كتاب -رواية السجن الفلسطينية-

رائد الحواري
2016 / 12 / 31

مقدمة
قبل العقد الثامن من القرن الماضي لم يتم أنتاج/كتابة نصوص روائية عن السجن سوى عملين أو ثلاثة أعمال روائية، "المفاتيح تدور في الأقفال" لعلي الخليلي، ورواية "المحاصرون" لفيصل الحوراني، وأعتقد رواية "الصبار" لسحر خليفة، "علي الخليلي" كتب عن تجربة الاعتقال في الداخل، و"فيصل الحوراني" كتب عن تجربة الاعتقال في الخارج، لكن بعد دخولنا الألفية الثالثة وجدنا هناك كم كبير من الروايات تحدثت عن الاعتقال، فكتبت "عائشة عودة" "أحلام بالحرية، وثمنا للشمس" وكتب "عصمت منصور" "سجن السجن" وكتب "حسن فطافطة" "خريف الانتظار" وكتب "أسامية العيسة" "المسكوبية" وكتب "هشام عبد الرازق" "فرسان الحرية" وكتب "وليد الهودلي" أربع روايات "ستائر العتمة، جزأين" و"أمهات في مقابر الأحياء" و"الشعاع القادم من الجنوب" وكتب "هيثم جابر" رواية الأسير 1578" وكتب "مشهور البطران" رواية "وجوه في درب اللام" وإذا ما أضفنا الأعمال الروائية الثالث نكون أمام تجارب روائية توجب علينا التوقف عندها.
بكل تجرد، نقول بأننا أمام أعمال روائية متقنة وقدمت فكرتها بشكل متألق وابداع، وبصرف النظر عن مضمونها وتعاطفنا معها ومع كتابها، فنحن أمام نصوص تستوفي كافة العناصر الابداعية والفنية، وهذا ما فجأنا ايجابيا عندما قرأنا هذا الأعمال الروائية، ولا أدل على رقيها وتألقها من حصول "عائشة عودة" على جائزة بن رشد لأدب السجون، رغم وجود منافسة قوية على هذه الجائزة.
تنوع وتعدد الأشكال الفنية التي تم الحديث عن تجربة الاعتقال، جعلنا أمام باقة من الابداعات التي تجعل لكل عمل ميزة خاصة، إن كان على صعيد الشكل أو اللغة المستخدمة، نحن نعي بأن المضمون كان واحد، لكن اللغة وشكل تقديم الفكرة، وقدرة الراوي على تصوير المشاهد، وهذا من أصعب الأمور على كاتب مرة بتجربة مريرة، وكما قال أحد كتاب رواية السجن الفلسطينية "أن الحديث عن الألم والتعذيب وهو تعذيب آخر لنا" ومع هذا كتبوا تجربتهم القاسية والمؤلمة بكل فنية وتألق.
وهنا نشير إلى أن بعض هذه الروايات تحمل أفكار تنظيمية وكأنها دروس في مواجهة طرق التحقيق التي يتبعها المحتل، ومنها جاء يحمل مضامن سياسية خاصة وكأنها الرؤية السياسية للتنظيم، ومنها استطاع الخرج من حالة المعتقل وأن يتقمص أدوار شخوص خارج المعتقل، ومنهم من تحدث عن تجربته الاعتقال وبقى أسير الجدران.
لا شك أن الحديث عن موضوع قاس وصعب ليس من السهل الكتابة فيه، فهو بحاجة إلى قدرات فنية خاصة، وقدرة على استخدام لغة تخدم الفكرة وفي ذات الوقت تجعل المتلقي يتقبل مثل هذا الطرح، فكلنا يعلم بأن المآسي الكثيرة التي تمر بها المنطقة العربية جعلت العديد منا يميل إلى ما هو مفرح والابتعاد عما هو محزن وعنيف، وهنا تكمن صعوبة الكتابة في هذا الموضوع.
قرأنا العديد ممن تناولوا أدب السجون في فلسطين بصورة عامة، بمعنى أنهم تناولوا القصة القصيرة والقصيدة والخاطرة والراوية، لكن ليس هناك من تناول الراوية بصورة خاصة، فجل من تناولوا أدب السجن والاعتقال بصورة عامة وضمن الاشكال الأدبية المتعددة، لم يكن أيا منهم قد بحث في رواية السجن الفلسطينية، وهذا ما يحسب لهذا البحث، فهو الوحيد الذي يتحدث عن رواية السجن في فلسطين بصورة خاصة.
طبعا موضوع السجن تم تناوله في العديد من الأعمال الروايات الأخرى، لكن هذا التناول كان جزئي، بمعنى أن حدث الاعتقال/السجن جزء من حدث عام في احداث الرواية، ولم تكن احداث الرواية الاعتقال/السجن، من هنا تناولنا فقط تلك الأعمال الروائية التي كان موضوعها الرئيسي الاعتقال والسجن، واستثنينا تلك الروايات التي تحدثت عن الاعتقال بصورة جزئية من هذا البحث، فمثلا رواية "السلك" لعصمت منصور"، ورواية "آخر الحصون المنهارة" لمشهور البطران، ورواية "قبلة بيت لحم الأخيرة" لأسامة العيسة، والقائمة تطول.
من خلال متابعتنا لسير كتاب رواية السجن وجدناهم مجتمعين قد تعرضوا للاعتقال ولفترات طويلة، وهذا ما يجعل نصوصهم تحمل المشاعر الإنسانية، وتتحدث بصدق وألم عن تلك التجارب، وهذا ما يدفعا إلى الاهتمام أكثر بهذه النصوص، فكتابها تألموا في المعتقل وتألموا في كتابة هذه الروايات، لكي يقدموها لنا بهذا الشكل الأدبي والمتقن.
من المتعرف عليه في مثل هذه الابحاث أن يتم الحديث عن موضوع معين ـ الزمن، المكان، المرأة، وهكذا ثم يتم البحث في الروايات عن الكيفية التي تحدثت به حول هذا الموضوع، ورغم يقني بأن هذا هو الشكل العلمي، لكنني وجدت فيه اجحاف بحق الكاتب وبحق روايته، فليس من الأخلاق أن نتحدث عن الكيفية التي تناول فيها الراوي عن الوقت/الزمن ودون أن ندخل إلى تفاصيل تلك الرواية، فهناك ألم/وجع/مشاعر خاصة بكل كاتب، وهذا ما جعلنا نتحدث عن كل رواية على حدة، محاولين أن نلم بكل التفاصيل التي جاءت بها.

اعتمدنا في ترتيب الروايات على سنة الطباعة، وقد جمعنا روايتي "عائشة عودة" معا، وكذلك الأمر بالنسبة لروايات "لوليد الهودلي"














أول عمل روائي فلسطيني تناول السجن من داخل الوطن المحتل، كانت رواية "المفاتيح تدور في الأقفال" وهي الرائدة في هذا المجال، وقد كتبها الشاعر "علي الخليل" متجاوز فيها حالته كالشاعر ليكون روائيا، فالرواية تتيح الكاتب حرية أوسع من القصيدة، لما تمنحه من مساحة أوسع للزمن وللمكان وللشخوص، كذلك الأمر بالنسبة للحرية في استخدام اللغة، ففي الرواية يستطيع أن يكتب بأي لغة يريد، لكن في القصيدة يبقى مقيد ويخضع لقوانين الشعر الصارمة.

"المفاتيح تدور في الأقفال"
علي لخليلي
الحديث عن أول عمل روائي فلسطيني يتحدث عن المعتقل/السجن، وكيفية التحقيق من قبل المحتل، يوجب علينا أن نحترم من قام بكتابة هذه الراوية ونوفي له حقه كاملا كمبدع روائي استطاع أن يكتب أدبا روائيا في زمن عز فيه رواية الاعتقال، وحتى كتابة الراوية الفلسطينية بشكل عام، العقد السابع من القرن العشرين كان الانتاج الروائي الفلسطيني محدود ومقتصر على اسماء محددة، لكن "على الخليلي" الشاعر أراد أن يوثق تجربة الاعتقال ويقدمها لنا بشكل روائي وليس بقصيدة.
يبدأ الراوي روايته بسرد سريع وبوتيرة عالية، بحث يجد المتلقي بداية الراوية تعكس حالة الاضطراب التي يمر بها، والتي تواكب حالة السجين الذي يخضع فيه المعتقل لعمليات تعذيب جسدي ونفسي، وهذه حالة الطبيعية يمر بها كل من يخضع للاعتقال والتحقيق عند محتل لا يعرف سوى البطش والقهر.
"انجليز، العرب جرب، الدنيا قائمة والعرب نائمة، انجليز ينتشرون مثل القمل والملاريا والسل، بريطانيا العظمى، الله أكبر والعزوة للعرب، ولندن مربط خيولنا، طز، مشايخ وزعامات، تحت اللفة، ليرات ملتفة، إن ينصركم الله فلا غالب لكم، ضب لسانك، مشانق، انجليز، الموت ولا المذلة" ص6 يأخذ هذا الشكل من السرد خمس صفحات، وهو يعكس حالة الغضب والاضطراب والقهر الذي يمر به الراوي، فالإحباط من العرب، وخيانة الانجليز، كلها حاضرة في هذا السرد، ونجد هناك ذكر لعز الدين القسام: "أما عز الدين القسام فقد استشهد وحده مثل وطن بكاملة" ص7، وهناك اشارة إلى حالة التخلف عند الفلسطيني، وكيف نظر للحركة الصهيونية نظرة دونية، مستهترا بقدراتها وقوتها العسكرية:
"ـ بقباقيب نساءنا نطردهم.
ـ نساؤنا حافيات يا بعجر
ـ لو بصق كل واحد منا بصقة، اغرقناهم جميعا." ص7، كأن الراوي يتهكم على النظرة الفلسطينية/العربية لقوة دولة الاحتلال، ويريدنا أن نتحدث/نقيم تلك الدولة حسب قدراتها الواقعية، وليس حسب ما نريد، حسب تفكيرنا المغلق على ذاتنا.
ومن مظاهر الحنق على الواقع الفلسطيني، قصة الرجل الذي اخذ مسدس من انجليزي وأطلق منه الرصاص على خزان طائرة وملأ ولاعته من خزان الطائرة: "...نفذ البنزين من ولاعته التي غنمها عن جدارة وشجاعة في احدى المعارك العنيفة من جيب ضابط انكليزي مقتول، فحمل مسدسه الذي غنمه هو أيضا في معركة أخرى، وخرج به إلى الجبل، حتى إذا ظهرت له طائرة هادرة مغيرة، أطلق رصاصته الوحيدة نحو خزان وقودها، فأصابه فورا، فتدفق البنزين منه، وملأ جوف ولاعته" ص9، بهذا الشكل يصب الراوي لجام غضبه وحنقه على طريقة تفكير المجتمع الفلسطيني الذي يخضع لأذكى وأدهى احتلال مرت به البشرية، فكيف يمكن أن ينتصر شعب/مجتمع يفكر بهذه الطريقة الساذجة؟
مؤشرات على غضب الراوي
الحيوانات والحشرات
هناك مؤشرات في الرواية تمثل حلة الغضب التي يمر بها الراوي، فمثلا عندما يكون الشتم والسب والكلام العامي البذيء في النص يشير إلى ما يعانيه من ضيق وحصار مفروض عليه مما يجعلنه يفرغ الاحتقان بالشتم والسب، وهناك شكل آخر أقرب يتمثل في ذكر الحيوانات والحشرات التي من خلالها يشير إلى قرفه من الواقع.
الراوي في هذه الرواية يظهر لنا غضبه من خلال ذكر الحيوانات والحشرات فيقول: "أن العصافير والقطط والكلاب والفئران والذباب والدود يهرب من الثلج البغيض ويكتسب الدفء في ما وراه" ص19، فهذا الكلام يشير إلى حالة الغضب والقهر التي يمر بها الراوي، وإذا ما تتبعنا بداية حديثه سنجده بدأ بذكر العصافير الجميلة، لكنه يستدرك حالته وينتقل مباشرة إلى القطط والكلاب..، وعندما يحدثنا عن منزله المتواضع جدا، والذي يفتقد لأبسط مكونات المنازل ـ الحمام ـ نجده يتحدث أيضا بحالة من الغضب والعصبية المفرطة: "بيتنا بلا حمام أو دورة مياه، نحن نفعلها، بلا استثناء في الجبل، والجبل ضخم هائل يكتم كل الأسرار، بيتنا تدب فيه العقارب وأفراخ الأفاعي والعناكب وأمات أربع وأربعين والفئران والصراصير والسحالي والابارص" ص26، يحدثنا الراوي عن وضعه الاقتصادي البائس من خلال الحديث عن البيت الذي يقطنه، فهو يطرح وضعة الاقتصادي الطبقي من خلال هذه السرد، وكأنه يقول لنا أنا الفقير اتكلم بهذه الحدية وهذا الغضب لأني أرفض أن أعيش في هكذا وضع. وهنا نستشف الطرح الطبقي والفكر الاشتراكي الذي يحمله الراوي، وهذا ما سنتحدث عنه لاحقا عندما يحدثنا عن فكرته عن الأغنياء والتي تتماثل مع الفكر الاشتراكي، الذي يقسم المجتمع إلى اغنياء وفقراء، إلى عمال/فلاحين وملالك أصحاب رؤوس الأموال.
المعتقل والتحقيق
كما قلنا حالة الغضب التي بدأ بها الراوي سرد الأحداث استمرت في بقية اجزاء الرواية، فموضوع الاعتقال والتعذيب والتحقيق موضوع يثير الراوي ويجعله مضطربا ومقهورا، وكما قالت "عائشة عودة" في روايتها "ثمنا للشمس" : "أن الحديث عن الألم هو تعذيب إضافي للنفس" فليس من السهل على من عذب وقهر أن يحدثنا عما مر به، فهو يعيد ذكريات مؤلمة وقاسية تسبب له حالة من الإكتاب، من هنا سنجد الراوي عندما يتحدث عن المعتقل والسجان سيكون مضطربا وغاضبا ومتوترا.
"دارت المفاتيح في الأقفال، فتح الشرطي باب الزنزانة نادى محمد حمدان بعجر, وقفت، دفعت بقدمي في فردتي حذائي، إلى أين؟ لم يجب الشرطي، أمسك بقبضتي وراء ظهري وأغلق الكلبشة على معصمي، .. دفعني شرطي بالمفتاح في الكلبشة، فانكسر فيها، ....خذه إلى المشغل، وأغلق الباب بعنف، في المشغل، تركني الشرطي لدى ثلاثة وجوه ملطخة بالشحمة والسواد، اقتربوا مني معا، وشدوني إلى عجل كربائي مشرم، قاومتهم وصرخت: قد يخترق ذلك ظهري كله، لطمني أحدهم على وجهي، ثم عادوا شدي إلى العجل الذي يدور بسرعة مجنونة، صحت: هذا لحمي، ضحكوا" ص29و30، يحدثنا الراوي بدون تكليف، بلغة عادية، فهو يتحدث عن حالة قاسية ومرة، ولهذا نجده يستخدم كلاما عاديا، ليس فيه تجميل، يريد فقط إيصال المعلومة/الحدث إلينا.
فهو يركز على لمعاملة القاسية التي عومل فيها من قبل المحتل، إن كان من خلال ربط يديه للخلف، أو من خلال كسر مفتاح الأصفاد بعد دفعه بقسوة، ونجد أيضا طريقة قطع الأصفاد وكأن المعتقل حيوان وليس إنسان، من هنا وجدنا من يقوموا بقطع الأصفاد يضحكوا ساخرين.
يصف الراوي اسباب حادث الاعتقال الثانية التي حدث له: "بعد ستة اشهر خرجت من السجن، ثم اعادوني إليه بتهمة الجرأة على مناقشة جندي في وسط الشارع شتمني دون سبب فسألته: لماذا تشتمني؟ فلطمني على وجهي، فسألته لماذا تلطمني؟ فاعتقلني، وبعد ستة أشهر رفضت خلالها دفع الغرامة أيضا، خرجت أصلب عودا واشد اصرارا، ثم أعادوني إليه من جديد، بتهمة التظاهر وتوزيع المناشير، فمكثت فيه سنتين كاملتين فقدت بعدهما أملي بالمدرسة" ص36، اسباب الاعتقال كثيرة، فيكفي الفلسطيني أن يكون فلسطينيا ليتم اعتقاله، فهذه وحدها تهمة يستكفي بها لمحتل لإلحاق الأذى المعنوي والجسدي به، فهو موجود ليكون (ملطة) للمحتل، ليمارس عليه ساديته وعنجهيته، من هنا نجد المحتل يمارس حالة من القمع والبطش بحق الفلسطيني دون أي سبب، فقط لأن الفلسطيني فلسطيني ولأن المحتل هو محتل.
كما قلنا سابقا، بما أن الراوي يتحدث عن تجربة قاسية ومؤلمة، فلا بد أن يكون حديثه متداخل ومتشعب، بمعنى لا يسرد لنا بطريقة متزنة ومتسلسلة، بل نجده يحدثنا مرة عن السجن، ومرة عن التعذيب، ومرة عن التحقيق، وهكذا، وهذا يعكس حالة الانسجام والتماثل بين ما يعانيه الراوي من ألم وبين طريقة سرده للأحداث، فنجد شكل/طريقة السرد تعكس حالته النفسية، ينقلنا الراوي إلى جلسة من جلسات التحقيق: "ـ كن عاقلا يا محمد، نسفنا بيتك وشردنا اخوتك بسبب رأسك العنيد، ماذا تريد بعد؟ تكلم. هل رفاقك أفضل لديك من أخوتك؟ هل بيوت رفاقك أحسن من بيتك؟ ها أنت أخرس إلى هذا الحد؟" ص41، استخدام ذكر الأعمال القاسية والوحشية التي يمارسها المحتل لكي يضعف المعتقل ويجعله يعترف يمثل قسوة اضافية لما يمر به المعتقل، فرغم ما فيه من ألم جسدي ومعنوي، ها هو يتعرض لتعذيب جديد من خلال تذكيره بما حصل لأسرته من هدم منزلهم وتشريدهم. فالراوي تعمد أن يتكلم بعين للغة والألفاظ التي يستخدمها لمحقق لكي يوصل فكرة/الحدث كما هو، كما كان وقعه عليه.
"...يقف الضرب، ارتفعت الخرقة، وانهارت الكلبشة.
ـ محمد حمدان بعجر عبد الفتاح.
ـ نعم
ـ أعترف، نعيدك فورا إلى أهلك، بل نبني لك بيتا جديدا،
... حمار، رأسك يابس، كل الرؤوس تتكسر هنا، ولن يشذ رأسك أبدا.. نجعلك تأكل جلدة رأسك، نجعلك تأكل خراك
... تحسب نفسك بطلا؟ نعلقك مثل فأر في السقف..." ص68، تركيز المحقق على تكلم/اعتراف المعتقل جعله يستخدم كل الوسائل والطرق، فنجده يستخدم التعذيب الجسدي العنيف، ويستخدم الترغيب والترهيب، مرة يهدد ومرة يوعد، مرة يريد قتله وأخرى يريد له الحياة، طبعا هذا التناقض بين الوعد والوعيد أيضا يشكل حالة تعذيب نفسي للمعتقل، فهو يجعل الضحية تصاب بعدم التركيز ثم بالانهيار.

ويحدثنا عن طريقة تحقيق أخرى يتداخل فيها التعذيب الجسدي مع التعذيب الروحي: " ـ ستموت وتنتن مثل جيفة إذا لم يتحرك لسانك.
نبح الكلب، نهشني، كنت واعيا تماما، قلت في نفسي هذا كلب مدرب، لم أطق صبرا، كان يشد موشيه على عنقي كمن يريد قتلي خنقا" ص47، شكل من اشكال التعذيب التي يمارسها المحتل لانتزاع اعترافات من المعتقل، فعندما حدثنا عن وعيه كان يشير إلى فقدانه الوعي بعد عملية الشد على رقبته، فالجلاد كان يهدف إلى قتله أكثر منه إلى انتزاع اعتراف، ولهذا فقد الوعي أثناء عملية التعذيب.
ينقلنا الراوي إلى الحديث عن مكان السجن، فهو أيضا شكل من اشكال التعذيب التي تمارس بحق الإنسان الفلسطيني، "اتدفق في الغرفة المكتظة، ثلاثة وخمسون رجلا" ص57، مكان يكدس فيه الرجال كما لو كانوا مجموعة من الحيوانات، فلا فرق عند المحتل أن يجعل الغرفة التي لا تتسع لأكثر من عشرة أفراد إلى مكان يتم حشوه بأكثر من خمسين رجلا، فهو يهدف إلى إلحاق أكبر قدر من الأذى بهم وتحطيم معنوياتهم.
محاكم الاحتلال تمارس قانون الاعتقال الاداري، والذي بمقتضاه يمكن للحاكم العسكري أن يعتقل أي مواطن فلسطيني دون توجيه تهمة له، وسجنه لمدة ستة أشهر قابلة للتجديد، يحدثنا الراوي عن هذا الاجراء وكيف كان يستخدمه المحقق في عملية ترهيب المعتقل: "ستون يوما في "الاكس" وثلاثة اشهر في الزنزانة، لم اتعب كان على موشيه أن يقرر: أن ينتحر غيظا أو يلفق لي مع ضابطين أخرين حكما اداريا بالسجن، كان موشيه بعيدا جدا عن جذوري، فقرر أن يستمر بغيظه وأن يمارس سلطته القمعية بالحكم الاداري ضدي. قال: سوف أكررها ستة اشهر تلو أخرى حتى تركع وتعترف" ص58، إذا ما عرفنا بأن هناك فترة سجن سابقة كانت للراوي، بسبب اعتراضه على شتم جندي له بدون أي سبب، وهنا نجد الضابط التحقيق يحكم عليه بالسجن ستة أشهر دون وجود أي تهمة رسمية، يتأكد لنا طبيعة المحتل العنصرية والقمعية التي يمارسها بحق الفلسطيني.
ولمعرفة طريقة تعامل المحاكم العسكرية مع الفلسطيني يقدم لنا الراوي مشاهد محاكمة "أسامة" بعدما قرر ضابط التحقيق تقديمه للمحكمة بتهمة اطلاق النار، دون اعتراف المتهم بهذه التهمة، ورغم خضوعه للتحقيق والتعذيب الجسدي والنفسي، فتقرر المحكمة العسكرية سجنه خمس سنوات، فما كان منه إلا أن .. "أشار أسامة بأصبعه الوسطى إلى القاضي المثقل برتبه العسكرية، فاعتبرت المحكمة ذلك اهانة لها، وأضاقت بكامل قضاتها للحكم خمس سنوات أخرى" ص62 و63، أرادنا الراوي أن نتأكد بأننا أمام محاكم صورية، ليس لها أي أساس/علاقة بالعدل، فهي محاكم احتلال، كل هدفها إلحاق أكبر قدر من الأذى بالفلسطيني، دون مراعاة لأي حقوق إنسانية أو مدنية أو حقوقية له.
هناك مشهد قاسي ومؤلم يقدمه الراوي يمثل قذارة المحتل في نزع اعترافات من المعتقلين، "ـ أنا نفسي اعتقلوني مدة شهر كامل، لم أصدق أول الأمر، قلت لهم أنا امرأة طيبة متدينة لا تخرج من باب دارها، ضحكوا، قالوا كلاما قذرا، وقالوا : زوجك مخرب ..ضربوني على فمي، نهض رجل من ثلاثة حولي في حجرة ضيقة، خجلت من حركاته البذيئة، صرخت، أحضروا زوجي أمامي، عيناه بارقتان هائلتان، جسد محطم، لم ينطق بحرف، لم أنطق بحرف، جروه خارج الباب، سقطت عن الكرسي، " ص44، استخدام الزوجة في انتزاع اعترافات من المتهم يمثل تعذيبا لها وله، فما ذنب الزوجة ـ على فرضية أن زوجها متهم/مجرم/قاتل ـ أن تهان وتلاقي مثل هذه المعاملة الوحشية؟ بكل تأكيد أرادنا الراوي أن نتأكد بأننا أمام مجموعة من الوحوش المفترسة والتي ليس لها علاقة بالإنسانية لا من قريب أو بعيد، فهذا المشهد من أصعب المشاهد التي تناولتها الرواية.
من خلال هذه المشاهد يمكننا أن نتأكد بأننا أمام عصابة تدعي بأنها دولة، وادعائها ليس بأنها دولة عادية، بل الدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة، لكن الراوي يعريها تماما، وينزع عنها قناعها ليظهرها على حقيقتها، فهي بشعة وقذرة وليس لها صلة بالدول التي تخضع للقوانين، فهنا نحن أمام عصابة من اللصوص/المتوحشين يمارسون ساديتهم بحق الفلسطيني.



الصورة الايجابية للآخر
ما يحسب للرواية الفلسطينية أنها تقدم الآخر على حقيقته، على طبيعته، فهي لا تقدمه بشكل قاطع على إنه متوحش/عديم الرحمة، بل تظهره لنا كما هو، فهناك بعض الأفراد في دولة الاحتلال مجبرون على القيام بخدمة الدولة، لكنهم في داخلهم يرفضونها، لا تتوافق طبيعتهم الإنسانية مع ما تقوم به الدولة من بطش بحق الفلسطيني.
يقدم لنا الراوي هذا المشهد الذي يظهر إنسانية الآخر، رغم أنه يقوم بدور الجلاد، "وحين بدأت اشارات رحلتي الخامسة، هب عصام على ساقه الواحدة، عانقني طويلا، همس الشرطي كأنه يفضي بسر هائل: أضنك عائد الآن إلى سجنك بنابلس، كان سرا هائلا" ص70 و71، مثل هذه المعلومة البسيطة بالنسبة للمعتقل تمثال نقلة نوعية، فهو لن يخضع للتحقيق من جديد، ولن يبعث به إلى سجن بعيد، فنابلس مدينته، ويمكن للأهل أن يزوره بدون مشقة وتعب كما الحال في السجون الأخرى.
الأمثال
يستخدم الراوي مجموعة من الأمثال في هذه الراوية، كتأكيد على ارتباطها بالواقع الفلسطيني، وعلى فلسطينيتها، الأمثال التي يقدمها الراوي، منها ما يقدم فكرة ايجابية، ومنها ما يقدم فكرة سلبية، فهي تعكس صورة المجتمع الذي انتج هذه الأمثال، "أنت قايم من القفة، قاعد على أذتيها" كتعبير عن عدم سوية التصرف، ص27، "في المال ولا في العيال" اشارة إلى اهتمام الفلسطيني بالإنسان أكثر من المال، ص36، "الناس بقتلني وأنا بقتل مرتي" ص43، مثل يقدم لنا حالة القمع الدوري الذي يمارسه المجتمع بحق نفسه، فكل فرد قوي يضطهد من هو أدنى منه، خاصة عندما بتعلق الأمر بالمرأة التي تتعرض لاضطهاد السلطة والمجتمع والزوج، "عمر باب السجن ما أغلق على أحد" ص74، كلام يحمل الأمل وعلى أن الفرج قدام لا محال.

الرمزية
رغم واقعية الرواية إلا أن الراوي يقدم لنا مجموعة عبارات تحمل الرمزية، فهو لا يريد روايته أن تكون بمجلها مباشرة، فوجد بهذا الشكل الأدبي يمكن اخرجها من قتامة الواقعية المباشرة، ويطفي عليها لمسة جمالية فنية.
يقدم لنا مشهد استشهاد خاله، والطريقة التي جاءت بهذا الخبر: "خالكم استشهد، لم أفهم كثيرا، أضاف أبي بجدية تامة: خالكم أحد البطال الذين قاتلوا الأعداء حتى الموت، لم تبكي أمي، ولم نبك نحن الأولاد، كانت حجارة الدار تبكي، وكان الباب يخضع في تلك اللحظة لطرقات مرعبة، فتح أبي الباب، فأنتشر الجنود في الشقوق والثقوب والحصيرة العتيقة، بكت أمي فبكيت، وبكي اخوتي وأخواتي، وحين تواري أبي بينهم في الظلمة البعيدة، توقفت أمي عن البكاء، ثم صارت شجرة متوهجة بالثمر والدموع الصامتة والبحار" ص24، الجمع بين ما هو واقعي وما هو رمزي أجمل ما جاء في هذا المشهد، فهو يجعل المتلقي يحتار، فطريقة تقديم الحدث لا هي واقعية ولا هي رمزية، التشابك/التداخل بين الطرحين خدم الفكرة وجعلها تأخذ بعدا أعمق، فعندما جعل الجنود ينتشرون في المكان بتفاصيله الدقيقة، وعندما جعل اختفاء الأب بين الجنود، وعندما جعل الأم تتوقف عن البكاء، وكأنها في تلك اللحظة أخذت دور الأب، وعندما تحدث عنها كشجرة متوهجة ومثمرة، اعتقد بأن مثل هذه المشاهد يجعل النص الروائي يأخذ بعد جماليا وقريب من المتلقي.
شهر الهزيمة، شهر حزيران يمثل حالة انهزام العربي والفلسطيني في معركة كان من المفترض أن تكون له وليس عليه، ومن هنا كان وقعها شديد، وهذا الشهر لا يمحى من الذاكرة لما فيه من ألم وقهر، "لو كان حزيران رجلا لقتلته وانتهى الأمر" ص 33، سنجد العديد من هذا التناول لشهر حزيران، شهر الهزيمة وشهر الذل.
"ولماذا لا يكذب حزيران" ص 39
روح المقاومة قدمها لنا الراوي بأشكال متعددة، وجعل علاقة الفلسطيني بالأرض تتماثل مع علاقته بجسده، "وكان حمدان يحسب أن الدماء، لا تكون إلا في عروق البشر فيأخذه الذهول حين يعرف أنها تتدفق أيضا في لتراب والشجر والماء والأغاني" ص33، تصوير رائع لما يراه "حمدان" على الأرض الفلسطينية، فهي جسد بشري تماما، يحيا من خلال الدماء التي يضخها القلب لبقية الاعضاء.
"حين يصبح عود الثقاب جسدا، تثمر الحجارة وتنطق المناشير المخبأة في الأزقة" ص39 رمزية العناصر/الأدوات البسيطة التي يستخدمها الفلسطيني في مقاومة المحتل، لكنها تكون فاعلة ومؤثرا ورافعة لعمل المقاومة.
"...لماذا أيتها الارجوحة المشنقة من حبال مهترئة وظهر محن؟ لماذا تطير القدس حمامة فتهوي مذبوحة فتطير، فتهوي، فأمسك دمها" ص50، كتأكيد على ما تتعرض له المدينة المقدسة من تهويد على يد المحتل.
"ويؤكد مرة ثالثة على أن ثماني سنوات من الاعتقال يحملها الآن على ظهره، ستكون أخف من قشة تذروها العاصفة، ... فالنجوم لا تموت، والبحار لا تجف، والكرة الأرضية تنبض بالحياة" ص56، فالعاصفة هنا يمكن أن تكون/ترمز إلى القوة العسكرية لحركة فتح، ويمكن أن ترمز إلى الثورة الفلسطينية بصورة عامة، ونجد ذكر النجوم والبحار والأرض كتأكيد على استمرارية النضال حتى تحقيق الهدف الفلسطيني المتمثل بالتحرر من المحتل.
"في جنوب لبنان تنمو الزهور الجميلة وتلتقي، رغم المسافات، يحوض الزهور في المخيم" ص76، فهنا اشارة إلى المقاومة الفلسطينية في جنوب لبنان.
الشاعر والراوي

اعتقد بأن "علي الخليلي" في هذه الراوية كان من أوائل الشعراء الذي اتجهوا نحو كتابة الراوية، فهو سبق "إبراهيم نصر الله، ومريد البرغوثي، ومؤيد العتيلي، والمتوكل طه وغيرهم" ولا أدري لماذا لم يتم لفت الأنظار إلى تجربته الروائية، وإلى روايته "المفاتيح تدور في الأقفال" رغم أن الفلسطيني في الحقبة السابقة كان يهتم كثيرا بأدب السجون وأدب المقاومة أكثر من اهتمامه بالنواحي الابداعية والفنية.
يحدثنا الشاعر عن ذاته، كشاعر وكراوي، "ـ اسمعي يا وردة، كتب قصيدة.
فتنهرني بغضب:
ـ والله كلنا وشربنا، عف عن ديني.
لم امزق قصيدتي، ربما بكت، ربما تمنيت أن أموت، ذهبت إلى المسجد، شاهدت ملابس نظيفة واحذية لامعة، تحسست دفء السجاجيد تحت جبيني، فأبقيت سجدتي قائمة، حتى نمت واستلقيت، فانتزعتني أيد قوية من المكان وألقت بي إلى برد الشارع ومزابله، لم أطرق ذلك الباب من بعد أبدا، ولكنني تابعت كتابة الشعر" ص14، إذا ما تتبعنا طريقة سرد الراوي للنص الروائي، سنجده لا يحثنا عن ذاته كشاعر إلا في هذا الموضع، تحديدا، فهو يتحدث عن شخص فلسطيني يتعرض للاضطهاد والقمع من خلال المعاملة العنصرية ومن خلال السجن تحديدا، لكنه هنا حدثنا بشكل واضح عن ذاته كشاعر، ونجد شاعريته/لغته/تصاويره في النص. في السرد، فهذه الراوية رواية تجربة قاسية جاءت بعد تعرض راويها للعديد من حالات القمع.
يكمن الابداع في هذه الراوية من خلال اللغة الروائية الكامنة فيها، فرغم أن "علي الخليلي" كتبها وهو مضطرب، متسرع، غاضب وحانق على الاحتلال وما يفعله، إلا أن ذات الشاعر كانت حاضرة في النص الروائي، "إلا أن ضابط مخابرات بلباس مدني أنيق، وبضعة جنود داهموا الفرن في النهار، وأعادوني إلى السجن، هنا تتوهج الأشاء، هذا هو الحبل السري، الخيط، العلاقة الجدلية المتنامية في الموت تلتغي لأشياء، أنا أرفض الموت، وأبحث عن عيون تعشقني وأعشقها، امنحيني قوة الحياة يا قضبان الحصار، امنحيني قدسي المتوثبة ومخيلتي الخصبة، دقي صدري واصطادي قمر فلسطين" ص37و38" بداية الحدث كان عادي جدا، وسرد بلغة عادية، لكن ـ الشاعر ـ يخرج عن واقعية الحدث، وأخذ يحدثنا بلغة الشعر، فنجد اللغة التي اكمل فيها الحديث تخرج/تتجاوز/تتباين عن مسار السرد العادي الذي استخدمه في المقدمة، فهو يظهر لنا شاعريته وقدرته على الرسم الفني وعلى تألقه في الخروج عن منظومة واقعية السرد.
يؤكد لنا الراوي على شاعرته في موضع آخر، "ربط الجندي الثاني خرقة سوداء على عيني، قادني في العتمة، اصطدمت بحديد الباب الصغير المنفرد عبر البوابة الكبيرة، آلمني رأسي، اخذ احدهما بتوجيهي في المسير: انحن، اقفز، أصعد درجة، قف، تحرك، أركض، امتثل له، أيتها الصخور التي تتعرى تحت زخات المطرـ ايتها المحاريث التي تشق لحم الأرض، أيها الحديد الطيع اللون تحت أصابعي، هانذا اتدفق ولا اموت، للجسد حكايات أيضا، وللعتمة ما تشاء" ص67، كما هو الحال في المشهد السابق، يبدأ السرد عادي، لكننا سرعان ما نجد أنفسنا أمام لغة جديدة، وطريقة سرد تتجاوز المألوف، لغة مخاطبة الأشياء تعطي الشاعر شيئا من القوة، فهو هنا السيد الذي يأمر ولا يؤمر، فهو يحاول أن يواجه سادية الجندي بهذا الأوامر التي أطلقها، فهو كشاعر لا يقبل أن يكون مجرد منفذ، مجرد معتقل عادي، يخضع للأوامر وينفذ ما يطلب منه، من هنا وجدناه يستخدم هذا الخطاب الآمر وكأنه سيد/قائد الأشياء وعليها أن تخضع له.
"ـ لماذا تأخرت بفتح بابك؟ هل تريد أن تموت؟
لم يستوعب. داسوه، اتقدت العتمة بالغضب والهلاك، صرخوا:
ـ أشعل اللمبة.
كانت البحار تنزف في الصحاري التي ترتجف عارية، ماحلة، حزينة، كان أبو سمية ينهض.
ـ أشعل اللمبة يا حمار.
ـ انكسر القفل.
انكسرت نجمة بعيدة، وحاولت شجرة اللوز أن تخبئ ثمارها تحت الجلد فلم تفلح، فاحتلوا الحجرة الضيقة وأحدا أثر واحد، وتطرق اعقاب بساطريهم أذني سمية بدوائر عاصفة" ص89، الشاعر يظهر لنا كلما كان الموقف قاسيا وصعبا، وكأنه بهذه اللغة الشعرية يريد أن يخفف من وطأة المشهد، أو كأن الشاعر في عقله الباطن يتجاوز السارد "محمد بعجر" عندما يشتد علية الحال، محاولا التخفيف عنه باستخدام لغة شعرية تحثه على الصمود والمقاومة.
رجال الدين
كتبت هذه الرواية في فترة المد القومي واليساري العربي، وأثناء تخاذل التيار الديني أمام العديد من القضايا القومية والوطنية، ففي تلك الفترة كان رجال الدين والتنظيمات الدينية السياسية تلعب دورا قذرا لصالح النظام الرسمي العربي، مما ترتب عليه تقديم/تناول رجال الدين والدين بشكل سلبي، ولا أدل على ذلك من قول "زكي الندواي" بطل رواية "حين تركنا الجسر: "لقد كان أبي قاسيا كجدار المساجد يا وردان" وقد جاء أيضا في رواية "الرب لم يسترح في اليوم السابع، "أنا أكره موسى" اشارة إلى نبي اليهود، وهناك الكثير من الاعمال الروائية التي كانت تتعاطي مع الدين ورجال الدين بشكل سلبي.
"علي الخليلي" في هذه الراوية أشار إلى سلبية رجال الدين من خلال اخراجه من المسجد بعد أن غفى أثناء السجود، مما جعله لا يرجع إلى المسجد مطلقا، "ذهبت إلى المسجد، شاهدت ملابس نظيفة واحذية لامعة، تحسست دفء السجاجيد تحت جبيني، فأبقيت سجدتي قائمة، حتى نمت واستقيظت، فانتزعتني أيد قوية من المكان وألقت بي إلى برد الشارع ومزابله، لم أطرق ذلك المكان من بعد أبدا" ص14، بهذا الشكل نجد الراوي يحمل كراهية لرجال الدين الذي لا يحسنون التعامل مع الأطفال، فكيف سيحسنونه مع الكبار؟، هذا الموقف تماثل تماما مع ما جاء في مذكرات "يوسف الصايغ" التي تحمل عنوان "الاعتراف الأخير لمالك بن الريب" حيث يحدثنا عن عزفه عن الكنيسة بعد أن طرد منها وهو طفل، وهذا الأمر أيضا تحدث عنه "مكسيم جوركي" في كتابة "طفولتي" وها هو "علي الخليلي" يؤكد عنف وقسوة رجال الدين من جديد.
هناك حوار يمثل منطق رجال الدين في وضع كان من المفترض أن يكونوا فيه أصحاب موقف فاعلة ومؤثرة، لكنهم اخلدوا إلى الأرض وكفروا بالوطن وبالمقاومة وأمنوا بالركود والخنوع:
"ـ الاحتلال لعنة من الله.
ـ الاحتلال لعنة من أنفسنا.
ـ لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
ـ أزواجنا يتعذبون كثيرا.
ـ قالت الشيخة عذاب القبر أعظم
ـ الشيخة قالت خروج النسوان إلى الشوارع حرام.
ـ الشيخة قالت أن الطاعة فرض.
ـ الشيخة قالت أن ما يجري وما جرى وما سيجري هو من الله وحده.
....تأخذ أموالنا مقابل بعض لحظات من التلاوة ثم تتركنا في البئر المقفلة" ص44، هكذا هو طرح رجال الدين، وهكذا يفسرون الدين، فكيف لنا أن نثق بهم وبتفسيرهم للدين، فهم يمثلوا مقولة السطلة ـ أي سلطة ـ بضرورة القبول/الخنوع لها، حتى لو كانت سلطة الاحتلال، بمعنى علينا الخضوع لما هو كائن/حاصل لأنه هذا الحاصل هو من أرادة الله، فكيف نتحدى/نخالف أرادته؟
تحالف الديني والطبقي
لم يقتصر الدور السلبي لرجال الدين على النواحي الفكرية والسياسية وحسب، بل تعداه إلى النواحي الاقتصادية، فكانوا عونا للطبقات المسيطرة اقتصاديا على حساب الطبقات الفقيرة، وكانوا يقفون مع السلطات الاقتصادية ضد العامة من الناس، قدم لنا الراوي بعض المشاهد عن التركيبة الدينية الطبقية التي لعبت دورا سلبيا في المجتمع من خلال هذا المشهد:
"..رفعت لافتة جديدة ضخمة خضراء معززة بالعربية، لغة القرآن، "متجر المستور ـ استيراد وتصدير" وفي وسطها "الله/ محمد، ومن حولها بجهاتها الأربع، "أبو بكر، عمر، عثمان، علي" أرضيت ضميري، وأرضيت أخوتي في الدين، كدت اعناق كل وجه وأهتف: هنا محلات عمك المستور، ولكنني كنت مخطئأ تماما، وجدت في اليوم التالي ورقة مدسوسة تحت باب متجري تهددني بالويل والثبور وخراب القصور وسكني القبور، إذا لم اتوقف عن خيانة القضية، فأن مجرد تغيير اللافتة لا يكفي لستر جرائمي." ص103، المشهد السابق يقدم لنا صورة الخائن، التاجر، المتدين، صفات سلبية تجتمع في شخص واحد، وأي صفة من هذه الصفات سلبية وتعطي صاحبها الصورة البشعة، فالصفات الثلاث سلبية، حتى لو اتصف الشخص بواحد منها، فرجال الدين سلبين، وكذلك الأغنياء/التجار، وأيضا الخون والجواسيس، فما بالنا إذا ما اجتمعت كلها في شخص واحد؟
"أنت تعدل في الميزان عدل وتقى وورع، وتلعب في الاسعار ما شاءت لك الأحوال،... أنك شريف، أمين، نزيه، وجيه، تخزن البضائع، وتزور المستندات، وتنحر الخرف لضباط إسرائيل وموظفي إسرائيل، تنحني للبسطار، وتستقيم للصفعة، وبعد، تضع الأسواق في جيب، وذكر الله في جيب آخر، فلا الزكاة منك فالتة، أو اطعام اليتامى والأرامل منك ضائع، أو تبرع لبناء مسجد عنك فأنت تمسك بالدنيا الفانية والأخرة الباقية بقضبة واحدة عابثة" ص105، أراد الراوي بهذا المشهد أن يقرن/يربط رجال الدين بالاستغلال، وأيضا بالخيانة والتعامل مع لمحتل، فرغم ما يقمون به من أعمل خيرية، هي في حقيقة الأمر ليست سوى قناع يتسترون به، لبقاء الأنظار بعيدة عنهم.
الطرح الطبقي
الفكر الماركسي كان له دور مؤثر في أفكار العديد من الكتاب، حتى أننا ـ في حقبة الستينيات السبعينيات والثمانينيات ـ لم نكن نجد كاتبا واحدا يكتب الراوية لا يميل نحو الفكر اليساري أو الفكر القومي، فرجال الدين كانوا قد نصبوا انفسهم للدفاع عن الأنظمة الرسمية العربية، وساهموا عن طريق محاربتهم للأفكار الاشتراكية والقومية في ترسيخ قواعد النظام الرسمي العربي.
من هنا وجدنا الطليعة العربية المتمثلة بالكتاب والأدباء والمفكرين والسياسيين تميل إلى الفكر الاشتراكي أو الفكر القومي، كرد على موقف رجال الدين والدين من القضايا الحياتية والقومية والوطنية، يحدثنا الراوي عن طفولته البائسة وكيف جعلته يتخذ موقف معادي للأغنياء: "وتابعت كراهيتي الشديدة لأغنياء مدينتنا إلى حد الحقد، أحيانا كنت افكر أن كل أولادهم مخانيث بلا استثناء، وأحيانا كنت أضرب بعضهم، فأخاف كثيرا من ردة الفعل لدي أبي الذي يرهب هؤلاء الناس، ويحاول أن يتدبر لقمة خبز لنا من بين أنيابهم" ص14، الصراع الطبقي واضح وجلي في هذا المشهد، فهناك طفل تم الاعتداء عليه داخل المسجد وطردته شر طرده، لا لشيء سوى أنه تجلى في سجدته بحيث أخذه سنة من النوم. وهذا نعكس على طريقة تفكيره اتجاه الأغنياء بصفة عامة.
حالة الفقر التي لازمت الراوي في طفولته كانت مؤثرة عليه وعلى مواقفه من مسألة الصراع الطبقي، فنجده يتحدث من منظور ماركسي مركزا على هذا الصراع: "نحن فقراء جدا، روحوا أجروا حالكم وهاتوا كلوا: فعلينا، وظلت الرقع على أقفية بناطلينا العتيقة تغطي الشوارع بالحزن والخجل، ليلة أحلم أنني أذهب إلى المدرسة عاريا، وليلة أحلم أنني أذهب إليها حافيا" ص15، لا يمكننا أن نأخذ هذا المشهد كتقليد لما كان سائد في أدب تلك المرحلة، فالراوي يحدثنا عن ماضي قاسي عاشه، فنعكس ذلك على ما يقدمه لنا من أفكار، من هنا نجده يستذكر كلمات الأب : "أن أولاد الفقراء يكبرون مبكرا" ص16، فحالة الفقر فرضت ذاتها عليه وعلى اسرته، من هنا وجدنا حضور الطفولة وما فيها من ألم حاضرة وفاعلة.
حالة العداء للأغنياء لم تأتي بدون مقدمات، بدون أسباب، فالراوي يحدثنا عن اسباب هذا العداء لهم: "مر شحاذ على تاجر غني في متجره في الصباح، وطلب منه حسنة لله، فأستمهله التاجر إلى الظهر، فجاءه ظهرا فأستمهله إلى العصر، فحضرا عصرا وطلب الحسنة، فأستوقحه التاجر وصفعه" ص20 بهذه القصة يريد أن يؤكد الراوي بشاعة وقسوة الأغنياء وعلى ضرورة مقاومتهم ومحاربتهم.
ويقدم لنا الروي صورة أخرى عن هؤلاء الأغنياء واصفا أحدهم: " طلق زوجته الأولى وأشترى الثانية، اللي معه فلوس على الشنب بدوس" ص22، فهذا المشهد يعطي صورة بشعة لهؤلاء الأغنياء.
ويحدثنا عن منزله بهذا الشكل : "بيتنا بلا حمام أو دورة مياه، نحن نفعلها، بلا استثناء في الجبل، والجبل ضخم هائل يكتم كل الأسرار، بيتنا تدب فيه العقارب وأفراخ الأفاعي والعناكب وأمات أربع وأربعين والفئران والصراصير والسحالي والابارص" ص26، فكيف لمن يعيش بهذه الظروف أن يهادن الآخر الذي لا يلقي بالا له، ويعامله بقسوة وشراسة؟.
أعتقد بأن ما تعرض له الراوي من فسوة من الأغنياء يتماثل مع تلك التي تعرض لها من قبل المحتل، وكأنه بهذه المشاهد أراد أن يربط بين الطرفين، المحتل والأغنياء، فكلاهما يمارس ساديته عليه وعلى أسرته وعلى أقرانه من الفقراء.
من هنا نجده يؤكد على هذا التحالف بين المحتل والأغنياء/التجار بهذا المشهد: "عصام المستور... ولن تجري له أي محاكمة
ـ كيف؟
كانت تهمته أنه شتم أحد التجار الكبار الذي صدف وجوده في مكتب أحد الموظفين الكبار أيضا قال ضرار، كل التجار والموظفين، تحت ظرف الاحتلال، كبار، حتى الفارغين منهم تنفخهم سلطات الاحتلال فنتفش ريشهم، ويتهادرون طواويس نتنة" ص76.
ولكي يكون الراوي متوازنا فيما يقدمه من مشاهد تتناول التفاوت الطبقي في المجتمع يقدم لنا هذه الصورة: "...ولكن، لماذا يا عبد الجليل، لماذا؟ لم تمتلك في يوم زرعا أو قلعا، لم تملك مطرح قبر لك، كفاك مشققتان من حراثة أرض المختار وأبن المختار وكلب المختار، تجمع قرش على قرش من دمك وعرقك،" ص22، نجد الهوة السحيقة التي تفصل الأغنياء عن الفقراء، فلكل منهم عالمه الخاص.
الرواية من منشورات صلاح الدين، القدس، كانون ثاني 1980












تنويه
هذه الرواية الوحيدة الفلسطينية التي تحدثت عن الاعتقال في الخارج وبشكل تفصيلي، فرغم أنها تتحدث عن أمور أخرى غير الاعتقال والسجن والتعذيب، ارتأينا أن تكون ضمن رواية السجن الفلسطينية.




























