سؤال التنوير سؤال الحداثة.....3

محمد الحنفي
2016 / 12 / 31

وبعد وقوفنا على مفاهيم التنوير، والحداثة المختلفة، نجد أنفسنا أمام السؤال:

أية علاقة بين التنوير، والحداثة؟

إن البحث في المعنى العميق للتنوير، سيقودنا إلى اعتباره جزءا من الحداثة؛ لأن التقليد، والقديم، الذي يتم العمل على تحديثه، هو التظليم، الذي يعد نقيضا للتنوير. والتنوير شكل من أشكال التحديث، على مستوى الفكر، وعلى مستوى الممارسة، الذي يستهدف الرؤى، والتصورات الموجهة للسلوك الفردي، والجماعي، في نفس الوقت، كما أن البحث في المعنى العميق للتحديث، نجد أنه يشمل من بين مايشمل، التنوير كمكون مهم، وأساسي من مكونات الحداثة، وجزء لا يتجزأ منها. والعلاقة القائمة بين التنوير، والتحديث، هي علاقة جدلية، وجزئية، وعضوية.

فالعلاقة الجدلية، تتضح في تمكن التنوير من الفكر، والممارسة الفردية، والجماعية، بصيرورة الواقع، في تجلياته السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، قابلا بالتحديث، ومحتضنا له. وفي نفس الوقت، نجد أن الحداثة بمضامينها الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، والمعرفية، والعلمية، والتكنولوجية، تساعد على تمكين التنوير من العقول، ومن الممارسة الفردية، والجماعية، على جميع المستويات، وترفع من شأنه، وتجعله في مستوى الفعل المستقبلي، الذي يجعل العمل العقلي حاضرا في الفكر، والممارسة، ليصير التنوير العقلي الفردي، والجماعي، في خدمة الحداثة، وتصير الحداثة في خدمة التنوير، ويصيرا، معا، في خدمة التطور في مستوياته المختلفة، التي تجعل التنوير، والحداثة في تفاعل مستمر، ودائم.

أما العلاقة الجزئية، ففيها نجد أن التنوير جزء من الحداثة، وأن الحداثة تشمل التنوير؛ لأن التنوير لا يتم، ولا تدعو إليه الحاجة، إلا إذا كانت هناك حداثة، يعيقها التظليم، ويحول دون ترسيخها في الواقع الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي. والتظليم من أكبر موانع التحديث. لذلك، فإن التحديث يقتضي وجود التنوير، الذي يفسح المجال أمام التحدي،ث في جوانبه الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، وفي جوانبه الفكرية، والممارسية، وفي جوانبه المعرفية، والعلمية، حتى يستمر في تفعيل التطور المنتج، الذي نجد أنه يناسب الواقع، ويتناسب معه. وكون التنوير جزءأ من الحداثة، يجعله ملازما لها، إلى درجة أن أي حداثة بمعناها العلمي الدقيق، لا يمكن إلا أن تكون حاملة لمعنى التنوير؛ وإلا، فإنها لا يمكن أن تكون إلا حداثة شكلية. ولذلك، فعلاقة الحداثة بالتنوير، هي علاقة الجزء بالكل، أو علاقة الكل بالجزء، الذي يحتويه، مما يجعل علاقة التنوير كجزء، بالحداثة ككل، وعلاقة الحدثة ككل، بالتنوير كجزء، هي علاقة الجزء بالكل، وعلاقة الكل بالجزء.

أما العلاقة العضوية، فهي تجعل التنوير هو الحداثة، والحداثة هي التنوير، على جميع المستويات، وفي جميع المجالات؛ ولكن عندما تختفي، نهائيا، كل الأمراض التي تعرقل شيوع التنوير، كما تعرقل شيوع الحداثة، التي تصير مجرد حداثة شكلية. فالتنوير، والحداثة، في العلاقة العضوية، يصيران وجهان لعملة واحدة، لتصير فلسفة التنوير، هي نفسها فلسفة الحداثة، وفلسفة الحداثة، هي نفسها فلسفة التنوير، إلى درجة أننا لا نستطيع الفصل بين التنوير، والحداثة، بمعناهما الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، والمعرفي، والعلمي. وهو ما يعني قدرة المجتمع المتنور، والحديث، على امتلاك الحصانة ضد الظلام، والظلامية، وضد فعل الظلاميين، وضد كل أشكال التخلف الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، وضد كل الممارسات التي تسيء إلى كرامة الإنسان، أنى كان هذا الإنسان، ومهما كانت لغته، أو معتقده، أو عرقه، أو جنسه؛ لأن الإنسان، إنسان، وليس شيئا آخر.

