محمد عابد الجابري و العلمانية العربية

الطيب عبد السلام
2017 / 1 / 1

الجابري علمانيا
***********************
"ان المسألة بالنسبة الينا تتلخص في القضية التالية:
"كل كتابة في السياسة هي كتابة سياسية متحيزة،و نحن متحيزون للديمقراطية. و التحيز للديمقراطية في الدراسات التراثية يمكن ان يتخذ احدى سبيلين : اما ابراز "الوجوه المشرقة" و التنويه بها و العمل على تلميعها بمحتلف الوسائل... و اما تعرية الاستبداد بالكشف عن مرتكزاته الايديلوجية "الاجتماعية و اللاهوتيه و الفلسفية". و قد اخترنا هذه السبيل الاخيرة لأنها الاكثر جدوى.ان الوعي بضرورة الديمقراطية يجب ان يمر عبر الوعي باصول الاستبداد و مرتكزاته.و بما ان عملنا هنا يندرج ضمن مشروعنا العام "نقد العقل العربي" فأن تعرية اصول الاستبداد و مرتكزاته في هذا "العقل" هي اقرب الى النقد من اي شئ اخر.

العقل السياسي العربي/الجابري/ ص:365-366

أن هذا المقتبس اعلاه يحدد لنا بصورة جلية منهجية عمل الجابري تجاه التراث فهو يسعى الى كشف سلطات الاستبداد القائمة خلفه و النابعه بالضرورة من سلطات تشكل محددات لحركة العقل العربي.

و العقل في تعريف الجابري يستقيه من لالاند حول العقل المكون فيكون بذلك تعريفه للعقل هو تعريفه للمعقولية او "البرنامج العقلي" بمعنى ان العقل هنا ليس هو المخ في صورته العضوية بل هو بمثابة البرنامج العقلي الذي يحدد معقولية اي شئ من عدمها.

و هذا البرنامج العقلي العربي يستمد تصوراته للعالم عبر الية القياس لعدم توفر منطق التعاقب و التزامن في بيئة الاعرابي الاول فيكون المطر غائبا و الغيوم حاضرة،بمعنى ان الامور في محيطه لا تأخذ الاتصال السببي الذي يجعله يربط بين الغيم و المطر،فكل شئ قابل للحدوث في اي وقت ،انه زمن يقاس بالانقطاعات الكبرى فيه و ليس الاتصال،زمن مهياء لحدوث الاسطورة و المعجزة باستمرار.

انه زمن الغياب و الحضور زمن الانقطاعات الطويلة انه و بجدارة "زمن الا سببية".

هذا البرنامج العقلي العربي تقاسمت تحريكه ثلاث سلطات اساسية هي سلطة البيان و المنقسم بدوره الى علمي الفقه و الكلام و النحو و اما الفقه فهو السلطة تتجسد في علم الحديث و التشريع الذي يتولى زمامه الفقهاء الذين يهتمون بقياس الفرع على الاصل او الحاضر على الماضي باعتبار ان لحظة ما من التاريخ "الزمن النبوي" هي لحظة مطلقة "الاهية" لممارسة فعلهم التشريعي الحاضر و الماثل.

و اما علم الكلام الذي يسميه محمد اركون ب "اللاهوت العربي" فيمارسه المتكلمون و هؤلاء يهتمون بالمحاججة العقلية و الزود عن حياض الاسلام في مقابل الملل و النحل المنافسه و اثبات مكانة الاسلام لا عبر استخدام سلطة النقل بل عبر سلطة العقل لترسيخ حقيقانية النقل.
و هؤلاء هم المعتزلة و الاشاعرة المعتمدين في استدلالهم منهج قياس الغائب على الشاهد "الله على الانسان" فهم يستمدون مرجعية وجود الله استنادا على وجود الانسان و الكائنات الكائنة.

و ثاني السلطات هي سلطة العرفان و الغنوص و القائمة على منهجية "المماثلة" بين الله و الانسان و هي منهجية المتصوفة و الشيعة.

غير ان الجابري في كتابه "بنية العقل العربي" يؤكد على أن فكرة الغنوص "الحلول و الاتحاد" مستمدة اساسا من الفلسفة الهرمسية هذه الفلسفة القائمة اساسا على القول بأن ظهور الوجود تم عبر الافلاك العشرة او "العقول العشرة" فالعقل الاول هو عقل كامل لا يتأمل سواه و لا يرى سواه بل و ليس ثمة سواه و هو عقل موجود "بالفعل" ثم ان هذا العقل "فاض" فخلق العقل الثاني ثم ان هذا العقل الثاني الموجود "بالقوة" لما ابصر حقيقة كونه فائضا عن العقل الاول او الفلك الاول و رأى هذا التجلي فيه فاض بدوره فخلق العقل الثالث و هكذا دواليك وصولا الى العقل العاشر الذي لما ابصر حقيقة العقل الاول به ظن نفسه مساويا له فغضب العقل الاول عليه و احاله الى الهيول الذي نشاء منه الضباب و الذي ادى الى ظهور الكائنات.