احداث أيلول في رواية
"المحاصرون"
فيصل الحوراني
الكثير من الاعمال الروائية الفلسطينية تؤرخ مراحل الصراع الفلسطيني مع المحتل ومع الأنظمة العربية، فرواية "العشاق لرشاد أبو شاور ورواية "بوصلة من أجل عباد الشمس" لليانة بدر تتحدث عن مرحلة حكم النظام الأردني لمنطقة الضفة الغربية، والكيفية التي تعامل بها مع الفلسطيني، وكيف أسهم هذا النظام من خلال بطشه وقمعه على تهيئة احتلال بقية فلسطين في عام 1967، أما لروايات التي تطرقت إلى أحدث أيلول الأسود في الأردن فهي رواية "حبيبتي ميليشيا" لتوفيق قياض، ورواية "البكاء على صدر الحبيب" لرشاد أبو شاور، ورواية "المحاصرون" لفيصل الحوراني.
ما دفعني لتناول هذه الرواية هو التجرد الذي استطاع "الحوراني" الالتزام به والحياد في تناوله للأحداث، فنجد عملية السرد لا تنحصر بالراوي الرئيسي فقط، بل تتعداها إلى شخصيات الرواية، "خالد وسميرة وزكية" كما أننا نجد صوت الشخصيات السلبية أيضا كما هو حال مع "الرائد البشابشة" الذي يحقق مع "خالد" حيث يظهر لنا طريقة منطق التفكير عند رجال النظام.
فالرواية تتحدث عن تفاصيل دقيقة من حرب أيلول، وهذا جعل الراوي يعود بنا إلى طريقة عمل المقاومة الفلسطينية في الأردن، ايجابياتها وسلبياتها، علاقتها مع الجيش والسلطة في الأردن، طرقة تعاملها مع سكان القرى الحدودية، التنافس والصراع بين الفصائل، التحالف بين الحكومة الأردنية ودولة الاحتلال، مشاهد من معارك المدن واحراش جرش وعجلون، وطريقة تعامل القائد الملتزم مع الانتهازيين، ويقدم لنا المرأة الفلسطينية التي تعمل في الثورة كحال الرجل تماما، وتقدم لنا صورة السجان وطريقة التحقيق في المعتقلات الأردنية، ونجد فيها الكثير من الحكم والأمثلة التي يمكن اسقطاها على حياتنا اليومية، إن كانت تسير بشكل عادي أم استثنائي، كل هذه التفاصيل قدمها لنا "الحوراني" في رواية المحاصرون".
غزة
الاهتمام بالجغرافيا الفلسطينية أخذ مكانته في الرواية الفلسطينية، فهو يعد أحد اشكال التشبث بالأرض ويؤكد العلاقة التي تربط الإنسان بالمكان، فهما قضية واحدة، ولا يمكن الفصل بينهما، من هنا نجد "الحوراني" يتطرق إلى صعوبة التنقل الفلسطيني في قطاع غزة، وصعوبة الحياة فيه، فهناك مخاطر كبيرة في عملية الخروج من القطاع، "التسلل عبر صحراء النقب نحو الضفة الغربية والأردن، أو ركوب زوارق المهربين والتوجه إلى لبنان" ص14، ما يدفع الفلسطيني لهذه المخاطرة هو الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها، "بقيت في غزة أربع سنوات وفيها أنهيت الدراسة الابتدائية، وفي غضون ذلك، راحت احوال الأسرة التي احتضنته تتردى، نفذت المدخرات ولم يتوفر مصدر دخل" ص14، الصورة البائسة للأوضاع اقتصادية والاجتماعية حيث لا يجد المواطن فرص عمل تدفع كبير من الناس إلى البحث عن منفذ خارجي يمكنهم من خلاله تحسين حياتهم اقتصاديا واجتماعيا، وإذا ما ربطنا بين واقع الحال في القطاع وبين الطرق التي يستخدمها الفلسطيني للخلاص مما هو فيه، نجد المأساة التي تلازم الفلسطيني، فالبقاء في غزة فيه مخاطرة وعملية الخروج أيضا فيها مخاطرة، حيث هناك الصحراء التي تنتظر كل من يفكر بالخروج، والبحر الهائج الذي يبتلع مراكب المهربين.
وهنا لا بد من التوقف قليلا عند مخاطر الصحراء والبحر، فرغم التناقض بين الماء والصحراء إلا أنهما يتحالفان ضد الفلسطيني، ويحولان دون تخليصه من بؤسه وفقره، فهما عالمين كبيرن وشاسعين، بينما حال الفلسطيني ضعيف وفقير، ومع هذا يتحالفان معا من خلال التربص به ويحملان الموت لكل من يحاول تجاوزهما.
لا يكتفي عالم البحر وعالم الصحراء بهذا التحالف، بل هناك تحاف أيضاف لهما، الدوريات الإسرائيلية التي تكمل الخناق وترصد الموت لكل من تراه أمامها. وبهذا يتكامل التحالف ما بين حصار الجغرافيا "الصحراء والبحر، والحصار البشري "دولة الاحلال" ضد الفلسطيني.
المهجر
لكن هل كانت حياة الفلسطيني في الشتات أفضل؟ وهل ما ينتظره في الخارج يمثل الجنة الموعودة؟ أم أن هناك معاناة تلازم الفلسطيني أينما كان؟، فهو الشريد المطارد من الأعداء والأشقاء معا، فالواقع كان يحمله على الضغط على النفس والتعامل مع الآخرين ـ العرب ـ الذين تعاملوا معه بشكل غير إنساني، فها هو "خالد" يتعرض للاعتقال في بيروت قبل أن يكمل ليلته الأولى في الفندق، "اعتقلوه قبل أن يتم في الفندق ليلته الأولى، جاء رجلان من المكتب الثاني والنزلاء نيام واقتاداه إلى حيث لم يعرف" ص72، فحالة المطاردة ترزم الفلسطيني، فهو مطلوب للنظام الرسمي العربي قبل أن يكون مطلوب للاحتلال، وهذا الأمر لم يتوقف على دولة دون أخرى، بل كان ظاهرة شبه عامة، فنجد تكرار هذا الاعتقال في دمشق، "فما أن عاد إلى دمشق حتى استدعاه الأمن السياسي" ص 73، إذا كان هناك تقرب في الجغرافيا بين دمشق وبيروت يمكنه أن يبرر تكامل الأدوار بينهما، فهل هو مبرر عندما يجد الفلسطيني هذا الأمر في احدى دول الخليج؟ ، "وبعد سنوات، توجه خالد في عداد وفد فلسطيني إلى إمارة من إمارات الخليج، فدخل الوفد الإمارة ومنع هو وأوقف في المطار" ص73، هذه ثلاثة صور تمثل معاناة الفلسطيني في الشتات، لكن هل كان وضع المواطن العربي يختلف عن وضع الفلسطيني؟، يجيبنا القائد "خالد" بشكل محايد، يصف أوضاع العرب في دولهم بحالة تتماثل مع حالة الفلسطيني، وأحيانا نجدها أكثر قسوة، ونجد بعض الفلسطينيين يعيشون في رفاهية تتفوق على نظراهم العرب، "ففي كل بلد تضطهد سلطاته فلسطينيين يوجد مواطنون تضطهدهم السلطات ذاتها، وحيث يوجد فلسطينيون مضطهدون يوجد إلى جانبهم فلسطينيون يتمتعون بطيب الإقامة والثروة والنفوذ" ص73و74، بهذا الشكل أراد الراوي أن لا يطرح القضية الفلسطينية يشكل مأساة، بل طرحها بشكلها الواقعي، فالراوي لا يهتم بإثارة العواطف بقدر إثارة العقل وتقديم الواقع بصدق وموضوعية، وهذا الشكل من الطرح يحسب للراوي الذي يهتم بالموضوعية والحيادية بمقدار اهتمامه بجمالية وواقعة السرد.
تحدثنا "سميرة" عما يتعرض له الفلسطيني من ألم، عندما تصفه لنا بدون البشر فاقد للوطن، وكأنه بهذا الفقدان للوطن، وعدم مقدرته على الدخول إليه يمثل حالة فريدة في التاريخ المعاصر، "... أما الفلسطيني فكانت مناداته بصفته هذه تنطوي على التذكير بما هو محروم منه فتحمل استهانة به أو استصغار لشأنه وتذكر بغموض وضعه ومستقبله، وعند الذين عدوا افتقار الفلسطيني إلى وطن ودولة عيبا فيه، انطوت الصفة على معنى الزراية.... عيرني ولد كويتي بأني فلسطيني وقال إن الفلسطينيين باعوا وطنهم" ص40، فهنا الوضع اكثر سوء، حيث تم وصف الفلسطيني بأنه باع وطنه، وهذا طبعا غير صحيح بتاتا، لكن الراوي تعمد وصف المعاناة الفلسطيني كما هي، بدون مغالاة أو نقص، ومثل هذا الوضع القاسي والصعد كان يعيشه الفلسطيني، معناة متعددة الأوجه، فهو محروم من الوطن الذي طرد منه غصبا، ويعيش في حالة من التشرد، ويتهم بالخيانة الوطن، فأي ظلهم هذا؟.
لكن الفلسطيني عليه أن يتحمل جلد الحياة ويبحث عن وسيلة تحقق كرامته، وتجعله يحيى كأي إنسان على وجه البسيطة، ومثل هذا التجاوز للمعاناة لا تكون إلا من إنسان مبدع قادر على تجاوز الواقع والتكيف معه وفيه، ومن ثم العمل على التغير الايجابي، فحياته منذ الطفولة تدفعه نحو المواجهة وتجاوز الصعاب، "تدبر شؤون معيشته بنفسه وألف عيش الكفاف وما دونه أو رجع إليه، الجوع حين يستنفذ أجرته القليلة، والبرد حين ينفذ الوقود، والافتقار إلى الملابس التي لا تخترقها العيون، ونسيان الكماليات، واكتساب القدرة التي طالما أسعفته بعد ذلك، أن يتحمل أي ظرف مهما قسا ويستغني عن أي شيء مهما اشتدت ضرورته" ص18، بهذه البداية انطلق الفلسطيني إلى الحياة، وعندما اشتد عوده وجد نفسه بلا وطن، وبلا هوية، فكان لا بد له من البحث عن طريق يحقق له سبل الحياة الكريمة، والعمل على استعادة ما فقده، فالحياة السوية لا تكون إلا في مسقط الرأس، لا تكون إلا في ذلك المكان الذي ننتمي إليه، في المكان الذي يجذبنا ويشدنا إليه. الذي يثير فينا المشاعر ويجعل عاطفتنا جياشة، تتأثر بأي حديث أو فعل عن/في الوطن، من هنا اختار الفلسطينيون طريق العمل الفدائي كوسيلة يمكنه فيها أن يعيش كبقية الشعوب الأخرى، ولهذا تم السير في طريق المخاطرة التي ينتهجها الفدائيون. "خالد" الذي واجه اصعب الظروف،" وسميرة" التي نعمت بحياة الرغيدة على المستوى الاقتصادي، لكنها كانت تحمل في داخلها ألم الحرمان والجوع للوطن، وهذا الجوع للمكان جعلها تخوض معارك ضد ذاتها أولا ثم ضد الانتهازية وضد الاعداء ـ عربا أم محتلين ـ ففتح هذه الجبهات المتعددة لا يمكن الانتصار عليها أو الخوض فيها مجتمعة إلا لمن صقلته الحياة وجعلته شخص فريد مميز، يتجاوز بقدارته ونهجه ما هو مألوف عند الآخرين، ويمتلك القدرة الفكرية والعقائدية التي تغذيه وتجعله جلدا قادر على الاستمرار في كافة الظروف والاحوال.
أخطاء العمل الفدائي في الأردن

يحدثنا الراوي عن أوضاع الفدائيين في الأردن والكيفية التي تعاملوا مع بعضهم البعض ومع الأهالي من سكان شرق الأردن ومع السلطة الأردنية، فقد تعرضت هذه العلاقة الكثير من اللقاءات إلى التباينات إلى أن وصلت إلى حد التناقض، فبعد أن كان التعاون والتنسيق، حدث الصراع والصدام، وانتقل الحال من الهدنة إلى الانفجار، ومن الاتفاق إلى نبذه، أنها علاقة صراع بين الماء والنار، بين الضحية والجلاد، بين النظام الرسمي العربي وبين الثائر، فكان ما كان وحصلت المواجهة بين الأخوة التي خدمت العدو بالدرجة الأولى، وجعلت الفلسطيني يعود إلى المربع الأول.
كما قلنا الراوي يمتاز بالموضوعية والحيادة التي تميز هذا العمل الروائي التاريخي، فيحدثنا عن الأخطاء التي وقع فيها المقاتلين الفلسطينيين وقادة التنظيمات في الساحة الأردنية، فيقول عن التوسع الكبير في العمل الفدائي على حدود الأرض المحتلة وانعكاس ذلك على سكان الأهالي الذي انتقلوا من حالة تقديم الدعم للمقاتلين إلى حالة التذمر والامتعاض فيقول: "...اكتظت الشوارع بالمسلحين، وتوترت المشاحنات بين التنظيمات، واشتد الاختصام على مظاهر النفوذ والمنافع، أما المشاحنات من السلطة، التي ساءها العمل الفدائي من أول الأمر، فقد فرضت وقعها الدامي على حياة الناس، مؤيدي العمل الفدائي وخصومه والمحتلين، ومع اشتداد عزم السلطة على اجتثاث الوجود الفدائي بأي ثمن، صار السلاح هو سيد القول والفعل، سلاح السلطة والسلاح الذي بيد الفدائيين" ص32، من المفترض أن يعتمد العمل الفدائي على العناصر الجيدة، وليس على من هب ودب، لكن اهتمام الفصائل على الكمية العددية انعكس سالبا على النوعية، مما أحدث فجوة كبير بين تلك الفصائل، وهذا ما اعطا المبررات للنظام لكي ينقض عليها ويمحوا وجودها تماما من الأردن.
يستمر الراوي في كشف الأخطاء القاتلة التي وقعت فيها الفصائل المقاتلة في الأردن فيقول: "تكدسون الفدائيين حيث لا ينبغي أن يكونوا فيخلق تكديسهم مشاكل توجب تكديس المزيد منهم، وتوجهون اسلحة نحو أهداف لا لزوم للتوجه نحوها، وتطلقون الشعارات التي تملأ الأفواه ويجتذب ضجيجها أضواء الشهوة، وتهملون الأرض المحتلة ذاتها" ص53، بهذه الجرأة تحدثنا الراوي عما لآلت أليه أحوال المقاومة، فهتمت بعدد/بكمية العناصر انعكس أيضا على اهتمامها بالنوعية العمل الفدائي، وأصبح جل مرادها أثبات ذاتها أمام نظرائها من الفصائل الأخرى، وليس أمام عدوها الرئيس.
ومع هذا لم تلقي القيادة أي اهتمام بهذا الأمر واستمرت فيها نهجها الذي جعل التنافس والمناكفات بين الفصائل تتفاقم يوما بعد يوم، وحتى أنها وصلت إلى المواجهة المسلحة بينها، ومن ثم اهمال/تجاهل التناقض الرئيسي مع المحتل، وانعكاس هذه الخلافات على نوعية العمل الفدائي، الذي أخذ يستنزف العديد من الأفراد الذي لم يستطيعوا أن يقوم بالهدف المطلوب منهم تماما، والمتمثل بالحاق الخسائر بالعدو، "لماذا تحتشد هذه الأعداد من الفدائيين كلها على الحدود؟ لماذا القواعد مكشوفة؟ هل هم حراس حدود؟ ...وإذا كان الأمر أمر الحاجة إلى التسلل إلى الأرض المحتلة، فلماذا يحتاج الموكلون به إلى هذا الوجود العلني وهذه الأعداد الكبيرة؟... و0بقيت القيادة سادرة فيما غرقت فيه، استهوتها العلنية وأضواؤها والشهرة وغواياتها" ص70، إذن العمل الفدائي انزلق إلى هاوية العلنية والشهرة التي كانت على حساب نوعية العمل وتحقيق الهدف، فالتخلي عن السرية كان يمثل السرطان الذي نشب في جسم الثورة، التي من المفترض أن تعي نوعية العمل الذي تقوم به، لكن الأفراد والقيادة لم تعي خطورة هذا الأمر وكانت اعدادها وسلاحها وخطتها مكشوفة للعدو، الذي استفاد كثيرا من هذه العلنية والمكاشفة.
يحدثنا الراوي عن مشهد آخر من مشاهد الفساد في العمل الفدائي عندما يخبرنا عن النقص في التموين عند أحد الفصائل ووجود فائض عند فصيل آخر، لكن كانت العلاقة بينهما بهذا الشكل، "تأخر وصول التموين الجديد ... وطلب المساعدة، فادعى الزميل أن مخزونهم هم الآخرين على وشك أن ينفذ، ... حين حطت على المستودع الذي قيل إنه فارغ قذيفة دمرته ورأى خالد بنفسه ما رآه الجميع: المخزون الوفير وقد امتزجت مواده بدمار المبنى والناس الجياع الذي جازفوا بالخروج من منازلهم وكل منهم يحاول أن يستخلص لنفسه ما يقيت" ص87، لم يكن التنافس لصالح العمل الفدائي، أو لمصالحة فلسطين، بل كان لمصلحة الأفراد والتنظيمات التي جعلت من نفسها فوق القضية وأعلى من الفلسطيني، وهنا نستنج بأن التعدد الفصائل في الساحة الأردنية كان يضر ويفشل المشروع التحرري الفلسطيني، فالفصائل لم تكن تهتم المصلحة العامة ـ حتى وهي في حالة الحصار وخطر الموت الجاثم فوق الرؤوس ـ فكيف ستوحد جهودها وقت الرخاء؟.
السلطة والعمل الفدائي
من بدايات العمل الفدائي والعلاقة مع النظام في صراع وتوتر، فالنظام كان يسعى ويعمل للقضاء على هذا التواجد الذي يسبب له الاحراج ويظهره غير قادر على السيطرة على الساحة الأردنية، فظهر هذا الأمر بشكل جلي بعد خروج المقاومة من المدن الرئيسية وانحسارها في احراش جرش وعجلون، ومع هذا تم القضاء عليها نهائيا والتخلص منها ومن مشاكلها إلى غير رجعة، فالرواية لا تذكر لنا أي تلاقي أو توافق بين المقاومة والنظام في الأردن، بل كل ما هناك حالة من الصراع والعداء المستديم رغم عدم ظهوره بشكله الكامل أمام الأعيان، إذا ما استثنينا موقف الرائد اثناء خدمته في الجيش الأردني الذي عمل على فك الحصار الإسرائيلي عن الفدائيين، وما دون هذا الحدث كان الصراع والعداء هو سيد الموقف.
"أما المشاحنات مع السلطة، هذه الذي ساءها بروز العمل الفدائي،... ومع اشتداد عزم السلطة على اجتثاث الوجود الفدائي بأي ثمن" ص32، إذن الصراع بين الفصائل والسلطة كان صراع وجود بالنسبة لها، فالفصائل تشكل حالة عدم استقرار وتستفز المحتل الذي وقعت معه هدنة طويلة، فكان لا بد من انهاء هذا الوجود وما يسببه من ازعاج وخطر على المعاهدين.
بعد الخلل الذي حدث بين الأهالي و المقاومين على الحدود الأردنية، تدخلت السلطة متذرعة بحامية المواطنين، فكان هذا الموقف منها، "حشدت القصور قواتها، شرطتها ومخابراتها وجيشها، وطوقت العاصمة وتهيأت في كل مكان للهجوم، أعلنت السلطة أن الكلمة صارت للسلاح" ص56، بهذا الشكل يتأكد لنا بأن السلطة كانت تعد العدة للانقضاض على المقاومة وما كان ينقصها إلا وجود المبرر/السبب، وما أن وجد حتى كشرت عن انيابها.
فهي كان تعمل على انهاء العمل الفدائي بشكل كامل وتام من الساحة الأردنية، وضرب كل من يتعاطف معه أيضا، ووضح لنا الراوي هذا الأمر عندما خصص فصل كامل يتحدث فيه عن عملية الحصار لأحد المستشفيات، وهذا يوضح الطريقة والهدف الذي كان يسعى إليه النظام، "...بأن المستشفى طلب إمدادات وهذه قد تصل في أي لحظة، ولم تكن تجهل حقيقة الواضع، بث المستشفى نداءات متلاحقة، غير ان الحصار كان محكما، فكيف ينفذ أي شيء" ص96، الصورة السابقة توضح لنا حجم الحصار ودقته الذي فرضه النظام على أي مكان يمكن أن يوجد أو يتواجد فيه أي مقاوم أو متعاطف معهم، حتى المستشفى تعرض لحصار خانق وكأنه قلعة مسلحة.
الراوي يحدثنا عن مشهد في غاية القسوة يمكننا من خلاله معرفة شراسة ووحشية النظام التي مارسها بحق الاماكن التي تواجد فيها مقاتلين، "سيدة في عز شبابها، ورضيع تحمله على صدرها، فقد برز ثدي السيدة الأيسر خارج ثوبها وانغرزت أصابع الرضيع في لحم الثدي، وكانت السيدة تصرخ من الوجع فيصرخ رضيعها لصراخها ويشتد انغراز أصابعه في اللحم... سقطت قنبلة وهي ترضعه فأرعبه صوتها فتشنجت أصابعه ولم يتمكنوا من تنحيتها عن الثدي دون أن يؤذوه" ص97، بهذا المشهد يمكننا أن نتعرف على حجم القوة غير الطبيعة التي استخدمها النظام للقضاء على خصومه، فهو كان يقصف أي مكان دون أن يتأكد من خلوه من المدنيين، فقط كان ما يسعى له بث ارعب بين الأهالي ومن ثم انعكاس ذلك على المقاومين الذي سيضعفون معنويا وهم يشاهدون هذا القتل وهذه الدماء التي تسيل.
اسرة المستشفى لم تعد نستوعب تدفق المصابين، الأدوية اصبحت شحيحة، وتم تقنين استخدامها، فأصبح عمل المستشفى مقتصر على تقديم المعنويات أكثر من المستلزمات الطبية، "وفي المستشفى، بعد نفاذ المواد الطبية،... والذين تعفنت جراحهم فماتوا فصمتوا إلى الأبد، والذين بقوا أحياء فدفنوا الموتى وهم صامتون" ص99، هذا الصمت كان يعد ثورة على القصف والحصار الذي فرض على المواطنين والمقاومين، و يعد أيضا تسليم بما هو كائن، والتعامل معه بشكل عادي، فالموت أصبح ظاهر/أمر عادي، فالضحية عندما تفقد الأمل بالخلاص لا تبدي أي رد فعل ازاء ما هو قادم.
بعد أن كثر عدد الموتى أصبحوا يشكلون مشكلة للأحياء، يصف لنا الراوي هذا الأمر قائلا: "صار دفن الموتى مشكلة المشاكل، ...فحفروا في حديقة المستشفى حفرة فسيحة وعميقة وأنزلوا الأجداث إليها وطمروا هذا الأجداث وأبقوا الحفرة مفتوحة، وصار كلما تراكمت أجداث جديدة وضعوها في الحفرة وطمروها" ص99، لقد أصبح الأموات يشكلون عبء أضافي على الأحياء، والجرحى في المستشفى في تزايد والأسرة لم تعد تكفي للموجودين، فكان لا بد من البحث عن حل، فكانت القبور الجماعية هي الحل، الذي يريح الأحياء من الأموات.
من المشاكل الأخرى التي رافقت عملية الحصار شح ونفاذ الماء، الماء عصب الحياة تم قطعه عن المستشفى مما أضاف مشكلة أخرى تضاف إلى من هم محاصرين، "لم يبقى في المستشفى ما، نضب ما في الأنابيب ونفذ مخزون الحاويات" ص99، بهذا العنصر ـ الماء ـ يكون الخناق والموت هو النهاية، فلا مجال للبقاء بدون ماء، يمكن الصمود رغم كل شيء في حالة وجود عنصر الحياة ـ الماء ـ لكن بفقدانه لا يمكن الاستمرار في الحياة ـ الصمود والمقاومة ـ وهذا المشهد من أروع ما جاء في الرواية، حيث أعتبر الراوي بأن فقدان الماء كان يمثل فقدان الحياة/الصمود/المقاومة، وهذا التوحد بين الماء والفعل الإنساني يعد ابداع وتألق من الراوي الذي جمع بين عناصر الحياة والفعل الإنساني المقاوم.
الانتهازية
كافة الروايات الفلسطينية التاريخية تحدثت عن شخصيات انتهازية، فهي الطاعون بالنسبة للمقاومة، وهي من يدمرها من الداخل ويهيئها لموت القادم من الخارج، احد مظاهر الانتهازية المتاجرة بالشعرات، وعند الجد نجدها أول من يهرب ويغادر ويتحول إلى المعسكر المعادي، وهي لا تتوانى عن ممارسة الانتهازية حتى في أحلك الظروف، يقدم لنا الراوي شخصية "أبو الملاحم" كشخص يمثل هذه الانتهازية التي تعمل على تخريب وضرب العمل الفدائي وإبعاده عن مساره الصحيح، من خلال سلوكه وكلامه غير المنسجم مع الواقع، ومن خلال أفكاره الهدامة التي يبثها بين الأفراد.
الانتهازية لم تقتصر على العناصر العادية في التنظيمات، بل وصلت إلى القيادة، صاحبت القرار، والتي يحمل أي فعل أو قول لها معنى كبير على التنظيم ومساره، فأثناء الحصار وجدنا القيادة تترك عناصرها يواجهون الموت من غير أن يكلفوا أنفسهم البحث عن مخرج/طريق يخرجهم من هذا الحصار، كما أن المناكفات وتسجيل الموقف على/له جعل الكثير من مواقع الفدائيين عرضه للحصار، وهذا يعني أما الموت أو الاستسلام.
"أبو الملاحم" يمثل أحد مظاهر الانتهازية التي لعبت دورا تخريبيا على مدار العمل الفدائي الفلسطيني إن كان عسكريا أو تنظيميا/أداريا أو اقتصاديا، يمارس دوره التخريبي أينما كان وحيثما تواجد، لما يمتلكه من مقدرة على التكيف والتعاطي مع كافة الأوضاع والأشخاص، فهو شخصية تمتلك قدرة استثنائية على المحاورة وابداء الرأي، لكنه عند الفعل يتقهقر، ويستطيع أن ينقض ويفند كل ما قاله سابقا، "فهذا إنسان اتى إلى العمل الفدائي دون أن يضحي بشيء، واكتسب شهرته بأيسر الوسائل، المزايدة، ... ولم يفته أن يراكم المنافع.... بأن أبا الملاحم والذين على شاكلته سيلقون اللوم على غيرهم لو انهار كل شيء، ولن يتورعوا عن اتهام الجماهير التي يعلون شأنها في خطبهم بأنها كانت دون مستوى الأحداث" ص33، شخصية انتهازية تتغذى على الآخرين وتتقن التلون والتعاطي مع كافة الظروف، فنجدها تقبل أن تتاجر بالدماء وأرواح الناس في سبيل تحقيق مآربها، ودون وجود أي شعور بالذنب، فهي شخصية فاقدة للأخلاق، وحتى عند وجود الخطر لا يتراجعوا عن سلوكهم الشائن، بل يتوغلوا أكثر في الانتهازية، حيث يجدوا تربة خصبة يستطيعوا استغلالها لرفع شأنهم.
من الاساليب القذرة التي يستخدمها الانتهازي تشويه والتشكيك بالآخرين الذي يعملوا بصدق وتفان، فهم يشعرون بأن الصدق يمثل عدو لهم، وعليه يجب تشويه وتكسير كل من يعمل بإخلاص لكي يكون هناك توازن وتماثل بين الانتهازي والمبدئي، "أبو الملاحم" يعمل جاهدا على النيل من شخصية "خالد" القائد المعطاء الذي يحدث "سميرة" عن محاولة "أبو الملاحم" المس بصورته البهية وصورة المناضلين الآخرين، "كانت مهمة وقد اديتها، أما الذين حاولوا تشويه سمعتي وأسمعوك كلاما غير هذا فهم المتخاذلون الذين استاؤوا لأننا طالبناهم بالصمود ورفض وقف إطلاق النار" ص103، إذن المزايدة/التبرير/تشويه الحقائق هي وسائل هؤلاء الانتهازيين.
انتهازية القيادة
لم تكن الانتهازية تشكل حالات فردية، متعلق بعنصر أو كادر عادي، بل طالت صفوف القيادة أيضا، وهذا ما جعل تأثيرها السلبي أعمق وافظع، فهي تشكل ما يشبه طبقة طفيلة تتغذى على الآخرين، "وجد نفسه ضحية سياسة لم يوافق عليها، وهو يعلم أن أصحاب هذه السياسة سيتاجرون بدمه كما تاجروا بشجاعته" ص123، عدم المسؤولية اتجاه العناصر يمثل حالة عادية عند الانتهازية، بل أقل من عادية، ارواح الأخرين لا تعني لهم شيء ما داموا هم بخير.
الاعتقال
اعتقد بأن هذه الراوية يمكن أن تكون أول أو ثاني رواية فلسطينية تتحدث عن الأسر، فتاريخ الطبعة الأولى غير معروف لنا، وهذا ما يجعلها ورواية "المفاتيح دور في الأقفال" لعلي الخليلي من اوائل الروايات الفلسطينية التي تحدثت عن الاعتقال، وهذا الموضوع يعد من أهم المواضيع التي تناولتها الرواية، فبعد انتهاء المعركة في احراش جرش يقع القائد "خالد" في الأسر، لكن موقفه وصلابته لا تتغير أو تضعف، فهو يمتلك مقدرة على التكيف والتعامل مع كافة الظروف، فكما كان شجاعا عندما قرر التواجد مع رفاقه كان شجاعا أمام آسره، رغم معرفته ببطشه وشراسته ومع هذا أبى أن يقدم له أي تنازل، واستمر في نهج الإنسان المقاوم الذي يحترم ذاته ومبادئه، وهذا ما جعل الآخرين يقدموا له لاحترام.
في بداية الأسر كان "خالد" كأي إنسان يحمل مشاعر الأخطار المحدقة به، فهو قائد وثائر، ومطلوب للسلطات التي تعمل على تطهير المنطقة من أي اشخاص أو أفكار يمكن أن تشكل خطر على وجودها، فالمشاعر الإنسانية صفة ملازمة لكل إنسان، فبطلنا ليس بخارق، أو كائن فضائي، بل إنسان يشعر ويحمل كافة المشاعر والاحساس الإنساني، فهذا ما يجعل تغلبه على ذاته أولا ثم على الجلاد ثانيا أمر عظيما.
هذا الانسان العادي استطاع ان يكون غير عادي ومتفاني في الصمود ويبدي صلابة غير معهودة، فأظهر قوة جديدة لديه واستخدم منطقا يستطيع من خلاله تجاوز حالة الأسر وما فيها من رهبة وخوف "تصور انهم سيعدمونه، فحماه تصوره هذه من ان يمتهن نفسه، وعزم على ان لا يهن في لحظاته الاخيرة" ص123، الانسانية التي يظهرها "خالد" من خلال هذه المشاعر والتي تأخذه يمن ويسار والتي يمر بها أي انسان، استطاع السيطرة عليها من خلال وضع أسوأ الاحتمالات ـ الموت ـ وابداء صلابة واتزان اللذان ينمان عن القدرات والمزايا التي تميز القائد الصلب عمن سواه.

فحضور الافكار السوداء – انتهازية القيادة ودعم مسؤوليتها وتنصلها مما آلت اليه اوضاع المقاتلين، وتركه ورفاقه بدون أي مساندة سياسية او عسكرية، وقسوة وشراسة الاعداء التي يظهرونها من خلال استمتاعهم بتعذيب رفاقه وتنكيل بهم، وقتلهم بعدم تجريدهم من وطنيتهم والصاق تهمة الخيانة بهم ـ وكل ذلك يجعل الانسان العادي يشعر بالضعف وبؤس الحال، ومع كل هذه الظروف القاهرة نجد الإنسان المبدئي والمنتمي قادر على الحفاظ على اتزانه ويستطيع ان يحاجج ويحاور جلاده فكريا وسياسيا ويجعل من جسده اعجوبة في تحمل الالم والوجع.

"خالد" ينطق بالحكمة امام المحقق و يطرح أفكاره كإنسان واثق بذاته وثورته: "خسرنا معركة، بل معارك، لكننا لسنا مكسورين. وجودنا وتأثيرنا و دورنا لم ينتهوا لان مقاتلينا ابعدوا عن البلد او حوتهم سجونه او .... انت تعرف ماذا فعلتم . وحتى لو سلمت منطقكم فانتم تحتاجونني سليما ومعافى لأتمكن من خدمتكم . فلدي نقطة قوة لا افرط بها . ولكي اقبل المساومة اريد الاوراق مكشوفه، اوراقا مكشوفه" ص134، رغم خطورة الموقف ومعرفة "خالد" لنهاية الأسر ـ الموت ـ فضل عدم التراجع امام ترهيب وترغيب المحقق، ولأنه على معرفة بالظروف التي تعاني منها السلطة الأردنية بعد ضرب الفدائيين، استنتج بانها بحاجة لمن يساند موقفها المعادي لقادة العمل الفدائي، من هذه النقطة استطاع ان يناور ثم يصمد ويبدي الصلابة والقوة امام كافة اساليب التحقيق.
يقدم لنا الراوي احدى هذه الاساليب "... انت تعرف العاصي الذي يحمل السلاح ضد الدولة، عقوبته الاعدام، انت لم تعدم كانوا في قيادة اللواء يعدون العدة لإعدامك، والذي نجاك هو دولة الباشا ودولته هو الذي ندبني للحوار معك واذا انقطع حوارنا ستزول حمايته عنك" ص 135، معرفة ما يريده المحقق تجعل الامور اوضح أمام المعتقل، فرغم قناعه "خالد" بأن هناك اخطاء عند القيادة، وهناك عناصر انتهازية، ساهمت فيما آلت إليه الأحوال، ومع هذا يأبى ان يتحامل او يتهجم أو يمتعض منهم امام المحقق، ذلك لأنه يعلم ما يراد من وراء هذا الامر – تحطيم معنويات المقاتلين أولا، واعطاء مبرر للسطلة لما تقوم به من مجازر ضد الفدائيين ثانيا ـ "أننا نقدم لك حياتك الا تكفيك؟، لو احلتك الآن الى المحكمة هل تشك بنوع الحكم التي ستصدره، حياتك مقبل حديث، ولكل خطوة بعد ذلك ثمنها، ولو حكمت بإنصاف لشكرتنا! وأي حديث؟ عن قناعاتك، عن معاناتك عن قيادة باعتك وهربت" ص142، المحقق يساوم "خالد" على حياته مقابل التعاون معه (بحديث بسيط)، لكن "خالد" استبق هذا العرض مذكرا المحقق بان حياته قد عرضها للخطر اكثر من مرة وانها ليست بذات اهمية عندما تكون لحساب المبدأ والعقيدة التي يؤمن بها، فهي لا تساوي شيئا امام الخيانة، ولتزهق اذا كانت ثمن ذلك خيانة الثورة و الرفاق.
لم يكتفي "خالد" بذلك بل تقدم اكثر الى الأمام عندما قال للمحقق بعقم اساليبه: "هل تتصورن حقا ان كلام الخونة يؤثر على الراي العام وان سلوكهم طريق الخيانة يخدعه، هل تظنون ساقطا من هنا، ومن منهار من هناك، وجبانا من تنظيم وطامعا من آخر سيضعون تحت اشرافك قيادة يرضى بها شعبها وينفض عن القيادة التي رضيه بها فعلا. كم خائنا جلبتم حتى الان إلى الإذاعة والتلفزيون فهل ... بماذا ستفيدكم خيانتي ما دامت لن تلغي ما يشكو منه الناس ناسكم قبل ناسنا؟ " ص 143 +144، وضع اسوأ الاحتمالات "التعذيب و الموت" ثم العمل على هذه الاحتمالات يعطي المعتقل القوة والثقة بالنفس لكي يصمد وينتصر على جلاده، فلتراجع وتقديم التنازلات امام المحقق الذي يستخدم الاساليب السادية من ترغيب و ترهيب، يشكلان الخطر الاكبر على نفسه/روحه/مبادئه، وليس على حياته، حياته حسم امرها عندما قرار أن يكون في الثورة، التي تعني له وسيلة لتحقق اهدافه وغاياته.
بعد الباسلة والتألق التي يبديها "خالد" في المواجهة، ينتقل المحقق الى اساليب جديدة فيقرر ان يجلب رفيقته ( سميرة ) ويعذبها اما ناظريه "انت ستكون متفرجا ستشهد عذاب شخص اخر سنختبر قدرتك على احتمال عذاب الاحبة ... انت اعقل من ان تترك حبيبة تتعذب بسببك ، امرأة وحبيبة هل جربت وجع الروح" ص 154 من هنا يتم تثوير المشاعر الانسانية عند "خالد" وتبدأ عملية الضرب على جراحه، فهو في النهاية إنسان وليس كتلة حجرية، فهل سيحتمل ان يرى حبيبته ورفيقته "سميرة" تتعذب ؟ .
لقد عمل الراوي على رفع مستوى الهواجس عند بطله "خالد" – تعذيب سميرة – وكانه يردنا ان نتأكد بان الانسان "خالد" كائن بشري وليس كائن فضائي، وهذا يعطي القارئ اشارة الى قدرة الانسان على تحمل الالم و الوجع وعلى الصمود في الأسر، وان لا يقدم على فعل الخيانة مهما كان حجمها ومهما كان شكلها، فهي تعني له الموت ـ فقدان أسباب الحياة، فقدان الهدف الذي سعى إليه ـ اما فقدان حياته في سبيل الأهداف التي أمن بها، فهي تعني له الحياة، وهنا كان الصراع الفكري بين الضحية والجلاد، الضحية على استعداد أن تقدم الروح في سبيل الهدف/المبدأ، بينما الجلاد يحاول أن يعطي الضحية حياة بائسة، حياة الذليل، الخائن، وهذا ما جعل من صورة الجلاد شخصية هزيل بائس، فهو يساوم على أرخص شيء عند "خالد" ـ الموت في سبيل الغاية والهدف ـ بينما وجدنا صورة "خالد" القوي، الصلب الذي يتحكم بجلاده .

