رسالة إلى صديق سوري فرنسي.... معارض عنيد

غسان صابور
2016 / 12 / 31

رسالة إلى صديق سوري ــ فرنسي.. معارض عنيد
رغم لقاءاتنا النادرة شخصيا وفكريا وسياسيا.. أنت وأنا نحب هذا البلد.. كعشيقة عذبتنا نحن الإثنين.. بأشكال سادومازوخية.. وكانت النتيجة أنك كرهتها, ولم تعد تحب النساء.. وتابعت كراهيتك لهن.. ولها.. وأنا بقيت هذه العشيقة جزءا من حياتي وشبابي ورجولتي وشيخوختي.. وصرت أرى بكل النساء جمالها.. وما مارست معها من مــر ومعسول... حتى بأيام شيخوختي.. حتى جعلت منها أيقونة.. رغم كل عهرها... لأنني كنت دوما صانع أيقونات.. وصانع قصائد حتى لو تكلمت عن العتمة والحجر... وبلد مولدنا يا صديقي.. رغم كل تناقضاته وسلبياته وبشاعاته المختلفة.. موشوم على جبيننا وصدرنا.. ولا يمكنني أن أترك لأي (قواد) سياسة و كلام.. تشويهه وتسويده.. اكــثــر... وما أكثر القوادين الاختصاصيين بأيامنا هذه... لأن اسمه يبقى موشوما على جبيني وصدري.. ويبقى علامات كرامتي.. أينما تحركت على دروب الحقائق الضائعة...
انا لا أفهم كيف تستطيع أن تحافظ على عناد معارضتك, رغم كل المآسي والفظائع والتفجير والخراب والتفسخات الطائفية الجهنمية المروعة التي تفجرت على أرض ســوريـانـا.. وما زال عنادك موجودا, كأنما لا شـيء جرى.. وكانما هذه السنوات الستة, كانت أسطورة أو فيلما هوليوديا عن نهاية العالم...
يا صديقي.. أنت تعرف كل تاريخ ما عانيته شخصيا أيام بداية شبابي هناك.. وأنت تعرف أنني هنا كنت معارضا, لكل ما جرى فيما بعد هناك... ولكن عندما اقتحمته جحافل صحراوية الفكر الوحشي الفظائعي والمعتقد والأعلام السوداء.. لم يعد لدي أي مجال سوى السعي لخلاصه منها.. وترميم كل ما خربوا... وهذه يحتاج لسعينا كلنا هنا.. أنت وأنا.. وأكثر المعارضين راديكالية.. حتى لا يموت هذا البلد إلى الأبد... وبعدها يا صديقي.. نختار ماذا نريد أن نبني من مستقبل... وأنا اخترت هذا الطريق... وهذا الطريق, هو الوسيلة الوحيدة التي تؤدي إلى بداية عـودة ســـوريـا من الكوما السريرية المعيشية الوجودية التي عاشتها بالستين سنة الماضية... وخاصة أقساها وأبشعها بتاريخها العالمي والوجودي الستة سنوات الماضية... لهذا يجب أن ننسى كل مــآسـيـنـا الشخصية.. وأن نوحد جهودنا.. نحن الذين نعيش بالرغد ونتمتع بالحريات الأوروبية.. أن نوحد جهودنا.. لتحريره كاملا من هيمنات كل التدخلات الأجنبية الفظائعية وغيرها.. وبعدها نبني وطنا جديدا.. ودساتير ديمقراطية له.. على طريق علمانية حقيقية حضارية راسخة.. لقواعد دولة حضارية متحضرة لجميع السوريين.. نــعــم لجميع السوريين دون أي تمييز!!!.......
أعرف أن كلماتي هذه, لن تغير أي شــيء من معارضتك وعنادك.. كما لن تغير فاصلة واحدة من تفكيري وقراري.. ولن تغير أي شـيء من صداقتي واحترامي لمعتقداتك وتحليلاتك وأفكارك.. لأنني على قناعة أنك ــ بحكمتك المعتادة ــ تحب مثلي.. عشيقتنا القديمة العتيقة... ســـــوريــا التي آمل يوما أن تصبح ديمقراطية موحدة حــرة علمانية... وخاصة علمانية!!!..........
وحتى نلتقي حول كأس عــرق.. عندما ترغب.. لك ديمومة مودتي.. وأصدق تحية مهذبة...
***********
عـــلـــى الـــهـــامـــش :
ــ من كلمات رثاء نهاية هذه السنة الحزينة 2016
كتب المعلق السياسي اليساري الفرنسي Vincent Présumey على زاويته الافتتاحية بموقع ميديابارتMédiapart الفرنسي عما سماه " كـارثـة حــلــب ". معتبرا إياها من أشرس كوارث القرن الواحد والعشرين.. بين مجموعة من الكوارث العالمية, والتي لم يمكن تجنبها.. ولم يتدخل العالم بشكل جذري حقيقي جدي لتجنبها... وبكلمات محدودة قليلة.. ذكرت هذا الإنسان الذي أحترم كتاباته ومنشوراته العديدة بعدة مواقع معروفة إعلامية.. بأنه ــ حقا ــ تدمير مدينة حلب كارثة إنسانية حقيقية... ولكنها جــزء من كارثة إنسانية عالمية مدروسة مخططة مدبرة... إسمها محو ســـوريـا.. ككيان ودولة وشعب... ومحاولة استبدالها بخلافة خنفشيارية هيتروكليتية إسـلامية... لخدمة مخططات المافيات الرأسمالية العالمية العولمية... والذي هو باعتقادي, رغم احترامي لحلب وانحنائي أمام تضحياتها ونكباتها التي لا تقدر ــ جــريــمـة إنسانية أكبر.. ســوف يسائل عنها ولن ينساها, كل من عــاش ما جرى خلال هذه الستة سنوات الحزينة المجرمة اليائسة البائسة الماضية.. وخلال السنوات القادمة... وأولادهم.. وأولاد أولادهم.. لمحاسبة المسؤولين.. كل المسؤولين.. عما جرى.. وخاصة ما سيجري بالسنوات القادمة...........
بــــالانــــتــــظــــار...
للقارئات والقراء الأكارم الأحبة... هـــنـــاك و هـــنـــا... وبكل مكان بالعالم.. وخاصة للنادر القليل من الأحرار الذين يقاومون ويناضلون ــ على حساب أمانهم وحياتهم ورزقهم ــ للدفاع عن الحريات العامة.. وحرية الفكر والتعبير.. والحقيقة الحقيقية.. وحرية الشعوب بتقرير مصيرها.. ومساواة المرأة بالرجل, دون أي استثناء... والــعــلــمــانــيــة الكاملة التي تبقى أصدق الأنظمة المعتقدية والفكرية... لهن ولهم.. كل مودتي وصداقتي ومحبتي واحترامي ووفائي وولائي وتــأيــيــدي.. وأطيب تحية صادقة مهذبة...
غـسـان صــابــور ـــ لـيـون فــرنــســا