يورد الجابري كامل الاسطورة الهرمسية بصورة ذكية ليمكن قارئه باستمرار من اجراء المقارنة المستمرة بين الفلسفة الهرمسية و بين نصوص الشيعة الاسماعيلية و الاثني عشرية و المتصوفة ايضا.

ثم اخيرا يتحدث الجابري عن العقل البرهاني السببي الرشدي المنطقي الذي تم نفيه عبر تزامن "الموجة الزمنية الثقافية" و هنا يتحدث في كتابه "العقل السياسي في الاسلام محدداته و تجلياته" عما اسماه بالزمن الثقافي فهو زمن لا يلتزم بحركة الزمن الفعلية فهو زمن فكري و عقلي متصل ففي اللحظة التي يكون بها العقل العربي المشرقي مثلا مرتهنا لسلطة العرفان يكون العقل المغربي خاضعا لسلطة البرهان و يمكن ان تنحدر ذات الموجة الثقافية ليحدث العكس.
ففي اللحظة التي كان المغرب العربي بها يتهياء للزمن البرهاني الارسطي حدثت الموجة الارتدادية داخل ذات الحقل الثقافي للبرنامج العقلي فاجهض مشروع البرهان لصالح مشروع الغنوص و العرفان.

ان مشروع الجابري يتمحور في تخليص العقل العربي من كل السلطات الاخرى العرفانية و البيانية هذه السلطات الا علمية لصالح المعرفة المنطقية السببية غير القابلة لحدوث الفوات و بالتالي الايقان من وقوع المعجزات.

ان الجابري منحاز للعقلانية التجريبية البرهانية الارسطية السببية و مصداقا لهذه النقطة يقول الباحث الاسلامي د:صبري محمد خليل الاستاذ بكلية الفلسفة بجامعة الخرطوم في مقاله بكتاب :مشروع العقل و العقلانية في اطار الفكر الاسلامي/ص:26 " قام نقد طرابيشي "جورج طرابيشي" على بيان تعسف الجابري و مخالفة الكثير من ارائه للحقائق التاريخية كما اراد تأكيد وحدة العقل العربي الاسلامي،لكنه رغم اختلافه مع الجابري فأنه يلتقي معه في فهم العقلانية طبقا للفهم الغربي و عصر العقلانية في التراث الاسلامي على الفلسفة الاسلامية بمفهومها الضيق و في قطاعها الارسطي".

لكن حينما ازعم بأن الجابري علماني فأنني اتحدث عن علمانية عربية علمانية خاصة يستنتجها البرنامج العقل العربي وفقا لشروطه الخاصة و مشاكله المغايرة لمشاكل العلمانية الاوروبية التي كانت المعركة بها واضحة منذ البداية "الدين ضد العقل" الكنيسة ضد الفكر،الملكية ضد سلطة الشعب.

بينما كان الصراع في العالم العربي صراعا سياسيا منذ البداية ثم تم ايجاد مشروعية الاحزاب السياسية المتنافسة منذ الرصاصة الاولى بين علي و معاوية ايجاد هذه المشروعية من داخل النص الديني فتحول الصراع الى حلبة الدين و المعتقد و صارت الجماعتين المتحاربتين حزبين "سياسيين دينيين" و هنا تحضرني المقولة المعبرة ل الصحابي عمار بن ياسر الذي انحاز الى علي قال "قاتلناكم على تنزيله و اليوم نقاتلكم على تاؤيله" هذه العبارة الرائعة تكشف المرحلة التالية للعقل العربي الذي كان ملتفا باجمعه اول الامر حول "تنزيله" بالصحبة المحمدية ثم صار الامر الى "تاؤيله" بعد موت النبي و ظهرت المطالب السياسية الطبيعية التي ادعت جميعها انها الاولى بدولة "تنزيله" استنادا الى الية "تاؤيله" لصالحها.

بهذا المعنى فأن الصراع لم يكن بين الدين و العقل بل كان صراع قبائل عربية على السلطة و السيادة مستمدة مشروعية مطالبها تلك من تاؤيلها للنص الذي تواضعت على سماويته،ثم ان هذه الصراعات السياسية هي التي دفعت الى توليد المذاهب الدينية عرفانية كانت لدى المذاهب الشيعية او بيانية لدى المذاهب السنية كلامية كانت ام فقهية.