الرواية من منشورات المؤسسة الفلسطينية للإرشاد القومي، رام الله، فلسطين، الطبعة الثانية 2004










الإنسان في رواية
"وجوه في درب الآلام"
مشهور البطران
عندما تكون الكتابة نابعة من العقل الباطن تكون في أوجها، حيث يجد القارئ صدق وإيمان الكاتب بما يضعه في نصه، وكأن النص والكاتب هما شيء واحد، هما الكتاب/النص نفسه، هذه الرواية الثالثة التي اقرأها "لمشهور البطران" وجدناه فيها ناضج ومتألق، إن كان من خلال اللغة، أو من خلال طريقة تقديم المادة الروائية، أو من خلال الفكرة التي تحملها الرواية.
موضوع الراوية صعب وقاسي حيث تتحدث عن السجن والاعتقال والتعذيب، وهذه المادة في طبيعتها مؤلمة له لنا، لكن الراوي كتبها في ألا شعور، من خلال العقل الباطن، رغم أنه كان يقصد ومخطط ويهدف إلى تقديم تجربة الاعتقال، لكنه عندما بدأ في الكتابة هيمن عليه العقل الباطن وأصبح هو المتحكم في طريقة تقديم النص/الفكرة، وتم تحيد العقل الواعي أثناء الكتابة.
وهنا قد يبادر البعض بطرح هذه الأسئلة: أين هو العقل الباطن في الراوية؟ وكيف يمكننا أن نجد تأثيره على النص الروائي؟ ومتى وأين كان يكتب الراوي من خلال العقل الواعي؟ وما هي الفواصل بين الوعي وألا وعي في الرواية؟، اعتقد بأن الرواية تجيب عن كل هذه الأسئلة، وتقدم لنا دلائل واضحة واجابات شافية.
الرواية قدمت في جزأين، الأول يتحدث عن الاعتقال والتعذيب والسجن والمعتقلين وشيء عن الحياة التي كانت قبيل الاعتقال، والجزء الثاني ـ هو لا يشكل أكثر من ربع الراوية ـ يتحدث عن "عبد القادر" بعد خروجه من السجن وكيف بدأ يرسم/يخطط لحياته بعد التحرر، الجزء الأول زاخر باستخدام لغة خاصة استثنائية، فالراوي يقدم الأحداث من خلال هذه اللغة، فهي الجسم الحامل للفكرة، فختار في العقل الباطن جسم جميل ومتألق ومبهر ليقدم لنا فكرة صعبة وقاسية ومؤلمة، وكأن الراوي أراد لنفسه ثم لنا نحن المتلقين للنص الاستمتاع باللغة الجميلة التي قدمها لنا، وفي ذات الوقت لكي تخفف عنه وعنا قسوة تلك الذكريات، وهذا الأمر وجداه في اكثر من موضع للرواية، فعندما يكون الحديث عن التعذيب والألم تكون اللغة الجميلة والمتألقة حاضرة، وعندما يكون الحديث عن موضوع عادي، لا يحمل القسوة تكون اللغة عادية، لكنها تبقى ضمن النسق الأدبي، سنختار شيء من المقاطع لتوضيح هذا الأمر، ونبد بالحديث عن المخيم وكيف تم اقتحامه من قبل جنود الاحتلال: "أفر من مخدعي المسكون بالأرق إلى شرفة الندية تلمس طراوة الهواء، يتراءى لي المخيم في غبش المساء مثل كومة من حطام و أرتال من الصفيح الصدئ أهلكته تعاقب السنين، ألقي نظرة على أفق المخيم الغافي، بيوت منسوفة تدلف حيطانها ذكريات الراحلين، ومحيط هائل من الأوجاع والمرارات، مسارب ضيقة مسكونة بالعذابات، جرحى، مشوهون لم تتجاوز أعمارهم سن الحلم يمشون على عكاكيز مثل قدامى المحاربين، يبحثون عن أرض صغيرة تتسع أحلامهم الصغيرة" ص4، في المقطع السابق كانت اللغة هي العنصر الأجمل والأرقى، فالفكرة قاسية ومؤلمة، لكن اللغة الحاملة للفكرة كانت مذهلة ورائعة، مما يخفف من قسوة المشهد/الفكرة على الراوي وعلينا نحن المتلقين.
وعلينا أن نتخيل كيف يمكننا أن نتقبل مثل هذه الفكرة/المشهد لو تم صياغته بلغة عادية، أعتقد بأننا سنحجم عن الرواية وسيكون أثرها مؤلم ومؤذي لنا، ومن ثم نحمل على الراوي الذي يقدم لنا مشاهد/أحداث قاسية وبلغة تسهم/تزيد في جلدنا وتسبب لنا حالة من الكآبة.
المشهد الثاني القاسي كان الاعتقال، فكيف قدم لنا الراوي هذا الفعل العنيف والوحشي؟، "نعم كبرت وصرت شابا قبل أواني، لكني وجدت باب السجن في انتظاري، كانت ليلة بلا قمر عصفت فيها الريح التعاسة، ظلمة مستبدة، رياح صرصر تكاد تخلع الأشجار من منابتها، غشت البيت رعدة هادرة خلعت لوح الصفيح من السقف، راح يصفق بصوت رهيب ورتيب، الكوخ يرشح، والريح الهوج تصفر في الشقوق، في تلك اللحظة اقتحموا البيت كقطيع نمور حطمت أقفاصها، وجوههم مدهونه بالفحم لا يبين منها إلا العيون التي تجوس في الظلام كأنها عيون قطط" ص12، كان يمكن للراوي ن يختصر كل هذا السرد ويحدثنا بشكل مباشر عن اقتحام الجنود للبيت، لكن عقله الباطن يرفض أن يستعيد ذكريات مؤلمة، فهي تسبب له الألم وتعيده إلى ما لا يحب، ولهذا وجدناه يستخدم هذه اللغة، وكأنه بها ومن خلالها يريد أن يهرب من تلك الذكريات المؤلمة، لا يريدها أن تكون موجودة حتى في الذاكرة، ولهذا وجدناه يؤنسن البيت والريح، وكأنه يتملص من الحديث المباشر عم نفسه، عما حدث له من ألم وخوف في تلك الليلة.
وهنا تكمن إنسانية الراوي في الرواية، فهو بشكل انسيابي يتجه إلى التخفيف عنا عندما يريد أن يحدث عن القسوة والألم، لا يريد أن يثقل علينا، ولهذا وجدناه ـ من خلال عقله الباطن ـ يميل إلى استخدام لغة متألقة تخفف من وطأة الحدث/المشهد.

قبل الحديث عن المشاهد العادية ننوه إلى أن الراوي في الجزء الأول استخدم الفصول، بحث نجد مجموعة شخصيات واحداث تروى لنا، فالراوي من خلاله هذه الفصول كان يقصد/يريد/بحاجة إلى الاستراحة من الارهاق والألم الذي يسببه له الحديث عن الاعتقال والمحتل والأهل المتعبين في المخيم، فختار هذا الشكل من التقديم، أما في الجزء الثاني فستخدم السرد المتواصل، فالموضوع بالنسبة له ولنا موضوع عادي، لا يحمل الألم، بل الفرح والنظرة الايجابية للمستقبل، فلا يوجد مبرر للاستراحة، فليس هناك أي ألم أو قسوة توجب/تستدعي الراحة.
وانعكست هذه (العادية) على طريقة تقديمه للمشاهد والأحداث فكانت لغة أدبية عادية، فالحدث/الموضوع لا يثير مشاعر الألم والقسوة في الذاكرة، فكان لا بأس من تقديمها بشكل طبيعي أدبي، "في احد الأيام أحضرت قوائم المفرج عنهم وعممت على أقسام المعتقل، وأعطوا الأوامر لتجهيز أنفسهم للإفراج، كانت القائمة تضم أسمي مع مجموعة من المعتقلين الذي على وشك إنهاء محكوميتهم كبادرة حسن نيه من إدارة السجن" ص138، في المقطع السابق لا نجد أي لغة/تصوير مميز، فكل ما جاء فيه من سرد ولغة لا تثير/تستفز المتلقي، فهو حدث وفكرة ولغة عادي، وهنا يكون الراوي اعادة السيطرة على نصه ممن خلال عقله الواعي، من خلال قدرته على التحكم بالحدث وباللغة وبالسرد معها، فلا يوجد أي أثر للمأساة، فقد تم التحول/الانتقال من الحالة الألم إلى حالة الأمل، فهي لا تستدعي من جهد/لغة/ الكثير، كما هو لحال في الحديث عن التعذيب والخوف.

المكان
بكل تأكيد مكان الاعتقال بحد ذاته يمثل حالة ثقل وألم وبشكل دائم يتم تناوله بالسلبية، فهو لا يتناسب وطبيعة الإنسان التواقة للحرية والتمتع بالفضاء الرحب، فالجداران وما تسببه من ضيق على الجسد والنقس تكون بحد ذاتها مؤلمة ومؤذية، "اشهر طوية مضت على اعتقالي، مرت بطيئة مثقلة بالهوم، خلال هذه الفترة لم يسترع انتباهي أنني أعيش وحيدا في غرفة بحجم قفص أرانب نصفها مرحاض، كثافة نوبات التحقيق عزلتني في المحيط الذي أعيش فيه، بمجرد انتهاء جولة التحقيق كنت أغط في النوم دون أن أنظر حولي" ص26، ثلاثة عناصر تجتمع لإلحاق الأذى بالراوي، الوقت، المكان، المحقق، ولكل واحد منها دور وطريقة تؤذيه.
فالمكان يسهم/يشكل حالة ألم وضيق، ليس لأنه ضيق فقط، بل لعدم تناسبه/توافقه مع الحياة الإنسانية، يضاف إلى ضيقه أمور أخرى منها: "في تلك الغرفة المزودة بكل أسباب التعاسة أوبئة لا يعرفها الناس، حشرات تتخلق في ثنايا الحيطان الرطبة، عفن يتنامى على الأرض الباردة، طحالب تتدلى من السقف، روائح وألوان تنكرها الحواس، في هذه الغرفة فقدت حاسة اللمس، صارت كل الاشياء ذات ملمس لزج، حتى صرت أتجنب لمس الأشياء كي لا تلتصق بي، فقدت كذلك الإحساس بالألوان، صورة المصباح الأصفر المنحس المغطى بندب براز الذباب تكاد لا تفرق ذهني" ص27، فقدان حواس اللمس، الشم، بشكل كامل، والبصر بشكل جزئي، كل هذا يجعل من المكان يسهم وبشكل فاعل ومؤثر في الأذى الذي يقع/الحاصل للراوي.
وإذا ما توقفنا قليلا عن تفاصيل المشهد نجد هناك "الطحالب وبراز الذباب" كتعبير يضاف إلى الاشمئزاز والضيق الذي يحصل للراوي، فذكر الحشرات والحيوانات غالبا ما يكون تعبيرا عن حالة عدم الانسجام مع الواقع/الظرف الذي يمر به.
الوقت والزمن
الوقت ايضا يمثل حالة ضغط تضاف على المعتقل، فهو يتماثل مع حالة الضغط التي يمارسها الجلاد، وهو مؤذي في حالة التعذيب وفي حالة انتظار الحرية، ففي كلتا الحالتين يكون ثقيلا وبليدا يأبى أن يتحرك، "مضت الليلة الأولى وئيدة، لم يواجهني أحد، ولم أعلم أنني نمت، وكانت ليلة باردة، وكانت الزنزانة مظلمة، وقد شوش الظلام مفهومي للزمن، فلم أعد أميز إن كانت الدنيا ليلا أم نهار" ص15، ارتباط الظلام بالوقت يشير إنهما يتوحدان ضد الراوي، فهما يعملان معا، ويسهمان في اختلاط/تشابك الوقت، بحيث لا يستطيع تحديده فهو مبهم، يزيد من فقدانه السيطرة/التركيز، ويجعله اقل قدرة على الصمود والثبات.
أما الزمن الذي يقضيه الراوي في المعتقل فهو أيضا زمن موحش وكسول، "على هذا النحو تعين علي أن أقضي ست سنوات في السجن، أحصيت المدة دقيقة دقيقة، في غرفة مظلمة يختلط فيها الليل بالنهار، لا أستدل على دخول نهار جديد إلا من خلال صياح ديكة يأتي من الأحياء البعيدة، مع إشراقة كل صباح كنت أخط على الجدار شرطة بظفري بانتظار الصباح التالي، وتطول تلك الرحلة الرهيبة" ص3، يصف لنا الراوي الزمن بهذا الثقل، فهو يتداخل مع بعضه البعض لولا سماع صوت الديكة، ولولا تلك الشرطة على الجدران، لكان الزمن مبهم تماما.
وفي مشهد أخر يتحالف الوقت والزمن معا ليكونا على الراوي، ويسهمان في إلحاق أكبر قدر من الأذى به: "مضت الأيام الأولى من كانون الثاني باردة بطيئة مثقلة بهموم التحقيق ومآسيه" ص33، في هذا المقطع يجمع اوقات التحقيق الصعبة بحيث أخذت صفة الزمن، وهنا تكمن صعوبتها وأثرها عليه، وإذا عرفنا انها اقترنت بهذا الأمر، "وقد ازددت ضمورا لا يسبب البرد والجوع وحسب، بل بسبب الشعور الطاغي بالهجرة والقطيعة اللذين استبدا بي خلال تلك لأيام" ص33، تكون كل عناصر الضغط حاضرة/متآمرة في المشهد السابق، المكان، لوقت والزمن، القطيعة عن الناس، ظرف التحقيق، وحالة البرد القارس، كل هذا يتكالب على الروي، فيا له من إنسان عظيم هذا الذي يصمد أمام كل هذه الأهوال.
التعذيب
موضوع التعذيب الذي يمارس في اقبية معتقلات الاحتلال من العناصر الاساسية في راوية السجن، فهو يمثل حالة الألم التي لا يمكن أن تمحى من الذاكرة، لما تخلفه من آثار ة جسدية ونفسية على المعتقل، "عبد القادر" يحدثنا عن هذا التعذيب قائلا: "فرب السيجارة من جلدي دون أن تلامسه فبدا لسع حرارتها يسري كلسع السياط، ... وهكذا تحول جلدي بين ليلة وضحاها إلى منفضة للسجائر، كان يدعك السيجارة تحت إبطي ويتركها تغوص تحت جلدي حتى أسمع طشيش الدهن على جمرها" ص20، بهذا المشهد يبن لنا الراوي قدرته على تحمل الألم وعلى صموده من جهة وعلى وحشية المحتل الذي يستخدم هذا الشكل من التعذيب من جهة أخرى.
تحدثت اكثر من رواية عن كيس الخش الغارق بالبول والذي يضعه المحقق على رأس المعتقل، فهذا الشكل من التعذيب يمارس في كافة معتقلات الاحتلال، وكأنه كتاب مقدس يرجع إليه المحقق عندما يجد المعتقل صامد أمام رهبة وطرق التعذيب الأخرى، "ـ أربطوه فقط رؤوس أصابع قدميه تلامس الأرض، وأغطوا رأسه بكيس نفايات.
مع ذلك الكيس المغمور بالروث تنبعث في لنفس كآبة وغثيان" ص22، اعتقد بأن هذا التوثيق لممارسات الاحتلال ضد المعتقلين لا بد أن تكون لنا مراجع يمكننا من خلالها أن نحاكم كل من مارس التحقيق في معتقلات الاحتلال، دون استثناء، فكل المحققين يعملون بهذا الشكل القاسي.
التعذيب بالآخرين
من الطرق الجهنمية التي يستخدمها لمحقق، تعذيب المعتقل بالآخرين، بمعنى أن يأتي بشخص يعذب أمام المعتقل، أو ن يأتي بامرأة ويعريها أمام المعتقل كتعذيب لها وللمعتقل، وهو من أشد أنواع التعذيب التي تمارس على المعتقل، لما فيها من إثارة للمشاعر والاحساس الإنساني، لكن المحتل لا يتوانى عن استخدام كل ما يمكن أن يصله إلى الاعتراف المعتقل، "...مد أحدهم يده إليها فانتفضت مثل نمرة، قال كبير المحققين بلهجته الصارمة:
سوف أعريها الآن أمامك حتى تعترف، ...كان علي أن اختار بين أمرين أحلاهما مر" ص 31، هذا الشكل من التعذيب يؤكد حيوانية ووحشية المحتل، فهو يمارس شكل بربري من التعذيب ضد المعتقل، وفيه انتهاك للمفاهيم الإنسانية قبل أن يكون انتهاك للإنسان نفسه.
المحقق
اداة لتعذيب، مصدر التعذيب هو المحقق، فهو الخصم المباشر للمعتقل، وهو من يقوم بعملية التعذيب الجسدي والنفسي، وهو من أوجد المعتقل في هذا لمكان المؤذي، وهو من جعل الوقت ثقيلا وبليدا علبه، بمعنى آخر المحقق هو سبب كل المصائب التي تقع على المعتقل.
من هنا ستكون صورته بشكل دائم صورة بشعة، خلقا وخلقا، فهو بعيد جدا عن الشكل الإنساني، "...ولا أدري كم من الوقت مضى عندما أنشق باب الزنزانة للمرة الأولى عن ذلك الوجه المرعب الذي اندمغت صورته في ذاكرتي إلى الأبد، وجهه صفيق سنجابي اللون كثير التجاعيد، رأسه منتوف مثل دجاجة مسلوقة، مرعب كالمسوخ، لدرجة أن وجه دراكولا يعتبر وجه أم رؤوم قياسا إلى وجهه، له عينان وقحتان تستبيحان كل المحرمات، أما يداه فجارحتان كالنصل لا تتقنان سوى لعبة واحدة هي التعذيب" ص 15و16، إذن المحقق بهذا الوصف هو كائن غير بشري، وهو اقرب إلى وحوش الغابة التي لا تعرف من الاجتماع الإنساني شيء فلا شكله/هيئته ولا سلوكه/مهنته تقترب من السلوك/المهن الإنسانية، وبهذا يكون الراوي قد قدم لنا المحقق على حقيقته وبصورته الواقعية كما هي لا زيادة ولا نقصان فيها.
أما نفسية هذا الوحش، كيف يفكر، كيف يتصرف، يجبنا "عبد القادر" قائلا: "مخلوق تعس استبدل رأسه "ببستار" من حديد يقوده في ردها السجون، رجل مفتون بالألقاب، بهرج الرتب يؤجج شهوته المريضة، فغاص في أوحال الرذيلة باحثا عن مزيد من الشارات، رافعا شعاره القذر: كل من يدخل ضيافة سيمون يجب أن يضع كل ما لديه على الطاولة، حتى لو لم يكن لدية يعترف به، التهمة جاهزة: التحريض، تهمة فضفاضة تدقع كل يوم العشرات من الفلسطينيين إلى السجون" ص24، بعد الحديث عن شكل وهيئة المحقق كان لا بد أن يتم الحديث عن طريقة سلوكه في الحياة، مع الآخرين، طريق تفكيره، رغباته، طموحه، فمن خلال الوصف السابق نجده مريض نفسيا، يعاني من جنون العظمة، سادي، لا يهتم بالنواحي الإنسانية بتاتا، ويقوم بعمله كمكنة/كآلة.
أثر الاعتقال والتعذيب
أمام هذه الأهوال التي يعرض لها المعتقل لا بد أن تترك آثار جسدية ونفسية عليه، فهو أولا وأخيرا كائن بشري يتأثر بالأحداث وبالمحيط الذي هو فيه، "في هذه الغرفة فقدت حاسة اللمس، صارت كل الاشياء ذات ملمس لوج، حتى صرت أتجنب لمس الأشياء كي لا تلتصق بي، فقدت كذلك الإحساس بالألوان، صورة المصباح الأصفر المنحس المغطى بندب براز الذباب تكاد لا تفرق ذهني" ص27، بهذا الشكل يحدثنا الراوي عن الإنسان الكامن فيه، فقد تم محو اشياء اساسية منه، فقد عناصر مهمة وحيوية في الإنسان، حاسة اللمس، الشم وشيء من النظر.
إذا كان المشهد السابق تحدث عن الأثر الجسدي على المعتقل، فهناك أثر نفسي لا يقل ضرر عن الجسدي، والذي يمكن أن ينهي فاعلية المعتقل الاجتماعية تماما، بحيث يكون جثة حية، "... مددت يدي كي تشدني إليها فإذا بي أمسك فراغا، فراغا رهيبا وظلمة طاغية، كان السجن كبيرا، كبيرا جدا أكبر من كل المساحات التي حلقت في وهم سماواتها" ص74، قلب المكان الضيق إلى مكان بهذا الاتساع يؤكد عدم سوية/منطقية المتحدث، فهو يتحدث بطريقة غير منطقية بالنسبة لنا، لكنها نابعة من العقل والمنطق بالنسبة لقائلها، فالمكان والزمان، طرق التعذيب التي تعرض لها جعلت الأمور تأخذ هذا المنطق عنده، فحالته تماثل حالة الضحك في حالة المصيبة، فعل لا يتماثل مع الحالة، لكنه يشير في حقيقة الأمر إلى حجم هذا المأساة عند هذا الإنسان، وهذا ما فعله "عبد القادر" عندما قلب ضيق السجن إلى هذا الاتساع.
محاكم الاحتلال
العديد ممن كتبوا عن رواية السجن تحدثوا عن المحاكم، وما فيها من مهازل، فهي بصورتها تبدو محاكم، فيها القاضي والشهود والمدعي العام والمحامي والمتهم والحضور، لكن في مضمونها هي اقرب إلى العروض المسرحية، حيث يكون هناك نص ملزم لكل ممثل عليه الالتزام به، وإلا لن يكون العمل المسرحي ناجح، هكذا هي محاكم الاحتلال.
من قوانين هذه المحاكم هذا القانون: "ـ إن قانون "تامير" الجديد يتيح للقاضي أن يصدر حكمه من دون الحاجة إلى اعتراف المتهم مكتفيا بشهادة الجنود" ص75، هل يوجد قانون يسمح بسجن الشخص، ويمكن أن يكون هذا السجن لأكثر من عشر سنوات دون وجود اعتراف من المتهم؟ أعتقد هو موجود في دولة الاحتلال فقط، فلها أن تسن وتعمل حسب ما تريد وحسب رغبتها ما دام لا يوجد من يحاسبها أو يحاكمها على جرائمها بحق الفلسطينيين.
ومن مهازل هذا المحاكم هيئة القاضي، فهو رجل قانون بامتياز! "... دخل القاضي قاعة المحكمة، كان يلبس بزة عسكرية، وفي حزامه العريض مسدس وأمشاط ذخيرة، وعلى كتفيه ترقد أوسمة ونياشين، كان وجهه الأحمر يذكرني بوجوده مصاصي الدماء في أفلام هوليود" ص88، إذا القاضي هو عسكري، يدخل إلى قاعة لمحكمة كما يدخل إلى ساحة المعركة، سلاحه على جنبه، رتبه العسكرية على كتفيه، الأوسمة تزينه وتجعل له هيبة عند الجنود وعند العدو، فقد خاضع العديد من المعارك ولهذا حصل على هذه الاوسمة التي تظهر قدرته القتالية في الحروب.
الآخر الايجابي
ما يحسب للرواية السجن الفلسطيني أنها رغم الألم والعذاب والقهر الذي يقع على ابطال الرواية إلا أنها التزمت الحياد حين قدمت الآخر، فقدمته لنا على حقيقته، إن كان سلبيا أو ايجابيا، وهذه القدرة عند الرواة على تجردهم وحياديتهم تؤكد على الحالة الإنسانية التي يتمتعون بها، فلم يجعلهم التعذيب والسجن يفقدوا شيئا من هذه الإنسانية، من هنا وجدناهم يقدمون لنا أفراد واشخاص يتمتعون بإنسانية مطلقة عند الطرف الآخر، "جوركي" يمثل شخصية الإنسان الفنان الذي يرفض أن يكون وحشا يمارس سلوكا يتناقض مع مفاهيمه الإنسانية، من هنا وجدناه بهذا الوصف: "...ثم سألني أن كنت احتاج شيئا، كان وجهه أكثر إشراقا من ذب قبل، لكن سلوكه بدا لي غريبا بعض الشيء في أجواء معتقل غارق في آهات المعذبين ، قلت له جاهدا للتغليب على عسر مفرداته:
ـ بعض السجائر.
مد يده إلى جيبه وأخرج علبة السجائر وناولني إياها غير منقوصة، ثم أغلق الباب مخلفا وراءه صدى ابتسامة مرحة" ص51 و52، إذن بهذا المشهد يقوم الراوي بتأكيد إنسانيته من خلال عدم الانغماس كليا في مشهد العذاب والألم الذي وضعه فيه الجلاد، وتجاوزه كل آلامه وبقى متمسكا بإنسانيته. وهنا تكمن عظمة الراوي، الحفاظ على حياديته عندما يريد أن يقدم معلومة أو يسرد حدثا أو مشهدا ما.
هذا السلوك الغريب والمتناقض مع واقع الاعتقال والجلادين أثار حفيظة "عبد القادر" مما جعله يدخل في حوار مع "جوركي" حول الدوافع التي تجعله يقدم على خرق القوانين المتبعة في معتقلات الاحتلال:
"ـ لماذا تفعل كل ذلك من أجل شخص لا تعرفه تماما؟
ـ لأنني إنسان
عندها أدركت معنى أن يكون الإنسان فانيا، تحدثنا طويلا عن الفن والأدب وخلصنا إلى نتيجة أن الفنان الملتزم لا يمكن أن يكون شريرا بعكس السياسيين الذين ملأوا العالم بشرور سياستهم السقيمة" ص62، عدم اكتفاء الراوي بالمشهد السابق وتحدثه عن طريقة التفكير عند "جوركي" تؤكد على الانفتاح المطلق التي يتمتع به، فهو يريدنا أن نتأكد بأن الفنان/الأديب لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن يكون جزء من الشر، يمارس ما يتعارض مع مفاهيمه أو أخلاقه، فالحالة الإنسانية تجعله متمسك بما يحمله من أخلاق وفكر ويقدم وبصدر رحب على ممارسة دوره كإنسان بصرف النظر عن المكان أو الظرف الذي يكون فيه.
الحديث عن "جوركي" لا ينتهي عند هذا المشهد، بل يتوغل الراوي أكثر مؤكد بأن الإنسانية رابطة عظيمة، وتصلح لتكون جامعة لكل الناس بصرف النظر عن معتقدهم أو قوميتهم، فنجد "جوركي" بعد أن يعود إلى وطنه الذي جاء منه إلى أرض العذاب والقهر "إسرائيل" يراسل "عبد القادر" كتأكيد على العلاقة الوطيدة التي نشأت في مكان وظرف غير مناسب.
الحيوانات
غالبا ما يأتي ذكر الحيوانات والحشرات كتعبير عن حالة عدم الرضى والقرف والغضب التي يمر بها الراوي، فهي ملجأ للراوي يلجأ إليها ليصب من خلالها لجام غضبه على الواقع الذي يمر فيه، فالحيوانات تأتي في النص الروائي عندما تكون الشخصية المركزية تمر بحالة الضيق والألم، وهذا ما أكده "عبد القادر" في رواية "وجوه في درب الآلام": "...فأرتعش جزعا وخوفا، ولطالما زارتني في الليل أشباح الماضي في هيئة مسوخ، قرود سوداء بأذناب ملتفة على بعضها في مشهد يذكرني دوما بعناق الأفاعي" ص3، نجد حالة الخوف، ثم تبعها ذكر للقرود والأفاعي، الأول يمثل البشاعة والمسخ، والثاني البشاعة والغدر والموت، فالمعتقل يعيش ظرف قاسي، ويتعرض لمعاملة بشعة من قبل محتل قذر وغدار.
"كان اليوم الأول في السجن هو الأصعب، شعرت دبيب النمل يتسلق جلدي، وأطبق التوتر على خناقي" ص21، المكان يفرض هيبته على الراوي ويجعله يشعر بهذا النمل الذي يتطفل على جسده ويجعله مضطرب وفي حالة غير طبيعية.
أما عن المخيم الذي لا يصلح للحياة البشرية، فهو أيضا شكل حالة ضغط على الراوي، من هنا وجدناه يتحدث عنه بهذا الشكل: "في خضم هذا القرف تهب في عفونة الأمسيات المزرية أرتال القوارض وكافة أصناف البعوض التي ثير في النفس الشعور بالخيبة، بعد هجوم قطعان لبعوض وما تتركه في النفس من كدر يأتي دور الكلاب الضالة والقطط الهائمة" ص5، إذن الحيوانات والحشرات تمثل حالة الضغط وعدم الرضا التي تفرض على شخوص الرواية، فمن خلالها يعمق الراوي مشهد المأساة/الغضب/الحنق الذي يمر فيه، وفي ذات الوقت يقدم مشهد غير مألوف، مشهد حيواني غير إنساني، مما يجعل المتلقي يشعر/يتفاعل مع الحدث.
إذا كانت المشاهد السابقة ناتجة عن أثر المكان على الراوي، فكيف يكون أثر الجلاد على الراوي؟ "...اقترب من خطوات وئيدة وعيناه مركزتان نحوي مثل نمر يعاين فريسته، تضاعف إحساسي بالقلق، نظرت إلى ذراعيه فإذا جلده حليق أملس مثل جلد كلب البحر" ص16، هذا الوصف يؤكد الربط بين حالة الضغط وحضور الحيوانات، فيجد من خلالها الراوي متنفس له وأداة يستطيع من خلالها أن يعبر عن واقعه القاسي والصعب.
الأم
وهناك استحضار آخر لكنه إنساني في حالات القسوة والضيق، فالعديد من الرواة يستحضرون الأم أو المرأة أو كلاهما وقت تعرضهم القسوة أو الشدة، لما لهما من أثر يخفف من حدة المشهد الذي يمرون فيه، فالأم بشكل شبه مطلق تقدم بصورة ايجابية، ونجد هذا الحضور في العديد من الروايات، فالأم تبقى الإنسان الأهم في حياتنا، إن كنا صغار أم كبار، "..فضربه الجندي بعصا حتى تكوم مثل كمشة ثياب، يومها كنت صغيرا، ارتعب لرؤية المشهد، قفزت إلى حجر أمي مرتعشا سألتها بكلمات دامعة تحمل من الخوف أكثر ما تحمل من هم السؤال:
ـ لم يضربون هؤلاء الرجال؟
لم تجب وكتفت بالقول:
ـ عندما تكبر ستعرف كل شيء " ص10، الام هي من يلجأ إليها في حالة الخوف ، وهي من يمتلك المعرفة لتجيب عن الأسئلة التي يفرضها الواقع على الطفل، لكن هل الأم تقتصر حضورها ودورها على هذا الأمر، أم أن لها دور آخر، دور غير لجوئنا إليها وقت الخوف؟.
يجيبنا الراوي من خلال هذه الصورة فيقول: "أحببت هذا الوطن ... في مفاتيح دارنا العتيقة المعلقة في حزام أمي منذ أربعين عاما" ص11، الأم هنا تحمل رمزية الثبات على الحق وعدم التفريض به، رغم مرور الزمن، ورغم الظرف البائس الذي يفرض هيبته عليها، فهي امرأة متمسكة بحقها ولهذا نجد مفتاح بيتها ما زال في مكانه، وكأنها في رحلة قصيرة/زيارة لإحدى الجارات ومن ثم ستعود إلى بيتها.
ويضاف إلى دور الأم قدرتها على الجلد وعدم إظهار جزعها أمام المحتل، فهي ترفض أن تظهر ضعفها، وكأنها قائد في الميدان يرفض أن يظهر ما به من ألم أمام الجنود، فعندما جاء جنود الاحتلال للقبض على "عبد القادر" كانت أمه بهذه الصورة: "..غير أن أمي منعت من وداعي وسمعت نحيبها المجروح من الركن القصي للغرفة المجاورة" ص13، بهذا المشهد ترتفع مكانة الأم الفلسطينية إلى مصاف العظماء الذي يقودوا المعارك ويتحملوا كل ويلاتها، فهي تتصرف وهي حريصة جدا على مشاعر ابنها، ولهذا وجدنها تحجم عن توديعه وهي تعلم بأنه ذاهب إلى الجحيم بعينه، إلى أقبية المعتقلات وما فيها من تعذيب وألم.
بعد هذا الحديث الواقعي عن حضور الأم يحدثنا الراوي عن حضورها الوهمي/الخيالي، حضورها غير ملموس على أرض الواقع، لكنه فاعل ومؤثر كما هو الحال أثناء وجودها كجسد وكروح.
يقدم لنا الراوي مشهد من اصعب مشاهد التعذيب الذي تعرب له، مما جعله يشعر بحالة ضعف كادت أن تسقطه أمام الجلاد، "...وربطي في عامود لنور ووقف ينتظر إعلان استسلامي.... شعرت بالموت يدنو مني مثل سحابة سوداء، في ذلك الفجر القاسي أسدلت جفني لأحضر كلمات اعترف تخفف من وقع هزيمتي، لأخفف عن نفسي وطأة إثم كان سيحل بي إلى الأبد.
حينها جاءتني أمي على عجل، تركب برقا يشق طريقه في السماء بين سحب من فراشات ثلجية، وقفت أمامي بهيبتها التي يستحيل تجنبها وبدأت تتحدث بصوت عذب رائق أثملني بدفئه، صرخت في إعياء لا حد له: أماه فكي قيدي" ص 23، هل هذا الأثر له تفسيرات مادية/جسدية، أم أنه مجرد وهم/خيالي ليس أكثر؟ اعتقد أن هذا الحضور للأم يشير إلى أنها حاضرة حتى في حالة غياب جسدها، فهي التي تنقذ الراوي أثناء الضعف، وتجعله يتماسك من خلال طيفها الذي أتى كملاك يركب السحب.
وإذا ما تأملنا الألفاظ التي استخدمها الراوي نجدها فيها العلو والسمو والبياض والطبيعة وكأنه تخلص/انتقل من مكان التعذيب إلى فضاء رحب وواسع وجميل، فنجد ألفاظ "برق يشق، السماء/السحب/ فراشات ثلجية/ عذب/ رائق/أثملني/بدفئه" هذا الأمر يشر إلى قدرة الام على نقل الراوي من عالم بائس إلى آخر رحب وبهي، فهي تمتلك قدرات خارقة تحول الأسود إلى أبيض.
المرأة
من العناصر التي تخفف حالات الضغط والقسوة، المرأة، فهي تسهم في رفع الثقل عن كاهل الرجل، لما تمتلكه من مؤثرات وحوافز جسدية/جمالية تجعله يشعر بالارتياح والسكينة، فهي تسهم في تشكيل حالة من الاتزان من خلال بث الأمل بالمستقبل، جسيدها/وجهها/عيناها/قوائمها، كل ما فيها يثيره ايجابيا، وتجعله ينتقل من حالة البؤس إلى حالة من الأمل.
ننوه هنا إلا أن حضور المرأة/الحبيبة يكون بعد حصول الشخص على شيء من الراحة، وليس اثناء القسوة الشديدة، فتلك من مهام الأم، وهذا ما اشار له الراوي عندما حدثنا عن "فاطمة" محبوبته: " في تلك الليلية جاءت معذبتي بعد غيبة طويلة، كان وجهها ندي مثل وجه الأرض المعشوشب تضع على رأسها تاجا من نوار اللوز بدا في انسجام كامل مع ثوبها الأبيض الذي يشف عن نهدين نافرين، دخلت الزنزانة فهبت رياح خفيفة بددت الرطوبة الخانقة" ص71 و72، هل هذا تخيل أم واقع، اعتقد بما أن الراوي انتقل من حالة سيئة إلى أخرى جيدة فهي بالنسبة له واقع، ولهذا نجده يستخدم ألفاظ ناعمة "وجهها ندي/لأرض المعشوشب/نوار اللوز/ثوبها الأبيض/نهدين نافرين/ريح خفيفة" إذن اللغة تعكس الأثر الذي خلقته المرأة على الراوي، وهذا الأثر مفرح له وللمتلقي، الذي أخرجه من أورقة السجن وعفانة الجداران إلى هذا العالم الفسيح والجميل.
الصور الفنية
قدرة الراوي على التصوير تسهم في تقدم/اعجاب المتلقي بالنص، فالتصوير الفني يمثل فاكهة في العمل الأدبي، لما له من أثر جمالي، وإذا ما تتبعنا ما كتبة "مشهور البطران" من روايات نجده متخصص في استخدام الصور الفنية خاصة عندما يكون الحدث/الشخصية تمر بأزمة قاسية، فمن خلال هذا التصوير يخفف من حدية المشهد على المتلقي ويجعله مستساغ رغم ما فيه من قسوة وألم، وهنا يكمن ابداع، عدم جعل النص قاتم تماما، فمن خلال التصوير الفني يكون هناك شيء من الجمال يسهم في الخروج من منطقة السواد ولو مؤقتا.
المكان، المعتقل قاسي ومخيف، لكنه أدبيا جاء جميلا ومبهرا، " رأيت دوني السجن، مقرا رحيبا وكئيبا يبدو مثل سفينة راسية في بحر بلا روافد، يعوم على آهات المعذبين شوقا واحتراقا، رأيت سجينا عاريا مربوطا على السياج دامي الجفنين ينظر نحو مطلع الشمس ويغني للرياح الحاملات وعود البشارة والفرح، طارت بنا الغمامة على طول البلاد وعرضها، رأيت أشياء كثيرة" ص72، يكمن ابداع الراوي في الانتقال من الجداران وما فيها من عذاب إلى عالم الطبيعية وما فيه من جمال وبهاء.
فحتى عندما أراد الراوي أن يتحدث عن بشاعة المحقق قدم لنا صورته بشكل فني: "في هذه الأثناء اشتد أوار الريح في الخارج فيما كانت عيناه تثقبان وجهي، فجأة اقترب مني كأنه جمل هائج، بدا لي وجهه المشوه مثل خربة مهجورة" ص16، اعتقد بأن هذه الشكل من الصور يسهم في تخفيف من قسوة النص والمشهد، ويجعل الحدث مقبولا رغم ما فيه/ما يحمله من سلبيات.
وعندما يأتي المحقق بالمرأة التي يريد أن يعريها أمام "عبد القادر" قدم لنا مشاعره بهذا الشكل: "...ثم صرخت في وجهي محذرة: إياك أن تعترف.
كانت صرخاتها عنيفة تجمع بين الحب والغضب، شعرت بثقل الضمير يحبس أنفاسي، أغمضت عيني ولم أعد أسمع إلا أنينها الخامد يثير عاصفة في دمي، وأحسست وخزا في قلبي، وطعما علقما في فمي" ص31، مشهد قاسي ومؤذي ليس للراوي وحسب بل للمتلقي أيضا، ورغم هذه القسوة إلا أن طريقة تقديمه كان فيها ابداع وتألق، وهذا ما خفف من حدة المشهد على المتلقي.؟
وعندما يصف لنا الراوي حالة "رؤوف" الذي تعرض للتعذيب حتى الموت يقول: "فقد كان المريض يرتجف كشجرة على الشاطئ" ص66،
وقدم لنا مشهد الجنازة بهذا الوصف: "... وقد راعهم كيف كان الجثمان عاريا منصهرا على أحقاده المكبوتة قابضا بطواحينه القوية على محرار موته" ص70، اعطاء الميت اعمال الأحياء يعد تجاوزا للمألوف، وهنا يكمن تألق الراوي الذي قدم مشهد جنازة الميت، وحوله إلى فعل حي ومؤثر.
وهناك استخدام فني جاء عندما بزغ الأمل من بعد اليأس، فيصور لنا "جوركي" الجندي الإنسان بهذا الشكل: "بدا لي مثل زهرة ذابلة اقتلعت من أرض خصبة وزرعت في أرض يباب" ص51.
ومن المشاهد الرائعة وصف عملية حرق الكتب من قبل جنود الاحتلال، والتي جاءت بهذا الصورة: "كنت اراقب احتراق الكتب وأنا احترق معها، أحسست ضرام القصائد يشرئب في بدني، وغشتني ساحبة من رماد الكلمات المتفحمة، كان لكل كتاب حياته الخاصة، الكتب تفحمت وبقيت حيواتها تمور في اعماقي" ص13، من اهم المشاهد التي تربط القارئ بالكتاب، فالكتاب كائن حي كما هو الإنسان، ولا يمكن التعامل معه كجماد من قبل القارئ، لما يتركه فيه من أثر وفكرة ومشاعر.
الحكم
الحكم تمثل خلاصة تجربة رؤية الراوي للحياة، للأحداث الروائية، فمن خلالها يعبر عما اختزنته الذاكرة من أفكار يقدمها لنا بشكل بكلمات مختزلة ومكثفة، "لا يفغر الخطايا الجسام إلا الموت" ص 41، كلمات جاءت على لسان عاطف الذي تعامل مع المحتل في انتزاع الاعترافات من المعتقلين، وجد بالموت تظهير للجسد وللروح من الآثام التي علقت به.
"الفنان الملتزم لا يمكن أن يكون شريرا" ص62، جاءت على لسان "جوركي" الفنان الذي اجبرته الظروف على التواجد في المعتقل. فاستعان بمفهومة للفن لكي يتخلص من دوره كجلاد.
"عندما لا يكون الجسم قادرا على تحمل الألم تصبح الغيبوبة ملاك الرحمة" ص82، جاءت على لسان "عبد القادر" عندما تعرض لهجوم عملاء المحتل "العصافير" لكي يعرفوا منه إلى أي تنظيم ينتمي.
"واقتنعت أن العزلة عن البشر هي أشد أنواع العذاب فتكا بالإنسان" ص28، جاءت على لسان "عبد القادر" بعد أن وضع في السجن.
" ـ يا أخي كيف تريد لأمة أن تنتصر وهي مدججة بكل أسباب الهزيمة" ص108، جاءت على لسان "سعيد الأعرج" كتحليل لما جرى من احتلال اميركي للعراق.
"أن الحب والمرأة والفكر منظومة تشبه المثلث المتساوي الأضلاع، إذا غاب منها ضلع تشوه باقي عناصر المنظومة" ص117. رؤية "خالد الصواف" عن الحياة.
الرواية من منشورات دار البيان، بيت لحم، فلسطين، الطبعة الأولى 2002.














"عائشة عودة" كتبت روايتها بجزأين، الأول تحدثت فيه عن التحقيق وما فيه من تعذيب وألم، وفي الجزء الثاني تحدث عن فترة السجن والأحوال السياسية التي مرة عليها أثناء وجودها فيه.































الفلسطيني والاحتلال في رواية
"أحلام بالحرية"
عائشة عودة
قبل اكثر من خمس سنوات قرأت هذه العمل وكتبه عنه بشكل موجز، إلا أن حصول الكاتبة على جائزة مؤسسة بن رشد لأدب السجون جعلني اتقدم من جديد لهذه الرواية، وايضا حصولي وقراءة الجزء الثاني من الراوية "ثمنا الشمس".
هناك العديد من الروايات العربية التي تناولت موضوع الاعتقال لكن ولا واحدة منها ـ إذا ما استثنينا رواية "أمهات في مدافن الأحياء" لوليد الهودلي تحدثت عن تجربة امرأة وقعت تحت شراسة وقسوة الجلاد، فالكاتبة بهذه الرواية تجعلنا نقف أمام أول وأهم رواية نسائية عربية تتحدث عن الاعتقال، وهذا ما يحسب للكاتبة، وإذا ما أضفنا إلى هذا الامر حقيقة وواقعية الحدث، اضافة الى قدرة الكاتبة على تحويل تلك المأساة وقسوتها إلى عمل أدبي، فيه من المشاعر الإنسانية وما تحمله النفس من خوف وفرح، ومن شعور بالانكسار والانتصار، وحالات الانكفاء على الذات ثم التقدم في ألمواجهة من جديد، وحضور هموم الاسرة والأم، ثم تغليب الهم الوطني عليهما، قسوة السجان وعظمة الارادة التي تكسر بطش وعنجهية ألجلاد، قدرة الكاتبة على التصوير الفني رغم غلاظة الحدث، وضع مجموعة من المقولات تعبر عن خلاصة تجربتها تحت التعذيب، اللغة السرد الممتعة والتي تسهل على المتلقي هضم هذا العمل، حضور الشخصيات على طبيعتها دون تدخل من السارد مما جعلها تظهر لنا على حقيقتها، إن كنا معها او ضدها، موضوع التحرر الوطني الفلسطيني الذي لم يكن احد يتخيل بأنه سيطول بهذا المقدار من السنوات، في كل المقاييس نحن أمام رواية تستحق أن نتقدم منها ونتوقف عند الكثير من تفاصيلها.
الزمن الذي تتحدث عنه الرواية هو 1/3/ 1969 وما بعده، من هنا سيكون هناك جانب مختصر تحدثنا عنه الراوية، يتناول واقع فلسطين في العهد الأردني، وكذلك أهمية الساحة الاردنية في دعم مقومات المقاومة الفلسطينية، فهي كانت المورد للعديد من الاحتياجات المتعلقة بفعل المقاومة، أما مكان الحدث فهو تحديد "دير جرير" قضاء رام الله ومدينة القدس التي حدثت فيها العملية الفدائية، والسجون والمعتقلات المتفرقة على الجغرافيا الفلسطينية.

