو كالفتش عن التاريخ الإنساني، فكلاهما يتسم بالتنوع، ‏والاختلاف، لأنه مصدر يلم نوازع الإنسان بين فضاء المصالح المتدافعة الأطياف. وما دام ‏الاتفاق على مصدر واحد غير متعين، فإن القول بذا أو بذاك في الرأي المستحسن، هو الذي ‏يقرب المسافة بين الرغبات، لئلا يحصل التعارض المفضي إلى رديء الأحكام المحررات. ومن ‏هنا، فإن المعرفة إما حسية، وإما عقلية، ولكل واحدة منهما أهلون، وبنون، لأنهما تعبران عن ‏اختلاف نظر العيون، فذي قبلت ما تراه العين دليلا، وتلك قادها العقل المحكوم بالوحي إلى ‏سبيل شهدته جليلا. فكيف نسوق المطايا بزمام واحد، ثم ندعي أننا نملكه بالنص الفريد.؟ ربما ‏صاغ الناس في هذا كلاما عظيما، لكن ما أجده رأيا كريما، هو ذاك الذي نظر إلى بريق عين ‏الصوفية، فشهد فيه قلق القلب عند موارد الحقيقة، فقال: إن التجربة قلبية، فهي إذن لا ‏تستخبر إلا من معانيها الذاتية.‏
ومن هنا، فإننا نعنون حياتنا بهذه المعرفة التي تجعلنا نقدر الحقيقة الذاتية، ونقدس المعاني ‏الشخصية، لأنها تدل علينا في مركب يحتوي الضدين، ويتضمن النقيضين، الوجود، والعدم، ‏والأمل، والألم، والخير، والشر. وما لم نتحقق من حدود هذه المعاني في تجربتنا، ورتبنا فروضها ‏في الواقع بفعل بشري متسم بإنسانيتنا، فإننا سنكون أمام حقيقة واحدة، لم يجعل أصلها إلا ‏للانتظام بين المسالك المورودة. وإذ ذاك سيكون الحكم علينا بمقدار امتلاك الإنسان للقوة التي ‏تجعله وكيلا على الأرض وديارها، ورقيبا على سكانها، وحريصا على لغاتها. وإذا ختمنا صك العقد ‏على هذا الالتفاف الذي يصير به الفرد إلها في البشرية المحدودة، فهناك ستنتهي الحقائق في ‏السيرة المحبوبة، ونكون ملزمين بسلوك مهيع واحد، يبدو فيه الإنسان عبدا بلا جسد. ولذا يكون ‏التصوف حرية، لا سلوكا خانعا في البرية، ولا مظهرا خاضعا للمنة، لأنه التعبير الأبين عن سر ‏تنوع الفهوم في الملة. وذلك ما يدل عليه قولهم: الطرق إلى الله بعدد أنفاس البشر. ‏
إن عسر التمييز بين الحقائق المشتركة، ولها في احتمال ألفاظها مناح متعددة، وغايتها إسعاد الذات ‏بمتعة غموض المعاني المخزونة في قاع الأفكار الباقرة، والآراء الظاهرة، والأفعال الظافرة، ‏والأخلاق الفاضلة، هو الذي يجعلنا نكد في إدراك الأقوى من الأضعف، والأثقل من الأخف، ‏لأن استنباط الأحكام من الأشياء المتكاثرة الجزئيات، يصيرنا حيارى في رص حدود الكليات، ‏إذ ما أن نكتشف فيها سرا حتى ندرك فقرنا إلى درك ما سواها من ظواهر الأمارات، وإذ ذاك ‏يعن لنا أن نقول برغبة: إذا عرفنا لب الحقيقة، فلم لا تستجيب لعجزنا في الطبيعة.؟ قد ورد ‏هذا الرد المتنور في تواريخ البشر، وقال به من شرف برصين الرأي الأبهر، بل ما تيه القصد ‏الذي عبر عنه الإنسان في صحيح الأخبار، إلا دليل على وجود خيارين متناقضين في الذات، لا ‏يكون أحداهما قويا في الشهوات، إلا وكان الثاني ضعيفا في الإرادات، لأنهما يتناوبان حياتنا، ولا ‏يكلان من مقارعتها بالحجج التي تغري هممنا، لعلها تسلين لذا في النزع، أو تستكين لذاك في ‏الطبع، وهكذا في كل الحقائق التي تحتمل النقيضين، إذ لم تسلم منهما أي معرفة تقومت بالنصين، ‏وسواء ما كان منها ناتجا عن صريح العقل، أو ما كان بارزا بالفضل في صحيح النقل، بل طواها ‏النقيض تحت عطفه، وغدت هي الند في تباينه. لأن تنوع النوازع في الاختيار، هو الذي يجعلنا ‏نشعر بشيء مفقود في الظاهر، أو مجهول في الأثر، وذلك ما يرغمنا على الجلب، رغبة في وافر ‏الطلب، بل هو الذي يحدد عظيما من جسيم همومنا، ويفجر كثيرا من عسير غمومنا، لأننا ما ‏اختلفنا في كوننا نحس بالوجود في الموجود، أو في كوننا نشم رائحة الأرض بين المهاد، ونعشق ‏مسك السماء بين الوهاد. كلا، لم نختلف في ذلك يقينا، لكن أين اختلفنا.؟
ربما لم يحدث هناك اختلاف إلا من حيث سريان الحقيقة التي نفقدها في كثير من صوراف ‏الأزمان، وفي نواح متدافعة نحس بأنها تحكمنا بامتنان، وفي أحايين متباينة تبدو لنا عليها قدرة ‏الطي، والإذعان. أجل، لم يكن الاختلاف عربونا على أننا نستبق الوجود، إذ هو غير متفاضل ‏في أذهاننا عند التحديد، بل نحس به ما دمنا نتمتع به، وإذا فقدناه، صرنا في عداد الموتى، وإذ ‏ذاك لا خبر يجوز له أن يروى، لأنه لم يعد أحد من قبره، فيذكرنا كيف شعر بالوجود حين ‏تلاشى منه، ولو أخبر بذلك غير نبي، لكان كلامة موضوعا في الرواية، والحكي، إذ لا وجود ‏لذلك المعيار، ولو قاس ذلك المجهول في الاعتبار، لعده بزمن الأرض، وهو المحسوس لنا بوافر ‏الفروض. ولهذا لم نختلف في وجوب الوجود، بل في ممكنه الذي لن نستظهره بالحدود، إلا حين ‏نجد في كهف أنفسنا بردوته، ونفقد فيه حرارته، وإذ ذلك سنعلم كيف نشأت منا الرطوبة، ‏وكيف تغدو جميلة في اليبوسة. تلك هي الذات حين تسع كل ما يمشي على الأرض من ناطق، ‏وجامد، وتمتد إلى كل الأمداء التي يهدى إلينا ثمين الجهود، أو حين تعذب الإنسان بالأتعاب ‏المضنية، وتثقله بالأرزاء المدنِّفة، لأنه ما وجدها، إلا حين عرفها، وما فقد ما كمن فيها، إلا حين ‏جعلها ثابتة لا تتحرك، ومادة جامدة لا تدرك، ولو جعلها هي ذاته في كل أحواله، لما عاندها بكل ‏حروبه. إذ لم توضع في جبره، واختياره، إلا لتكون صوت عقله، وواقعه، وهويته. ومن هنا، ‏نلخص إلى نتائج لا بد من ذكرها، حتى نستبين كيف تعددت الطرق في أنفاسها:‏
الأولى: إن اختلاف الموارد التي نستسيغ النهل من معينها، يجعلنا نقدس التضحية في سبيل نيل ‏صفائها، لأنها مشرب نرتوي به، ومنبع نستقوي منه، إذ ضمان بقاء الحياة بين رياض الرسوم، لا ‏يكون صدقا إلا باستلذاذ ما طاب فيها من طعوم. وإلا، فإننا سنصل إلى مجلى الحقيقة جميعا، ‏ونحن لم نختلف حينئذ فيما خرصناه مطلعا رائعا، بل سيكون ما نلناه مفردا، ولو أردنا أن نبدده ‏بددا. وهنا، سيغدو التعدد ضرا، والتنوع شرا، لأننا لم نفتح في طريق الحقيقة إلا بابا واحدا، لا ‏يكون الورود عليه مطلوبا، ومحدودا، إلا إذا كان المشي اللاحق جاريا فيه على حذو سابق ‏الأثر، والطريق إليه موضوع للسير عليه بلا حذر. لكن هل صح ذلك الرأي في كمال الطلب عند ‏تغير السبب، وباب الله مفتوح لكل ظمآن ذي أرب.؟