أن الجابري و كذلك نحن ننتمي الى ذات هذا العقل العربي و برنامجه العقلي الذي يتحتم عليه معايشة هذه المشاكل الحاضرة به و تخليصه منها عبر استحضار التجربة الاندلسية الحزمية و الرشدية التي اعطت للعلوم التجربيبة العقلية انفصالها عن العلوم الفقهية الشرعية فاعطت ما لله لله و ما لقيصر لقيصر و وضحت ظاهرية النص الديني و بأنه تجربة تاريخية نستلهم منها الفكر و العبر لا هاوية امام حاضرنا يستلزم السقوط فيها هربا من تحديات ذلك الحاضر.

انه يدعو الى عقلانية عربية من داخل هذا العقل العربي و تحدياته لا عقلانية غريبة مستنسخة عن عقل أخر تختلف مشاكله كلية عن مشاكلنا و بالتالي عقلانيته التي انتجها و أن كانت الغاية نفسها فأن الطريق اليها لا شك مختلف و سافصل هذا الامر في مقالي القادم "أزمة العقل في حركة حق".

ثم أنني استغرب ايما استغراب ادعاءات الاسلاميين بأن الجابري مفكر اسلامي؟؟
أن الجابري ذكر اكثر من مرة انه "منحاز" منحاز للعقلانية و الديموقراطية!!
و هو ما يتنافى انتهاء و ابتداء مع العقل الاسلامي كلاميا كان كما هو الحال لدى جماعة الاخوان المسلمين او عرفانية كان كما هو في ولاية الفقيه!!

بأي منطق ينسب الاسلاميون اصحاب العقل المستقيل هذه التجربة العقلانية الثرة اليهم؟

أن العمل لانتاج الديموقراطية و العقلانية من ذات البرنامج العقلي المبذول للجميع المنتمين لذات العقل و معقوليته لا يعني البته كون هذا المفكر يوافق على الغائهم لهذا العقل بل و احتكارهم له و النطق بأسمه!!

أنه ينحو في هذا الاتجاه ذات المنحى الذي نحاه سيد القمني و معروف الرصافي و خليل عبد الكريم هذين المفكرين الذين سردا التاريخ العربي بصورته العقلانية المنطقية التي ادت الى نجاح التجربة النبوية في شخص محمد و ادت الى قيام الامبراطورية العربية من دون اي اسباب ميتافيزيقية غيبية او دخول "الله و ملائكته" الى حلبة الصراع التاريخي السياسي لصالح العرب ثم لصالح العرب فيما بينهم ضد بعضهم.

أن الجابري نحى ذات المنحى في فصل السلطات الدينية عن السياسية التي ادت الى ظهور المذاهب الدينية التي هي في الاساس احزاب سياسية و مصالح سياسية بحت التجأت الى الدين الذي يشكل برنامجا عقليا اوحدا لها في التعرف الى الحياة و في فهمها هذا الدين القادم من عالم تسوده الانقطاعات و الاستدلال على الحضور بالغياب عالم لا سببي لا تزامن فيه او تشابه بل حالة غامرة من الانقطاعات و الازمان الرتيبة المتكررة.

أنني اقول بأن هذا المشروع الثر و المحكم اولى به العلمانيون العرب اولى ان يوقظهم من علمانيتهم "النتائجية" "المغتربة" عن واقع العقل العربي المخاطب بتلك العلمانية.
اولى بأن يؤسس لعلمانيتهم من داخل البرنامج العقلي العربي بعد ان يعوا مشاكله الحقة و الذهاب لمواجهة تلك المشاكل في منابعها التي تختبئ خلفها فتتحول بذلك كما يقول الجابري في خاتمة كتابه "العقل السياسي العربي محدداته و تجلياته : تتحول العقيدة الى اراء فكرية و القبيلة الى مجتمع المواطنة و الغنيمة و الانقلابات العسكرية الى دولة التبادل الحر للسلطة و نمو المشاريع الاقتصادية الانتاجية.

أنني ادعوا اصدقائي العلمانيين ان ينظروا للواقع العربي بعين ما هو متحقق به لينتجوا علمانية عربية خالصة بدلا ان يكتفوا باستيراد علمانية انتجت لمعالجة مشاكل اخرى مختلفة للحد القصى عن مشاكلنا نحن و ان ذلك لن يتم الا بالاضطلاع على هذا المشروع العقلاني العلماني العربي الذي انجزه محمد عابد الجابري.