مجزرة دير ياسين
بداية سنتحدث عن الدوافع التي جعلت بنت فلسطينية تقدم على فعل صعب ليس عليها وحسب بل على الرجال أيضا، تنقل لنا الراوية تفاصيل واقع مجزرة "دير ياسين" على الأقرباء، وتقدم لنا احد المشاهد من تلك المجزرة فتقول عن "زينب" البت صاحبة الخمسة عشرة عاما كيف كان حالها في تلك العملية البشعة، "واستطاعت زينب ان تخبئ خلف الحطب وترتجف خوفا، ثم شعرت بسائل دافئ يسري تحتها ويرنخ ثيابها، في تلك اللحظة التي ادركت أنه دم، هربت روحها، غابت عن الوعي، وبقي جسدها هناك مدفونا بالحطب غير مدرك لما يجري حوله،... اعتقدوا انها اسيرة، وعند البحث عن اسمها بين قوائم الاسرى لم يكن بينها، بدأت الضنون التي تغدت من الخوف البالغ حدوده القصوى على مصير فتاة جميلة في الخامسة عشرة من عمرها، تنهش كينونة الأهل، تسلل أخوها وكان يعمل مدرسا في المزرعة الشرقية إلى القرية ليلا بعد يومين، بحث عن زينب في ادق المخابئ التي يحتمل أن تتواجد فيها، دخل المخبز، سمع أنينا، كان أنين زينب، ولم تكن قادرة على النطق، حملها ونقلها الى مستشفى في القدس." ص42 هذه احدى القصص الكثيرة التي تناقلها الناس حول هول المجزرة، فالذين نجو منها لم يكونوا في قارة أخرى، بل بين أهليهم وأقربائهم، من هنا كان وقع الحدث/القصة اشد واعمق في النفوس، فما بالنا أن كان المستمع طفل وقريب الضحية؟، من المؤكد سيكون مثل هذا الحدث وشما لا يمحى ابدا الدهر، فهو راسخ في الذاكرة كما هي الروح، لن ينتهي من الذاكرة إلا مع صعود الروح الى بارئها.
ومن مشاهد تلك المجزرة الرهيبة، تحدثنا عن أم وطفلها الرضيع "قصة مريم الطبجي" وقد حفظت الاسم لاعتقادي أن له علاقة بالطبيخ! رويت القصة على أن اليهود ذبحوا زوجها أمامها، وكان طفلها الصغير على حضنها، وحين أرادوا ذبح طفلها أخذت تبوس اقدامهم من أجل إلا يمسوا الطفل بسوء، لكنهم اخذوا يساومونها، فقدمت لهم ما لديها من ذهب وأموال ليبقوا على طفلها، أخذوا كل شيء وتركزها مع طفلها وزوجها القتيل" ص42، إذن ذاكرة الطفل خصبة وتتلقي الحدث/الفكرة وترسخ فيها لكي تنمو وتزدهر، فهي تكون في أمان، لا شيء سيمحوها او يغير فيها، وهذا ما ستؤكده الراوية ـ في العقل الباطن ـ عندما تجعل من هذه المذبحة مبرر لما اقدمت عليه، فهي تذكرها لنا سبع مرات وهذا مؤشر ودليل على شدة وقع المجزرة على الطفلة الفلسطينية.
فأثناء التحقيق نجدها تستحضر هذه الواقعة من جديد لتؤكد وحشية وقذارة وعدم إنسانية المحتل، الذي يظهر البراءة وفي داخله، وهو في حقيقة الأمر وحش مفترس يتربص بالضحية، فتحدثنا عن هؤلاء القتلة الذي خانوا جيرانهم، ومن تسامح معهم واستضافهم واعتبرهم أصدقاء، "..قل أن العلاقة جيدة كانت تربطهم بجيرانهم اليهود من (كبانية تل بيوت) كانوا يأتون لزيارتنا وشرب القهوة في بيوتهم وشاركوهم أفراحهم وأتراحهم، لكن اهل دير ياسين تفاجأوا من أن العديد ممن كانوا يتزاورون معهم، هم أنفسهم من قاموا باقتحام القرية ونكلوا بهم يوم المذبحة، "كوهين" اقتحم مع أذان الصباح هو مسلح ويلبس ملابس جيشية، بيت محمود جودة حين تعرف عليه محمود صرخ به، ماذا جرى يا "كوهين" ألم تشرب القهوة الليلة عندي كصديق؟ أم كنت تشرب قهوتي وتخطط لقتلي والاستيلاء على بيتي؟" ص74و75، بهذه المشهد تؤكد لنا الراوية طبيعة الصهاينة فهم لا يحفظون ودا لأحد، والخيانة والغدر يسري بدمهم، من هنا وجدنا هذه الحادثة تستحضرها الراوية أثناء التحقيق لكي تتقوى بها، ولا تأخذ بالشكل الإنساني الذي يظهره الجلاد، فهو ذئب بهيئة حمل، وعليها أن تكون أكثر حذرا من أولئك الذي لا يظهرون على حقيقتهم.
تعترف الراوية عن تأثير هذه المجزرة عليها، بحيث تجعلها هي المحرك الرئيسي لما أقدمت عليه، فتحدثنا بما يلي: "هو لا يدرك أن أحدا غيرهم لم يرسلني لعمل شيء، ولكنهم هم منذ طفولتي فعلوا ذلك، منذ تفتح وعيي، ومنذ رأيت أسرة خالتي وأهالي "دير ياسين" في الأيام الأولى من تشردهم، وأنا أحلم بالقتال لإعادتهم الى قريتهم وإعادة اللاجئين الى بيوتهم وقراهم" ص78، أذن هذا هو الدافع الأهم والأبرز الذي نما وكبر في تلك الطفلة، وكأنه جنين في رحمها، حافظة عليه حتى نضج وأصبح قادرة على التكيف مع الحياة، فغذته بالعديد من المقويات ليكون اكثر قوة وديمومة، ويستطيع التكيف مع كافة الظروف، فهو كائن حر، لا يعيش إلا في حرية، يرفض السكون، يحارب الخنوع، هو فكر لا يخضع للتطويع او تقبل الواقع، من هنا ستكون "عائشة عودة" نموذج فريد في المواجهة.
تعود الكاتبة الى محاججة المحقق حول العملية التي اقدمت عليها فيصفها بالعملية الإرهابية فترد عليه "وهل قرية دير ياسين كانت ثكنة عسكرية وكان أطفالها ونساؤها جنودا؟" ص104، استخدم الذاكرة كجدار للدفاع والمواجهة يجعل صاحبها اكثر قوة، فهو بذلك يستطيع المحاججة وتقديم حقائق ووقائع تدعم فكرته وتزيد من صموده، وتفند قول الجلاد.
وتستحضر الراوية "دير ياسين" كعامل صمود ومواجهة عندما تستذكر عملية الاعلام الموجه التي استخدمها المحتل ليزيد من حالة الهلع والخوف عند الفلسطينيين، مما جعلهم يتسرعون ويخرجون هاربين من وطنهم نحو المجهول، "تذكرت ما كان يتم تداوله عن فعل الاشعة التي رافقت مذبحة دير ياسين عن الاغتصاب وقتل الاطفال وبقر البطون" ص153، إذن ذاكرة الطفلة أثمرت واستطاعت أن تستخدم الحدث "مجزرة دير ياسين" كدافع ومحفز عقلي للفعل المقاوم، وأيضا أن تكون تلك الفكرة أداة للتقدم اكثر من الهدف، ومواجهة الجلاد ومحاججته، ويضاف الى كل هذا الاستفادة من تلك التجربة/الحدث وجعلها لا تتكرر، أن لا يستخدمها العدو مرة أخرى لتحقيق أهدافه.
بهذا الشكل نكون أمام فعل/حدث روائي متنامي ومتصل ومترابط في ذات الوقت، وهذا ما يحسب للراوية التي استطاعت أن توحد فكرتها وتنثرها في كافة أجزاء الرواية، جاعله من "دير ياسين" ليس محفز/دافع لعمل المقاومة وحسب، بل قدمتنا منها وجعلتنا نشعر بحجم الجريمة التي اقترفها المحتل، فهي أنعشت ذاكرتنا بما يجب أن لا يمحى منها أبدا، وأيضا جعلتنا نستفيد/نستخدم ذاك الحدث بشكل يخدم قضيتنا، نعري المحتل، ونعرف طرقه الخبيثة، لكي نتجنب الوقوع بالخطأ مرة أخرى، ونستطيع من خلالها أن نحاجج من يدعي الوداعة والمسالمة، ونكشف أساليبه القذرة والملتوية .

التعذيب
دول الاحتلال على مر العصور استخدمت اساليب غير انسانية بحق المواطنين، إن كان من خلال القتل لأي سبب كما يحصل الآن في فلسطين او الاعتقال وأيضا دون مبرر، أو التضييق على المواطنين بكل ما يتعلق بحياتهم كما يفعل الاحتلال اليوم.
ممارسة التنكيل والتعذيب حتى الموت احد الوسائل التي تتبعها دول الاحتلال، ودولة اسرائيل لها المثل الأعلى في هذا المجال، "عائشة عودة" تقدم لنا بعض ما تعرضت له من تعذيب وحشي على يد جنود دولة الاحتلال، فأول مقابلة مع الجلاد كانت بهذا الشكل،
"ـ بشوفك يا شرموطة مش مهتمة؟
راح أشلك، راح أخلع عيونك، راح أشوه وجهك، وأخليك مثل القرد" ص47، بهذا الشكل تتم معاملة المعتقلة الفلسطينية، وإذا ما عرفنا بأنها أنثى ومن مجتمع قروي محافظ، نعلم حجم وخطورة الكلمات الموجه لها، فليس من المستساغ أن يتم نعت بنت وتعمل بمهنة التعليم بهذه الألفاظ البذيئة، لكن المحتل يمارس ساديته المطلقة بحق الفلسطيني.
بعد هذا الكلام البذيء ينتقل الجلاد الى الشكل المتعارف عليه في معتقلات الاحتلال، التعذيب الجسدي، الجسد الذي يرفض الاحتلال ويقاومه لا بد من الانتقام منه، وأهم جزء منه الرأس، فهو المحرك للجسد، مركز/قوة الفعل المقاوم، من هنا يجب التركيز عليه لكي يتم تخريبه، تحطيمه بحيث لا يعود يعمل كالسابق، "ناول الأنبوبتين للواقف خلفي، بدأ يضربني بهما على رأسي كما يفعل قارع الطبل، رفعت يدي لأحمي رأسي فضربني فوقعهما." ص56، بعد هذه العملية تصف لنا الكاتبة حالتها المزرية، حيث شعرت بأن صوت الضجيج أصبح ملازما لها، فلا تستطيع أن تتخلص منه، "هل أنتهى عالمي إلى ضجيج، هل يسكنني الى الأبد؟ هل فقد السمع؟" ص58، إذن الرأس وما فيه من مركز للسمع والبصر والتفكير هو الأهم بالنسبة للجلاد، وكأن هناك عملية انتقام منه، ناهيك عن الجسد، هذا الرأس الذي تجاوز المألوف وخرج متحديا الاحتلال، لا بد من النيل منه.
بعد أن يتم تجاوز المرحلة الأولى من التعذيب ـ الضرب على الرأس ـ ينتقل الجلاد الى شكل آخر شكل الضرب بالكرباج، "لوح بالكرباج عاليا وخبطه على كتفي ملتفا على ظهري، خرج الألم نارا من رأسي.
قال: هذه تحميلة فقط يا بنت القحبة" ص61، بهذه القسوة والوحشية يتعامل الجلاد مع ضحيته، فمثل هذه التفاصيل تبين حجم السادية والوحشية التي تسيطر على عناصر دولة الاحتلال، فهم لا يكتفون بالتعذيب الجسدي وحسب، بل أيضا يضيفون عليها التعذيب المعنوي، من خلال الالفاظ البذيئة التي لا يتقبلها الإنسان السوي ابدا.
وتكمل لنا الكاتبة جلسات التعذيب من خلال هذا المشهد، "صفعة قوية طيرتني عن الكرسي وأوقعتني أرضا.
هل صرخت؟ لا أذكر. لكني أحسست بأن جزءا من وجهي طار أو خسف. مددت يدي أتحسسه. كل شيء ما زال في مكانه" ص67، تفاصيل الصفعة وما تبعها من ألم تبين لنا قوة ووحشية تلك الصفعة، وكأن صاحبها متخصص في هذه الشكل من التعذيب، فقد اوقع الضحية عن الكرسي، وشعرت بأن وجهها لم يعد موجودا، وهذا يؤكد بأنها لم تكن صفعة عادية، بل هي شيء اكبر من صفعة.
ومن اخطر واقسى المشاهد التي تناولتها الراوية كان هذا المشهد، حيث تكالب عليها اكثر من جلاد وافقدوها ... "قاومت ولم تفد مقاومتي، أصبحت عارية كما ولدتني أمي تماما، شدت يداي خلف ظهري، وضع القيد فيهما، ألقوا بي أرضا، أنغرز القيد في عمودي الفقري فتصاعد الألم كخيط من نار تسري في نخاعي الشوكي، هجم القصير وثبت ركبته في بطني فزاد ضغط القيد على عمودي الفقري، كاد يقصم ظهري وأصبح الألم يفيض كشلال من نار، أمسك الطويل ـ عزرائيل ـ بعصا، باعد ساقي وثبتهما بركبته، وثبتت الفتاة رأسي بقدمها.
..."عزرائيل" يحاول بالعصا اختراق رحمي.
قاومت.
... يا الله كن بعوني "يا الله" قلتها في اعماق نفسي.
أخذ جسدي ينوس، ثم أنطفأ كسراج استهلك كامل زيته
أدرك (عزرائيل) أن شيئا حصل لي، رمى عصاه ونهض سريعا معطيا أمرا للآخرين. بسرعة احضرت الجندية كرسيا، رفعاني من كتفي وأجلساني عليه، أذكر أن جسدي لامس الكرسي ثم بدأ يهوي، لم أع لحظة اصطدامه بالأرض. غادرت روحي الجسد والمكان والزمان" ص124-127، من اقسى مشاهد التعذيب هذا المشهد، ولا ادري كيف استطاعت "عائشة عودة" أن تكتبه، أنه مؤلم حتى للمتلقي فما بالنا لمن تعرض له؟
نستنتج من المشهد السابق بأن الجلاد يعمل على سلب الضحية كل ما تشعر بأنه مهم لديها، فعندما بدأ ينعتها بالكلام البذيء، كان يعمل على أخذ شيء من كرامتها، تكسير المفاهيم الاخلاقية التي تربت عليها، وأكمل هذا الأمر عندما حاول فض بكارتها بالعصا، وكأنه لا يريد ضحيته أن تملك أي شيء يجعلها مقبولة في مجتمعها، من هنا أصر على هذا الفعل القبيح والقذر، لكن أرادة الراوية واستحضارها لقوة خفية/كامنة فيها أو قوة قادم من الخارج، قوة غير بشرية جعلتها تصمد وتمنع الجلاد من تحقيق مراده.
التعذيب بالتعذيب
ومن الاساليب القاسية التي مارسها الجلاد بحق الضحية ما يطلق عليه التعذيب بالتعذيب، بمعنى جعل المعتقل يتعذب برؤية ومشاهدة وسماع شخص يعذب أمامه، إن كان معرف لديه أم مجهول، وهذه النوع من التعذيب أشد وقعا على الضحية، وأكثر أذية من التعذيب الجسدي، لما له من تأثير على المشاعر التي تخرج النفس عن انضباطها واتزانها.
أول مشهد من هذا التعذيب كان متعلق ب"بشير" رفيق الراوية فتصف هذه الواقعة "لأول مرة أشهد رجل يضرب دون أن يكون بمقدوره الدفاع عن نفسه" ص56، كان هذه المشهد يعد مقدمة لما هو قادم، بداية فقط ليس اكثر، فهناك المزيد من هذا التعذيب فهو أشد وقعا وأكثر هولا على النفس، "بدأت اصوت تعذيب تداهم سمعي من الغرف المجاورة، صراخ، أنين، جلد، ضرب، مسبات، استغاثة، كأنه يوم الحشر، أي جحيم هذا الذي يحيط بي؟
أصوات التعذيب تأكل أعصابي كمنشار يقرض جذع شجرة، لم استطع فعل شيء في مواجهة ذاك التعذيب الذي اسمعه ولا أراه" ص82، سنكتشف لاحق بأن هذا الشكل من التعذيب هو الاكثر ألما ووجعا على الضحية، بحيث تأخذ الضحية تطالب بعدم تعرض زميلتها "رسمية" للتعذيب، وجعلها تتعرض للضرب بدلا منها، كل هذا لكي تحمي رفيقتها، وأيضا لتتخلص من قسوة المشهد.
"يواصل الآخر ضرب رسمية، أصرخ: أضربوني أنا! لكنهم يواصلون اللعبة، يدللونني ويضربون رسمية، أي سبيل يمكنني من الخروج من هذه الورطة، من هذا الجحيم؟ القرار عندي والضرب لرسمية؟ ورسمية تصرخ وتتألم، تشنجت يدا رسمية تماما، أصبحتا كقطعتي خشب، أنهما شلتا وصرخت رسمية بدورها "انشلوا إدي"" ص94، بهذا المشهد يتأكد انا قسوة التعذيب بالتعذيب، فأي شخص يعذب أمامنا يثير فينا المشاعر الإنسانية، ويجعلنا نتعاطف/نثار إنسانيا، فالمشهد السابق يعد تعديا على الإنسانية فينا قبل أن يكون على الضحية، فالجلاد بهذا المشهد يرسم لنا صورته البشعة، فالإنسان السوي لا يستطيع أن يتحمل منظر او سماع صوت التعذيب، لكن الجلاد يستمتع وينتشي بالتعذيب، وهو تأكيدا على عدم سويته، فهو مريض وبحاجة الى معالجة نفسية/ معالجة إنسانية.
وعندما تم تعرية الراوية وتكالب عليها ثلاثة اشخاص لكي يسلبوها بكارتها وصفت لنا هذا المشهد وأثره على المعتقلين الآخرين، "أمسك أحدهم بقدمي والآخر بذراعي، مسحا الأرض بجسدي ثم خرجا بي إلى الممر، صف من الشباب أوقفوهم إلى جانب الممر، أغمضت عيوني، ساروا بي في الممر ثم عادوا، أنفجر أحد الشباب بالبكاء، كان بكاؤه نشيجا، لكني لم أجرؤ على فتح عيوني كي لا تصطدم بعيون أحدهم" ص125، في هذا المشهد كان التعذيب مزدوج، للضحية التي تألمت بمشاهدة المعتقلين وهم مصطفين، وبصوت النشيج الذي خرج من أحدهم، وهي تألمت لألمهم، وكما تألموا لألمها، فالجلاد كان يعي شدة الوقع لمثل هذا المشهد على كافة المعتقلين.
وهناك مشاهد أخرى متعلقة بأشخاص أخرين ذكرتهم لنا الراوية كتأكيد على ممارسة هذا الشكل من التعذيب فتقول عن "رسمية" رفيقتها: "عذبت رسمية أمام والدها، وأهينت أمهما وأختها فاطمة أمامها ثم اطلق سراحهم وهم في وضع صعب" ص148.

الوقت
مسألة الوقت، الزمن الذي يعيشه الانسان يتفاوت الاحساس به من شخص لآخر، والاحساس بالوقت يخضع لطبيعة الانسان اولا، ثم الظرف الذي يعيشه، فعندما يكون الوضع طبيعي يمر الوقت دون أن نشعر به، وكأنه شيء عادي في الحياة، لكن عندما نكون عرضة للألم أو في حالة انتظار وترقب يكون وقع الزمن طويل وطويل جدا، حتى أننا نشعر بأن الدقيقة تعادل ساعة، والساعة تعادل يوم.
حدثتنا الراوية عن الوقت وكيف يمضي أثناء التعذيب، فهو كائن بليد، لا يتحرك وكأنه ميت، فعندما طلب منها ان ترفع ذراعيها ووجهها إلى الحائط كان الزمن بهذا الوصف، "مر زمن من الصعب تقديره، فالزمن في مثل ذلك الوضع ثقيل الهمة لا يتزحزح إلا ليثقل النفس" ص63و64، بهذا الوصف كان الوقت لا يتحرك بالنسبة للضحية.
وهناك مشهد آخر بعد ان تعرضت الراوية للجلد بالكرباج وفقدت وعيها ثم سكب على جسدها الماء البارد، كانت تعاني من شدة الألم وقسوة البرد معا، فكان الزمن في تلك الحالة بهذا الشكل، "دقيقتان، ربما خمس دقائق، ربما ساعة وربما أكثر، الإحساس بالزمن غائب ولا حضور إلا للألم، وأنا على الأرض بلا حراك" ص72، بهذا المشهد يكون الوقت يثقل كاهل الضحية كما هو الحال أثناء التعذيب، حتى يمكن أن لا يكون هناك شعور بالوقت أثناء الجلد، لكن بعد الانتهاء منه، وتبدأ الضحية الشعور بالألم يكون الوقت ثقيلا وبليدا.
هناك مشهد يختزل الزمن/التاريخ ويجعله حاضرا/موجودا وقت التألم والتعذيب، فكل ثانية كانت تمثل دهرا من الزمن الماضي، وكل ثانية تمثل قرنا من الزمن الحالي، بهذا الوصف كان الزمن بالنسبة للضحية "..كل المظلومين في الكون، عبر التاريخ استحضرهم وتحولوا إلى إرادة يصب في مقاومتي، وكبرق، أنبثق في وعي بأن إرادتي في تلك اللحظة هي إرادة المقاومة المطلقة لكل المظلومين من البشر عبر كل الأزمان والأماكن، كانت لحظات تعادل زمنا ممتدا منذ فجر التاريخ وعبر كل العصور" ص124، حالة الصراع مع الألم وقسوة الجلاد، تدفع بالضحية نحو استحضار مشاهد من الذاكرة/الفكر تدعم موقفها لكي تصمد أمام وحشية وقسوة التعذيب، من هنا كان اللحظة/الثانية تعد دهرا بالنسبة لها، فهي كانت تجمع فكرها وتركزه على نقطة واحدة، البقاء سالمة غير ملوثة، وفي ذات الوقت تريد أن يبقى جسدها صامد غير قابل للاختراق من قبل العدو، تريده جدارا منيعا لا يمكن أن يخترقه أي جسم غريب، فكان الزمن في تلك اللحظات من اصعب الازمان ومن أبطأها وأثقلها على الإنسان.
الصمود
الثقل الهائل على جسد الفتاة وعلى تفكيرها كان لا بد أن يتركا تأثيرا عليها، فهي عندما أقدمت على فعل المقاومة كانت محصنة بقناعة راسخة لديها، وبحقها فيما تقوم به، وأيضا بحتمية الانتصار، لكن الضغط الكبير عليها لا بد أن يترك أثرا ما في نفسها، فتميل أحيانا إلى الاتجاه الخطأ، لكنها بعد التفكير بما أقدمت عليه، تعيد تقيم الموقف من جديد، لكي تصحح خطأها وتكمل طريق المواجهة، وهذا الأمر يخدم فكرة الرواية التي لم تجعل من بطلتها امرأة خارقة لا شيء يؤثر فيها، بل امرأة، إنسانية لها مشاعرها وتفكر وتعمل بطرية إنسانية، من هنا كان المتلقي يتأثر بالحالة التي تمر بها، ويتعاطف معها، ويقف إلى جانبا، حتى لو اتخذت قرارا خاطئا.
بعد أن أخذوا بتعذيب "رسمية" أمامها، اعترفت بقيامها بوضع القنبلة في "السوبر سول" ودلتهم على مكان الاسلحة، وعندها طالب المحقق المزيد من المعلومات حول من هم الاشخاص الذين جاءوا بالأسلحة، ومن هي القيادات التي تتعامل معهم، عندها تحول كل انكساراتها السابقة إلى دوافع وعناصر قوة لها، فلم تعد تريد تقديم أي معلومة تجعل أي شخص عرضة الاعتقال والتعذيب، إلا يكفي ما تمر هي فيه؟ "...استبسلت وإرادتي كانت مطلقة، وأصبح لصمودي معنى، واجتاحني رغبة في التكفير عن خطيئتي في الاعتراف الأولى.
الآن لن يحصلوا على أية تفاصيل مهما صغرت بعد الآن." ص122، رغم أن التعذيب الجسدي في هذا الموقف كان اشد من السابق، إلا أنها قررت الصمود، وعدم تقديم أي كلمة يمكن أن تفيد الاحتلال، وهنا انتقلت من وقعها كضحية محاصرة ضعيفة الى كائن جديد لا يمكن أن يهزم أو يتراجع.
فهي استخدمت الخطوة التي خطتها إلى الخلف كعامل قوة جديدة تزيدها اندفاعا وتصديا للجلاد. .
بعد أن يعروها من ملابسها ويتكالب عليها ثلاثة وحوش بشرية لكي يسلبوها ما تملك، تستحضر الواقع العربي ـ رغم بؤسه وهزائمه ـ لكي يعطها دفعة الى الأمام، "الهزائم العربية كانت حاضرة بقوة، رأيتها تتكثف في ذلك الوضع وتلك اللحظات.
"اللا"، صرخت رفض كانت، رفض للهزيمة ورفض لكل ما تمثله ذلك الوضع وتلك اللحظات.
أكرر "لا"، "لا" وأصرخ بها" ص125، من اقسى مشاهد التعذيب في الرواية، ولا يمكن للإنسان أن يتحمل مثل هذا المشهد، ومع هذا كان الصمود حاضرا، رافضة التعذيب، وفي ذات الوقت الهزيمة، سحق إرادة الإنسان، الكاتبة في هذا المشهد تؤكد مقولة "يمكن للعدو أن ينتصر على الجسد، لكن لن يستطيع أن تنتصر على الإرادة" وفعلا كانت إرادتها اقوى من كل أشكال وطرق التعذيب.
بعد أن تفقد وعيها لم يعد جسدها قادرا على التحمل، فقد خذلتها قواه، لكن روحها، إرادتها ما زالت حية وتريد أن تنتصر على عدوها الذي يريد إذلالها، فتصف لنا وضعها بعد تلك المشاهد المرعبة بهذا الشكل، "روحي تسبح في عالم من الصفاء، والحرية والنور لا تعرف الحاجة ولا الخوف، ترف في سماء صافية كطائرة ورقية في يوم صيفي، ترى ما على الأرض بوضوح وتحافظ على مسافة بينها وبينه، حرة لا تخضع لقيود الجسد أو البشر، تغسل بالنور! بلا حقد أو انتقام، لا هزيمة أو انتصار، لا أهل أو اصدقاء، لا أمة أو أعداء" ص131، رغم ضعف الجسد وعدم قدرته على مواصلة المسيرة مع الإرادة/الروح، إلا أن الانتصار كان موجودا وحاضرا، فقد ترسخ لدى عدوها بأنها لن تقدم أي شيء جديد بعد الآن، فبعد أن أنتصر على الجسد، وعلم بأن الروح/الإرادة لا تتعلق به، فهو شيء والإرادة شيء آخر، لم يكن هناك ما يستطيع أن يفعله أكثر، فقد حسمت المعركة بين الضحية والجلاد، الانتصار على الجسد فقط، يمكن له أن يميته، يجعله مشوه، يحدث فيه عجزا ما، أما الاراد فهي لا تهزم أبدا.


الصراع الداخلي
ما يميز هذه الرواية أن بطلتها إنسانة، تشعر وتفكير وتعمل، مرة تخطئ وأخرى تصيب، لكنها تتعلم من أخطائها، فهي ليست عالمة بكل شيء، من خلال هذه الاخطاء وتصويبها لاحقا، تؤكد الراوية على طبيعة النفس البشرية، التي تتغير باستمرار وتعمل على تجاوز مراحل/أفعال غير ناجحة في مسيرتها. وهنا تكمن أهمية الإنسان، فهو ليس إله، وليس شيطان، ليس دائما يفعل الخير أو يفعل الشر، يصيب ويخطئ، لكن أهم ما في الإنسان هو تأنيب الضمير، العقل الذي يجعله يتراجع عن الخطأ ويتقدم من جديد نحو الصحيح والصواب.
أعتقد هذا من أهم الأفكار الإنسانية التي تقدمها لنا الراوية، فبعد أن اعترفت بوضع القنبلة، وذهبت مع جنود الاحتلال لتحديد موقع القنبلة، كان لها هذه المشاعر، "آه ما أجمل الحياة في الخارج، لماذا اعترفت على نفسي لأحرم من الحياة سأتراجع عن الاعتراف، ألم أعترف تحت الضرب والتعذيب" ص88، مسألة رائعة أن نجد هذا التفكير البسيط عن الراوية، فنجدها كطفلة بريئة، تريد أن تتجاوز خطأها لكي تحصل على هديتها من الحياة.
وبعد ان تصل إلى قريتها "دير جرير" لتكشف للاحتلال عن مكان الاسلحة، نجدها بهذه المشاعر "آآآه، ما أصعب ألموقف أي خجل سيجللني وأنا أشير إلى مكان الاسلحة، كيف سأجرؤ على النظر في عيون أمي وأهل الحارة وأبناء البلد، كم سأبدو متناقضة بين قيمي وسلوكي؟ كيف سيكون وقعه على طالباتي؟ كيف لي أن أسلم أسلحة نقلها الشباب على ظهورهم من شرقي الأردن؟ أي سكين بلعته؟ أي غباء أتكشفه عندي ولا شفيع لي شهادات ولا علامات ولا حل مسائل رياضية معقدة؟ ...ومازالت أؤنب نفسي وأخجل مما وصلت إليه حتى تمنيت أن تبتلعني الأرض او أتبخر عن سطحها" ص95، ليس من السهل الوصل لمثل هذه المشاعر الإنسانية، فهي كنز ثمين لا يمتلكه إلا الخاصة فقط، وكأن هذه المشاعر تعد كفارة عن الذنب، فهي وحدها كافية لنتعرف على حجم الألم الذي تمر به الراوية، وهذا يجعلنا نقف إلى جانبها، وأن نتجاوز عن ذنبها، وكأن هذه المشاعر لوحدها تعد تعذيب/قصاص لها على ما اقترفته من خطأ، فلا مجال لجلدها أكثر من هذا الجلد لذاتها.
وكأن الراوية من خلال هذه المشاعر تريدنا أن نتأكد بحقيقة/طبيعة الإنسان الكائن داخلها، وتريدنا أن لا نرسم لها صورة البطلة الخارقة (السوبر) كما هو الحال في أفلام الأكشن في هوليود، فتؤكد لنا على هذه المشاعر الإنسانية مرة أخرى من خلال: "بقيت بين توبيخ وتبرير لنفسي حتى وصلنا البلد. شعرت بخجل كأني أقف عارية أمام الجميع" ص96، بعد هذا المشهد لا مجال لنا ان نعتب عليها أو نطالبها بأي شيء، فقد اكتملت لدينا القناعة بصدق توبتها، وأيضا اكتفينا بمحاسبتها لذاتها، وما مرت به من جلدها لذاتها.
الأم
العديد من الكتاب يميلون الى الأم أكثر من الأب، فهي الأقرب إليهم وهي من يعطيهم كل ما يحتاجونه من حنان وحب، من هنا ركزت الراوية على شخصية الأم وكانت حاضر في كافة المواقف التي مرت بها، وكأنها الروح/القوة الوحيدة التي تحميها، فنجدها بهذا المشهد الرائع، تقف أمام الجلاد لتمنعه من أخذ ابنتها، "قفزت أمي أمامهم كلبؤة معترضة: "وين بدكم تاخذوا بنتي؟ لا، فش تاخذوها. أو خذوني معها" ص33، ليس هناك قول يقال في هذا المشهد، فهو يبين لنا عظمة هذه الأم.
عدم التسليم للواقع والاستمرار في المطالبة بوقف/أخذ البنت وصفت لنا الراوية حالة الأم قائلة عنها: "بقيت تندفع نحوي كسهم شد قوسه في لحظة انطلاق وهي تردد: "بخليهاش تروح لوحدها، بروح معها. كانت اشبه بلبؤة تحاول أن تخلص أطفالها من فم عدو، كانت تصارع الجنود الذين حالوا دون اقترابها، كانت مفجوعة ومزلزلة، كانت فجيعتها تستنزف قواي النفسية ولا استطيع مساعدتها" ص34، إذن الأم تكون شيء غير عادي عند تعرض ابنها للخطر، أو شعورها بأن شيئا ما سيحدث له، فيتكون لديها قوة استثنائية وطاقة هائلة تجعلها تندفع باتجاه الخطر المحدق بأبنائها.
ما يميز هذا المشهد طريقة رسمه والتشبيهات المجازية فيه، فالصورة حقيقة، وما قامت به الأم يمثل طبيعتها التي تحافظ على أبنائها رغم هول الموقف، وأيضا يصور ما تحمله من مشاعر، كل هذا أوصلته لنا الراوية بكل دقة.
بعد أن يتم الاعتقال تأخذ في التفكر بحال أمها، وكيف كان أخر حوار بينهما، "قدرة أمي على الاشتشفاف تحيرني، أحيانا أعتقد أنها تقرأ الغيب!
أذكر .. ـ دير بالك يمه من الأحزاب. في بنات بورطوك.. ابعدي عن السياسة. السياسة خراب بيت" ص38، حرص الأم على الأبناء تجعلها تقول هذا الكلام، فهي كرست حياتها لأبنائها فقط، وكأنها تريد أن تعزل نفسها وأبناءها عن محيط الخطر، فمهما كان هذا المحيط بائس المهم لديها أن يبقوا ابناءها سالمين.
وسنجدها في موقف لاحق تقف بكل صلابة أمام هؤلاء الجنود وكأنها هي من علم/دفع ابنتها لفعل المقاومة. أثناء التحقيق وقسوة التعذيب تستحضر البطلة صورة أمها في الصباح: "أشحت بنظري عن الجندي وغرقت في تصور شاي أمي بكأس الصباحي وخبزها الساخن الخارج لتوه من الطابون، والزيت والزعتر" ص96، فحضور الأم هنا كان مصدر من مصادر القوة وعامل يعزز الصمود، وفي ذات الوقت يرح النفس من قسوة الوضع الذي تمر به الضحية.
وعندما جاء الحاكم العسكري لتنفيذ نسف البيت، وقال للأم "بنتك عايزة تكون فدائية، فردت أمي (بشرفني وبرفع راسي)" ص107، وهنا تنسف الأم كل الضعف الذي أظهرته عندما جاء الجنود لاعتقال ابنتها، وتلغيه وتظهر أمامهم بمظهر الأم الداعمة والمساندة لابنتها.

الاسرائيلي
لا تكتفي الكاتبة برسم حقيقة هذا الإسرائيلي، بل توضح لنا طريقة تفكيره، المنطق الذي يفكر فيه، فهو بكل ما يقوم به يعمل على إلغاء الفلسطيني، شطب كل ما هو غير صهيوني، أو تحويل/نسب كل شيء جيد لليهود، وتبرئتهم من كل ما اقترفوه من جرائم بحق الفلسطينيين. احدى اهم السمات التي تتحكم في تفكير الاسرائيلي مفهومه للقوة، فالقوة المادية هي من تسيطر على تفكيره، وهو لا يلقي بالا لأي شيء سواها، من هنا نجدهم دائما يتغنون بهذه القوة، "إسرائيل التي هزمت كل الدول العربية مش بستة أيام، وإنما بست ساعات، جاي أنت الحقيرة بدك تحاربيها؟ ...لازم تعرفي أنه كل واحد برأسه عقل هو إللي بتعاون وبشتغل معنا، مش بحاربنا" ص76، ما يحمله هذا الكلام يؤكد اعتماد دولة الاحتلال على القوة المادية وحسب، ويحاول أن يقفز عن مسألة الإرادة وقدرة الشعب، يقفز عن مفهوم الرفض كحد أدنى لمواجهة هذا الاحتلال، ونجد الاسرائيلي بما أنه يتميز بالقوة فعلى الجميع أن يعملوا عنده كعملاء يقدمون له كل المعلومات التي تتعلق بأي عملية رفض/مقاومة يمكن أن تصدر من أيا كان.
وعندما تحاور الراوية الجلاد عن الجرائم الاسرائيلية في "دير ياسين" نجده يتحدث عن موضوع بسيط ليس بذي أهمية، وكأنه حادث سير، او معركة كلامية حدثت بين شخصين، "ـ حادث دير ياسين كان خطأ في تاريخ الصهيونية ويجب أن ينسى... لقد حاكمنا الذين أقدموا على حادث دير ياسين.
ـ لهذا السبب فإن "مناحيم بيجن" مسؤول مذبحة دير ياسين هو وزير في حكومتكم" ص104و105، ـ "مناحيم بيجن" لاحقا أصبح رئيس وزراء اسرائيلي ـ تغير واقع احداث المجزرة، وجعل عملية تظهير عرقي لشعب/لقرية بكاملها مجرد حادث، هذا يمثل كيف يتلاعب الاسرائيلي بالتاريخ وبالأحداث والحقائق، وكيف يحرفها حسب مصلحته.
التصوير الفني
هناك العديد من المشاهد تستحق أن نتوقف عندها، فمن خلال هذه الصور تعمق الراوية الفكرة التي تريد تقديمها، وهو ما اطفى على الرواية لمسة أدبية فنية، فرغم أن موضوعها قاسي وصعب تقبله من المتلقي، إلا أن تلك الصور سهلت وصول الفكرة وعمقتها في الذاكرة، وهذا الأمر يحسب للرواية، "تدفق الجنود إلى البيت كما يتدفق ماء السد حين ينهار جداره" ص14، توضيح الشراسة والوحشية التي دخل فيها الجنود إلى البيت.
"بقيت تندفع نحوي كسهم شد قوسه في لحظة انطلاق" ص34، رغم كبير سن الأم، وضعف همتها وقدرتها الجسدية، إلا أنها تمتلك/تتمتع بحيوية وروح شبابية بعد أن وجدت الجنود يقودون ابنتها الى المجهول.
عندما شاهدت احد الرفاق بحالة مزرية بعد أن تعرض للتعذيب، وصفت لنا هذه الحالة قائلة: "هل يعقل أن يحصل كل هذا التغير للإنسان خلال عدد من الأيام وربما عدد من الساعات؟" ص59، كناية عن القسوة والوحشية التي يعامل بها المحتل الفلسطيني، فهو يمارس ما لا يعين رأت، ولا أذنا سمعت، ولا خطر على قلب بشر، من هنا وجدنا هذا الوصف لحالة المعتقل.
وعندما ذهب خيال الراوية بالتفكير عن مجموعة من الفدائيين يقتحمون المعتقل لينقذوها، وتجد الجندي يراقبها بعين الصقر وصفته: "أكان الجندي يراقب أحلامي؟ أم كان يبحث عن أمر خلف جفوني المطبقة؟ أم كان يطارد شبح النوم الذي قد يتسلل إليها؟ ص65، صورة توضح طريقة المراقبة والسيطرة التي يفرضها الجلاد على الضحية، فهو لا يترك أي حركة، أي نظرة دون أن يراقبها ويخضها للفحص والتفتيش.
وبعد أن تعبت من التعذيب وقلة النوم، وأصبح حاجتها إليه كالماء للظمآن، "لكن الجندي كان بالمرصاد يحرس النوم كي لا يقترب من جفوني" ص66.
الحلم الفلسطيني حلم بسيط، حلم لا يحتاج إلى صناعة قنبلة نووية، وهو حق لكل إنسان على وجه الأرض، وطن بلا حواجز أو وجود لجنود الاحتلال، وشعب حر، يستطيع أن يتنقل فيه دون أي وجود لهؤلاء الغرباء، دون أن يخضع للسؤال والتفتيش، دون أن يجد الحواجز التي تجعل المسافة بين قرية ومدينة كالمسافة بين القارات، فالحلم كان بسيطا جدا، "كثيرا ما كنا نحلم ببلاد حرة، نتحرك فيها وعلى شواطئها بحرية وليس كغرباء، لم يخطف أبصارنا لمعان الذهب أو زركشة ثياب، كنا نشعر أننا نتمدد خارج جلودنا فيغطي وجودنا أرض الوطن كله" ص79، من أروع المشاهد التي تمثل الحلم/الأمل الذي يسعى الفلسطيني لتحقيقه، فهو لا يريد قتل أحد ولا يريد أن يطرد أحد، فقط يرد أن ينعم بوطن له، ويكون حرا فيه.
بعد أن تم تعذيب الراوية بالأصوات المرعبة التي تطلق الصرخات وتتألم وتأن، تصف لنا حالتها بهذا الشكل، "شعرت أن أصوات التعذيب تغزني كإبر تنفذ تحت جلدي، ...إنه الحصار والقهر دون مفر، إنه الجحيم بعينه" ص82.
وعندما ذهبت مع الجنود لتدلهم على مكان الاسلحة، قدمت نفسها المنهزمة بهذه الصورة، " شعرت بخجل كأني أقف عارية أمام الجميع" ص96.
الحكم
تجربة التعذيب في سجون الاحتلال لا بد أن يكون لها مفهومها الخاص، فهي تجربة غير عادية، من هنا سنجد الراوية تضع أمامنا مقولات مختزلة ومكثفة تبن لنا رؤيتها للعديد من الأفكار والأحداث التي تمر على الإنسان، "كيف للمرء أن يتعلم دون خوض التجارب؟ " ص97، "البكاء فرج، والغناء نعمة، والنوم رحمة" ص98، "الاعتراف بفعل المقاومة يحررني من الخوف" ص111. لكل من هذه الكلمات مدلولا يمثل حقيقة التجربة التي مرت بها الراوية، وهي تدعونا إلى الأخذ بما جاء فيها.
الرواية من منشورات مواطن المؤسسة الفلسطينية للدراسات الديمقراطية، رام الله، طبعة 2004.