‏ الثانية: إذا قلنا بأن معنى التقرب يتعدد في باب العمل، والكسب، فكذلك فهم الناس غير ‏متساو في اختلاف المنازل، والرتب، لأن ما يصير به الاطمئنان مشهودا عند فرد، هو عين ما ‏يغري الآخر على شرب البقاء من كدورة المورد. ومن هنا، فإن في شدة الاختلاف بين ما ‏يمكن لنا سيره ببطء، أو بسرعة، ما يغني عن التشاجر حول المعاني المحتضنة لغوامض القضية، ‏إذ لا يتفق أي سبيل مع غيره في الكمية، ولا يتناسب مع ما عداه في الكيفية. ‏
الثالثة: إن حديث محبي الوجود في حضن الحرية، لا يكون موئلا تستظهر به صحة الرواية، إلا ‏إذا منحنا هذا الكائن تمام مسؤوليته، وجعلناه مختارا لإرادته. وإلا، فإن الأفكار العتيدة، والمعاني ‏التليدة، لن تُحقق مقصدها، ولن تفي بمرادها، لأن تمام الحرية في الامتلاك، ولا كسب إلا ‏أحسست بأمان رغباتك. وإذ ذاك، فعن أي سبيل يتحدث من رام اتهام الناس بأفعالهم، وهو ‏لم يهبهم ضرورة حريتهم.؟لعل ما يقدسه الإنسان حين يبحث في ذاته عن علة هوانه، هو ما ‏يرغب فيه من دفع الشبهة عن واقعه، لأنه لا يتعلل إلا بشيء فقده، ولا ينهل إلا من نبع ‏يرويه، وما لم يحزه في طبيعته، فلن يكون مهتديا في سلوكه إلى حقيقته. ‏
الرابعة: إن الأنفاس من النفْس، وهل هي إلا كلية الذات في جوهر التأسيس. فلا غرابة إذا ‏كان النفَس صعودا نحو الكمال، لأنه به ينال مقام الجلال. بل هو المرقاة إلى كامل الإنسان، ولو ‏تعثر الوصف عند جزل البيان. ولذا، فإن التعدد في مناحي الهداية، هو الترغيب في طي منعرج ‏الصراط بجناح الرعاية. فالطرق الموجودة للنفاذ، ومهما كايس المحتال عليها باللواذ، لا يسري عليها ‏سار بلا دليل قائم بالحجة البينة، إلا وكان محتملا لمهيع الضلالة، لأنها لا تنال إلا بيقين يحده ما ‏صاغته النبوة من الاستقامة، وإلا، تاه الجواد في بحر الظلمة، وصار الأقف متجهما بالكآبة، لأن ‏قوام التجربة، ليس في مرسوم الحرية، بل فيما تقيد به من معرفة.‏
‏ الخامسة: إن الأحدية لا تتعدد، ولكن المسير إليها يتجدد، فيكون عند ذا بوسيلة، وعند ذاك ‏بطريقة، لأن البراهين عليه كثيرة، وكل قياس فيها قابل للدلالة. وإلا حملنا اللفظ على ظاهره، ‏واعتبرنا من ينطق بهذا في حجته، هو المفرق لروابط الجماعة. وذلك مما لا يفصح به داعي ‏السلامة، إلا إذا نفى الاحتمال في الكلام، وزعم كل لفظ لا يقوم إلا بوضعه على حقيقة لا تقبل ‏عنده الجزئية، ولا التقسيم. لأن المقصود بالطرق، ليس هو ما تؤدي إليه من غاية مجافية للحقيقة ‏عند التدقيق، إذ المراد هو ابتغاء الوسيلة في القصد، لا اختلاف جنس النتيجة عند الحد، وهل ‏سيصدق قول متهم الصوفي بالتعدد في الألوهية، وهو في مستهل يقينه نفى وجود الآلهة، لكي ‏يكون عقده صحيحا في معرفة ألطاف الصمدية.؟ ‏
يتبع