وسواء كانت العلاقة جدلية، أو جزئية، أو عضوية، فإن التنوير يبقى في خدمة شيوع الحداثة في واقع معين، وأن الحداثة تبقى في خدمة شيوع التنوير في واقع معين، مما يجعلهما عنوانين بارزين للانفتاح، والتقدم، والتطور، على جميع المستويات.

وهذه العلاقة المتنوعة، والمتطورة، التي تشمل كل مجالات الحياة، هي التي تحيلنا إلى التطابق الممكن، بين الحداثة، والتنوير، في المجالات الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، والمعرفية، والعلمية. فالحدثة هي التنوير، والتنوير هو الحداثة، خاصة، وأن التنوير لا يمكن أن يشاع في واقع معين، إذا كان ذلك الواقع تقليديا، أو متخلفا، أو ظلاميا، أو مجالا لشيوع أدلجة دين معين، بمافي ذلك أدلجة الدين الإسلامي، كما أن الحداثة، مهما كانت شكلية، لا يمكن أن تشاع في مجتمع يسود فيه التظليم المنتج للظلام، بين أفراد المجتمع، أو يستغله مؤدلجو الدين، أي دين، لتثبيت أدلجتهم للدين الإسلامي، في ذلك الواقع، وخاصة، إذا تعلق الأمر بأدلجة الدين الإسلامي، الأكثر إنتاجا للظلاميين، والأكثر بثا للتظليم، إلى درجة استحالة الحداثة، واستحالة التنوير، في نفس الوقت. وهو ما يجعل التطابق بين التنوير، والحداثة، أو بين الحداثة، والتنوير، ضرورة لنفي كل مايسيء إلى الحداثة، وكل مايسيء إلى التنوير، من الواقع، في تجلياته الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، ولجعل إمكانية التظليم مستحيلة، في افق جعل الاعتقاد بأي دين، أو عدم الاعتقاد بأي دين آخر، شأنا فرديا، ولا شأن لأي فرد كان، بما يعتقد فرد آخر، أو لا يعتقد أي شيء، وصولا إلى تكريس العلمانية بالقوة، وبالفعل، في نفس الوقت.

والواقع الذي يصير فيه التنوير، والحداثة سائدين، تزول منه كل السدود، التي تحول دون تقدمه، ودون تطوره، ودون عملية التحول المستمر، التي تعرفها مختلف مجلات الحياة: الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، كما تزول كل العوائق التي تعرقل أي شكل من أشكال التقدم، والتطور، في اتجاه تحقيق الحرية، والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، والكرامة الإنسانية، باعتبارها عناوين بارزة، للتعبير عن انغراس الحداثة، والتنوير، في الواقع القائم، ومن أجل أن يصير، بفعل ذلك، متطورا باستمرار.

فإذا كانت الحداثة، والتنوير، تعملان على تطوير الواقع، في تجلياته المختلفة، نحو انتقال التشكيلة الاقتصادية / الاجتماعية الرأسمالية، إلى التشكيلة الاقتصادية / الاجتماعية الاشتراكية، كما توحي بذلك كل القرائن، التي تنفرج عن همجية الرأسمال عبر الاستغلال المتوحش، وعبر التحول العميق الذي يعرفه الواقع الرأسمالي، من خلال التركيز اللا محدود، في أيدي فئة قليلة، لا تتجاوز 1% التي تستحوذ على أزيد من 54 % من الدخل العالمي. وهو ما يعتبر برهانا، على أن العالم، إما أن يكون اشتراكيا، وإما أن تعم في كل أرجائه، مظاهر الهمجية الرأسمالية.