المرأة في رواية "ثمنا للشمس"
عائشة عودة
كاتبة بمستوى "عائشة عودة" تستحق أن تقرأ وبتمعن ليس لأنها دفعت ثمنا من حياتها في سبيل وطنها وحسب، بل لأنها وضعتنا أمام عمل أدبي بكل معنى الكلمة، بصرف النظر عن محتواه، إن كان يناسب البعض الذين ما زالوا متمسكين بمواقفهم ومحافظين على مبادئهم، أم من أولئك الذين يجدون في عملية النضال (موضة قديمة) تتنافي وروح العصر.
رواية "ثمنا للشمس" عمل أدبي رائع، تغلب فيه المشاعر الإنسانية على كل شيء، فنحن أمام نسوة قدمن لوطنهن الشيء الكثير، وفي ذات الوقت يحمل مشاعر الأنثى، التي تتوق إلى الحياة الأسرية وما فيها من اطفال وزوج، ويحملن حب الحياة بعيدا عن القيود وجداران المعتقل وشراسة الجلاد.
أهم ما في الرواية طرحها لقضية الإنسان، وما يجب أن يكون عليه، ونجدها تعري الجلاد الذي يمارس ساديته على المعتقلات، وتظهر لنا كيف ينقلب من وحش كاسر يتجبر بالضعفاء، الى إنسان
(وديع/مسالم) يتعامل مع المعتقلات بطريقة إنسانية، بعد أن شعر بأن أيامه اصبحت معدودة أثناء حرب أكتوبر 1973، وتقدم لنا الراوية صور من التحالف العالمي مع القضية الفلسطينية، حيث تعرفنا على العديد من المناضلات اللواتي جئن من كافة انحاء العالم وساهمن وشاركن الفلسطيني نضاله ضد الاحتلال، ونجد حضورا لعبد الناصر الذي كان يمثل أمل العرب في الوحدة والتحرر والتحرير.
ونجد حضور الأم بشكل بارز وواضح والذي يؤكد على المشاعر الإنسانية والعاطفة التي يحملنها المعتقلات للأم، وأيضا على قوة وفاعلية وتأثير الأم عليهن، فهي شيء/حاجة لا يمكن الاستغناء عنها، كما نجد تركيزا من الراوية على أهمية الكتاب ودوره في رفع المعنويات، وأيضا تقديم المعرفة الأزمة لكل إنسان، وهناك صورة عن حلم المواطن العربي وكيف يريد أن تكون حياته، بعيدا عن الحدود المصطنعة وعن القيود التي تنغص حياته.
هناك مجموعة من الحكم تعبر فيها الراوية عن رؤيتها للحياة في المعتقل وفي خارجه، فالرواية هي رواية المرأة، والمرأة المناضلة، الحالمة، المفكرة، فهي هنا تتجاوز وتقلب النظرة السلبية التي يتعامل بها المجتمع، فتريدنا أن نحترمها ونعطيها ما تستحق، فهي لا تقل عطاءا على الرجال.
مشاعر المرأة
الكتابة الادبية دائما تعكس شيئا من نفسية الكاتب، ففيها شيء من العقل الباطن، كما فيها شيء من الوعي، ويمكن أن يكون العقل الباطن هو الأهم، وهي الذي يسير الأحداث ويجعلها تسير حسب رغبته، لا حسب الوعي الذي يظهر الكاتب/ة، "سأهرب الى الأردن سأغير اسمي وأغير لبسي وأتزوج وأنجب أطفالا، سأقوم بالأعمال التي لا تحتاج الى حركة تلفت الانتباه ص10، حالة من الصراع بين الواجب الوطني والجانب الإنساني، الغريزة، عاطفة الأنثى، فهي توضح لنا ما تريده داخليا، وما يجول في نفسها من إحساس وطموح، فهي ليست قاتلة أو تسعى للقتل، بل تطمح من وراء مقاومتها أن تكون أما وزوجة، تعيش حياة عادية بعيدا عن الاحتلال وما يحمله معه من سلبيات.
مشاعر المرأة التي تحب وتعشق لم تكن بعيدة عن المناضلة كبيرة، فهي ككل ألنساء تحمل ما يحملن، وتسعى الى ما يسعن، "ليس من السهل تخطي السد المقام في وجه الحب في ذلك الزمن، كان فتح القلوب حتى تعبر عن مكنوناتها من العواطف عملا جبارا، .. كان عليها أن تحافظ على حبها كبؤبؤ عينها، يمدها بالحياة والأمل دون أن تجرؤ على كشفه" ص95، ليست المرأة المناضلة قطعة صماء، لا تعرف إلا الحرب والضرب والقتل ومقارعة الاحتلال، بل هي امرأة بكل معنى الكلمة، تحب، وتفكر بالحب، بالحياة، بالأطفال، لكن الواقع الاجتماعي والسياسي يفرض عليها أن تكتم ذلك الحب، وتحجب تلك المشاعر بحيث لا تظهر للعيان، لكنها موجودة وحاضرة وفاعلة ومأثرة في كيان المرأة.
وتحدثنا عن بدايات تعرفها للحب أيام الدراسة وكيف كانت مشاعرها عندما تقابلت مع حبيب القلب في ألحافلة "في عين يبرود، حيث كنت أدرس نزل ليفسح لي المجال للنزول، وقفنا قبالة بعضنا، وجها لوجه، لحظة كانت كافية لنتأكد أننا روح واحدة.
كيف قطعت المسافة ما بين الشارع العام ومدرسة بنات عين يبرود؟ هل لامست قدماي الأرض؟ لا، لم اشعر قط أني أطأ الأرض، لقد تحولت إلى فراشة ترف بأجنحتها وتتنقل بين البساتين.
سألتني المعلمات: أين بشرى تنقلينها لنا يا عائشة الفرح منك يفيض؟" ص99، قد يسأل البعض: هل هذه المشاعر من امرأة مناضلة؟ ويمكن أن يقال: بأن هذا افتراء عليها، فلا يمكن أن تكون المناضلة "عائشة عودة" بهذه الصورة، لكن الراوية هي من قالت عن نفسها وليس كاتب آخر، هي امرأة، ولها أن تظهر مشاعرها، فهي ليست قطعة مطاط، بل امرأة.
مثل هذه المشاعر هو ما يجعل الرواية تأخذ البعد الإنساني، البعد الذي نحتاجه جميعا، فلسنا نحن إلا بشر، وفينا من الاحاسيس والعاطفة ما هو عند الآخرين، فنحن نحب، ونريد أن نعيش حياتنا كما الآخرين.
وبعد أن استشهد حبيبها "عبد السلام" في الأردن كانت الراوية بهذا الوضع، "أنفجر بكائي كما لم ابكه من قبل، لم ابك استشهاده بما يكفي، إذ كنت أحذر من البكاء الواضح فأنا لا املك تبريرا، أنتظر نوم الجميع لأبكي بتكتم تحت ستار اللحاف، سمعتني أمي مرة فاعتقدت أني في كابوس فنبهتني" ص118، بهذه الصورة الانسانية كانت المناضلة "عائشة عودة"، تؤكد لنا إنسانيتها من خلال وصف هذه المشاعر الصافية والنقية، فهي تحب، وأي حب؟، حب مزدوج، ثنائي، حب الفتاة لشاب، وأيضا حب المرأة للمناضل، للبطل، لرجل الأحلام، فهو ليس حبيبا عاديا، بل حبيبا استثنائيا، متميز، يتجاوز الرجل العادي، من هنا كانت مشاعرها بهذه الاندفاع والحساسية، وفي ذات الوقت الحرص على عدم تبيانها للآخرين.
وتقول عن الحب وهي المعتقلة والمحكوم عليها مؤبدين وعشر سنوات عن ألحب: "فتحا ملفات احلام ألحب ومع أحلام الحب يرهف القلب ويطير على انغام شفيف، وتصبح تجربة الماضي مهما كانت بسيطة ذات قيمة تحتل حيزا مهما من فراغ القلب" ص، 274 بهذا الشكل يكون الحب مسألة مهمة جدا في حياة الراوية، رغم أنها محكوم عليها عمليا بالموت داخل ألمعتقل، لكن الحب تجاوز جدران الزنزانة وجعلها تعيش هذا السلوك الإنساني بكل ما فيه من أحاسيس ومشاعر.
المرأة الغربية
الثورة الفلسطينية فتحت ابوابها لكل المناضلين في العالم، فهي لم تقتصر على الفلسطينيين وحدهم، بل شارك فيها العديد من احرار العالم، فنجد الفرنسي والاسباني والأمريكي كلهم جاءوا ليساهموا في ازالت الاحتلال، ولم يقتصر العمل الفدائي على الرجال وحسب، بل هناك مجموعة من الفدائيات اللواتي شاركن في العمل المسلح ومنهن "نادية بريدلي" والتي تقول عنها الراوية: "فتاة مغربية الأصل تحمل جوازا فرنسيا، وعمرها خمسة وعشرون عاما.
أحلوت :عربية تقود مجموعة فدائية، هذه ثورة حقيقية، المجموعة مكونة من نادية بريدلي، وإيفلين الفرنسية ابنة العشرين عاما، ومارلين بريدلي شقيقة نادية، وأوديت بوخهلتر في الستين من عمرها، أما الخامس فو زوج بيير اوديت وكان في السبعين من عمره" ص166، من المؤشرات التي تؤكد الإيمان والقناعة بعدالة القضية الفلسطينية عند شعوب العالم، من هنا وجدنا صبايا في ذروة الشباب يقدمن للمشاركة في ضرب الاحتلال، ونجد ايضا شيوخ، مقتنعين بعدالة القضية ويشاركون في تحرير فلسطين من الاحتلال، صورة مثالية للثورة الفلسطينية، وللعنفوان الذي استطاعت ان تحققه ليس على الساحة العربية حسب بل على الساحة العالمة.
وتحدثنا الراوية أيضا عن الهولنديات المشاركات في دعم النضال الوطني الفلسطيني فتقول: "مع بداية العام 1972 دخلت إلى السجن فتاتان هولنديتان بتهمة حمل رسائل لأحد فصائل منظمة التحرير! قلنا جميل، هولندا تأتي إلينا بعد باريس، الفتاتان هما: باولا، طالبة جامعية تدرس الفلسفة، وماركوت، تدرس علم الاجتماع" ص170، صورة أخرى تشير لحجم الامتداد الذي وصلت إلية الثورة، فهي استطاعت أن تتجاوز الدعاية الغربية المناهضة لحركة التحرر العربية ومنها الثورة الفلسطينية، وأن تجعل المرأة الغربة تشارك وبفاعلية في نضالنا ضد الاحتلال.
وتقدم لنا الكاتبة المناضلة الامريكية "تري جانسون" والتي لم تكن مناضلة وحسب بل مفكرة أيضا، فقدمت رؤيتها عن الحزب الواحد، في زمن كان التعرض لهذا الامر يعد خرقا للمنطق الثوري، لكن "تري جانسون" استطاعت أن توضح هذا الأمر "عدم صلاحية نظام الحزب الواحد وتعارضه مع حقوق الإنسان وكرامته وحريته، الثانية، المقاومة الأعظم هي المقاومة السلبية المطلقة" ص253، بهذه الافكار استطاعت أن تؤثر "تري" على "عائشة عودة" فكانت كلماتها صائبة تماما بعد ما شهدنه الانظمة ذات الفكر الشمولي وصاحبة فكرة الحزب الواحد.
وبعد هذه النماذج من المشاركات من اوروبا وأمريكيا، تنقلنا "عائشة عودة" إلى الحديث عن فتيات اسرائيليات وجدن/اكتشفن الكذبة الكبيرة التي ينشرها الاحتلال، فقررن طلاق هذا الكيان الغاصب والعودة من حيث جئن، "أوديت" فتاة يهودية جاءت من فرنسا الى (أرض الميعاد) وبعد أن تعرفت على حقيقة ما يجري في فلسطين قررت العودة الى وطنها وترك كذبة ارض إسرائيل: "جئت اليوم فقط لأودعكن وأعلمكن أني قررت العودة إلى وطني فرنسا، لقد تحققت من صدقكن، واكتشفت الأكاذيب التي تضخها الدعاية الاسرائيلية، لا يمكنني أن اكون مواطنة في دولة قائمة على الكذب وعلى ظلم شعب آخر، اشكركن على كل شيء واعتبر نفسي محظوظة لأني التقيت معكن" ص70، كل من يعرف حقيقة هذا الكيان لا بد أن يقف ضده، فهو قائم على الكذب وتشويه الحقيقة ونصب العداء لكل ما هو فلسطيني.
وتحدثنا عن "فليستا لانجر" الشيوعية اليهودية المدافعة عن الفلسطينيين، "... فكيف لمن هم اعداء أن يدافعوا عن المناضلين منا؟ وكان التفسير: لأنها شيوعية، وأن الشيوعيين الفلسطينيين يتواصلون معها، تزورهم ويزورونها" ص73، فهذه المرأة اصبحت مثلا لكل المناضلين الحقيقيين فهي لم تكفي بالدفاع عن الفلسطيني وحسب، بل قررت ترك هذا الكيان المحتل والعودة الى وطنها ألمانيا.
الفلسطيني
تقدم لنا "عائشة عودة" كيف يفكر الفلسطيني، فهو رغم ما مر به من ظلم وقهر وتشرد وحرمان نجده يحمل مشاعر إنسانية، تظهره برحمة السيد المسيح اتجاه أعدائه ألم يقل المسيح "أحبوا أعدائكم" وكأن هذا الكلام لم يأتي من فراغ، فهو أرث ثقافي في المجتمع الفلسطيني، ممتد منذ أن كان المسيح إلى غاية الآن، "فاجأتني عايدة سعد بقولها: قلن ما تشأن عني، لكني أشفق على هؤلاء الفتيات !ّ وأقول أكثر من ذلك، إني لا أرغب أن ينهزم أو يذل إنسان على هذه الكرة الأرضية، لماذا على الناس أن يعيشوا إما منتصرين وأما منهزمين؟ أنا لا أحب أن أرى أحدا مهزوما وذليلا، حتى لو كان عدوي! الذل لا يليق بالبشر" ص237، جاء هذا الكلام بعد أن استطاع الجيش المصري اختراق التحصينات في خط بارليف وحقق انتصارات على جيش الاحتلال، فانتشرت اقول بأن الجيش المصري سيصل خلال يوم او بضعت ايام الى فلسطين المحتلة وستنقلب الاحول في المعتقلات، حيث سيكون السجناء سجانين، والسجانين سجناء، حتى أن احدى السجانات كانت تتوسل للمعتقلات الفلسطينيات لكي يعاملنها بالحسنى وأن يغفرن لها اعمالها السابقة، لكن وجدنا الفلسطينية المعتقلة "عائدة سعد" والتي وجدت من الاحتلال الشيء الكثير، بهذه العاطفة الانسانية وهذا العفو، الذي يؤكد بأن الفلسطيني لا يريد الشر بأحده، وكل ما يرده هو الحياة الكريمة في وطنه.
وها هي "أم محمد أبو كرش"، "تريد أن تذبح لهم وتكرمهم في حال عودتها إلى قريتها!" ص288، فهذه المشاهد حتى لو كانت لا تنسجم مع اتجاهات البعض منا، إلا انها تبين حقيقة التسامح والإنسانية التي يتمتع بها الفلسطيني، فهو إنساني حتى مع أعدائية ومضطهديه.



الحلم العربي

ما يحسب على حركة التحرر العربية أنها وضعت فكرة واضحة عن المستقبل الذي تريده، مستقل تجاوز النظام القطري والكيانات التجزئة، التي وضعها الاستعمار الغربي، من هنا كان اعضاء الاحزاب والحركات القومية يتعرضون لأقسى اشكال القمع والاضطهاد على يد النظام العربي الرسمي، "عائشة عودة" توضح لنا تلك الأفكار، الأحلام، الآمال الوطنية والقومية التي لعبت دورا اساسيا في تشكيل الوعي النضالي في تلك الحقبة، "حلمنا بالحب وبتحرير فلسطين وبوحدة عربية تسمح لنا بالسفر دون جوازات سفر او مرور على الحدود، خرجنا في مظاهرات، وهتفنا لفلسطين وللوحدة العربية" ص11، بهاتين العبارتين كان يتمثل الهم/الحلم/الطموح لكل الاحرار في الوطن العربي، لم يكن حلمهم خياليا بل بسيطا ومتواضعا، لكنه يعبر عن حقيقة القوة التي سيكون بعد الوحدة وبعد تحرير فلسطين.
عندما كان العمل الفدائي في بداياته، أي بعد حرب 1967، وبعد الانتصار الذي تحقق في معركة الكرامة، وأثناء حرب الاستنزاف التي خاضها الجيش المصري، كل هذا المد الجماهيري والتوسع في العمل الفدائي الفلسطيني، جعل حتمة النصر قريبة وقريبة جدا، فلم يكن أحد يتوقع بأن النظام الرسمي العربي سيقوم بالانقضاض على الثورة الفلسطينية في الاردن ثم في لبنان لاحقا، "كانت المقاومة بعد هزيمة 67 قد أنبتت لنا اجنحة، وخلقت فينا إرادة كفيلة بأن تحرك الجبال، حينها قلنا: سوف نهزمهم، وإن بقائهم فوق أرضنا لن يدوم أكثر من بضع سنوات، هكذا كانت الاستهانة بالأحكام التي سيصدرونها حتى لو كانت مؤبدات" ص76، هل كانت حركة التحرر العربية تحلم احلام يقظة، غير مستنده على حقائق وتحليل للواقع؟ أم أن هناك انقلابات قاتلة حدثت في الساحة العربية؟، اعتقد بأن الاحلام كانت معتمدة/مستندة على الواقع، لكن حجم الردة بعد مقتل عبد الناصر، سمح/هيئة للجهات الرجعية أن تسرح وتمرح في المنطقة العربية دون أن تحسب حسابا لأحد، فهي مدعومة من امريكيا والغرب، من هنا وجدنا انهيار اتفاق القاهرة بين منظمة التحرير والانظام الاردني، الذي خرق أهم بنود الاتفاق بعد أن اكتسح احراش جرش وعجلون وتم تصفية المقاومة الفلسطينية نهائيا في الساحة الاردنية.
وتحدثنا عن "تريز هلسة" الفتاة ذات الجذور الاردنية التي بقية مع عائلتها في عكا كيف كانت تفكر عندما قررت المشاركة في العمل الفدائي، "تضحك تريز حين تتذكر لهفتها واستعجالها الوصول الى قواعد الفدائيين للتدريب والعودة سريعا، خشية أن تتحرر فلسطين دون مشاركتها هي!" ص174، هذا يؤكد بان الحلم العربي كان يعتمد على الكثير من المعطيات الواقعية التي توكد حتمية النصر، لكن كما قلنا، حجم المؤامرة كان اكبر وخطر من أي تصور، فالتحرير ما زال بعيد المنال، والتقسيم ما زال يتفشى اكثر، وعقلية القطرية تترسخ عند الطليعة وعند العامة.
الاسرائيلي
من الطبيعي أن يتم تناول الطرف الآخر، الاحتلال، وكيف يفكر، و ما هي الاسس التي يعتمدها في التعامل مع الفلسطيني والعربي، وهل هو دائما يبدو شرسا وقويا وصلبا؟، أم أن هذه الصفات والمظاهر هي متعلقة بالظرف ليس أكثر؟، "عائشة عودة" تجيبنا على هذه الاسئلة وغيرها بصورة شافية ووافية، فهي من عاشت معه ما يقارب العشر سنوات، وتعرف الكثير عنه، وها هي تقدم هذه المعرفة لنا بصورة عديدة وأوضاع متباينة.
"أنتن لستن سياسيات، أنتن مجرد قاتلات للأطفال، أعمالكن الحقد وكره لليهود الذي تبثه إذاعة "أحمد سعيد" والإذاعات العربية لقتل الأطفال اليهود!" ص 38، هذا الكلام جاء على لسان مديرة السجن، فهي لا ترى في المعتقلات سوى مجرمات قاتلات، وتتجاهل الطريقة والكيفية التي قامت بها دولة الاحتلال، فهي لا ترى إلا بعين واحدة، وتتناسى الماضي القريب.
وترد "رسمية" على ما جاء من مديرة السجن من خلال هذا الكلام: "ـ يريدون إلا نحقد عليهم؟ يريدون تجريدنا من انفعالاتنا كما جردونا من بيوتنا وأرضنا وكرامتنا؟ هل كنت بحاجة إلى أحمد سعيد كي يقول إننا تشردنا من "لفتا" وإننا عشنا مرارة التشرد وقهره وجوعه وذله؟ وإن ما منعنا من الانهيار والضياع هو أمل العودة إلى بيتنا وقريتنا؟" ص40، الإسرائيلي سعى دائما لتجاهل طبيعة وجوده في فلسطين، وكأنه ابن هذه الأرض وولد فيها، علما بأن العديد منهم الآن، ومنهم وزراء ليسوا من هذه الأرض، وجاءوا حديثا الينا/عليها، ويردوننا أن نتجاهل وجودهم، وأن نعتبر أنفسنا ضيوف عندهم!.
ونستنتج ما يريدونه الإسرائيلي من خلال هذه الكلمات: "..هناك تعاملوا معنا كأعداء وحالوا تدميرنا، أثناء التحقيق حاورني الحاكم العسكري على قاعدة سياسية، وكان معترفا بأهدافنا، لكنه كان يرى أن عليه منعنا من الوصول إليها، أما هذه المرأة، فنسفت كامل حقوقنا وأهدافنا النضالية، وتحولنا إلى مجرد مرضى بشيء اسمه كراهية اليهود!" ص41، ليس هذا التغير/الانقلاب في طريقة التفكير عند الاسرائيلي مجرد حادثة شخصية، بل هي نهج عام ومتصاعد ومتنامي باستمرار، فكلما وصلوا/أنهوا مرحلة يعملون لتقدم إلى مرحلة جديدة، ليس على مستوى تغير معالم الجغرافيا والتسميات للأرض، بل أيضا على تغير، تشويه، تحريف التفكير اتجاه الفلسطيني، وعند الفلسطيني أيضا، بحيث يبدأ التشكيك بمفاهيمه وتفكيره، فكثرة الكذب والتزوير ـ أحيانا ـ تجعل المرء يشك بصحة تفكيره.
وها هي السجانة "تسيونة" مديرة السجن تتحدث بالمنطق الإسرائيلي وكيف فتقول: "لا تحاولن مناقشتي حول الحق، لو أردت اتباع الحق، لحملت أمتعتي ورحلت من هذه البلاد، أنا أومن بالقوة فقط، القوة هي التي تحدد الحق وتخلقه" ص71، صورة أخرى من المكونات الاساسية في التفكير الإسرائيلي، فهو يعتمد على القوة التي يقدسها أكثر من أي شيئا آخر، وهذه الفكرة ـ تقديس القوة ـ سنجدها لاحقا , أثناء حرب 1973 كيف تحولت تلك الوحش الكاسرة إلى أحمال وديعة، تعمل وتتحدث بلطف وهدوء مع المعتقلات، وهذا يؤكد المثل العربي :ما بجيب الرطل إلا الرطلين".
وقبيل المحاكمة تكتشف "عائشة عودة" هذه الحقيقة وكيف يريدنا الإسرائيلي أن نكون: "إنهم لا يريدوننا إلا مخبرين! وهنا أستحضر تعليق صبحية شعبان على برنامجهم الإذاعي "من المستمعين العرب"، بقولها، إنهم لا يريدوننا إلا مستمعين!" ص75، بصورة العميل الخادم لسيده يريدنا الإسرائيلي، ومن ثم علينا أن لا نكون إلا مستمعين لما يصدرنه من تعليمات وأوامر ونقول لهم: "حاضر، تحت أمركم!"، ليس هذا مقتصر على المعتقلات وحسب، بل مطلوب من كافة العرب والفلسطينيين أن يكون بهذا الشكل، فهم شعب الله المختار!.
وأثناء المحكمة وبعد أن استطاعت "عائشة عودة" أن تلم أنفاسها وتتحدث عن الاعترافات التي انتزعت منها تحت التعذيب نجد الكذب والتزوير ونفي كل ما قام به الجلادون ضدها، تحدثنا عن حجم هذا الكذب والتزوير الذي يمارسه المحتل بهذا الوصف: "لم أكن أصدق حتى ذلك الحين أن البشر يمكنهم أن يكونوا كاذبين ووقحين إلى هذا الحد!... قال إن يعقوب لم يتعرض لأي نوع من التعذيب، أما الجروح في رأسه من فعله هو، المتهم حاول الانتحار بضرب رأسه بالحائط، فأنقذوه بمنعه من إيذاء نفسه، والواجب عليه شكرهم لا اتهامهم والإساءة إليهم!" ص81، كما قلنا سابقا، مسألة قلب الحقائق لا تتعلق بالأفراد فقط، بل هي نهج عن دولة الاحتلال، فهي من تقلب الحقائق رأسا على عقب، وتجعل الضحية جلاد ومن والجلاد ضحية، هذا ما تمارسه دولة الاحتلال حتى يومنا هذا، فلا نستغرب مما قاله ممثل السجن أمام المحكمة وبعد حلفه اليمن بقول الصدق.
ومن الصور القاسية التي يتعامل بها الاسرائيلي مع الفلسطيني هذه المشاهد، "ولم تتصور قط أن يزج بها في السجن لسبب مجنون، هو كونها أخت رندة النابلسي" ص89، فهنا الاعتقال ليس بسبب تهمة، بل بسبب أخر تعذيب وقهر الأهل، أقرباء المناضل/ة لكي ينتقموا من كافة أفراد الأسرة.
"أخذت "يعل" تشد الطفل كما تفعل ذئبة" ص104، معاملة الطفل الذي جاء لزيارة عمته في المعتقل، يمنع من رؤيتها بهذا الأسلوب الوحشي، ومن قبل من؟ امرأة من المفترض أن تكون عندها حنان وعطف على هؤلاء الأطفال، لكن الإسرائيلي لا يعرف سوى كلمة واحدة، الفلسطيني الصغير مشروع ارهابي في المستقبل.
وتستخلص "عائشة عودة" رؤيتها عن الإسرائيلي قائلة: "اغتيال فرحتنا كان سياسة ثابتة عندهم، ...كم مرة تدخلت السجانة لتنغص فرحتنا حين ترانا نلعب أو نضحك أو نناقش رواية أو كتابا أو ننشد أو نغني أو ندبك،... لكننا اكتشفنا أنهم يخافون فرحتنا" ص284، هذه نتيجة سياسة الحقد والكره التي يبثها المحتل على اليهود، فنتيجتها هذا الحقد الأعمى على أي سلوك يمكن أن يفرح الفلسطيني، ومن هنا نجدهم يفعلون أي شيء، فقط لعدم حصول هذا الفلسطيني على أي مقدار من الفرح، أو الحياة العادية.
ومن شاهد وعرف الحواجز الإسرائيلية التي أقاموها بين قرية وقرية، والبوابات الحديدية على مداخل المدن، يعرف كيف يفكر ويعمل الإسرائيلي، فهو موجود فقط للتنغيص علينا وسلب فرحتنا.
وقبيل أن يتم الافراج عن المعتقلات بعد عملية تبادل الأسرى بين "القيادة العامة" وإسرائيل وصفت لنا "عائشة عودة" شكل السجانات بهذا الوصف: "كان وجهها شاحبا، أما وجه نائبتها حياة شوهم فكان يعبر عن حاجة ماسة إلى عملية إنعاش، أكد لنا سوء الوجوه أننا ذاهبات على الحرية" ص294، إذا ما قرنا ما قلته المناضلة "عايدة سعيد" عن الطريقة التي ستعامل بها السجانات بعد أن يتم تغير الأحوال ـ بعد انتصار العرب في حرب 73 ـ نعلم حجم الهوة السحيقة التي تفصل تلك السجانات عن الطبيعة الإنسانية، فهن لسن إلا سجانات، لا يعرف سوى السجن، لا يفكر إلا به وبما فيه من تعذيب وقهر للفلسطيني، وهذه الصورة توضح حقيقة المجتمع، الكيان الذي أسمه إسرائيل.

حرب 73
هذه الحرب كسرت مفهوم أمن دولة إسرائيل، وقلبت فكرة الإسرائيلي عن العرب، خاصة فكرتها عن الجيوش النظامية، فهي كانت تعي بأن الشعوب العربية قادرة على لحاق الأذى والهزيمة بها، فما زالت العمليات الفدائية قائمة، ومعركة الكرمة حاضرة في الذهن، فهي تعي بأن النظام العربي الرسمي عاجز عن (كش الذباب عن وجهه) من هنا كانت دولة الاحتلال مرتاحة تماما، وكان كل جهدها متعلق/منصب بمراقبة والرد على العمل الفدائي فقط. فالحرب النظامية لم تكن متوقعة بالنسبة لها، وعندما قامت وتم اختراق الجبهة الشرقية في خط بارليف والجبهة الشمالية في الجولان، علم الإسرائيلي بأنه أصبح في مهب الريح، وأخذ الجبروت والعنجهية التي تتحكم فيه منحى آخر، وكأن الإسرائيلي لم يكن قبل أقل من يوم يتبجح ويتمطى، فأول إشارة عن تأثيرات هذه الحرب عليهم ما جاء على لسان احدى السجانات: "هذه المرة، طلع العرب جدعان" ص231، بهذه النظرة يتأكد لنا الأسس التي تقوم عليها دولة الاحتلال، فهي تعتمد على القوة كعامل اساسي لبقائها.
تحدثنا الإسرائيلية "جينا" المصرية الأصل كيف أخذت تفكر أثناء الحرب: "بدأت تسحب شريط ذكرياتها في الاسكندرية، كأنها طازجة، كأنها لم تعرف السعادة إلا هناك! ولاحظنا مبالغتها في تأكيد حبها لمصر وطنها الذي لا تنساه! ..مصر أم الدنيا"،...ربما سيصل الجنود العرب إلى السجن الليلة أو غدا، ويفتحون الأبواب ويخرجونكن من السجن، وربما يضعوننا نحن مكانكن، وتحملن المفاتيح بدلا منا، لي طلب واحد منكن، أن تعاملننا مثل معاملتنا لكن، أنا لا أذكر أني أسأت لأي منكن، ... كنت دائما أحسب حساب مثل هذا اليوم."ص233و234، بهذا المشهد يتبين لنا حقيقة المجتمع الإسرائيلي والكيفية التي يفكر فيها، فهو يعيش على بركان، يمكن أن ينفجر في أي لحظة، وكل ما يظهره من قسوة ووحشية هي مجرد شكل، يمارسه فقط على الضعفاء، أما عندما تكون هناك قوة فيمسي هذا الوحش المتجبر مجرد أرنب يتخفى هاربا عند مشاهدة أي خطر.
وإذا ما تمعنى فيما قالته اليهودية المصرية "جينا" نلتمس بأن وجودها في دولة الاحتلال وجود طارئ، من هنا أخذ تمجد مصر وطنها الأصلي، أما دولة إسرائيل فهي بالنسبة لها مكان غير آمن لا تشعر بالاستقرار والأمن كما كانت في مصر.
أما اليهودية المغربية (راحيل) فكانت تفكر بهذا الشكل، "أن تعود وعائلتها إلى البلاد التي أتت منها (المغرب) أو تسافر إلى أستراليا" ص235، إذن كافة المشاهد التي قدمتها لنا "عائشة عودة" تشير إلى عدم وجود أي فعل مقاوم أتجاه (حرب العرب على دولة إسرائيل) فأي مجتمع/شعب هذا الذي لا يفكر إلا بالعودة إلى الدول التي جاء منها أو بالهرب إلى دول أخرى؟ أين مفهوم الدفاع عن الوطن عند هذا التجمع القوي؟، أعتقد بأننا أمام حقيقة هذه الكيان القائم، فهو معتمد أساسا على ضعف العرب ليس إلا.
الانقلاب في التفكير اقترن بالانقلاب في السلوك، فأصبحت السجانات الشرسات يتعاملن مع المعتقلات بهذا الشكل، "أصحبت كل السجانات والسجينات الإسرائيليات بدون استثناء، يخطن ودنا كما لو كنا نحن من يتحكم في مصيرهم" ص236، ما يحسب على الرواية أنها الوحيدة التي تقدم صورة المجتمع الإسرائيلي من الداخل أثناء حرب 73، فحسب قراءتي لم أجد أي عمل روائي تحدث عن تأثير هذه الحرب على المجتمع الإسرائيلي. وهذه سابقة تحسب للرواية.
وتختصر "عائشة عودة" هذا الكيان/المجتمع/التجمع بهذه الكلمات: "أصبح الجميع يتحدث معنا بتواضع! أصبحوا بشرا لا آلهة متجبرين! إن هزيمتهم حق أعادة لهم إنسانيتهم قبل أن يعيد لنا إنسانيتنا" ص237، بهذا الشكل كان (شعب دولة إسرائيلي) الجبار يتصرف.
قبل أن أنهي هذا الجانب أحب ان اشير إلى كيفية التفكير عند الفلسطيني إثناء هذه الفترة من الزمن، كتأكيد على الإنسانية الأقرب إلى الربانية برحمتها على الظلام والقتلة والمتوحشين، فتقول أم محمد أبو كرش: "يا بناتي، ارجعوني ع بيت جرجيا ومستعدة أعزمهم وأذبحلهم خروف!" ص237، تكمن أهمية هذا المفارقة بين طريقة التفكير والتصرف عند الفلسطيني الذي يعمل لتحرير وطنه من الاحتلال، وبين كيان غاصب محتل قائم على اقتل والترهيب. من هنا وجدنا الجانب الإنساني عند الأول موجود بشكل طبيعي/عادي لا يخضع للظروف، بينما وجدنا الآخر لا يقوم/يفكر بطريقة إنسانية إلا بعد أن يشعر بالخطر، فيكون هذا التصرف غير أصيل/ طارئ، يمكن أن يتراجع عنه عندما تتغير الظروف، وهذا ما كان، "بدأ ميزان الحرب يتغير، بدأت أجواء اللطف معنا تتراجع" ص238.
الصراع الداخلي
الانسان النبيل الذي يخضع الاعتقال يفكر بأهله وكيف سيتصرفون من بعده، فالهم الاقتصادي والنفسي الذي يتعرضون له يترك آثرا سلبية على المعتقل، وطبعا هذا يبين العلاقة الحميمة التي تربط المعتقل بأهله، "عائشة عودة" تفكر بأهلها قبل نفسها، فلا تريد لهم أن يحملوا عبء آخر، يكفيهم ما حل بهم بعد أن تم نسف البيت الذي يؤويهم، من هنا نجدها تحمل هم تأمين مصاريف أتعاب المحامي الموكل للدفاع عنها، "سألته عن التكاليف
ـ خمسون دينارا للجلسة أو الزيارة الواحدة.
أجفلت، هذا يعادل ضعف معاشي الشهري الذي كنت أتقاضاه من مهنتي في التدريس، لاحظ ارتباكي فتدخل: على الارجح أنها لن تدفع من قبل أهلك.
قلت في نفسي: حتى لو كانت من قبل الجبهة أو من أي طرف آخر، لماذا أكلفهم هذا المبلغ؟" ص49، النبل والمسؤولية تجعل المناضلة ترفض توكيل هذا المحامي بسبب ارتفاع الاتعاب التي سيتقاضاها، بصرف النظر عن الجهة التي ستدفع، فمثل هذه المبالغ يمكن أن تستثمر في مجال آخر، خاصة وأنها تعرف بأن المحامي لن يقدم أو يؤخر في قضيتها.
وبعد أن عرفت بأن زيارة الأهل للمعتقل ستكون قريبة، أخذت تفكر بالعبء الذي سيتكلفونه من خلال هذه الزيارات التي تتطلب مصاريف مواصلات، واحضار بعض الحاجات للمعتقل، والمعاملة غير اللائقة التي سيجدونها من المحتل، وطول السفر. كل هذا كانت تفكر فيه "عائشة عودة"، "داهمني أسى شديد بسبب المعادلة التي نشأت، والتي قد قبلت الماضي رأسا على عقب، كنت المنتجة والمساعدة الرئيسية للأسرة، وها أنا أتحول إلى عبء عليها" ص58، كل هذه الدلائل تبين حجم المسؤولية التي تقع على كاهل المعتقل، فهو لا يهتم بنفسه قدر اهتمامه بالأهل.
الأم
الأم تأخذ حيز كبير لما لها من مكانة خاصة عند الابناء، "عائشة عودة" تؤكد هذه المسألة من خلال حديثها عن الأم، أكثر من خمسة عشر موضعا تحدثت عن الأم، وفيها كانت الأم هي سيدة الموقف، "... أما اللحظات التي سأضم فيها أمي، فهي شوق الحياة، ومرفأ الأمان، وطعم الحرية، وأجنحة الطيران، ولون الفرح، لم أعد قادرة على تحمل الدقائق التي تفصلني عنها" ص56، لا مجال للحديث اكثر من هذا عن الأم فهي كل شيء جميل، هي الحياة الممتعة، وهي الفرح.
ومن تأثيرات الأم عليها، قولها: "وهناك سر خاص بي أطلعتني أمي عليه، أثناء حملها بي، توحمت على تراب احمر وأكلته بمتعة غريبة" ص67، وكأن "عائشة عودة" من خلال هذا الكلام تشير إلى أن سبب تعلقها بفلسطين يرجع إلى أمها التي أورثتها هذا الحب وهذا العطاء، بمعنى أن كل ما تقوم به يرجع فضله للأم.
وعندما قررت الخوض في اضراب عن الطعام، احتجاجا على الطريق غير السوية التي تعاملت بها مديرة السجن، بعد أن قامت بضرب أحدى السجانات، لما بدر منها من معاملة سيئة لأبن اخيها، راودتها نفسها تناول الخبز الساخن الذي يثير شهوة الطعام، لكن ما منعها من كسر إضرابها هذا الأمر: "تصورت أمي تراني وأنا أكلم قطع الخبز، فتضرب كفا بكف وتقول: "انجنت بنتي، يا حيف يا عيشة، كان عقلها بوزن بلد، بس اليهود جننوها" انشغلت بمحادثة أمي لأطمئنها وأهدئ من روعها كما لو كانت تجلس معي!، ويا للغرابة! توارى الإحساس بالجوع، وفقدت قطع الخبز جاذبيتها" ص116، هذا المشهد يذكرنا برواية "أم سعد" لغسان كنفاني حينما تم محاصرة المجموعة الفدائية لمدة ثلاثة أيام، وتخيل "سعد" بأن أمه جاءت تحمل لهم الطعام، وفعلا تم هذا الأمر، واستطاعت المجموعة العودة سالمة إلى مواقعها، وهنا نجد أم "عائشة عودة" تقوم بدور المساعدة لابنتها، وتجعلها تصمد وتتجاوز حالة الإغواء التي يثيرها الخبر الساخن.
الام لم تكن فقط حاضرة وقت الشدة بل في كل الاوقات من هنا تذكرها لنا بهذا المشهد، "تراني أمي ساجدة فتدعو لي بالهداية والخير! فأسر بدعائها" ص144، كل ما يصدر عن الأم هو مصدر فرح للأبناء، ذكراها تجعلنا نفرح حتى لو كان الواقع بائس.
وبعد الوعكة الصحية التي ألمت "بعائشة عودة" كلمتها رفيقتها "عفيفة" على ضرورة شرب الشاي الساخن فتكون الأم حاضرة ايضا، "للحظة رأيت عفيفة بثياب أمي تجلس أمامي! فلو كانت أمي لما قالت غير ما قالت عفيفة" ص271، لا أبالغ أن قلت أن الأم مصدر من مصادر القوة لأنسان، فهي من يمنحنا القوة والقدرة على تجاوز المحن، ولسنا هنا في مجال مقارنة حال الأم بين ما جاء في رواية "شرق المتوسط" لعبد الرحمن منيف ما جاء في "ثمنا للشمس" فكلاهما جعل الأم مصدر القوة والصمود، في الأولى كانت أم رجب إسماعيل هي التي تمنح رجب القدرة على تحمل كل ما يتعرض له في المعتقل، وهنا كانت الأم تقدم لابنتها كل عناصر واسباب الصمود والثبات.
الانجليزي
العديد من كتاب الرواية العربية والفلسطينية يستحضرون صورة الانجليزي، سبب نكبتهم وما هم فيه، إن كان على صعيد التجزئة أم على صعيد زرع دولة الاحتلال، "عائشة عودة" تحدثنا عن شخصية الانجليزي بصورتها السلبية، وكأن الانجليز لم يكتفوا بما قاموا فيه في فلسطين بل جاءوا ليزيدوا من اوجاعنا، "خاطبا اللورد: أرى أن إسرائيل رحيمة بكم، إذ لا تحكم على الذين يقومون بعمليات (تخريبية) ضد جيشها ومواطنيها بالإعدام!" بهذا المنطلق الاستعماري الداعم لقوى الشر يتكلم الانجليزي، وكأنه لا يدري كيف قامت دولة الاحتلال التي زرعها في فلسطين وفي قلب المنطقة العربية.

عبد الناصر
شخصية عبد الناصر لعبت دورا حيويا في الاحداث القرن الماضي، خاصة ما يتعلق منها بنهضة مصر والعرب، وأثر ذلك على القضية الفلسطينية، فهذه الشخصية تركت إرثا نضاليا لا يمكننا تجاهله أو التقليل من حجمه، من هنا نجد العديد من كتابة الرواية الواقعية يتناولون شخصية عبد الناصر، "وكان جمال عبد الناصر ملهما لهم وباعثا الأمل فيهم، يحرصون على الاستماع إلى خطاباته بالسر، خوفا من ملاحقة الشرطة" ص87، تذكير بدور عبد الناصر والطريقة التي تعامل بها الأنظمة الرجعية مع الموطنين، فقد كان كل من يستمع لخطاباته يعرض نفسه لخطر الاعتقال، فخطب عبد الناصر كانت من المحظورات، منها هنا وجدنا الفرحة العارمة عند العديد من حكام المنطقة العربية الذين فرحوا برحيله كما فرح الاحتلال وأكثر.
وعندما رحل هذا القائد وصفت لنا "عائشة عودة" خوفها من القادم بهذا الوصف: "كان موت الرئيس جمال عبد الناصر، فأي فراغ سيغزو زماننا؟" ص147، لا شك أن قائد بمكانة عبد الناصر ترك وراءه فراغا كبيرا لم يستطع أيا ممن جاءوا بعده تعبئة مكانه.

الحكم
"في ظل الحرمان المطلق والحاجة الأكيدة للحب، قد نخلق لأنفسنا أوهاما تساعدنا من تخفيف قسوة الواقع" ص100، مكاشفة الذات بالعجز عن القيام بما تريده، والتخلي عن حاجاتنا لصالح المجتمع.
"لا إنسانية لمن لا يرفض الظلم والقهر، وأن كل من يقبل الظلم يقبل التخلي عن إنسانيته، ما كان أجملني وقد تحررت مما سود نفسي!" ص108، تأكيد على حق الرفض للظلم، وربط ذلك بالمسائلة الإنسانية.
"إن البندقية بلا ثقافة، تتحول إلى بندقية مأجورة" ص138، ربط فعل المقاومة بالثقافة.
"لمحة سريعة لم تزد عن نصف دقيقة لم أر فيها الجريحة، بل أرادة شعب يأبى أن يموت" ص173، ربط الفرد بالشعب والوطن، فكلا منهما يتغذى ويغذي الآخر.
"كانت الهزيمة أغلالا تشدنا إلى الأرض، وأثقالا نحملها على أكتافنا، وصخرة تثقل على صدورنا، وها نحن بلمحة عين، نتحرر منها ونخف كالفراش" ص232، بعد حرب 73 والانتصارات التي حققها الجيش المصري والسوري، شعر المواطن العربي بإزالة الاحمال الذل التي خلفتها الحروب السابقة.
"كانت فلسفتي أن الأسوأ هو ركود الحياة على الوضع نفسه دون جديد" ص264، ضرورة التجديد في الحياة والابتعاد عن النمطية القاتلة التي تميت الابداع والفرح.
"ما اصعب أن تجد نفسك عاجزا عن تقديم المساعدة لمن هو في أمس الحاجة إليها" ص291، فهنا يكون العجز مزدوج، الطرف المقابل، وأنا المشاهد.
نذكر بأن الرواية من منشورات مواطن المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية، رام الله، طبعة 2012.



























الطرح السياسي في رواية
"فرسان الحرية"
هشام عبد الرازق
رواية تتحدث عن واقع النضالات الفلسطينية داخل السجون الاحتلال، فهي تكاد تكون توثيق للأحداث السياسية التي مرة بها حركة "فتح" تحديدا، وعندما نقول حركة "فتح" فيعني ذلك بالضرورة الثورة الفلسطينية المعاصرة والأحداث التي مر بها الشعب الفلسطيني، فالراوي "هايل" يحدثنا عن فكر وسلوك حركة فتح منذ احداث أيلول الأسود إلى مؤتمر مدريد الذي مهد لتشكيل اتفاق أوسلو.
يعمل الراوي على نقل كل ما جري من احداث مطلبية في السجون الاحتلال وكيف استطاع الأسير الفلسطيني أن يحقق العديد من الحقوق الإنسانية التي تفتقرها تلك السجون، مواكبا هذه النضالات مع سرد للأحداث التاريخية التي جرت في المنطقة، والمواقف السياسية التي اتخذتها حركة "فتح" من الأحداث في المنطقة العربية.
الرواية كتبت داخل السجون، بمعنى أن الكاتب كان منفعلا، غير حيادي في مواقفه، يطرح الرأي السياسي بشكل مباشر، يخوض في النضالات والتحالفات والخلافات التي نشأت بين "فتح" وبقية الفصائل خاصة "الجبهة الشعبية" منحازا لتنظيم "فتح" التي يدافع عنها بكل تفان وإخلاص.
وهذا ما جعل نص الرواية يأخذ شكل الحوارات بين الشخصيات أكثر منه من عملية سرد للراوي، فعمليا جاءت كافة المعلومات التاريخية والمواقف السياسية على لسان الشخصيات، فالراوي "هايل" لم يترك مساحة/هامش للآخرين لسرد النص لكي يحدثنا عن الأحداث، فقد هيمن بشكل شبه كامل على مجريات سرد الرواية، وهذا ما أفقدها الحيادية وجعلها منحازة للطرف الذي يسرد أحداثها، "هايل".
تفتقد الراوية للعنصر النسائي، فالمرأة الوحيدة التي ذكرت كانت أم "هايل" فقط، وتم ذكرها مرتين أو ثلاث مرات ليس أكثر، وهذا انعكس بشكل سلبي على النص، مما جعله نص (ناشف أدبيا)، يفتقد لعنصر يلطف الأجواء ويحد من قسوة الأحداث، فنكاد لا نجد وصف للطبيعة/تصوير أدبي فني إلا بموقفين فقط، في الصفحة رقم 289، والتي جاء فيها هذا الوصف: "تألقت شمس الربيع في سماء نفحة وبدأت تخفف من برد النقب القارس محررة الأسرى من الانكماش فوق البرش ليستمتعوا بشمس الربيع في ساحة النزهة اليومية" فهذا المشهد يشير إلى قدرة الراوي على تلطيف أجواء الرواية، لكن كما قلنا سابقا، انحيازه للحركة والدعوة لها حرمنا من هذه المقاطع الناعمة والجميلة، ويقول في صفحة 376: "والسماء صافية والشمس ترسل خيوطا من النور تقتحم الأسلاك وتتسلل بحياء إلى ساحة السجن ونسيم البحر يداعب أغصان الأشجار هناك بعيدا عن السجن" تصوير رائع للطبيعة الفلسطينية خاصة عندما جعل البحر الفلسطيني يطفي لمسة من النعومة على الأجواء.
هذه الأسطر التي لا يتجاوز عددها العشرة، كان يمكن الراوي أن يستخدمها كعناصر داعمة للنواحي الأدبية والإبداعية في الرواية، لكن ظروف كتابتها داخل المعتقل حرمنا من هذه الصور وهذا الامتاع، من هنا أذا ما تجاوزنا هذين المشهدين نكون أمام نص غارق في الأحداث السياسية والنضالات والبطولات والهزائم والمؤامرات.
كنا نتمنى أن يتم مراجعة الراوية بعد خروج الكاتب من المعتقل، لكي يعيد تلطيف الأجواء فيها، ويقدمها لنا بشكل اقرب إلى الحيادية، لكن له الحق في كتابة ما يراه مناسبا، فيمكن أن تكون هذه الراوية ـ في وقت كتابتها ـ ضرورة لا بد منها، فهي توضح وتطلعنا على التفاصيل التي دفعت قيادة منظمة التحرير إلى اتفاق أوسلو، والتي كانت تتعرض لحصار وضغوطات من أكثر من طرف، وفي أكثر من جبهة.
الأحداث التاريخية
هذا العمل الروائي ملتزم فكريا وتنظيما، من هنا وجدناه راويه يتناول العديد من الأحداث التاريخية التي مر بها الشعب الفلسطيني، من وجهة نظر حركة "فتح" فهو يقدمها لنا بصورة مثالية، وأحيانا نشعر بتضخيم وتكبير تلك الصورة، فالمتلقي للرواية يتأكد له انحياز الراوي للحركة وإيمانه المطلق بصواب كل ما تقوم به وما تصدره من بيانات وما تتخذه من خطوات. فالرواية تدعو وتطرح فكر وسلوك حركة "فتح" كحركة بدون أخطاء.
فمن الأحداث التي يتناولها الراوي هذا الحدث، "ـ أنا ياسر من سكان القدس وخليلي الأصل متهم بقتل يوسف نصر رئيس تحرير صحيفة الفجر المقدسية" ص45، بمثل هذا العمل يشير إلى أهميته لما له من تداعيات سياسية، حيث كان "يوسف نصر" من الشخصيات التي تعري ممارسات الاحتلال وما يقوم بعه ضد الشعب لفلسطيني.
" ونجد هناك مفصل مهم في تاريخ الثورة الفلسطينية، إلا وهو أحداث أيلول الأسود، فيخبرنا الراوي عن هذه الأحداث قائلا: "ـ لقد كانت لمعارك أيلول الأسود آثارا سلبية عن نفسية الأسرى حيث دب اليأس في النفوس، وقد حاولت إدارة السجن استغلال ذلك لتحطيم الأسير الفلسطيني وسلخه عن ثورته ومسيرته النضالية ماديا ومعنويا" ص58، لم يقتصر تناول احداث أيلول بهذا الطرح وحسب بل هناك جوانب سلبية رافقته، جوانب تتعلق بقناعة وإيمان الأسير بنضاله وضرورة هذا النضال ليكون لبنة في بنيان ضخم لم يكتمل بعد، فالنضال يحتاج إلى كل الجهود والطاقات لإكماله، "ـ نتيجة الإحباط الذي أصاب المعتقلين جراء معارك أيلول وظهور التيار الديني كتجمع كما أسلفت، ظهر أشباه المثقفين، وتبنوا الماركسية، واعتبروا أن الفصائل الوطنية قد سقطت، وهم يشكلون البديل عن الثورة بكافة فصائلها" ص63، تبعات أيلول وأثره على الثورة الفلسطينية كان هائلا، فنجد حالات الكفر بالثورة، وتبني أفكار نقيضة (متهورة) كرد فعل على الهزيمة التي تعرضت لها الثورة.
وكأن الراوي في هذا المشهد يريد لمناضلين أن لا يضلوا الطريق في حالة التراجع، ويدعوهم إلى الثبات والرسوخ والاستمرار في مواقفهم ونضالهم، فالخطوة إلى الوراء لا تعني النهاية، بل تعني التقدم من جديد.
ويذكرنا الراوي بانطلاقة الثورة الفلسطينية وكيف كان يتم الاحتفاء بها في المعتقل فيقول: "نقف اليوم لنحي ذكرى انطلاقة حركة فتح، انطلاقة العاصفة، انطلاقة الثورة الفلسطينية المسلحة في ذكراها الحادية عشرة.
اصطف ثلة من المناضلين الذين يلبسون الزي العسكري لرفع العلم الفلسطيني، .. ودعا مندوبي الفصائل واحد تلو الآخر ليقرأ بيانه" ص78، الاحتفاء بذكرى الاطلاقة الثورة في السجن وبهذا الشكل وهذا الترتيب يؤكد حجم وقوة الإيمان الذي تمتع به رجال ذلك الزمن، فهم كانوا مؤمنين بأن النصر آت لا محال، إن لم يكن اليوم فغدا.
وإذا ما تمعنا فيما قاله الراوي نجده انحيازه الكامل لحركة "فتح" من خلال قوله: " حركة فتح، انطلاقة العاصفة، انطلاقة الثورة الفلسطينية المسلحة" وكأنه يلغي بقية الفصائل الأخرى أو يهمشها ويقلل من حضورها وفاعليتها، فهو كمنتمي "لفتح" يرفعها إلى أعلا القامات وسيمو بها، طبعا هذا يشير إلى الإيمان المطلق ب"فتح" وبدورها التحرري والثوري.
يعود بنا الراوي إلى الانكسارات والخذلان الذي تعرض له الشعب الفلسطيني، فيحدثنا عن زيارة السادات للقدس فيقول: "ـ إنني لن أنسى اليوم الذي كان يغطي فيه راديو إسرائيل خبر وصول السادات إلى مطار اللد، لم نصدق بأن الأمر حقيقة وعندما خرج من الطائرة امتلأت العيون بالدموع وشعر كل مناضل بأن كرامته قد ديست، أي خلل أوقعه هذا الرجل في منطقتنا" ص107، هذا تأكيد على وجوب الحكم على الأحداث في وقتها، وليس بعض مضي عقود عليها، نسمع اليوم كلام: "لو وافق الفلسطينيون على كامب ديفيد لحصلوا على دولتهم، ولما استمروا في عذابهم إلى هذا اليوم" لكن الراوي يوكد لنا بأن الزمن/الوقت/الظرف كلها لم تكن مناسبة لزيارة السادات ولتوقيعه تلك الاتفاقيات المخجلة والمذلة للعرب، فالصورة التي رسمها لمناضلين الباكين تؤكد هذا الأمر، عدم موضوعية الزيارة، وعدم تناسبها مع الظرف، ولا مع طموح الشعب الفلسطيني وحتى الشعب المصري، فهل يعقل بعد أن تم كسر شوكة الجيش الذي لا يقهر في حرب أكتوبر 73، وتبيان قدرة الجندي العربي على تحقيق النصر وتحقيق المعجزات من خلال تجاوزه لتحصينات "لخط بارليف" وبعد أن أسقط العشرات من طائرات الاحتلال وتدمير المئات من الأليات له، يتراجع (القائد) العربي متجاهلا الحقوق الفلسطينية، ويجير كل الذي تحقق في حرب 73 لمصالحه الشخصية!.
ما يحسب لهذه الرواية، تناولها الأحداث التاريخية التي تطرحها، فرغم أنها تقدم لنا شكل موازي للأدب الموجه، المعروف أدبيا "بالواقعية" تبقى تذكرنا بأن هناك أحداث ووقائع لم تكن في حينها صائبة، وكانت تعتبر خيانة، وتشكل انتكاسة للشعب ولطلائعه المناضلة.
الراوي يركز على المفاصل المهمة في مسيرة حركة "فتح" فيحدثنا عن الانشقاق الذي قاده أبو موسى فيصفه لنا: "ـ لقد صدر بيان في البقاع يعلن عن انتفاضة إصلاحية داخل حركة فتح بقيادة عدد من الكوادر والضباط وعلى رأسهم أبو موسى.
ـ مؤامرة سورية جديدة بأدي فلسطينية." ص175، هذه المرحلة التي شهدت حرب أهلية فلسطينية فلسطينية، ودفع أبناء شعبنا ثمنها، ونعلم بأنها لم تكن في محلها، المقصود هنا ليس اعلان الانشقاق، بل تبعاته، الاقتتال الدامي، الدماء التي اريقت، الناس الذي ماتوا وتهجروا فيها، كلها كانت وصمة عار على جبين من قاموا بها.
وهنا من باب التذكير نقول ما قاله "أبو موسى" ل" خالد مشعل" في دمشق: "اياك أن تقعوا بما وقعنا فيه في حرب المخيمات، اياك والحرب الأهلية، اياك واللجوء إلى السلاح" وهذا يؤكد ندم واعترف "أبو موسى" بالخطاء الدامي الذي اقترفه في تلك الحرب، وعلى الأثر السلبي الذي تركته في النفوس.
ويحدثنا الراوي عن حرب الخليج وما تركته من أثر على القضية الفلسطينية والشعوب العربية، والدور الذي تلعبه امريكيا ودولة الاحتلال في ضرب أي قوة عربية يمكنها أن تشكل رادع لدولة الاحتلال وللهيمنة الغربية على المنطقة، "ـ يا أخي يجب أن نعي أن الولايات المتحدة الأمريكية لن تسمح أن يشكل العراق وصدام حسين، قوة ثالثة في العالم يمكنها تهديد مصالح أمريكا وأوروبا بشكل مباشر، لن يسمحوا له بالتحكم في روح الصناعة الغربية المتمثلة بمنابع البترول.
ـ ولكن إسرائيل لا تريد حلا سياسيا، بل تريد تحطيم القدرة العسكرية للجيش العراقي." ص312،
ويضيف الراوي قائلا عن هذه الحرب "ـ الحرب إذا ما وقعت ستكون حربا عمادها التفوق التكنلوجي، ولن تكون بالشكل الكلاسيكي التقليدي، سيحرقون الأخضر واليابس عن بعد، كان الله في عون من سيكون تحت القصف" ص313، وكأن الراوي يعلم بأنها فعلا ستحرق الأخضر واليابس، ليس جغرافيا أو نباتيا وحسب، بل سكانيا، فها هو العراق يعاني من التمزق والاقتتال، والتقسيم على الأبواب.
في ظل هذه الأجواء القاتمة عربيا، تقوم جماعة "أبو نضال" بعمل تخريبي، يزيد من الوجع والتيه الفلسطيني، ويضعف القيادة الفلسطينية من خلال، "عملية اغتيال ثلاثة من القيادة الفلسطينية في تونس.
ـ أمر لا يصدق، غير معقول ثلاثة من القادة مرة واحدة.. (رددتها وأنا أضرب رأسي بالمخدة) أبو إياد وأبو الهول. وأبو محمد" ص313 و314، طبعا هذا الحدث يؤكد الدور التخريبي الذي قامت به هذه الجماعة، فهي عمليا لم تقم بأي عمل موجه ضد الاحتلال، ـ إذا ما استثنينا عمليه اغتيال السفير الإسرائيلي في روما، والذي اعطا مبرر لدولة الاحتلال لشن حرب على لبنان في عام82 والتي تم من خلالها إجلاء المقاتلين الفلسطينيين من بيروت ـ تكون هذه الجماعة كل ما قامت به موجه ضد الفلسطيني، ونذكر هنا بعملية اغتيال عصام السرطاوي. إذن ليس كل من يرفع شعار ثوري هو مناضل، وليس كل من يدعي النضال مناضل، بل هناك من يقول صوابا ويعمل كفرا، وهناك من يقول فلسطين ويعمل لموتها.
يعدنا الراوي إلى حرب الخليج والأثر الذي تركته في الشعب الفلسطيني، فيخبرنا عن هذا الحدث: "كانت مشاعر متغايرة تعصف بالأسرى، فهم فرحون لضرب إسرائيل بالصواريخ، وحزينون لقصف قوى التحالف لجماهير العراق، ونفس مشاعر شعبنا الذين يعتلون سطوح المنازل لمشاهدة الصواريخ التي تسقط على تل أبيب ويرفعون صورة صدام حسين، ويلصقونها بالجدران" ص315، بهذه الصورة نجد اللحمة التي تربط الشعب الفلسطيني بالشعب العراقي، فنحن لا نبحث عن تحقيق أهدافنا على حساب دماء الآخرين، فنجد الألم الذي يلازم عمليه القصف لدولة الاحتلال، لأن هناك شعب عربي يتعرض للقصف، ويسقط منه شهداء وجرحى، فهذا النبل يشير إلى التفكير الواعي للأسرى، وأيضا يحمل المشاعر الإنسانية والقومية التي تجتمع في تلك النفوس النبيلة.
ينقلنا الراوي إلى الحديث عن مؤتمر مدريد وما سيحمله من تحقيق آمال للشعب الفلسطيني، فيقول عنه: "...المرحلة الانتقالية، والتي سينتج عنها سلطة فلسطينية مرحلية في الضفة وغزة، ثم مرحلة الحل النهائي" ص328 و329، بهذا الشكل يكون الراوي قد تناول العديد من المحطات المهمة في مسار حركة فتح، وما تعرضت له المنطقة من أحدث قلبت الموازين رأسا على عقب، والمقصود هنا زيارة السادات للقدس، وحرب الخليج الثانية.
صورة الآخر
ما يحسب للرواية الفلسطينية أنها موضوعية في تناولها للآخر، المحتل، فهي تقدمه لنا كما هو، إن كان سلبي أم ايجابي، وهنا يطرح سؤال هل هناك أشخاص/عناصر ايجابية في دولة الاحتلال ومن السجانين؟، نقول نعم، هذا ما قدمه لنا العديد ممن كتبوا روايات عن الاعتقال، و"هشام عبد لرازق" واحد من الذي كتبوا بحيادة وموضوعية، فهو لم يكتب بطريقة التهيج وتشويه الآخر بقدر الكتابة بموضوعية، فنجد العديد من المشاهد في كلا الجانبين.
يحدثنا الراوي عن أحد مدراء السجون الذي خاطبه بهذا الحديث: "ـ من لهجتك أقدر أنك ابن لعائلة يهودية جاءت من العراق، وإذا استثنينا أنك قدمت إلى فلسطين وأقمت مكان عائلة فلسطينية فإنك بلا شك تؤمن بضرورة الحفاظ على دولتك التي أقامها من سبقوك، ولديك الاستعداد لأن تجلس ساعات وساعات للتحقيق مع هذا وذاك بعيدا عن أسرتك وأولادك في هذا المكان المظلم ووسط الصراخ والأنين، ببساطة لأنك تؤمن بأنك تقوم بواجب وظيفي أو حتى من أجل إخلاصك في مهنتك، فهل يجوز أن تكون مخلصا لمهنتك ودولتك وغيرك محرم عليه ذلك" ص19و20، مخاطبة الجلاد، السجان بهذا الخطاب يشير إلى سعة صدره، وعلى تفهمه لعدوه وعلى احترامه للإنسان المعتقل لديه، ولسنا هنا في مجال المقارنة بين محقق النظام الرسمي العربي والمحقق في لدولة الاحتلال، لكن بدون أدنى شك، كان هناك من يتعاطف مع المعتقل الفلسطيني، رغم ما تفرضه عليه وظيفة السجان من سلوك غير إنساني.
وعندما قام "هايل" بالتوقيع على استلام ملابسه، ورفض ضابط الأمن تسليمها له، قرر التوجه إلى مدير السجن واخباره بما اقترفه ضابط الأمن من تعدي على حقوق المعتقل، وجدنا هذا الصورة، "ـ لا أريد أن تحدثني ... اذهب الآن وأحضر الملابس.
حاول الضابط تأجيل الأمر، إلا أن مدير السجن أصر على أن ينتهي ذلك قبل خروجه من الغرفة، وشعر ضابط الأمن بالحرج والخزي أمام جموع الأسرى، وغاب قليلا ثم عاد يحمل حزمة من الملابس ووضعها بين يدي.
ـ هل تعرف أنه بإمكانه أن يرفع عليك قضية مدينة؟ كيف ترغمه على التوقيع ولا تسلمه أغراضه، هذا عمل خطير أيها الضابط" ص52، أعتقد بأن هذه الموضوعية والنزاهة عند الآخر، المحتل، تبين قناعة الفلسطيني بإنسانية الإنسان، فهو لا يسعى إلى تشويه المحتل، لكي يبغضه ويحمل عليه المتلقي، بل يريد أن يطرح قضية إنسانية، قضية تحرر شعب من الاحتلال، ومثل هذه المشاهد واكبت العديد من الشعوب التي خضعت للاحتلال، فنجد بعض عناصر الاحتلال ينتمون وينحازون لإنسانيتهم، أكثر مما ينحازون لدورهم كمحتل الذي يسعى لإلحاق أكبر قدر من الأذى بالوطنين.
ومن الصور الايجابية نجد هذا المشهد، "دخل مدير مصلحة السجون القسم وحيا الأخوة عمال الممر وواصل سيره حتى نهاية الغرف، ...تقدمت منه مصافحا ودعوته للجلوس لشرب القهوة.
ـ بإمكانك إحضار زملائك الذين يريدون الحضور.
لم يصدق السامعون ما يقوله مدير مصلحة السجون حتى أن مدير السجن نفسه لم يصدق فأعرب عن استغرابه لحديثه معي كممثل للمعتقل ثم قال:
ـ بإمكانك الجلوس في المكتب يا سيدي" ص203.
الصورة السلبية أيضا كانت حاضرة وبكثرة، المشهد السابق يعطي أيضا صورة سلبية لذلك الضابط الذي عمل على عدم اعطاء "هايل" حقه، وحاول لنيل من كرامته، فيحدثنا بهذا المشهد عن العداء والسلبية التي يكنها عنصر المحتل لنا، "وما زالت الغيبوبة تمنعهم من بدء التحقيق معي، ولم ينتظروا طويلا كي أفيق من إغماءاتي المتواصلة فلجأوا لإيقاظي عنوة، ليماسوا ضغطهم النفسي والجسدي علي." ص10، إذن من يريد أن يعرف طبيعة المحتل فليعود إلى اقبية التحقيق وما يمارسونه فيها من اشكال واساليب تعذيب، فهم في التحقيق ليسوا أكثر من آلة، ماكنة، لا تعرف شيئا عن الإنسان أو الإنسانية.


التحقيق
يتناول الراوي عمليات العذيب التي تعرض لها، فهي تؤكد وحشية المحتل، فهو لا يراعي أي قوانين أو مفاهيم، كل ما يهمه انتزاع الاعتراف، جعل الأسير مدان، متهم، مجرم، كما نجد اساليبه الملتوية في اخفاء جرائمه، كما هو الحال في عملية اغتيال "نصر يوسف" التي أجبر احد المعتقلين على تبنيها لكي يخفي دوره القذر، ويحدث انشقاق داخلي فلسطيني، ويزحزح الثقة بالنفس.
"يستخدمون مساطر خشبية للطرق على الجروح الحية التي ما زالت تنزف دما.
تكاد روحي تفر من صدري كلما هوت المسطرة لتنفر الجرح، فالألم رهيب.
الضربات تتوالى مع صراخ المحقق الهستيري واستجواباتهم المتتالية التي تفجر الدم من الجروح، شعرت بأني أموت بسبب الحرارة، فأهوي مغمى علي" ص11، جلب مصاب بجروح بليغة وبدأ التحقيق معه، بالضرب على مواضع الألم يعتبر خرقا للقوانين الإنسانية، لكن قسوة الجلاد تجعله شرسا لا يعرف أي قوانين إنسانية.
ومن اشكال التعذيب التي تمارس بحق الفلسطينيين هذا الشكل، " يغطي رأس كل منا كيس من القماش، يراقبنا بحذر جندي يرتدي بزته العسكرية" ص16.
يحدثنا "منصور" عما تعرض له من تعذيب بشكل مختصر لكنه يحمل خلفه وحشية المحتل فيقول: "ـ استخدموا معي كافة الأساليب المستحدثة والقديمة لدى المخابرات من تعذيب عنيف، جسدي إلى نفسي إلى حمامات باردة والوضع في الثلاجة، ذلك المكان الضيق الذي يحشر فيه الأسير، وفرك الخصيتين، الخنق، الإغراء، وكل الأساليب حتى عملاء الزنازين ولم يفحلوا" ص267، عندما يتحدث أسير لأسير مثله بهذا الكلام فكل كلمة يقولها تعني ساعات وأيام من التعذيب، وليس مجرد كلمة عابرة كما يضن البعض، فالتعذيب بالنسبة للأسرى حديث يحمل بين ثناياه التعذيب أيضا، من هنا نجد العديد من الأسرى يتحاشى الخوض فيه، ويحاول القفز عنه، لكي يبتعد عن الألم الذي ما زال حاضرا في النفس.
السجن/المعتقل
من أصعب الأوقات التي يمر بها الإنسان فترات التحقيق، خاصة في الأنظمة القمعية، وهل هناك أشد قمعا من احتلال يريد أن يهجر ويشرد ويقتل السكان ويستولي على الأرض؟، يصف لنا "هايل" العديد من مشاهد التحقيق وما تحمله من صورة لوحشية الجلاد، وعدم اعترافه بأي قوانين إنسانية تحمي الأسير من هذا البطش، ومن يضن أن السجن مكان مناسب للإنسان يكون واهم، فهو كالحرب، لا أحد يردها، وهو يعني الألم والقهر والضيق والبعد عن الأحبة، مكان لا يصلح للحياة الإنسانية، يصف لنا "هايل" المعتقل بهذا الشكل، "لم يكن بمقدور أي سجين النوم في النهار أو الاسترخاء، وليس هذا وحسب، بل حتى خلع الحذاء نهارا ممنوع، والقلم والدفتر من المحرمات التي يعاقب عليها السجان، ناهيك عن الإهانات بسبب أو بدون سبب، الدخول إلى المرحاض في مدة معينة ولدقائق معدودة، وكذلك الحمام مرة واحدة في الأسبوع وبالماء البارد" ص29، أبسط متطلبات الحياة غير متوفرة في المعتقل، كما نجد مجموعة الممنوعات كبيرة وعديدة، تشمل سلوك للإنسان، من النوم إلى الاستحمام وقضاء الحاجة، فأي مكان هذا!.
يحدثنا "أبو علي" عن تجربته في سجن عسقلان فيقول: "فبمجرد أن تدخل السجن يتم استقبالك بمجموعة من السجانين يختصون بالقمع الجسدي، ينهالون عليك ضربا، ثم يتم وضعك في الزنازين الانفرادية، ويمارسون عملية الضرب الوحشية ثلاث مرات يوميا، لمدة اسبوع كامل يتم بعدها إدخالك إلى السجن محطم الجسد والروح" ص55، من يقارن هذا السلوك للسجان يتأكد له بأنه سلوك قادم من العصور الوسطى، أو أيام عبيد روما الذي ثاروا عليها بقيادة "سبارتكوس" وليس في القرن العشرين، لكن وحشية المحتل، أي محتل تجله يفقد إنسانيته ويعامل الآخرين بوحشه مفرطة، بطرق لا يمكن أن يتقبلها أي الإنسان.
يختصر لنا الراوي أثر التعذيب على الأسرى بهذا القول: "الأسرى الذي قضوا فترات طويلة وراء القضبان يتأثرون بالإضراب أكثر من الأسرى حديثي الاعتقال" ص144و145، قد يبدوا هذا الكلام ليس من ضمن سياق التعذيب المباشر، لكنه يختزل فكرة السجن، فالسجن بحذ ذاته تعذيب للجسد الذي يضعفه ويجعله هش أمام أي تغير يطرأ عليه، كما أن نوعية الطعام وطبيعة المكان والنوعية السجانين كل هذا يؤثر سلبيا على جسد ونفسية المعتقل.


المكان
يأخذ شكل المكان في المعتقل صفة الضيق والحصار، فهو يزيد من حالة الألم التي يتعارض لها السجين، وقد انعكس هذا الأمر على وصف المكان الذي أخذ صفة السواد. " "والمسلخ" مردوان مستطيل يقارب طوله خمسة عشر مترا بعرض مترين تقريبا، يفتح على كل جانب منه خمسة أبواب تؤدي إلى غرف المحققين الذين فقدوا روابطهم بالأحاسيس الإنسانية، لا تدخله الشمس على الأطلاق، والضوء الساطع فيه على مدار الساعة، وفي طرفه غرفة الحمامات التي يتم استخدامها لتعليق الذين يتم التحقيق معهم، وكذلك شبحهم" ص15و16، بهذا الوصف يكون المكان قد ساهم في زيادة الألم والعذاب للمعتقل، فهو مكان يوحي بالإرهاب والقسوة، شكله، طريقة تصميمه، تجعله رهيب، موجع، مخيف، ولهذا نجده يترك كل أثر سلبي على المعتقل.
وهناك مكان آخر يسمى (الزنزانة)، وهو أيضا من الأمكنة التي يرفضها الإنسان، يصفها لنا "هايل" : "كانت أيام الزنازين ثقيلة وبطيئة، يضفي عليها ثبات المكان ثقلا وكآبة على النفس،... مجرد الخشخشة كانت تثير الأعصاب، ... فالزنزانة يجب أن تكون خالية تماما من كل شيء ما عدا إبريق الماء ودلو من البلاستيك لقضاء الحاجة" ص23، لم يقتصر التأثير على المكان وحسب بل تعداه إلى الوقت، فالمكان يسهم في قتل الوقت وجعله كسولا، بليدا، جامدا، مما يجعله أكثر ألما على السجين.
وهذا التآمر/التحالف بين المكان والوقت يزيد معاناة السجين، ويؤكد حالة التباعد ولعداء التي يكنها السجين للمكان.

التنوع والتعدد
من سمات العمل الأدبي الجيد تناوله للآخر، مهما كان هذا الآخر، وأعتقد عندما تحدث الراوي عن المحتل في العديد من المواضع كان يعطي صورة موضوعية وإنسانية لهذا النص الروائي، وأيضا لم يهمل الراوي تناول المعارضة الفلسطينية التي تشكل رافدا إضافيا لقوة العمل الوطني الفلسطيني، فنجده يتناول العديد من الفصائل الفلسطينية وإن كان هذا التناول/هذا التقديم يعطي مدلولا سلبيا عنها، فكما قلنا سابقا النص يدعو وينحاز إلى حركة "فتح" ويقدمها بصورة مثالية.
من المواضع التي ذكر فيها الراوي الفصائل الأخرى هذا الموضع، "ـ ...يوجد غرفتان للمدنيين الجنائيين اليهود، حيث يوجد غرفتين للرفاق في الجبهة الوطنية وغرفتين للأخوة الدروز من مقاتلي هضبة الجولان.
ـ نحن في هذه الغرفة ننتمي لفتح جميعا ما عدا اثنين من الرفاق في الجبهة الشعبية، وجميعنا من القدس" ص36، بهذا الشكل يقدم لنا الراوي الآخرين الذي لا يقلون عنه في النضال، لكن تحديد العدد أعطا صورة تصغر عددهم/فعاليتهم بين الجماهير وعلى الأرض، بينما كان يعطي عدد عناصر "فتح" التكبير والتأثير الأكبر عند الجماهير وعلى الأرض.
الفكر الديني
ما يحسب لهذا العمل الروائي طريقة تقديمة لحملة الفكر الديني، فالراوي يقدمهم لنا كما هم الآن في فلسطين، في غزة، وفي سورية وفي العراق اليمن وليبيا، رجال مشوهين التفكير يتخبطون بطروحاتهم، مرة هنا وأخرى هناك، متطرفين، انتهازيين، لا يعمل بمنهجية واضحة، فمن اشكال هذا التخبط،
"ـ إنهم يحرمون الإضراب في رمضان." ص144، فهنا كانوا يحرمون الخوض في الإضراب بدون أي مبرر عقلي منطقي، لا شيء يربطهم بالآخرين سوى ما يصدره (الشيخ) المفتي.
" استلام الشيخ مخصصات من "م.ت.ف" وكان يصرخ بأنه لا يعترف بها. وحين بادره أبو علي لماذا تقبض هذه الأموال، قال:
ـ لأنها تأخذ الأموال من الدول الإسلامية، وأنا آخذ حقي منها." ص153، قدرة رهيبة على التبرير والهروب من التفكير/التحليل العقلي، فهم بهذا المشهد يهربون إلى الأمام، معتمدين على الدين، وكأنه البساط الطائر الذي من خلاله يستطيعوا أن ينتقلوا من حالة إلى أخرى.
ويسرد لنا "هايل" هذا الحوار مع أحد حملة الفكر الديني، موضحا تخلفهم وعقمهم.
"ـ قالوا لأبي عمار تبنى الإسلام وخذ جزيرتين من النفط لمواصلة النضال.
ـ ..
ـ من أجل هذا لن ينصرنا الله لأننا بعيدين عن الدين، وها هي إيران انتصرت لأنها متمسكة بالدين." 273، بهذا الكلام يتأكد لنا عقم وضحالة حملة الفكر الديني السياسي، فهم يعتمدون على فكرة عامة لا يستطيعوا الدخول إلى لبها، فنجد طرحهم عام بعيد عن التحليل والتفسير العقلي والمنطقي والمعتمد على الوقائع والموضوعية.
الرواية من منشورات وزارة الثقافة الفلسطينية، الهيئة العامة للكتاب، 2008




التعذيب في رواية
"المسكوبية"
أسامية العيسة
قرأت هذه الرواية منذ أكثر من عامين، وقد بدت لي فيها وقتها خارج سياق النص الروائي، وقلت فيها: "ليست رواية، وإنما سرد تاريخي صحفي أقرب منه إلى نص روائي" وقد تلقى الكاتب هذه الرؤية بكل صدر رحب، حتى أنه نشر لتعقيب على مواقع الكترونية، ولحسن الحظ أن النسخية التي كانت بحوزتي والتي تم وضع ملاحظاتي عليها تم استعارتها من صديق ولم ترجع، مما دفعني للحصول على نسخة ثانية من الرواية وقراءتها من جديد، وقد وجدت نفسي قد أخطأت بحق الراوية وبحق كاتبها، مما يستدعي الاعتذار عما بدر مني من (نقد مشوه) لرواية "المسكوبية"، وبما أن بحثنا هذا سيكون عن رواية السجن الفلسطينية، كان لا بد من تقديم الرواية بتفاصيلها والدخول إلى عوالمها.
هناك تناول دقيق لعمليات التعذيب التي مورست بحق الراوي والمعتقلين، من التعذيب الجسدي، إلى النفسي، التعذيب بالتعذيب، التعذيب بالماء، التعذيب بالأهل، التعذيب بالمرأة/بالجنس، فالراوي تناول كافة الوسائل والاساليب التي يستخدمها المحتل ضد المعتقلين، ونجد أيضا وقع/أثر مكان التعذيب والاعتقال على المعقل، وكيف يكون الوقت/الزمن بالنسبة له، وطبعا هناك حديث عن الجلاد، أن كان من يقوم بعملية التعذيب مباشرة أو (طبيب المعتقل) الذي لا يقل توحشا عن لجلاد نفسه، ونجد هناك حديث عن مكان التعذيب "المسكوبية" معتمدا على حقائق تاريخية وجغرافية، تجعل من الرواية حاملة للمعرفة التاريخية والجغرافية معا. ويحدثنا عن القدس وسقوطها وكيف تعامل النظام الرسمي أثناء حرب حزيران في عام 1967.
بكل المقاييس نحن أمام عمل روائي فني، راقي، ولا أقول ممتع، فليس هناك امتاع في سرد طرق واساليب التعذيب والقهر، لكن طريقة تقديم الروي للأحداث، وتضمين الرواية معلومات تاريخية وجغرافية، وافساح المجال للآخرين بأن يتحدثوا بلغتهم في فصول الراوية جعلها سهلة الهضم والتناول رغم قسوة موضوعها.

التعذيب
المحتل لا يترك وسيلة أو طريقة إلا ويستخدمها في انتزاع المعلومات من المعتقلين، فهدفه المعلومات، ووسيلته كل ما يوصل إليها، هذه الفكرة العامة التي يطرحها الراوي، من هنا وجدنا عنوان الرواية جاء بهذا الشكل: "المسكوبية، فصول من سيرة العذاب" فالعنوان يوحي بالمضمون، ويقدم محتوى النص، وكأنه الراوي يمهد لما في روايته من ألم وقهر، ولهذا لا نتوقع منها/فيها الفرح، فهي تحمل فعل موحش وقاس.
هناك اسلوب في التعذيب متبع عن المحتل يتمثل في: "سيضعون كيس الخيش الغارق بالبول على رأسي، ولن يكتفوا بواحد، سيضعون كيسا آخر فوقه، ويربطون يدي من الخلف، وسيخترون مزراب ماء، ويوقفونني تحته، لماذا المزراب والمطر ينهمر بغزارة؟" ص19، في المشهد السابق نجد احدى طرق التعذيب، كيس من الخيش، يحتفظ برائحة البول لأطول مدة ممكنة، يمنع الهواء/الاكسجين عن المعتقل، ويمنع الضوء أيضا، وهنا يكون التعذيب مزدوج، من خلال الرائحة والظلام.
هذا التعذيب لا يستكفي به المحتل، فنجده يضيف عليه تعذيب أخر يضاف إلى ما سبق ذكره، وضع المعتقل تحت صنبور الماء، وإذا ما عرفنا أن الفصل كانت فصل الشتاء، "والمطر ينهمر بغزارة" وما فيه من برد يتأكد لنا قسوة ووحشية هذا لجلاد.
المشهد السابق يحمل فنية أدبية خالصة، فالراوي عندما تحدث عن الزمان/وقت التعذيب صاغه لنا بطريقة رائعة، فلم يقدم لنا الوقت/الزمن بشكل مباشر، بل جعله يأتي ضمن سياق الحدث، ويعطينا معلومة عن الوقت وايضا يدعم بها فكرته عن قسوة ووحشية الجلاد.
لكن كيف سيكون حال هذا الكيس في فصل الصيف وهل هو أفضل من فصل الشتاء وما فيه من برد قاس؟ يجيبنا الراوي عن هذا السؤال: "يشعر المشبوح، بعد أن يتأقلم مع الكيس ورائحته الخانقة، بأن أصعب ما يواجهه هو البرد، الذي يتغلغل في العظام، وإذا كان جرب الاعتقال في الصيف، يأخذ في المقارنة بين الظرفين، بين البرد المخيف، والعرق الذي يعمي العينين" ص68، إذن في الفصلين يكون الكيس مؤذي، في الشتاء والصيف يكون الأذى واقع وحاصل للمعتقل، ولكن لكل فصل أذيه خاصة، في الشتاء أذى البرد، وفي الصيف العرق الذي يعمي العينين.
وهنا نطرح أسئلة أخرى:، ما هي الحالة التي يكون فيها المعتقل اثناء وضع الكيس على رأسه؟، وما هي المدة التي يقضيها والكيس؟ وهل له هموم أخرى غير ازالة الكيس عن الرأس؟
يجيبنا الراوي عن هذه الأسئلة قائلا: "يطول الشبح ساعات طويلة، ويصبح من غير الممكن ممكنا، عند اشتداد آلام المثانية، قررا إراديا بإراحتها، مثل كل الأمور، تكون الصعوبة في البداية، ومع مرور الساعات تستمر المصاعب، وآلام الرأس لا يقاوم، اليدان لا يشعر بهما، والكتفان والرجلان، أما العينان، والأنف والآذنان، والفم، ولحلق، واللسان، والرقبة، فلا توجد أية كلمات يمكن أن تعبر عن وضعها تحت الخيش" ص69، إذن هناك حاجة المعتقل للتبول/لإخراج البراز، ولكن جلاد الاحتلال من خلال الشبح يمنعه من ذلك، مما يسبب له ألم أضافي، ويدفعه إلى ترك جسده يعمل بشكل تلقائي، دون سيطرة عليه، فالجسد اصبح حرا فيما يفعله.
ونجد الكيس ليس لوحده هو المسبب للألم، بل هناك الزمن/الوقت الذي يجبر فيه لمعتقل على البقاء واقفا دون حركة، مما يجعل الجسد بكامل اعضائه في حالة ارهاق شديد، حتى أن صاحبه لا يشعر به، فهو وجسده شيئين مرتبطين وفي ذات الوقت منفصلين، لم يعد له قدرة على التحكم به رغم ما يسببه هذا الجسد من ألم. فالمعتقل يتحمل ثقل وألم الجسد، والجسد ينفلت من عقاله وكأنه يخرج من المعتقل.
وهنا اشارة على قوة الارادة عند المعتقل الذي يتحمل كل هذا التعذيب ويبقى صامدا، فجسد المعتقل ـ يخونه ـ بعدم قدرته على الصمود، كما هي رادته، ومع هذا نجده يحمل ثقل الجسد ويستمر في المسير وفي تحمل هذا التعذيب الوحشي.
ونجد الوقت طويلا جدا، فالراوي لا يحدد عدد الساعات، ولكنها تشير إلى أنها تجعل الشخص غير قادر على حقن مثانته، وهذا يؤكد أنها تتجاوز العشر ساعات ويمكنها أن تصل إلى يوم كامل.
ومن اشكال التعذيب التي يسردها الراوي هذه الاشكال: "الشبح الطويل، والقصعة، والثلاجة، والخزانة، والهز، ووضع سماعات على أذني المعتقل، تطلق ضربات القدر لبيتهوفن بصوت مرتفع جدا، يشعر معها المعتقل وكأن قدره انتهى فعلا" ص72، لكل كلمة من هذه الكلمات قصة، حكاية، تجعل من يتعرض لها وكأن الثانية اصبحت تعد العمر كله،
ويحدثنا عن "قاسم" الذي تعرض للتعذيب بشكل وحشي مما تسبب بوفاته:
"كان منهكا من جراء التعذيب والجوع وقلة النوم، تملأ وجهه الكدمات، كانوا يرغمونه على الوقوف على رجل واحدة، ويداه مرفوعتان إلى أعلى، أو يضعون كرسيا على كتفيه، ويسقط قاسم على الأرض من الأعياء، ويسقط الكرسي، وكان السقوط إيذانا ببدء جولة جديدة من التعذيب، تبدأ بالضرب بالأيدي والركل بالأرجل ـ حركات كاراتيه ـ وعندما يتعب أحد المحققين ينصرف ليحل محله آخر، يوبخ سلفه على قساوته، وبالتالي ينصح الضحية بأن تحكي ليتخلص من التعذيب، وإلا سيتركه ويأتي ذلك الشرير ـ عزرائيل ـ وبأقل من عشرة دقائق أحيانا، يأتي محقق ـ معذب ـ آخر وتتكرر الجولات وتستمر" ص59، المشهد السابق يقدم لنا حالة التعذيب الجسدي والنفسي في ذات الوقت، فبعد عملية التعذيب الشنيعة التي يقوم بها المحتل، يأتي بشخص آخر يلعب دور إنساني لكي يمهد/يسهل على المعتقل عملية الاعتراف، مرغبا إيه بالتخلص من هذا الألم ومحذرا إيه بما هو أسوء في حالة بقاءه دون اعتراف.
ونجد في المشهد أيضا وحشية المحتلين الذين يمارسون التعذيب بشكل دوري، فالجلاد الذي يتعب من ضرب المعتقل يأتي آخر ليستمر في عملية التعذيب، ولا أقول ليكمل عملية التعذيب، فهي مكتملة في الأساس، ولهذا وجدنا "قاسم" يفارق الحياة بعد هذه الوحشية.
ويحمل المشهد صمود وقدرة المعتقل الفلسطيني على مواجهة الجلادين والانتصار عليهم، فرغم ما تعرضون له نجدهم يفارقون الحياة دون أن ينتزع منهم الجلاد كلامة واحدة.
وهنا يكمن ابداع الراوي، بمشهد واحد يقدم لنا لعديد الأفكار، والعديد من المضامين التي يريدنا أن نصل إليها.
التعذيب بالماء
الماء مادة الحياة، لكن الجلاد يحولها لأداة قهر وألم، وكأن الراوي بهذا الطرح يريدنا أن نتأكد بأن المحتل يحول كل ما هو جميل/مفيد إلى أداة تعذيب، إلى شيء بشع، يجعلنا نكره حتى ما هو جميل، ما هو مفيد، فهو يحولنا بطريقة ما إلى أشخاص لا يحبون ما هو مفيد، من هنا نجد الراوي يتعذب ويتألم من هذه الوسيلة، التعذيب، الماء.
يحدثنا الراوي عن "محي الدين علان العوري" الذي تعرض لهذا الشكل من التعذيب: "بوضعه في بركة ماء، أيام الصقيع، فترات متقطعة، وفي إحدى المرات لم يحتمل الجسد الماء المثلج فتوقف القلب عن الخفقان" ص69و70، ما يحسب من فنية في هذا المشهد أن الراوي جعل الجسد هو الذي سقط/خذل/لم يعد قدر على الصمود، بينما المعتقل ذاته لم يسقط، لم يتخاذل، وهنا تكمن فنية التصوير عند الراوي، حدثنا عن التعذيب وعن الصمود وعن تألق الإنسان ووحشية الجلاد معا.
التعذيب بالمرأة/بالجنس
كما قلنا سابقا المحتل يستخدم كل الطرق، كل الوسائل للوصول إلى المعلومات التي يريدها، فهي الهدف الذي يبرر الوسيلة، من هنا نجده فاقد لأبسط النواحي الأخلاقية، فهو على استعداد أن يكون بهذه الوضعية الرخيصة: "عندما كان عمري 13 عاما، كنت معتقلا في معسكر الجيش الإسرائيلي في بيت لحم، وأسمه (البصة) ...الضابط العراقي اليهودي الضخم، ضخم الجثة والرأس والشارب والأطراف، يحتضن مجندة صغيرة تكاد تذوب بين ذراعيه، يمر من أمام غرفتنا وينظر إلينا ويضحك، كنت ادرك أنه يستفزنا،... وفوجئنا بوليد يقول بصوت خفيض هامس:
ـ أدخلها إلينا... شوية!" ص21، كان هذا المحقق يتعمد أن يثير الجنس والشهوة في المعتقلين، من هنا وجدنا "وليد" يظهر تأثره بما يشاهده من إثارة جنسية، ورغم أنه معتقل، ويعاني من حالة نفسية وجسدية صعبة، إلا انه تجاوز كل ذلك وقال عبارته التي دفع هو وزملاءه ثمنها باهضا.
هناك مشهد آخر يشير إلى ولع هؤلاء القوم بالجنس، "... جلس خلف المكتب، وطلب مني الجلوس على كرسي أمام مكتبه، بينما كانت تقف هي خلفه تداعب شعره بيديها.... نهض من خلف مكتبه وطلب مني أن أخلع البنطال... فقال لي: تريد يافا أن ترى عورتك، أنت لا تعرف الوضع الذي وصلت إليه، امرأة ويهودية تتصبب على عورتك" ص23، هناك نهج عند المحتل يتمثل في خلط ما هو جميل مع ما هو قذر وقبيح، فالمرأة شيء جميل، لكنه يجعلها قذرة في هذا الموضع، فهي إحدى أشكال لتعذيب والألم للمعتقل، وهي وقاحة هنا، تفتقد لصورة المرأة الخجولة المرسومة في مخيلة الراوي.
وهناك شكل آخر أكثر تأثيرا في المعتقل عندما يرسل المحقق اشارات عن المرأة بشكل مثير لكي يجعل المعتقل يثار ثم يضعف أمام ما تحمله من شهوة تثير فيه الغريزة، "نحن احتلال ديمقراطي، أبق هنا، أما أنا فسأكون بعد قليل في حضن عشيقتي. وبعد أن يقيس تأثير وقع كلامه علي يقول: لا تعرف طعم النساء، تراك لم تجربهن ولا مرة، لو كنت مكانك، لما بقيت في هذا المجتمع ولا لحظة، كنت سأهاجر إلى مواطن الشقراوات" ص41، بهذه الشكل يتم إثارة المعتقل جنسيا وجعله يبتعد في تفكيره عما يجب أن يركز عليه، الصمود والثبات.
التعذيب بالتعذيب
هذا الشكل من التعذيب يكون أثره كبير وهائل على نفسية المعتقل، حيث يسمع ويشاهد زملاءه كيف يتم تعذيبهم، فسماع الصراخ والآهات والأنين والمشاهد التعذيب القاسية لا يمكن للإنسان أن يتحملها، ويمكن أن يتحملها هو إذا ما تعرض لها، لكن أن يرى غيره يتعرضون لهذا التعذيب فهو حدث مؤلم جدا وقاسي عليه. ويمكن أن يجعله ينهار، لما فيه من مشاهد تمس الحالة الإنسانية فيه.
"كانت هي التي يأتينا صوتها تصرخ وتتألم، ونحن مشبوحون في ساحة الزنازين، وكان صوتها "يمزق نياط القلب" كان عذابا إضافيا أن تسمع صوت فتاة تتعذب ونحن لا نستطيع أن نفعل شيئا... كنت أضرب رأسي في الحائط الخشن، أي هوان هذا، لم أكن أتوقع أن أكون ضعيفا إلى هذا الحد أمام صوتها" ص34، الاحتلال يعرف أن المعتقلين يحملون مشاعر إنسانية، ولهذا أراد أن يعذبهم بها ومن خلالها، فاستخدم تعذيب فتاة في تعذيبهم، لما لها من أثر عليهم وما تحمله أفكارهم عنها، فهي كائن ضعيف، مسالم، لا يتحمل العنف والقسوة، ومع هذا يتم معاملتها بهذه الوحشية، ليس لنزع اعتراف منها، بل أيضا لجعل رفاقها يتعذبون بعذابها، يضعفون عند سماع صراخها وأنينها.
التعذيب بالأهل
اجزم بأن دولة الاحتلال تتماثل بممارستها مع جيوش التتار الذي حرقوا الأخضر واليابس، والذين لم يتوانوا عن قتل كل ما هو إنساني، فالمحتل لا يتوانى عن استخدام أي شيء للحاق الأذى بالمعتقل وبذويه للحصول على المعلومات، فها هو يستخدم الزوجة كوسيلة ضغط اضافية على المعتقل، "اعتقل أبو عكر من منزله من القدس، ...وخضع لتحقيق قاس في المسكوبية، ... واعتقلت زوجته كنوع من الضغط عليه للإدلاء باعترافات، وبعد أسبوعين أخبرها المحققون بأنهم قرروا إطلاق سراحها بكافلة والدها" ص58، هكذا هي الدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة، فكيف ستكون لو لم تكن ديمقراطية ووحيدة؟