وهذا التحول العميق، الذي يعرفه العالم، وتعرفه الدول الرأسمالية بالخصوص، لا يمكن أن ينم إلا عن انسحاق الجماهير الشعبية الكادحة، تحت أحذية الرأسماليين الكبار، الذين يروعون العالم، بما يجنونه من ثروات هائلة، عبر سيطرتهم على وسائل الإنتاج، وعلى كل مصادر الثروة الريعية، التي ساهمت، بشكل مهول، في رفع مستوى ثرائهم، الذي لا يعرف حدودا معينة، على مستوى التركيز، الذي لا يمكن تجاوزه/ إلا بعودة الوعي إلى الجماهير الشعبية الكادحة، التي تستعيد المبادرة النضالية، في أفق انتزاع التحرير، من عبودية الرأسمال، وتحقيق الديمقراطية، بمضامينها الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، وتحقيق العدالة الاجتماعية: المادية، والمعنوية، في أفق البناء الاشتراكي، وقيام الدولة الاشتراكية، التي تعتبر وحدها دولة علمانية، ودولة ديمقراطية، بالمفهوم الديمقراطي الاشتراكي، ودولة الحق، والقانون، التي يتساوى فيها جميع الأفراد، ذكورا كانوا، أم إناثا، مهما كانت لغة كل منهم، ومهما كانت المعتقدات التي يقتنعون بها، ودون إقحام تلك المعتقدات في الشأن العام.

ولذلك، فالواقع الحديث، والمتنور، يسير في اتجاه التحول العميق، نحو التحرير، والديمقراطية، والاشتراكية، لتجاوز وضعية التخلف الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، المنفرز عن الاستغلال الهمجي للعمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، في ظل تركز الرأسمال العالمي، في أيدي أقلية قليلة من الرأسماليين الذاتيين، والمعولمين.

والتنوير، والحداثة، ينعكسان إيجابا، على جميع افراد المجتمع، الذين يصيرون في فكرهم، وفي ممارستهم، حداثيين متنورين، أو متنورين حداثيين، يتمكنون من امتلاك وعيهم، بأوضاعهم الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، الذي يعتبر منطلقا للعمل، من أجل جعل الواقع في خدمة جميع أفراد المجتمع، وفي جميع المجالات، وعلى أساس المساواة بين جميع الأفراد، في الحقوق، وفي الواجبات، والحرص على تحصين المجتمع، أي مجتمع، ضد الظلامية، وضد الاستغلال الهمجي، وضد التخلف، كيفما كان، ومهما كان مصدره، ومن أجل الحفاظ على الهوية التنويرية، والحداثية، التي يجب أن تبقى ملازمة للمجتمع، حتى يستمر تطوره في الاتجاه الصحيح، حتى لا يتم الرجوع إلى الوراء، وحتى لا نسقط في العودة إلى التخلف، وحتى لا يصير الاستغلال الهمجي، بمثابة كابوس، يلاحق الجماهير الشعبية، ويستنزف قدراتها.

وانطلاقا مماسبق، فإن سؤال التنوير، والحداثة، يستمر باستمرار الوجود نفسه، الذي يعرف تحولا لا متناهيا، من أجل استفزاز الأذهان، حتى تستمر في البحث، من أجل استكشاف العوامل، التي تحول دون العودة إلى السقوط في مهوى التخلف، بسبب عودة عوامل ذلك السقوط، الذي لا يكون إلا مدويا.

وللوصول إلى ذلك، فقد حاولنا الإجابة على السؤال:

أي تنوير، لأية مرحلة؟

وعلى السؤال:

أي حداثة، لأي واقع؟

وعلى السؤال:

أي علاقة بين التنوير، والحداثة؟

وعلى السؤال:

أي تطابق ممكن بين التنوير، والحداثة؟

وصولا إلى الوقوف على مصير الواقع المتنور، والحديث، وعلى انعكاس شيوع التنوير، والحداثة، على جميع الناس، في أي مجتمع، وعلى الجماهير الشعبية الكادحة، وطليعتها الطبقة العاملة، من أجل أن تنعتق البشرية، من الظلام، والظلامية، ومن مؤدلجي الدين، أي دين، ومن الاستغلال الرأسمالي الهمجي، وغير الهمجي، وصولا إلى تحقيق الحرية، والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، والكرامة الإنسانية، في أفق بناء الدولة الاشتراكية / العلمانية / الديمقراطية، كدولة للحق، والقانون، لحماية الفضاء الإنساني الواسع، الذي ينتفي فيه الاستعباد، والاستغلال، وامتهان الكرامة الإنسانية.

فهل تعمل التنظيمات اليسارية على نشر التنوير، والحداثة؟

وهل تسعى إلى تحقيق الحرية، والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، والكرامة الإنسانية، في افق الاشتراكية؟

ابن جرير في 18 / 05 / 2016

محمد الحنفي