المحقق
من يقوم بعملية لتعذيب يجب أن تتوفر فيه خصائص عديدة، منها افتقاده لمفهوم الإنسانية، ومعرفته ثقافة المعتقلين ونقاط ضعفهم، قدمهم لنا الراوي بأكثر من مشهد منها: "المحققون لا يملون من محاولة اختراق نقاط الضعف، وهم جميعا يحفظون عن ظهر قلب أمثالا عربية عديدة وآيات قرآنية، هي جز من برامجهم التدريسية قبل التحاقهم بعملهم،... احكها يا أخي، أنا أريد مصلحتك، لماذا تحمي رفاقك، لو كانوا هنا لباعوك، واضح أنك طيب، ومحترم، وابن ناس، وليس وجه بهدلة، يا أخي كل عين تبكي ولا عين أمي تبكي، يا أخي حط راسك بين الروس وقل يا قطاع الروس" ص43، الراوي يقدم لنا المحقق بصورته الحقيقية، شخص يتمتع بثقافة ودهاء ويعرف كيف وأين يضرب وكيف يتحدث، ومتى يفعل، فهو ليس شخص ساذج، بل متمكن من عمله، ولهذا من الصعب الانتصار عليه، والصمود أمام هؤلاء يمثل عظمة المعتقل الذي ينجح في تجاوزهم وتخطي اساليبهم.
أما الوجه الحقيقي لهؤلاء فهم الوجه البشع، حيث يقوموا بتبديل الأدوار فيما بينهم، شخص يلعب دور الجلاد والآخر يلعب دور الحاني والرؤوف، "يشترك أكثر من محقق في الضغط على المعتقل، ..الأول يتحدث بهدوء وحنان مع المعتقل، طالبا منه أن يعترف وينهي القصة، أما الآخر فيأمر المعتقل أن يحكي القصة وإلا.. لكن الأمر لا يستمر هكذا فترة طويلةـ إذا أبدى المعتقل صمودا، يتحول المحققان إلى شريرين، يفقدان أعصابهما وينهالان بالضرب على المعتقل الذي يتذوق لذة صموده" ص73، بهذه الصورة الوحشية يكون المحقق، فمهما يبدي من وجه جميل إلا أنه في حقيقته يحمل القبح والشر، من هنا وجدناه يتخلى عن مكره بعدما وجده غير مجدي، وليس له تأثير فاعل على المعتقل.
طبيب المعتقل
لكي تكون الصورة شاملة وكاملة عما يمارس من جرائم في معتقلات الاحتلال، يحدثنا الراوي عن الطبيب، الذي من المفترض أن يتعامل مع الأسرى بشكل محايد، بعيد عن حالة التعبئة العنصرية التي تستخدمها دولة الاحتلال بحق الفلسطينيين، لكنه في المعتقل هو جزء من أدوات التعذيب، فهو بعيد في مهنته وفي سلوكه، بعد الأرض عن السماء، "كان طبيب يطرح أسئلته بتقزز، وعلى السجين أن يرد على كل سؤال مسبقا بنعم سيدي، وعندما لا يفعل، ينهض الطبيب من خلف طاولته، ومعه مساعدا ليذكروا السجين عمليا بعقوبة تجاهل عبارة نعم سيدي، ولتتحول سماعته إلى أداة للضرب، كان الطبيب وكل من في السجن ينفذون أوامر مشددة ضد أجيال جديدة من الفلسطينيين" ص29، بهذا الشكل يعري الراوي كل ديمقراطية الاحتلال، فالطيب يمسي جلاد ويسهم في عمليات التعذيب والقهر، فليس له أي ارتباط بمهنة الطب، فهل يعقل أن يكون طبيب بمثل هذا السلوك؟.
لكن هل هناك فعلا طبيب في معتقلات الاحتلال، أم أن الأمر مجرد تسمية وحسب؟ يجيبنا الراوي قائلا: "أجبرني اثنان من الشرطة على خلع ملابسي كاملة، تبين أن أحدهما هو الطبيب أو الممرض، الذي كتب ملاحظاته الطبية عني من خلال معاينتي عاريا، وتفحص جسدي أمام من يمر من أمام المكتب، أضافة إلى رجال الشرطة والشرطيات" ص66، إذن الطبيب ما هو إلا أحد الجلادين الذين يقموا بتعذيب المعتقل، إن كان التعذيب جسدي أم نفسي، ففي المشهد الأول والثاني نجد (الطبيب) يسهم في الحاق الأذى بالراوي نفسيا وجسديا، وإلا ما معنى أن يتفحصه أمام المكتب وأمام الآخرين، إن كانوا رجال أم نساء.
الآخر الايجابي
أكثر من عمل روائي تحدث عن وجود اشخاص من الطرف الآخر داخل المعتقل يتمتعون بمشاعر إنسانية راقية، رغم أنهم يخدمون في دولة الاحتلال، إن كانوا مجبرين أم مخيرين، إلا أن البعض منهم تبقى إنسانيته غالبة على سلوكه ولا يمكنه الانزلاق إلى حالة التوحش التي تمارس داخل المعتقلات.
يحدثنا الراوي عن وضعه داخل قفص حديدي، "في ممر رئيسي للجنود والضباط، الذي لا يوفر معظمهم فرصة المرور دون شتم المعتقل الموجود داخل القفص، ... أخذ الجندي يبدي اشمئزازه عندما يتوقف أحد الجنود المارين بالقرب من القفص، من اعتقال واحد في سني، وتشاجر مع أكثر من جندي أراد توجيه إهانة للمعتقل داخل القفص، الذي كنته" ص63، بهذا المشهد يكون الراوي قدم لنا الآخر بشكل حيادي، فهو يقدم المحتل على حقيقته، فبعض أفراده يتمتعون بإنسانية فاعلية، ويحولون دون إلحاق الأذى بالمعتقلين، ويحاولون حمايتهم قدر المستطاع، فهم يرفضوا أن يكون وحوشا بشرية.
صورة رفض التوحش عن بعض الجنود كانت من خلال الجندي الروسي الذي تمرد على كل مفاهيم الجيش وتصرف بهذا الشكل: "أخذ الجندي يشتم ويبصق على الأرض، يستهزئ بدولة إسرائيل وهو يشير إلي، ... تعالت الأصوات بينهما، وكانت أكبر وسيلة يعبر بها الجندي الغاضب هي البصق على إسرائيل، التي تعتقل "ولدا" صغيرا مثلي وعلى اليوم الذي أتى به إلى هنا" ص65، المشهد السابق يؤكد على أن العديد ممن يخدمون في دولة الاحتلال غرر بهم، فقد جاءوا لحمية إسرائيل المظلومة، لكن بعد أن وجدوها ظالمة وتمارس القهر والقمع وتقتل وتعتقل وتهدم البيوت وتصادر الأرض كفروا بها، ومنهم هذا الجندي الروسي.
الوقت/الزمن
الوقت نسبي، نختلف في تحديده، فهو في حالة الفرح غير في حالة الحزن، في حالة السعادة غير حالة الانتظار، في حالة النوم غير في حالة اليقظة، في العمل غير في الفراغ، في اللذة غير الألم، والوقت أيضا يتأثر بالمكان، فعندما نكون في فضاء رحب غير ما نكون بين جداران، وعندما نكون في المروج غير ما نكون في الصحراء، ويخضع أيضا لحالتنا النفسية، فعندما نكون متعبين غير ما نكون مرتاحين، وعندما نعاني من الجوع والعطش غير ما نكون شبعا.
الوقت/الزمن له حاكية خاصة عند المعتقلين، فهو أحد عناصر التعذيب التي يتعرضون له، حيث يكون مجهول غير معروف بالنسبة لهم، "لا عرف كم مضى من الوقت وأنا أقف خارج الغرفة التي يصعب نسيان ما كان يجري فيها، وكلما حاولت أن أحرك أحد أطرافي، أتعرض للكمة على رأسي أو جنبي، أو رفسة على إحدى رجلي، من الصعب تحيد الزمن أو معرفة الوقت، الزمن في السجن غير الأزمان في الخارج، وزمن الزنزانة غير زمن الشبح، وهذا غير زمن التحقيق، وهذا غير شبح الكرسي، وهذا غير زمن تعذيب الخزانة، وهذا غير ذاك وذاك غير هذا، الزمن نسبي، فكيف عرف آينشتاين ذلك دون أن يسجن" ص19، اعتقد بأن هذا التفصيل للزمن يشير إلى عمق المعرفة التي يمتلكها الراوي، فهو متخصص في معرفة الوقت، وتحديده، وهذا لا يملكه إلا من كان معتقلا، من تعرض لكل هذا الأشكال من التعذيب.
يقدم لنا الراوي مزيدا عن هذا المعرفة بالوقت وتفاصيله قائلا: "الزمن نسبي في المعتقل، عندما تكون في الزنزانة تكون أقصى أمانيك الخروج منها إلى غرف السجن، وعندما ينتهي التحقيق وتنضم لزملائك في الغرف، تصبح أيامك ثقيلة لوطأة، وإذا كنت تعلم أن أمامك فترة طويلة في السجن، تصبح أمنيتك الانتقال إلى سجون مركزية، أما إذا علمت أنك ستمضي أياما وتخرج، فتصبح الأيام طويلة والانتظار أصعب، كلما اقترب الموعد تزاد الأيام طولا، حتى يخيل إليك أنها لن تنقضي" ص98، إذن هناك تفاصيل دقيقة عن الوقت لا يعلمها إلا المختص الذي تعرف عليها من خلال تجربة مريرة، فهي تجعله على علم ومعرفة وكأنه خبير ومختص في تحديد الزمن الحقيقي الذي نشعر به، وليس الزمن الطبيعي، الزمن الذي يمضي، فمثل هذه المعرفة تشير إلى أن الوقت أيضا يكون على المعتقل وليس له، وهو احد العناصر التي تتآمر عليه وتعسى لإسقاطه.
المكان
السجن، الزنزانة، مكان التعذيب، كلها كانت حاضرة في النص الروائي، فلكل مكان من هذه الأماكن له دوره في زيادة الألم على المعتقل، وجعله يتعذب ويتألم من خلال تواجده في هذه الأماكن، فهي مؤذية له لمجرد وجوده فيها، فما بالنا ان مورست عمليات التعذيب والتنكيل؟
"..تمنيت أن يكون هناك خطأ جعلهم يخرجوني من زنزانتي إلى ما تصورت أنه جولة جديدة من التحقيق، وتخيلت كيف سأقضي مشبوحا هذه الليلة الماطرة الباردة، في الساحة، التي تعتبر زنزانتي بالنسبة لها جنة" ص18 و19، اعتقد بأن هذا المشهد من أهم المشاهد التي تصف ثقل وقسوة الرعب الذي يسببه المكان للمعتقل، رهبة المكان والظرف الصعب الذي يمر فيه جعله يتمنى أن يخرج إلى الشبح والتعذيب في البرد، على أن يبقى في هذا لمكان، كل هذا ليخلص حالته النفسية من الرعب الذي حل به.
المكان "المسكوبية" له رهبة، فهو المسلخ/الجحيم بعينه، فسمعته في الخارج فاحت بروائحها الكريهة، يسمع باسمه فتعلق بالذاكرة حالة من الرعب والخوف، وتشعر النفس بالاضطراب وعدم الاتزان، لكن هل لهذا الأثر سبب حقيقي أم مجرد أوهام علقت بالذاكرة؟، لماذا يسبب المكان كل هذه الرهبة والخوف؟، يجيبنا الراوي: "لا أعرف كم بابا فتح، كم بابا أغلق، حتى أوصلني إلى المكان الذي دخلت منه إلى المسكوبية" ص136، إذا كانت الطريق إلى المسكوبية بهذا الشكل، فكيف ستكون المسكوبية؟ فمن خلال لطريق لوحدها تم إثارة الخوف والحيرة فكيف ستكون من الداخل؟
يصف لنا الراوي حالة المكان وما فيه من (اثاث) وكيف تكون حالة لمعتقل فيه، "...زنزانة المنفى، في هذه الزنزانة، لا يمكن أن تعرف الوقت نهارا أم ليلا، فهي مغلقة إلا من فتحة صغيرة في السقف، لا يوجد فيها إلا جردل لقضاء الحاجة، ويتم عادة وضع الأسرى الذين يخضعون لتحقيق قاس فيها... خلعت الحذاء، ووضعته تحت رأسي، وتمددت على البرش، شاعرا بأرضية الزنزانة الباردة الجافة، أرتعد من البرد، ولم أتمكن من التمدد إلا دقائق معدودة، فالبرد توغل في العظم، وقفت، ثم قصد زاوية الزنزانة القصية، جلست مقرفصا، ضاما رجلي إلى صدري، بواسطة يدي، علني اكتسب شيئا من الدفء" ص120، إذن المكان هو جزء أساسي من التعذيب، فهو يلحق الأذى بالمعتقل، فرغم عدم وجود الجلاد الذي يقوم بالتعذيب، إلا أن المكان يقوم بدوره، فيكون أثر المكان عليه موجع وقاس كما هو حال في حالة حضور الجلاد.
نتوقف هنا قليلا لنتعرف أكثر على علاقة الترابط بين الجلاد والمكان، كما قلنا المكان بشكله/باسمه/بحالته المجردة هو مرعب ومؤذي، وإذا ما أضافنا له شخصية الجلاد وما يقوم به من تعذيب نكون حددنا عنصرين لإيقاع الأذى بالمعتقل، وإذا ما أضافنا لهما عنصر الوقت وثقله على لمعتقل، نكون أمام ثلاثة عناصر مؤذية، أما بعد أن ندخل إلى تفاصيل المكان وما فيه/ما يسببه من أذى نكون أمام أربعة عناصر مؤذية تتكالب على المعاقل لترويضه واسقاطه.

التنوع والتعدد
العديد ممن كتبوا عن الاعتقال تحدثوا عن حالة التعدد والتنوع التنظيمي والفكري في المجتمع الفلسطيني، وقد استخدم "أسامة العيسة" هذا التنوع في كافة أعماله الأدبية، إن كانت روايات أم قصص قصيرة، وها هو يشير إلى هذا الأمر في رواية "المسكوبية".
"تزوج كمال المسلم إحداهن وهي مسيحية" ص27، تأكيد على حالة الصحة والعافية التي يتمتع بها المجتمع الفلسطيني، فهو منصهر مع بعضه البعض، ولا يمكن للدين أن يكون عائقا أمام مجتمعية ومدنية المجتمع الفلسطيني، ولهذا نجد حالات الزواج تتم بين المتباينين دينيا والمتفقين وطنيا.
العمل الوطني في فلسطين ضم الكل، ولم يفرق بين هذا وذاك، فالكل ينخرط في العمل لمواجهة المحتل، "... حشدنا أنا وأنطون، رفاقنا الطلاب الصغار، وقصدنا الأقصى، لنشارك في الدفاع عنه" ص101، الفلسطيني بصرف النظر عن ملته نجده يعمل ببسالة على حماية المقدسات، وبصرف النظر إن كانت تخص ملته أم لا، فبما أنها ارض فلسطينية وتهم الفلسطيني يجب عليه أن يدافع عنها، هكذا هو يفكر، هكذا هو يعمل.
يحدثنا الراوي عن الكيفية التي يتعامل بها الفلسطيني عندما يتعلق الأمر بالمقدسات، "كانوا خليطا بشريا متنوعا، صغار وكبار، متعلمون وأميون، مسلمون ومسيحيون، متدينون ويساريون، ريفيون وآخرون من الطبقة الوسطى" ص111، تأكيد الراوي على حالة التنوع والتعدد التي يمتاز بها المجتمع الفلسطيني هي رد على كل من يحاول النيل أو المساس بهذا التنوع والتعدد، وكأنه من خلال هذه المشاهد يدعوا إلى التمسك بما نحن فيه، وعدم الانزلاق إلى الفكر الديني الواحد، إلى الفكر العقائدي الواحد، إلى الفكر التنظيمي والواحد، فالتعدد هو دعم وإثراء للمجتمع ويشكل عنصر قوة ورفعة للمجتمع.
المسكوبية
يمكننا أن نقول بأن "أسامة العيسة" متخصص في تقديم المعلومة التاريخية والمعرفة الجغرافية في اعماله الأدبية، فهذه المعرفة حاضرة في كافة ما كتبه لنا من روايات أو قصص قصيرة، وطبعا هذا الشكل من الأدب بحاجة إلى الانفتاح على العديد من المعارف والمعلومات ولتفاصيل الأخرى، وأيضا ايجاد شكل/مدخل مناسب لتقديمها للمتلقي، فهي إن بقيت كما هي لن تكون أدبيا، لكن الكاتب المتخصص استطاع أن ينجح في هذا الشكل من الأدب، وهو أدب مقنع وجميل ويقدم معارف ما كان لنا أن نعرفها دون جهود الكاتب.
وما يحسب لأعمال "أسامة العيسة" أيضا وجود مراجع في نهاية كل عمل أدبي، وهذا يعتبر توثيق لما يقدمه من معرفة، يحدثنا عن مبنى "المسكوبية" أين يقع، وكيف، ومن قام ببنائه، ومن تعاقب عليه من حكومات، ولماذا سميه بالمسلخ، فهو يقدم تفاصيل دقيقة عن "المسكوبية" "يعتبر مبنى المسكوبية، من أولى البنيات التي شيدت خارج بلدة القدس القديمة، في شارع يافا، شمال شرق أسوار البلدة التاريخية" ص 47 ويضف عن سبب بناء هذا المكان قائلا: "هو يعود إلى العام 1857، بناه الروس كمجمع للمصالح الروسية، يضم نزلا للحجاج الذين يجدون فيه كل شيء، من المستشفى إلى الكنيسة وحتى محكمة والسجن، وجميعها أبنية فخمة ذات هندسة معمارية مميزة، بنيت من الحجارة المحلية" ص48، أما عن سبب تسميتها بالمسلخ فهو "...انتهاك حقوق الأسرى الفلسطينيين، وما لبثت أن حازت على صفة (المسلخ) التي يطلقها عليها الأسرى، بسبب شدة التعذيب الذي مورس عليهم في زنازينها" ص57، لكل شيء سبب، وسبب التسمية مرتبط بما لاقاه الفلسطيني من تعذيب وصل إلى حد وفاة للعديد منهم أثناء التعذيب.
النظام الرسمي وحرب 67
النظام الرسمي العربي مارس القمع بمستوى يوازي ما قامت به دولة الاحتلال، فهو عمليا مهد وساهم في سقوط بقية الأرض العربية في عام 1967، يحدثنا "أبو العلم" من خلال هذا المشهد عن طريقة تعامل النظام الرسمي مع المعارضة فيقول: "...وتعرف على المعتقلين السياسيين من إخوان مسلمين وقوميين وشيوعيين، وروى لي مشاهد عما تعرضوا له، وأبدى حقدا على الأنظمة العربية، وما تمارسه في السجون، مرة قال: كنا نسجن لأننا خارجون على القانون، ونستاهل الضرب، أما أولئك المهندسون والأطباء والكتاب والناشطون، فلماذا كانوا يعذبون أكثر منا، ويبطشون بهم، مع أن الشعب كان بحاجة إليهم، ... العرب يا صاحبي لا يستحقون هذه البلاد المقدسة" ص86، إذن النظام العربي هو من هيأ أوضاع المجتمع ليتقبل الاحتلال، فقد مورست عليه أعمال القمع والتنكيل مما جعل طليعته منعزلة في السجون والمنافي.
في المقابل يصف لنا "أبو العلم" حالة المتنفذين في النظام فيقول: "أما الكبار، فكانوا يحكمون البلد، حكى لي عن أسماء مقربة من الحكم كانت تحاول أن تحتكر تجارة المخدرات... العبدة ... سيطرت على اقتصاد تهريب المخدرات، وسخرت أجهزة رسمية أمنية ومدنية، وتعاونت مع نواب انتخبهم الشعب ليمثلوه ويشرعوا له القوانين التي كانوا يخرقونها أكثر مما يخطر على بال" ص87، وهنا تكمن المفارقة العجيبة للنظام الرسمي، الطليعة في المعتقلات والمنافي، والمتنفذون في الدولة، اجهزة الأمن، المحاكم، النواب، يتنافسون على تجارة المخدرات وغيرها من الممنوعات، التي تدمر المجتمع، فأي دول هذه؟
أما عن حرب 67 وكيف (حاربت) تلك الأنظمة فهي كانت عمليا تسلم الأرض من خلال انسحابها المنظم والدقيق والمرسوم بالمتر والمحدد بالاسم، "تطوع مثل باقي الشباب المقدسيون، للدفاع عن مدينتهم، وطالبوا بتوزيع السلاح عليهم، وعندما بدأت الحرب، كان الجيش قد غادر، وسقطت المدينة المقدسة بشكل مؤلم، في ساعات قليلة، وكانت تلك الأيام الأولى من "حزيران المنحوس" ص87، إذا ما قارنا التعامل الشرس والعنيف مع المعارضة الداخلية بالتعامل المهين مع القوات الغازية يتأكد لنا دور ووظيفة النظام الرسمي العربي، فهو يقوم بتكبيل وتقيد المجتمع/الشعب ليس بضرب المعارضة ونفيها وحسب، بل بتحطيم المجتمع داخليا من خلال نشر الفساد وفقدان العدالة وانتشار المخدرات والممنوعات أيضا، مما يجعل المجتمع مهيأ تماما ليتقبل أي حكم، حتى الاحتلال، فهو لم يشعر/يجد/يعيش/يتمتع بمفهوم الحرية، فلا فرق عنده من يحكم، إن كان هذا أو ذاك، فالكل سواسية ما دام الحال واحد.
وقد وجدنا الجيش العربي يترك المدينة المقدسة بعد ساعات قليلة من المعارك، فقد جاءت الأوامر له بتركها، فهذه الجيوش لا تحسن إلا تنفيذ الأوامر وإطاعة (القادة)، فهي جيوش لا تفكر بل تنفذ، من هنا وجدنا تخاذلها وتخلفها وخيانتها، ليس للشعب وحسب بل لمفهوم الجيش الذي تقع على عاتقه حماية والدفاع عن الوطن.
حكمة الراوية
عادة ما يضمن الروي رؤيته للحياة/لمضمون النص فكرة ما، فيضع خلاصة تجربته أمام المتلقي، وقد اختزل الراوي تجربة التحقيق بهذا العبارة: "تريد أن تنتصر على المحقق يجب أن تراه مجرد خادم، يدافع عن قضية خاسرة" ص41، بهذه العبار يلخص لنا الراوي فكرة الصمود أمام الأهوال التي تعرض لها في "المسكوبية".
الراوية من منشورات مركز أوغاريت الثقافي، رام الله، فلسطين، الطبعة الأولى 2010




















الحب والجنس في رواية
"خريف الانتظار"
حسن نعمان فطافطة
فاجأتني هذه الرواية التي صنفت ضمن "سلسلة أدب السجون" التي تصدرها وزارة الثقافة الفلسطينية، فقد قرأت مجموعة من الأعمال الأدبية الفلسطينية التي تتحدث عن موضوع الاعتقال، ولم أجد هذا الاسهاب في تناول موضوع الحب والجنس، الحب والجمال، المرأة والرجل، فالرواية تكاد أن تكون بحثا نفسيا للسجين الفلسطيني، والكيفية التي تفكر بها للمرأة الفلسطينية، المشاعر التي تحملها اتجاه الرجل، طاقتها على التحمل، نظرة المجتمع لها، نظرة الرجل لها ـ وإن كان مناضلا ـ صمودها وجلدها، وانهزام الاحتلال والمجتمع والرجل أمامها.
النص الروائي ينحاز للمرأة، يقدمها لنا على أنها تستحق أكثر مما نعطيها بكثير، فالرواية تمثل انتصار المرأة على كل الصعوبات والعوائق، وهزيمتها للرجل وللمجتمع وللاحتلال، فالمرأة هي العنصر القوي في الرواية بينما الرجل هو العنصر المنهزم من ذاته ومن الاحتلال ومن المجتمع، فهي تتقدم إلى الأمام، منسجمة بين فكرها وفعلها، بينما الأخرون يقولون ما لا يفعلون.
الرواية فيها كم كبير من الأمثال الشعبية المتداولة، مما جعل لغة الرواية تنساب بسهولة إلى المتلقي، فلا نجد فيها لغة مقحمة من قبل الشخصيات، فكل شخصية لها لغتها الخاصة، ونجد تعدد شخصيات الرواية على النقيض من النصوص الأدبية المتعلقة بالسجون والمعتقلات، حيث يكون هناك عدد محدود من الشخصيات، وأن وجدت عدد من شخصيات، تكون بمجملها نمطية، بمعنى، إما تكون مع أو ضد، معتقل أو سجان، لكننا هنا نجد شخصيات متعددة، السلبي كما هو الحال عند شخصية "خالد" والايجابي كما هو الحال عند شخصية "سامر" ونجد نموذج للشخصيات الانتهازية والوصولية كشخصية "سمير وناصر وسناء" ونجد أفراد الأسرة أيضا مختلفين، "أبو صابر" يختلف موقفه عن ابنه "صابر" "أبو عايش/أبو خالد" يأخذ موقفا متزنا في كافة المواقف في الرواية، ونجد "صابرة" التي ناضلت وانتصرت لكي تبقى أمينة لمبادئها وقناعتها المتمثلة بضرورة الصمود والانتظار لحين خروج "خالد" من المعتقل، لكي تتزوج منه، لكنها تكمل نضالها وتمردها على شهوتها الجسدية، وتتحدى المجتمع من جديد، وتقرر التخلي عن "خالد" بعد أن باع نفسه للانتهازيين، فتقرر أن تبقى بلا زواج، عانس، على ان ترتبط بشخص عاد إليها بعد عشرين عاما، جسدا بلا روح، بلا كرامة.
الرواية تتحدث عن علاقة عاطفية تقوم بين "خالد وصابرة" في جامعة بير زيت، يكون خالد علما/قياديا في الكتلة الطلابية، تكتمل العلاقة وتنضج رغم وجود معيقات من قبل "أحلام" التي أقام "خالد" علاقة معها في السابق، تتوج هذه العلاقة بقراءة الفاتحة، ويحدد الزواج إلى حين حضور "عايش" أخ خالد من السفر، يؤجل عائش قدومه بسبب صفقة تجارية، ويؤجل عقد الزفاف على أثر ذلك، يستمر خالد في نشاطه مع الكتلة الطلابية، إلى أن يكون مع صديق له في سيارة، يعترضها جيش الاحتلال، يقوم صديقه بإطلاق النار، يفر خالد إلى بيت "أبو عيسى" منزل رفيقته "سوسن" يقوم جيش الاحتلال بإلقاء القبض عليه، ويحكم بالسجن لمدة خمس وعشرون عاما، يتم انجاز اتفاق أوسلو بين منظمة التحرير ودولة الاحلال، يدفع هذا الاتفاق بالأسرى إلى فكرة التحرر من السجن، لكن يصاب بعض المعتقلين بالخيبة ومنهم "خالد" الذي يتم استثناءه من الافراجات بسبب حمله هوية زرقاء، هوية فلسطينيي ال48، تستمر صابرة في بث الأمل لدى خالد بعد عملية أسر حزب الله لثلاثة جنود من جيش الاحتلال، لكن هنا أيضا تتكرر الخيبة عندما لا يتم اطلاق أي فلسطيني يحمل الهوية الزرقاء، يبدأ خالد بالبحث عن الطرق الملتوية/الملغومة لكي يفرج عنه، في المحاولة الأولى يفشل بسبب خداع ضابط المخابرات له، وفي المحاولة الثانية ينجح، بعد أن يكون قد أمضى عشرون عاما في المعتقل.
الذي ساهموا بدفع أتعاب المحامي "سمير وناصر" يعملون على اخضاع "خالد لهم، وتجير نضاله لصالحهم، من خلال "سناء" التي أكلت عقله بجمالها الأخاذ، وهنا تبدأ حالة من الصراع بين "خالد" من جهة وبين "صابرة" وأهل خالد من جهة ثانية، تحسم بقرار "خالد" العمل مع مجموعة "سمير" فتتخلى عنه "صابرة" وتحسم علاقتها معه بإنهائها. هذا هو العمود الفقري للرواية.
في الجهة المقابلة تقدم لنا الرواية العلاقة الناجحة بين "سوسن وسامر" اللذان ينجحان في تجاوز العقبات رغم تماثل حالتهما مع حالة "خالد وصابرة" ويكون السبب الرئيسي لاكتمال العلاقة وتحاوزها للعقبات المتمثلة باعتقال الاحتلال "لسامر وسوسن"، واختلاف الدين بينهما، لكن سوسن تحسم الأمر وقطت الطريق على أي خطوة إلى الوراء.
المرأة
الكاتب يجعل من المرأة المحور الرئيسي في الرواية، فهي محرك الأحداث ومثير التفاعلات، ورغم وجود الرجل إلا أنه كان في المرتبة الثانية فيها، إن كان على صعيد الفعل الايجابي، أو على صعيد التأثير والفاعلية، فحتى عندما تمت الردة عند "خالد" كانت "سناء" هي العنصر الفاعل والمؤثر والأكثر أهمية في هذه الردة.
فالرواية تركز على عنصر الجمال وأثره في إثارة الشهوة الجنسية عند الرجل، وتتقدم أكثر عندما تناولت العلاقة الجنس وأثرها على الحالة النفسية الرجل والمرأة، في المقابل جعلت المرأة "صابرة وسوسن" تقدمان الحب/الجمال/المبدأ على الشهوة والجسد والجنس، فالرواية قسمت الادوار بين الرجل المهتم بالجسد والجمال والجنس، في حين اعطت المرأة دور المهتم بالحب والجمال والمبدأ، فالمرأة تمثل الروح الصافية النقية، بينما الرجل يمثل دور الجسد والشهوة والجنس.
"سوسن" التي تألقت في تجاوز العقبات وأكدت نجاحها في كافة المواجهات التي خاضتها، ففي اثناء اعتقالها بعد أن دخل بيتها "خالد" هاربا من جيش الاحتلال، وبعد أن تم القبض عليه في غرفتها، حاول المحقق الضرب على هذا الوتر الحساس للرجل الشرقي، فهددها بإخبار خطيبها "سامر" المعتقل عندهم بهذا الموضوع لكنها أصرت على موقفها قائلة: "لم يكن عندي في البيت، أنتم من أحضره والتقطتم له صورا داخل البيت" ص104، وعندما هددها بمقابلة سامر لها حول هذا الموضع كانت تفكر بهذا الشكل: "آمل أن تكتحل عيني برؤياك يا نور قلبي" ص103، بعد أن تجاوزت هذا الأمر، "شعرت أنها صخرة من الصوان تستعجل مواجهة المحقق مرة أخرى لتعكس نشوة الفخر والاعتزاز التي علت صدر والدها وهو يتحدث عما جسدته تلك الشبل ابنة الأسد" 104، نتوقف هنا عند هذا الحدث، ففيه من الأفكار ما هو خارج (شكل) تقديم الفكرة، الراوي أرد التأكيد على أن كل ما حققته "سوسن" من قهر للمحقق يمكن في تجاوزها لمسألة/فكرة الشرف التي تمثل احدى العقد التي يتعامل معها المجتمع العربي بشكل جامد ومتخلف، فهي رغم القبض على "خالد" في غرفتها وتحت سريرها، وهذا الامر كان يمكن أن يشكل لها احراجا كبيرا أمام المجتمع وأمام خطيبها المعتقل، لكنها استطاعت أن تقفز عن هذا المفهوم ـ الشرف ـ وتتقدم إلى الأمام وتتجاوز العقبات وتحقق الانتصار. فأهم ما في هذا المشهد دعوته لتخلي عن الجزئيات والتمسك بالكليات، التخلي عن الشكل والاهتمام بالجوهر/بالمضمون التخلي عن الصراع/الخلاف الداخلي والتمسك بالصراع الرئيسي، تجاوز الأنا الفرد، والاهتمام بالمجتمع/الوطن، كل هذا سيجعل من طرفي المعادلة، الرجل والمرأة، يقفزان معا إلى الأمام ويتقدمان نحو الفرح الأكبر الانتصار على المحتل.
بعد هذه العبقة، تظهر أمام "سوسن" عقبة جديدة، خطيبها مسجون لمدة خمسة عشر عاما، فهو يعي بأن هذه المدة طويلة جدا إذا ما حسبناها من عمر الإنسان، فحدثها بهذا المنطق: "لا أملك الحق في حرمانك من أن تعيشي حياتك ما دامت هناك إمكانية لذلك، قدري خطه القاضي، لا مجال لتغيره، أما أنت فليس من العدل أن تنتظري كل هذه المدة وأنت تنهشين روح شبابك دون..." ص129، "سامر" يتكلم من باب حرصه وحبه لخطيبته، يريد لها أن تستمتع بحياتها، وهي تستحق أن تعيش كأي امرأة أخرى، تتزوج وتنجب وتكون أما، لكن "سوسن" ليست امرأة عادية، هي مثقفة، وتحمل مبادئ تجعلها تكمل ما بدأته حتى النهاية، فترد على هذا الكلام بقولها: "من أعطاك الحق لتقرر بشأن عواطفي ومشاعري، إذا كنت تنوي التخلي عني فهذا شأنك، بإمكانك قوله بوضوح وصراحة دون لف أو دوران، أما أن تدعي بأنك متيم، لكنك نضحي من أجلي، هذا ليس من شأنك، تخليك عني هو التضحية بي وليس من أجلي" ص129، بهذا المنطق الفلسفي استطاعت "سوسن" أن تؤكد علاقتها "بسامر" من خلال الاستمرار فيها حتى النهاية، فالحب والمبدأ والفكرة والعمل المشترك والأمل والحلم كلها أشياء جميلة وتستحق أن نعمل من أجلها: "من قال لك بأن الحب لا يستحق التضحية يا استاذ سامر! الحب هو أكثر الأشياء التي يمكن أن نضحي من أجلها دون أن نشعر بالغبن، نشعر بمتعة التضحية ولذتها رغم الألم" ص129، فلسفة متعلقة بالحب والتمسك به، وتحويل الألم إلى متعة، تحويله إلى واجب، وقلب معادلة الحرمان من المتعة الجسدية إلى متعة ولذة روحية، فهي تطرح ضرورة التمسك بما هو فكري/روحي وترك ما هو مادي/جسدي، وقد أثبتت صواب فكرتها ونجاحها.
وترتفع أكثر في رؤيتها للحب، فهو عندها حب مجرد، لا يرتبط بواجبات وطنية أو سياسية، بل هو حب لذاته، هو شيء مقدس بحد ذاته ولا يحتاج لأي محسنات أو اضافات، فالحب كائن متكامل لوحده قادر على خلق وتحقيق المعجزات، "إن إصراري على استمرار علاقتنا لا يأتي من منطق الإخلاص أو الوفاء لما قمت به من تضحية من أجل الوطن والمجموع، وليس انطلاقا من شعور بالواجب الاجتماعي والإنساني، إنني أحبك أيها الحيوان وأموت في حبك، ومستعدة لانتظارك حتى آخر لحظة في حياتي" ص143، بهذه الكلمات تقدم "سوسن" فكرتها عن الحب، فهو حب مطلق، حب خالص، حب غير متعلق بأي أمور أخرى حتى لو كانت وطنية أو اجتماعية، وبهذا يكون الحب لوحده قادر على النمو والحياة والمواجهة وتحقيق الانتصار على كل المعيقات التي قد تنشأ.
كل ما سبق يؤكد تعلق "سوسن" بحبيبها "سامر" أما خالد وحبيبته "صابرة" فلها رؤيتها الخاصة عن الحب، فعندما يطلب منها "خالد" بعد الضغوط التي تعرض لها من أهله حول ضرورة قطع العلاقة "بصابرة" نجدها تخاطبه بهذه الكلمات: "أريد أن أركض حيث يأخذني قلبي، وقلبي يركض نحو سجن عسقلان ليعانق قلبا آخر يحمله أسمه خالد العلي" ص184، بهذه الكلمات استطاعت "صابرة" أن تحسم الصراع لصالح حبها، فلا شيء يقف أمام الحب، فهو قادر على الحياة والنماء رغم العواصف، من هنا نجدها تتقدم أكثر من "خالد" عندما دعته لكي يتجاوز الكبوة التي ألمت به بعد ما سمعته من أهله، فتكمل رسالته قائلة: " أريد أن تعود إلى غرفة سجنك، وتكتب لي رسالة مغايرة وطويلة أتدفأ عليها في الليالي الباردة" ص 184، بهذا الطريقة استطاعت أن تنقذ حبها وحبيبها من الموت، وأن تعيد الحيوية والإثارة والفاعلية لهذا الحب.
وبعد هذه لمعركة مع حبيبها وأهله، تنتقل إلى معركة جديدة مع أهلها، الذي يطالبونها بإنهاء العلاقة مع خالد، المحكوم عليه خمسة وعشرون عاما: "قلت لكم عشرات المرات، لن أتركه لو حكموه مئة عام" ص187، بهذا الاصرار والثقة تستطيع "صابرة" أن توقف الهجوم الشرس الذي شنه أهلها عليها، وأن تحسم معركتها بضرورة التوقف عن إثارة المنغصات عليها وعلى حبها الذي تحيا به وله.
بعد أن يخرج "خالد" من المعتقل، وبعد أن يتم الاتفاق مع جماعة "سمير" ويبدأ في تغير مفاهيمه أتجاه الأحداث والأشخاص، ومن ثم ينقلب سلوكه من حالة المواجهة للفساد إلى حالة المشاركة فيه، نجدها أيضا لا تستسلم لهذا الواقع، وتبدأ معركتها ضد هذا الدخيل الغريب، فتقول لخالد هذه الكلمات: "أنهم ينفذون ما يفكرون به، أنت من ينفذ لهم ما يفكرون به" ص225، هذه الكلمات تؤكد استمرار خوض المعركة من قبل "صابرة" فهي ما زالت مؤمنة ومخلصة لحبها ولحبيبها، وعليها أن تدافع عنه حتى الرمق الأخير، فلا شيء يمكن له أن ينهي هذا الحب، من هنا نجدها تخوض غمار هذه المعركة الشرسة التي لم تعهدها من قبل.
مشاعر المرأة
ما يحسب لهذا العمل أنه يحدثنا عن مشاعر المرأة وما تحمله من إحساس مرهف أتجاه الحب، أتجاه رجلها، فهي تطرح صور وكأن الراوي هو المرأة ذاتها، وليس "حسن فطافطة" وهذا يحسب له، فقد استطاع أن ينجح في تقمص دور المرأة وأن يقنعنا بأنها هي من يتكلم وليس هو، هناك العديد الصور قدمها لنا الراوي، تشير تبنيه لموقف المرأة وانحيازه لها، فالرواية بمجملها تبين قوة المرأة وانتصارها، وتراجع الرجل وانهزامه، من هنا يمكننا القول بأننا أمام عمل يمجد الأنثى/المرأة ويقدمها بصورة أقوى واكثر بهاء من الرجل.
"سأرى حبيبي عما قريب رغم حقد الحاقدين، ونكاية بهم سأترك المجال لشفتي كي تتمرغ مع شفتيه حد الثمالة، لا داعي للخوف والتهيب فالحياة قصيرة وأقصر مما نتوقع" ص20، تمرد على مفهوم المرأة الشرقية، فهي كما كانت متمردة على مجتمعها الذي حاول أن يوقف حبها عند حد معين، نجد سلوكها يحمل أيضا شكل التمرد على مفاهيم المجتمع، خاص ذلك المتعلق بضرورة أن تكون المرأة خجولة أمام حبيبها، فهي هنا تتجاوز العرف والمفهوم الدارج عن المرأة.
وتحدثنا "أحلام" عما تحمل من شعور بعد أن تركها "خالد" الذي قرار الارتباط "بصابرة" عما بداخلها من مشاعر واحساس بهذا الشكل: "أنساك، وقد أغويتني بفم عذب الكلام رقيق، وتركتني أتخبط في بحر من الظلمات الحالكة، إن كان من الغرق بد، فلن أغرق وحدي، ما دامت غير قادرة على امتلاك قلبك، فلن أسمح لأخرى أن تمتلكه" ص44، رغم أن هذا الموقف يأخذ الاتجاه سلبي في أحداث الرواية، إلا أنه يشير إلى فاعلية المرأة وعدم تسليمها للأمر الواقع، وكأن الراوي بهذا الحدث أرد أن يؤكد دور وفاعلية وحيوية المرأة، التي لا تسلم ولا تيأس عندما يتعلق الموضوع بحبها أو برجلها، فتكون كاللبؤة التي تدافع عن أشبالها حتى الرمق الأخير.
الحب والجنس
الرواية ليس فاضحة جنسيا، فهي محتشمة وتكاد أن تكون عذرية، فلم تتناول مشاهد جنسية، لكنها تطرح أفكارا جديدة حول مفهوم الجنس والحب، وتبين لنا الفرق بينهما، فحاجة الجسد للجنس لا تقل أهمية عن حاجة الروح للحب، فهما يكملان بعضهما، ولا يمكن لإنسان أن يستغني عنهما، أو ‘ن أحدهما.
الرواية تقدمنا أكثر من الموضوع، المنوع تناوله اجتماعيا، وتصارحنا بضرورة تفهم هذه المشاعر والغرائز الكامنة فينا.
عندما تناول الراوي هذا الموضع أدخل نفسه كسارد للأحدث لتوضيح وجهة نظره، فيقول لنا على لسان "صابرة": "إذا كان بلوغ النشوة الجنسية يتحقق مع انتفاض الجسد الأنثوي مصحوبا بصرخات اللذة، فإن نشوة الحب الحقيقي، وناره المشتعلة لدى الجنسين لا يمكن بلوغها دون أن يلتحم الجسدان ليرتويا من لذة الحب المسكوب جسدا وروحا" ص64، فهنا يوضح لنا الراوي رؤيته حول كيفية الحصول على النشوة من الجنسي، وايضا يبين لنا أين يكون الحب في هذه الأثناء، فالجنس والحب يكمل بعضهما البعض، ويأثر الأول على الثاني، والثاني يتأثر بالأول، فالعرقة بين الحب والجسد علاقة جدلية، متداخلة ومتشابكة.
يحدثنا الراوي عن المرأة التي سجن زوجها وبقية وحيدة، تتعايش مع الحياة بطريقة رتيبة، فيصف لنا حالها بهذا الشكل، "تحتاج إليه هو صاحب التحف وليس التحف ذاتها، احتاج لعشرات المؤشرات كي يمسح طبقة الغبار التي كانت تغطي حقيقة ما يجري من تحولات في علاقتها نحوه، ... كل شيء حولها يذكرها بالغيرة والحسد على من يعيشون حياتهم مع نصفهم الآخر جسدا وروحا، فيما هي تمضي لياليها الباردة وهي تتقلب على السرير وحدها تحاول أن تضع من فائض اللحاف جسدا وهميا يساعدها في تخفيف آلام الوحدة" ص134و135، كل عبارة سابقة تؤكد حاجة الجسد للجسد، حاجة الروح للجسد، فرغم أن الراوي كنت محتشما في قوله إلا أننا نجد وضوح صريح للفكرة التي أراد طرحها، وهذا الشكل من الطرح يتناسب ومكانة زوجة الأسير، فالروي تعمد أن يتحدث بالتورية، لكن الفكرة وصلت وبوضوح، وهذا الشكل من الطرح يؤكد حرص الراوي على اختيار الشكل المناسب للحديث عن شخوص الرواية.
تحدثنا "صابرة" عن مشاعرها عندما تجد "خالد" الذي انتظرته عشرون عاما متعلق بذات الشعر الأشقر "سناء" فتوضح لنا الفرق بين الحب والجنس، الفرق بين حاجتها للحب وحاجتها للجنس، فتقول لنا: "سأدوس على قلبي أمام كرامتي، لن أسمح لهذا الحب أن يهين كرامتي ويذلني، لا يمكن للحبيب أن يهين حبيبته ويذلها، في الحب تتجلى كرامة الإنسان في أبهى صورها، لكن إذا ما اجتمع الحب مع الذل والإهانة، فهذا يعني الاستغلال، عندها سيتحول الحب إلى جحيم" ص258، مفهوم الحب يحمل عند "صابرة" حاجة الجسد، حاجتها للجنس الذي انتظرته عشرين عاما كاملة ولم تعرفه، لا من قبل "خالد" ولا من غيره، لكن احترام الراوي لها وتقدير لما تمر به من حالة نفسية، وتقديرا واحتراما لها ولصمودها وتجلدها أمام كل ما مرت به، كان لا بد من جعلها تتحدث بطريقة التورية، بطريقة محتشمة، إلا أننا نستطيع أن نفهم ما تريده، هي تتحدث عن الحب، والمقصود الجنس، حاجة الجسد وليس الروح، فهي أخذت كفايتها من الحب المجرد، لكنها محرومة من الجنس، من لذة الجسد، فكل ما تقوله متعلق بقدرتها على الاستمرار بحرمان جسدها مما يريده، فكما حرمته لمدة عشرين عاما، تستطيع أن تستمر بهذا الصوم إلى أن تجد من يستحق أن يتمتع بهذا الجسد ويمتعه.
تفهم "صابرة" لحاجة الجسد للجنس كان واضحا عندما حدثتنا عن علاقة "خالد وسناء" فتقول عن تلك العلاقة ما يلي: "اعتقدت أنه سيستيقظ من شهوته الحيوانية تجاه سناء ولن يحتاج إلى وقت طويل حتى يدرك أن الحب أكثر من تفريغ شهواني لطاقة جنسية مكبوتة" ص279، هنا تحدثت "صابرة" عن الجنس بصراحة، فهو متعلق "بخالد" الرجل المحروم من الجنس، وليس بها هي المرأة الشرقية الخجولة، فعندما تحدثت عن ذاتها استخدمت كلمة الحب للتورية، ولكنها هنا استخدمت الكلمة المناسبة والصريحة، "الجنس، الشهوة الحيوانية، الحرمان" وهذا يؤكد ما قلنا عنها آنفا.
تأكيدا على حاجة الجسد للجنس، وتقديم هذا الجنس على الحب، خاصة بعد أن يعاني الجسد من الحرمان لمدة طويلة، يحدثنا الراوي عن هذا التفهم بقوله عن "خالد" المنغمس مع "سناء" في علاقة جسدية أكثر منها روحية بهذا الكلام: "فكر أن ينهي الألم الذي يعيشه، ويطرح على سناء الزواج العرفي أو أية طريقة سرية ما دام غير قادر على الانتظار لإطفاء النار التي يشتعل بها جسده، ... الجو الشاعري الذي يعيشه في تلك اللحظات، وجوعه المزمن إلى الجنس، جعله قاب قوسين أو أدنى من طرح ما يجول في ذهنه على سناء" ص 278، كل هذا الكلام يؤكد حاجة الجسد للجنس، فأجساد البشر خلقت وفيها غريزة الجنس ولا يمكن لنا إخفاء هذه الشهوة/الحاجة، وعلينا أن نبحث عن تلبية تلك الحاجات وعدم السكوت/تجاهلها، لأن ذلك يعني الانحراف والسير بطريق الخطأ.
الجمال والجنس
لا شك ان هناك علاقة بين الجمال والحب والجنس، فالجمال يكون مقدمة للحب ومن ثم للجنس، ويمكن أن يكون الجمال موحي بالجنس دون المرور بمرحلة الحب، بمعنى أن الجمال يثير الشهوة الجنسية عند الطرفين، دون الوقوع/المرور بحالة الحب، التي تتسم عادة بالرومنسية والعذرية، على النفيض من علاقة الجنس والشهوة الجسدية.
"صابرة" توضح لرؤيتها حول الحب "الجنس" والجمال بهذا الشكل: "مشكلتك أنك تبحث عن الجمال الحسي في المرأة، لكن عليك أن تدرك جيدا أن هناك مسافة طويلة بين أن تحب امرأة لذاتها وبين أن تحبها لجمالها الحسي، لحور عينيها، لصدرها الممتلئ بعيدا عن نواة القلب، يبقى تأثير الجمال الحسي على استمرار العلاقة وترسيخها مرهونا باستمرار تفوق هذا الجمال الحسي وعدم بروز جمال يزاحمه على مكانه ويدفعه نحو الزاوية، فيما يبقى الحب الحقيقي هو الذي يعيش هناك في القلب، ويوزع نوراه على ما تبقى من مفاتن حسية تجعل المرأة عادية الجمال في نظر حبيبها أكثر روعة وجمالا من ملكات جمال العالم" ص140، من خلال ما تقدم يمكننا أن نفصل بين الحب الناتج عن تعلقه الجمال، بين الحب الناتج عن الحب، فالأول عرضة للموت والاندثار، لأنه مرتبط بشكل/هيئة جسد قابل للزوال والفناء او التشويه، بينما في حالة الحب لمجرد، يبقى مستمر إلى نهاية العمر لأنه مرتكز/معتمد على ذاته وليس على عناصر متغيرة أو متبدلة.
هذا الكلام متعلق "بخالد" تحديدا، فهو من ترك الحب المجرد إلى الحب المرتبط بالجمال، من هنا نجده بهذا الوصف عندما يتعلق الأمر "بسناء" التي صعقته بجمالها الأخاذ،"... أنقطع الصوت الأنثوي الغنوج الذي أصبح زاد يومه، أصابه حالة من الهوس أفقدنه القدرة على التركيز والتفكير في أي شيء غير رغبته الجامحة في البحث عن وسيلة توصل صوتها إلى أذنيه" ص264، تعلق حب الإنسان بالجمال لوحده يجعله لا يرسوا على بر، بمعنى أنه كلما رأى جمال أخذته غريزته نحوه، دون مراعاة لأي ارتباطات أو أخلاق تجعله يتريث/يفكر قبل التقدم باتجاه هذا الجمال، فيكون الجمال هو المحرك للغريزة وليس للحب، الحب يمكن أن يضحى في سبيله، بينهما الجمال الباعث على الإثارة والشهوة الجسدية يحول الإنسان إلى حيوان، يسعى لتفريغ غريزته الجنسية، ولا يمكن السيطرة عليه لتعلقه بالجسد، بالجنس، وهذا الاندفاع ليس له علاقة بالروح، بالحب.
"صابرة" توضح لنا حالة "خالد" الباحث عن الجمال بهذا الشكل: ".. والأخطر أنك أحببت صابرة بنت العشرينات، أما صابرة التي أمامك اليوم فيبدو أنها أصبحت جزءا من الماضي" ص277، بهذا الكلام يمكننا أن نتفهم الفكرة التي أردنا الراوي أن نتفهمها، كل ما هو مرتبط بالزمن سيفنى وينتهي، بينما كل ما هو متعلق بالحب، بالمبدأ بالفكر النقي، يبقى حيا إلى الأبد.
الرجل والمرأة
لكي لا نظلم النص الروائي نذكر بأن كل ما جاء فيها من أحداث يتحدث عن علاقة بين رجال ونساء، الرجال دائما كانوا معتقلين، ومحكومين لفترات طويلة، بينهما النساء كن طليقات، يربطن أنفسهم بالرجال المعتقلين، وكأن هناك سجن لهن أيضا من خلال سجن رجالهن، وحرمانهن من رؤية ومشاخصة رجالهن، "فسامر" معتقل، وكان قد تم اعتقال "سوسن" لكن لفترة وجيزة، وتم اطلاق سراحها، بينما استمر "سامر" يعيش في غياهب السجن، وهذا الأمر أيضا ينطبق على حالة "خالد وصابرة"، الأول معتقل وثانية طليقة.
الراوي أصر على رسم صورة تأثير المعتقل/السجن على كلا المعادلة، الرجل والمرأة، فالأول مجبر، والثاني مخير، لكنه في ذات الوقت يخضع لقوانين وأعراف وعادتها تجله أسير /معتقل لتلك المفاهيم الاجتماعية، وكأن السجن ـ فعليا ـ يكون للطرفين وليس لطرف واحد، وهنا تتضح لنا حالة المأساة الإنسانية التي أرد الراوي طرحها، حرمان الأنسان، المعتقل والطليق من الحب، من الجنس، من الحصول على شهوته.
يبدأ الراوي بالحديث عن تلك المرأة التي تجاهل ذكر أسمها، والتي كان زوجها معتقل فيقول لنا عن معاناتها: "كانت تتدفأ على رسائل زوجها واللحظات العابرة التي قضوها معا في مستهل حياتهما المشتركة قبل الزواج وبعده، كانا يتبادلان في الزيارات كلمات الحب والغزل العذري، مع انتهاء الزيارة يعودان إلى مربع الحرمان، هي تقهر شهوتها لحضن الزوج وضحكة الابن بإرادتها، فيما هو لا يملك خيارا غير ذلك" ص133، بهذا المشهد يتأكد لنا بأن الاعتقال لأحد الطرفين يعني اعتقال كلاهما معا، فهما يعيشان عين الحرمان والمأساة، ولا يسمح لهما إن كان بإرادتهما أو بالقوانين أن يمارسان حقهما بالتمتع مع بعضهما البعض.
وما يحسب لهذه الرواية أنها تطرح موضوع المرأة متوازيا مع موضوع الرجل، فكلاهما يأخذان عين الأهمية والتناول في الرواية، فلا يجعل من الأنثى مجرد كائن جامد لا يتفاعل أو يتأثر بما يجري، بل هي تأخذ أهمية وعناية من الراوي أكثر من تلك التي يعطيها للرجل، من هنا نجده يحدثنا عن زيارة "صابرة لخالد" في المعتقل بهذا الشكل، "جاءته مهرولة وتعابير الفرح تتراقص في عينيها، مدت أصبعين من يدها اليمنى عبر الشبك ثم حررت شفتيها من خجلهما وتركت لهما حرية مداعبة شفتيه فحصلا على قبلة حارة شاركهم فيها الشبك" ص183، الراوي أرد من خلال هذا المشهد التأكيد على حيوية المرأة، فهي من تم وصفه في المشهد السابق، وهي من بادر إلى فعل متمرد على عادات وقوانين المجتمع، بينما كان الرجل يمثل المفعول به، وما قامت به من تجاوز للعرف الاجتماعي يمثل فعلا تحرريا تتحدى فيه المجتمع وما يحمله من أفكار عن المرأة.
الفعل المتمرد لم يقتصر على المرأة وحسب، بل أنه يطال الرجل أيضا، من هنا نجد "سامر" يتجاوز العرف كما فعلت "صابرة" ويقوم بتقبيل "سوسن" وعناقها في هذا المشهد، "تلقفها بعد أن أزاح حازم من طريقه، ضمها بقوة بين ذراعيه، غابا في احضان من الصمت الممزوج بأنفاسهما المتلاصقة، أنتهى بقبلة طبعها على شفتيها" ص199، بهذا المشهد نجد حاجة الرجل للحب، للجسد المرأة فهو بحاجة ملحة لهذا الجسد، لهذا الكائن، من هنا يتم تجاوز العرف والعادة، وإبداء/اظهار/اشهار الرغبة والمشاعر على طبيعتها بعيدا عن القيود الاجتماعية.

الرجل
الرجل في الرواية كان في المجمل أضعف من المرأة، وهي من كانت تمده بعناصر القوة والصمود، وتعيده إلى مواقفه المبدئية، هذا الأمر حدث مع "سامر" خطيب "سوسن" ومع "خالد" خضيب "صابرة" الذي أصر على الاستمرار في تراجعه إلى أن وقع في الردة.
بداية الانحراف كانت عندما أخذ "خالد" يفكر في نفسه فقط، فتعاون مع المحامي الذي كلفه "سمير" بالقيام باستئناف الحكم الصادر بحق "خالد" وكان هذا الأمر يتطلب كتابة تقرير من ضابط المخابرات المسؤول عن السجين، يزكي فيه "خالد"، وبعد أن يفشل تخفيف الحكم في المرحلة الأولى يعيد الكرة مرة ثانية وينجح في اصدار قرار ينهي فيه فترة السجن المتبقية ل "خالد".
الانحراف يستمر عند "خالد" خاصة بعد أن كانت "سناء" تلهب غريزته وشهوته الجنسية، من خلال جهاز خلوي تم تهريبه إلى خالد بطريقة ما، فبعد خروجه تستمر اللقاءات بينهما إلى أن يصل إلى حسم أمر "صابرة" والتخلي عنها لصالح "سناء" وجماعتها الانتهازية، وهكذا يسقط "خالد" الذي رمى خلف ظهره سجن عشرون عاما ونضالا طويلا قبل الاعتقال، لينغمس في الواقع الملوث الذي تشكل بعد أن تفشى الفاسد واتخذ الوصوليون والانتهازيون مواقع مهمة وحساسة.
سنحاول إضاءة الناحية النفسية التي مر بها "خالد" فهو يمثل حالة تستحق التوقف عندها، ليس لتبرير سقوطه، بل لمعرفة وتحليل الأسباب التي ادت إلى هذه النهاية البائسة.
بعد أن يتم الافراج عن الاسرى ويستثنى هو لحمله بطاقة الهوية الزرقاء الإسرائيلية، يبدأ يفكر بطريقة غير سوية، فيضع أمامه مشاعره وغريزته في المقدمة ويبدأ يفكر بها "نفسي ارتمي في حضنك بعد ثواني، لكن الرغبة شيء والواقع شيء أخر" ص206، بهذا المشاعر المندفعة والحارة يكون السجن/المعتقل يقف حائلا دون تحقيق رغباته الغريزية والروحية، وكأن هذه المشاعر كانت هي التي تسببت في عملية التقهقر التي وقع فيها، فحاجته لجسد، لأنثى، للجنس، العاطفة والميل للمرأة كلها جعلته يتقدم من الهاوية، هاوية الغريزة وتلبية حاجاته الجنسية، تدخل "سناء" بصوتها الأنثوي المثير، الذي ينمي تلك المشاعر ويدفع بالغريزة نحو الأمام، فيبدأ يجتر صوتها، فهو المنفذ الوحيد نحو اشباع جوعه نحو المرأة، "لصوت سناء الانثوي الغنوج دور اساسي في تنشيط خلايا الجنس المكبوتة لدى خالد، دفعته للبحث عن اللذة الجنسية في سماع صوتها الذي بات يبحث عنه بطريقة هستيرية لفتت انتباهها، انساقت مع رغباته، اخذت تصعد لهجته حديثها الدافئة له" ص262، الراوي لم يطرح/لم يقل أن علاقة "سناء" كانت مرسومة من قبل، لكن نحن نستشف هذا التخطيط مسبقا، عندما كان يتغيب "سمير" لأسباب واهية ويجعلها تتحدث نيابة عنه مع "خالد" .
بعد هذه المكالمات يبدأ خالد يعيش حالة من الصراع، الصراع بين امرأتين، "صابرة" التي تمثل الحب العذري، وسناء التي تمثل الجمال والشهوة والجنس والمتعة، فيبدأ التفكير بهذا الشكل، " يشتهي سناء، ولا يريد أن تطرد صابرة من قلبه وحياته، يشعر بحب الواجب تجاه صابرة، لكنه لا يريدها أن تطرد صوت سناء الذي يشغل شهوة الجنس في جسده" ص264، من الطبيعي أن لا يأتي الانحراف/الانزلاق من مرة واحدة، بل يتقدم خطوة خطوة، إلى أن يكتمل ويقع صاحبه، هذا الشكل من التفكير يحمل في طياته نواحي ايجابية، فمازال الضمير حي، ويعمل على دق ناقوس الخطر، وعلى صاحب الشأن أن يتخذ الخطوة الصحيحة، فهو من يتحمل نتيجة قراره.
يتجاهل "خالد" هذا الصوت ويلبي شهوته فيرد على كل المحاولات التي تمت بينه وبين "صابرة" بهذه الكلمات "من حقي أن اعيش حياتي كما اريد، حتى أن الشرع أعطاني الحق في أن اتزوج مثنى وثلاث ورباع" ص274، بهذه الكلمات الجامدة والمتخلفة يكون "خالد" قد أنقلب رأسا على عقب، ولم يعد له صله بماضيه، ويقرر أن يميل كل الميل نحو الجمال والشهوة، ويطلق/يهجر الحب والمبادئ، فيكون بهذا السلوك الجديدة المتناسب مع الواقع ومتطلبات المرحلة الجديدة: "ساعتين من حياته قضاها معها، اختلط فيها الأكل الشهي، مع المشروبات الروحية التي تنعش الروح، الحديث الدافئ الذي ينبعث مع صوت كلماتها، رائحة الشهوة التي تشعل حواسه،.. يطرح على سناء الزواج العرفي أو أية طريقة سرية ما دام غير قادر على الانتظار لإطفاء النار التي تشعل بها جسده، شعور يفقده القدرة على الانتظار حتى الانتهاء من معاركة في مواجهة صابرة ووالديه" ص278، بهذا يكون "خالد" قد وقع فعليا، ماتت روحه، تقهقرت مبادئه، لكن جسده حاضر وموجود، ولم يكن اعلان موت "خالد" بالنسبة "لصابرة" يحتاج إلى وقت اضافي، فهي تقرر أن يموت/ينتهي "خالد" من حياتها غير عابئة بما سيقال عنها المجتمع.
الامثال
من السمات الجيدة في هذه الرواية تناولها لعشر امثال يتم تناولها على لسان شخصيات الرواية، وهذا الأمر يقرب لغة الرواية من المتلقي، ويجعله يشعر بإنسانتها وقربها منه، فهي ليست غريبة عنه، وكما أن ذكر هذه الامثال يعد احياء لها وترسيخها في ذاكرتنا، "بتقدرش للحمار بدك تفش غلك في البردعة" ص15، "على هامان يا فرعون" ص26، "في آذار مرة شمس ومرة أمطار" ص41، "دخول الحمام ليس مثل الخروج منه" ص53، "في التأني السلامة وفي العجلة الندامة" ص68، "المكتوب على الجبين لازم تشوفه العين" ص76، "الصبر صبر ساعة ولا ألم كل ساعة" ص99، "كل تأخيرة فيها خيرة" ص172، "لا كرمة لنبي في وطنه" ص253، كل هذه الامثال خدمت لغة الشخوص، وقربت النص من المتلقي، وأيضا وضحت الفكرة المطروحة أكثر.
الرمز
الرواية تكاد أن تكون واقعية، تمس الحالة التي يعيشها المعتقل والمحيطين به، لكن الراوي خرج عن الواقعية الحدث، وأرد أن يطفي على النص شيئا من الرمز، فجعل نهاية الرواية بهذا الشكل، "وجدت نفسها تخاطب قضاء القرية الضيق رغم سعة المدى الممتد أمامها حيث أضواء مباني الغرباء الشاهقة التي شيدوها على أطلال أرض كانت يوما اسمها فلسطين، وتخشى أن تضيع كما ضاع حبيبها" ص285، نهاية تجعل المتلقي يتوقف ويتأمل الواقع الذي وصلت إليه فلسطين وشعبها في ظل وجود احتلال يقضم الأرض، وانتهازي يقتل روح الإبداع والعطاء في الناس.
الاحتلال
مسألة طبيعية وضرورية أن يتناول الكاتب جنود الاحتلال والطريقة التي يتعاملون بها مع الفلسطيني، فهم سبب كل البلاء والحرمان والجوع الجنسي والروحي الذي حصل لشخصيات الرواية، فهو يتدخلون في كل كبيرة وصغير في هذا الوطن، ويتعرضون لكل إنسان، فهم الغصة التي تنغص على الفلسطيني حياته، وهم الموت الذي يطارده أينما كان، وهم العدو، فنجد هذا العدو يقتحم الجامعة ويمنع الدراسة فيها، ".. المحيطة بالجامعة، انتهت الثالثة بمحاصرة الغرباء لها كونها الأقوى، تم إخراج المدرسين والطلبة من ممر إجباري" ص55، ويقومون أيضا باقتحام المنازل واعتقال الناس من بيوتهم، "داهم جنود العدو بيت أهلي وأخذوا خالدا وسوسن معهم" ص71، لكن الاحتلال لا يكتفي بما يقوم به، به نجده يهدد بقتل أي شخص يقف في وجهه، لا يلبي مطالبه، "ـ إذا لم تعودي مكانك سأقتل لك هذا المخرب الصغير.
ـ قل لي أين خالد وإلا سأطلق النار على رأسك" ص77، هذا الكلام كان موجها لطفل صغير، فهنا يتم انتهاك حقوق الطفل بالإضافة لحقوق الإنسان.
وبعد أن يتم اعتقال "خالد وسوسن" يتعرضا أثناء التحقيق لأبشع وأسفل الأساليب لنزع الاعتراف منهما، فنجد هذا الكلام البذيء من ضابط التحقيق: ""قم يا مومزير" أنهض يا ابن الزنا!!" يستخدم الراوي اللغة العبرية ثم يترجمها لنا لكي نعرف بأن أصحاب هذه اللغة يتماثلون بقذارتهم مع لغتهم، فاللغة والأشخاص يمثلان القذارة والسفالة.
وعندما يتم ضرب رأس خالد بباب السيارة من قبل جندي الاحتلال، نجد هذا الجندي يكذب ويغير الحقيقة أمام الطبيب الذي لا يقل عنه عنصرية،
"إيخ زي كرا" كيف حدث هذا؟
"دفاك إت هروش شلو بديلت هموخنيت" ضرب رأسه بباب السيارة" فهم خالد كلامه فكذبه قائلا للطبيب:
ـ هو الذي ضرب رأسي
ـ "تشوك يا شكران" أسكت يا كذاب" ص94، إذن الاحتلال يمارس الكذب بالإضافة إلى كل الأفعال المشينة التي يقوم به بحق الفلسطيني، فهو لا يتوانى عن استخدام كل ما هو مضر ومؤذي للفلسطيني.
الاحتلال لا يوفي بوعده، ويعمل على تخريب النفوس والعقول وتشويه كل ما هو جميل في الجغرافيا وفي الإنسان الفلسطيني، هو موجود فقط لهذا الأمر، فمن خلاله يمكنه الاستمرار في الهيمنة على الأرض والإنسان. من هنا نجد ضابط المخابرات يؤكد "لخالد" أنه قد كتب تقريرا يزكيه فيه أمام محكمة الاستئناف، لكن عندما تنعقد الجلسة لا يجد القاضي هذه التزكية، فيقرر أن يهين "خالد" أكثر ويجعله يندفع أكثر نحو الهاوية من خلال قوله: "أن ماضي السجين الإجرامي، واستمرار سلوكه التخريبي داخل السجن يدفعنا إلى اتخاذ قرار برفض طلبه بتخفيض مدة حكمه" ص236، من ضمن سياق النص يتأكد لنا بأن "خالد" بدأ في عملية التحول الإيجابي اتجاه الاحتلال، لكن الاحتلال يريد أن يمسخ/يهين/ينتقم من خالد أكثر ويتأكد بأنه فقد كل القيم، من خلال جعله يعود إلى ضابط المخابرات ويطلب منه التقرير مرة ثانية، الذي تعامل بخبث وتمثيل دور الغافل البريء، "ماذا تقول؟ لقد بعثت التقرير قبل اسبوع من الموعد المقرر للنظر في ملفك من قبل لجنة الافراجات!
... ربما حدث خلل ما، سأفحص الموضوع.
في اليوم التالي جاءه ضابط الاستخبارات معتذرا، اكتشفت أن المكتوب قد نسيته على الطاولة" ص243، فهنا يتأكد لنا بأن الاحتلال يتلاعب بالمعتقل، ويريد منه أن يكون تحت أمرته، إن كانت بطريقة مباشرة أم عن طريق الآخرين، لكن السجين يكون فعليا/عمليا منفذ/يقوم بما يرده الاحتلال.
الوقت
بما أن الرواية تتحدث عن الاعتقال والسجن والحب، فلا بد أن يكون وصف الوقت بالتخاذل والوقوف ضد الأنسان، أن كان في حالة الحب أو في حالة السجن، فعندما يكون تحديد موعد الزفاف بين "صابرة وخالد" متعلق بحضور شقيقه "عياش" نجد الوقت بهذا الوصف، "من سيطفئ نار قلبه المشتعلة؟ ماذا سيقول لصابرته التي تتمنع عنه، فيما قلبها يحصي عدد النبضات المتبقية لها حتى لحظة التحام الجسدين نارا وشهوة" ص67، فهنا كان الوقت ثقيل جدا على الحبيبين، ولا يلبي الحد الأدنى لما يريدانه، فهو يقف حائلا دون تلبية مطلبهما ورغبتهما في الالتحام الجسدي.
وبعد أن يتم اعتقال "خالد" نجد الوقت بهذا الشكل، "مكث في السيارة دقائق كأنها نهار كامل" ص93، وعندما كان خالد غارق في ظلام السجن نجده يعاني من رتابة الوقت وثقل الزمن "الدقائق تزحف ببطء كسلحفاة عجوز" ص160، فذكر الدقائق يشير إلى حجم الضغط الواقع على الإنسان، فالدقائق لا تعني شيئا لمن هم يعيشون حياة عادية، لكن نجدها ثقيلة وتساهم في زيادة الضغط على الإنسان المعتقل.
وبعد أن يصدر قرار الافراج عن "خالد" يتحول الزمن إلى متآمر عليه، "ساعة من الزمن كأنها دهر، قضاها خالد في غرفة الانتظار" ص244، فهنا لم يكتفي الراوي بهذا الوصف بل قدم لنا إضافة جديدة تبين لنا كيف يتعامل الإنسان المعتقل مع الوقت، "ستة آلاف وخمسمائة ليلة في كفة واحدة، وهذه الليلة في كفة" ص243.
قبل الانتهاء من الرواية نشير إلى بعض الهفوات التي وقع فيها الراوي، فهو لم يوضح لنا الكيفية التي حل بها "سامر وسوسن" مسألة اختلاف الدين بينهما، علما بأنها من المسائل المهمة جدا في حياة المجتمع.
الرواية من منشورات وزارة الثقافة الفلسطينية رام الله، سلسلة أدب السجون، الطبعة الأولى 2010















الأم في رواية
"سجن السجن"
عصمت منصور

تمتاز هذه الرواية بوجود وصف دقيق للمشاعر المعتقل، فهي تتدفق بكل صدق وانسيابية، حتى أننا نجد أنفسنا نشارك "سعيد عبد الله" عذاباته والآمه في المعتقل، فالراوي استطاع أن يوظف لغته الأدبية وأن يقدم رواية متميزة في أدب السجون، فهي تمثل حالة إنسانية، تعاني الكثير داخل جداران الزنزانة، وتعيش حالة من الألم تجعلنا نتألم معها.
فالمعتقل/السجن مكان قاسي ولا يمكن أن يكون مكانا لحياة الإنسان، ومهما كانت الظروف ـ استثنائية ـ يبقى السجن مكان غير لائق للإنسان، وهذا الطرح من أهم الأفكار التي يطرحها الراوي، السجن مكان لا يتناسب وطبيعة الإنسان، من هنا يدعو إلى عدم وجود هذا السجن الذي يفقد الإنسان
الكثير من الكرامة.
الرواية تتحدث عن معتقل فلسطيني يوضع في زنزانة انفرادية، حيث يكون السجين داخل الجداران الأربعة، لا يتلقى الطعام المناسب، كما نجد المكان غير مهيأ من ناحية الصحية، حيث يوضع له زجاجتان إحداهما للتبول والأخرى للشرب، وعليه أن يختار إحداهما ليشرب منها دون أن يكون عليها أي علامة/إشارة تدل على أنها للشرب، وهذا بحد ذاته عذاب إضافي للمعتقل، ونجد تحديد وقت الذهاب للحمام، مرة واحدة فقط ولمدة ربع ساعة يوميا، وإذا تعرض لأي طارئ فعليه التبول في الزجاجة، وفي حالة البراز عليه أن يمتنع عنه حتى يأتي الموعد المحدد للذهاب إلى لحمام.
كيفية إدخال الطعام تكون من خلال فتحة في باب حديدي صم، لا يفتح إلا من الخارج، وهذا يعطي دلالة على حجم الضغط الذي يتعرض له المعتقل، ونجد هذا الطعام بسيط جدا، يتكون في العادة من الخبز والشاي البارد، وفي حالة أخرى يضاف إليه بيضة أو قطعة من الجبن الأصفر.
عملية الانتقال من الزنزانة إلى الحمام تتم والمعتقل مقيد اليدين، وبعد أن ينهي حمامه تعود القيود إلى أن يصل باب الزنزانة، الكلام ممنوع، البرد القارص، والوحدة الخانقة، عدم الإحساس بالوقت، موت الزمن، أو تضخيم الوقت، بحيث يمكن أن تكون الدقيقة تأخذ احساسا بأنها ساعة أو عدة ساعات، الأفكار السوداء التي تأتي للمعتقل، عدم وجود شخص/رفيق يشاركه همومه، فقدان الإحساس بوجود عالم/حياة خلف جدران الزنزانة، كل هذا العذابات تلقى بظلالها على المعتقل، فأي إنسان هذا الذي يستطيع تحمل هذه الظروف؟، هذه الأوضاع؟، وكم يستطيع الإنسان أن يصمد في هكذا أحوال؟ كيف يجد إنسانيته؟، كيف يجد فكرة الجنون؟ وكيف يفكر بالتمرد؟ ، وما هي العقوبة التي ستضاف عليه؟ وما هي الأشياء التي يفكر بها المعتقل؟، هل يفقد مبادئه في هذه الظروف؟ هل التفكير بالمقاومة يتغير عنده؟ هل يبقى محافظا على إنسانيته أم ينحدر إلى مرحلة الحيوان؟، كل هذه التساؤلات يجيبنا عليها "عصمت منصور" في رواية "سجن السجن"

"سجن السجن"
وقسوة المكان

لا شك أن مكان الزنزانة قاسي جدا على الإنسان، فهو مكان غير المناسب للحياة، فما هي تفاصيله؟ وكيف يحس/يشعر المعتقل داخله؟ يجيبنا "سعيد عبد الله":"هذه المرة الأولى التي أجد نفسي وحيدا إلى هذه الدرجة، محاصرا بالفراغ، ومقصيا إلى حد جعلني أتخيل أني لا افقد كل اتصال بالعالم الخارجي فقط، بل أكاد أفقد الإحساس بوجوده، وهذا الشعور بالذات جعل فضاء الزنزانة المضغوط بين جدرانها المهترئة البالية تفترسني وتبتلعني دفعة واحدة ولا أعود أشعر بشيء سواها، وهي تلتف حولي تنغرز بين ثناياها روحي وتنفذ بقوة إلى أعماقي، كل شيء أصبح مختلفا دفعة واحدة، جديدا، معاديا وباردا، كانت الأشياء تتوالد من ذاتها في سكونها لتصيبني بالدوار والدهشة" ص4، المكان يلقي بظلاله على الإنسان، فيمسي متماثلا معه وكأن المعتقل مرآة تعكس الصور التي أمامه، الضيق، الفضاء المحدود، قذارة وقسوة المكان، الجدران وما تمثل من حاجز بين الإنسان والعالم الخارجي، كل هذا جعل المعتقل يعاني مما هو فيه.
ضيق الزنزانة واقتراب الجداران من الجسد يصفها لنا "سعيد عبد الله" بهذا الوصف: "فالجدران أمينة مشتهاة في مثل هكذا موقف تتمنى معها أن تغيب عن الوعي وأن تفقد ملكة التفكير" ص15، الصراع بين ما كانت تراه العين وما تراه الآن يمثل فجوة كبيرة، في السابق كان الفضاء أوسع، لكن الآن اقتراب الجداران بهذا الشكل جعل الفضاء يتقلص كثيرا، بحيث يؤثر على العين ومن ثم على التفكير.

ينقلنا الراوي إلى تفاصيل هذا المكان فيحدثنا عن بابه بهذا الشكل: "إن الباب المغلق الذي لا يفتح من الداخل، الأملس المصقول دون فتحات مشرعة عقيم وعاقر ويصب الوحدة في قوالب جامدة ويسرب يأسا قاهرا يقتل الآفاق ويغتال فسحة الأمل من مهدها.
إن العين التي تصطدم به مباشرة ترتد بقسوة وكأنها صدت بخشونة" ص33، أهم ما في هذا الوصف، انعكاس المكان وتفاصيله على الإنسان، حيث نجد التأثير مباشر وسريع، وكأنه لا يوجد فاصل زمني بين وقع أقدام المعتقل وهذا المكان، فبمجرد أن يدخله نجده يبدأ في سلب كل ما في الإنسان من مشاعر، ويضع بدلا منها احساس/مشاعر جديدة، لكنها أصعب عليه وأشد هولا.
من التأثيرات التي تتركها هذه الزنزانة على المعتقل هذا الوصف: "الوجود في الزنزانة تعذيب بحد ذاته، وشكل القيد تعذيب" ص 56، وهنا يختصر علينا الكاتب كل ما يمكن أن يقول عن هذا المكان، فهو مكان لا يتلاءم والإنسان.

التعذيب
أشكال التعذيب في هذه الزنزانة تأخذ أوجه جديدة، تعمق الجراح والألم للإنسان، منها هذا الشكل، "... كان الصوت صاخبا ومزعجا ولا يمكن تلافيه والهرب منه، ... المفاجأة كانت أنه كلما تأخر الوقت، ارتفعت وتيرة الصوت، لتبقى الأضواء مشتعلة ومرافقة للصوت المزعج حتى الصباح" ص74، إذن الجلاد لا يكتفي بما يسببه المكان من ألم وتعذيب للإنسان، بل يضيف عليه تعذيب آخر، لا يقل قسوة عن طبيعة المكان وما فيه وما يتركه من أثر عليه، وهذا التعذيب يأخذ مستوى تصاعديا، بمعنى زيادة الألم كلما مر الوقت، وهنا يكون المعتقل تحت تأثيرات ثلاث، المكان، الصوت المزعج وتصاعد هذا الصوت، والضوء الساطع الذي يمنع المعتقل من النوم، وعليه أن يتحمل، فهل يستطيع ذلك؟، وهل لمثل هذا الوضع أن يجعله يتمسك بالحياة، أم يتركها؟ كل هذه الأسئلة يجيبنا عليها "سعيد عبد الله" من خلال الحكم وخلاصة تجربته عن الاعتقال.


الوقت

الوقت من عوامل الألم والعذاب الذي يتعرض له المعتقل، فأثناء التحقيق والسجن الانفرادي يتم عزل السجين عن العالم الخارجي، فيكون بذلك وحيد، وما أصعب الوحدة في مواجهة عالم مشبع بالقمع وبالبطش وبالقسوة، يصف لنا الراوي هذا العذاب قائلا: "أما الزمن فطوى جناحيه مثل طائر جريح ورفض التحليق، فقدت أي قدرة على التصرف أو التفكير يداي كانتا تؤلماني جراء الطرق، جسدي كان منهك والبرد يقرض روحي ويفترس ما تبقى منها" ص58، عدم معرفة الوقت، والألم الذي يتركه البرد القارص يجتمعان معا لزيادة وقع التعذيب على "سعيد عبد الله" وكأن هناك أتفاق بين الوقت والبرد والألم الجسدي على هذا الأمر، زيادة التعذيب والألم.

الأم


الأم دائما تأخذ الشكل الإيجابي عند العديد من الكتاب، على النقيض من الأب، الذي يتم تغيبه أم تقديمه بصورة سلبية، وهنا كانت الأم أهم عامل من عوامل الصمود وبث الأمل في نفس المعتقل، فهي تمثل عنصر قوة له، فبعد أن وطأة قدماه هذه الزنزانة يفتقد النور الذي من المفترض أن لا يغيب من أي مكان، فنجده يستحضر كلمات أمه عن الظلام والنور :"أمي كانت تقول لي للظلمة ألف عين!!" ص6، ويمثل هذا الحضور للأم تأكيدا على تأثيرها في الابن، وكأنها المنجد له وقت الشدة، هي التي تزوره، هي من تحضر لتواسيه، هي من ترك فيه ذكريات حلوة وجميلة، ويمكنها أن تكون ندا/تواجه الصعاب التي يمر بها.
فالأم ليست جسدا وحسب، بل روح، ومعلمة، ومثقفة، لها كلمات لا يمكن محوها من الذاكرة، ومن هذه الكلمات قولها: "ذات يوم قالت بعد أن هيأت طقسها البسيط ووضعت رأسي على صدرها: الدمع يغسل العين ويجلي القلب، ومع هذا أحذره فإنه قد يتحول إلى نار حارقة تكوي الفؤاد إذا ما ذرفناها وحدنا" ص7، بهذا الكلمات يكون الابن محصنا من البكاء، وعليه أن يتعامل مع الظرف الجديد معتمدا على حكمتها، فهي لم تأتي من أي أحد، بل من الحبيبة، التي تحتل مكانة خاصة، فعليه أن يحافظ على هذه الحكمة.
كل ما يأتي من الأم هو جميل، ويعطي الابن دافعا جديدا للصمود ويبث الأمل فيه، ففي وحشة الزنزانة واشتداد البرد تكون الأم أيضا حاضرة بهذا الشكل، "...طويت نفسي داخل الحرام وانكمشت دون أن أعرف حقا هل أحتمي به من البرد أو أضمه إلي بحب لما يختزنه من أثر يذكرني بأمي ويحمل رائحتها وصلواتها... إن حرام أمي فجر دفعة واحدة كل ما يكتنز في داخلي من دفء" ص69، الأم ليست كائنا عاديا بالنسبة للأبناء، هي كائن خارق، يتجاوز المألوف والعادي، من هنا وجدنا "اسعد عبد الله" يقدم لنا تأثيرين لهدية الأم، الأولى أنه جاء منها، وله وقعا خاصا عليه، فهو يحمل رائحتها ويذكره بها، والثاني التأثير المادي لهذا الحرام، فهو يمنح الدفء كما كانت الأم تمنحه له.
أعتقد تعمد الراوي تقديم التأثير الروحي على المادي، وكأنه في معكرته مع الزنزانة لا يعتمد صموده على المسائل المادية وحسب، بل على الروحية، خاصة تلك التي جاءت عن طريق الأم.
وعندما يختلط/يتشابك/ينعدم الإحساس بالوقت، ولا يعرف كم نام ومتى استيقظ، يأتي حل هذه المعضلة عن طريق الأم، فهي مصدر حيوي ووحيد لحل كافة المعاناة التي يمر بها الابن، "... أذهب ونم لكي يطلع الصباح، ومنذ ذلك الحين، ارتبط النوم عندي بشروق الشمس التي كنت أتخيل أنها تشرق من بين رذاذ أحلامي البريئة، البهية ورطبة تداعب الروح وتجلب الحياة وتفردها مع الخيوط الذهبية على البشر والأشياء" ص75، كل هذا الجمال والبهاء جاء معتمدا على ما قالته الأم، وإذا ما تمعنى في هذا الوصف الناعم والجميل، نعلم حجم تأثير الايجابي الذي تتركه الأم ، فرغم قسوة المكان وما يتركه من آثارا قاسية وصعبة على المعتقل، كانت في المقابل الأم التي تتغلب على تلك القسوة، إن كان من خلال كلماتها، أو من خلال تصرفها، أو من خلال هداياها، فكل ما يصدر عنها يمثل عامل قوة وباعثة أمل للابن، وإذا ما توقفنا عند الألفاظ المستخدمة في المشهد السابق، نجدها بغالبيتها الفاظ ناعمة ومشرقة، الفاظ بيضاء، بعيدة عن السواد والقسوة: ". يطلع الصباح، بشروق الشمس، أحلامي البريئة، البهية ورطبة تداعب الروح وتجلب الحياة، الخيوط الذهبية" ومثل هذه النقلة النوعية في مشاعر وتفكير ولغة الراوي ما كانت لتحصل لولا حضور الأم.
كل من يعرف الإجراءات التي يسلكها الزائر للسجون الاحتلال يعلم حجم المعاناة وصعوبة الإجراءات التي تواكب هذه الزيارة، فالاحتلال لا يتوانى عن استخدام أي اجراء ينغص على الزائر إلا واتخذه، ويمكن أن تأخذ الزيارة وقتا خياليا، تبدأ من الساعة الثالثة صباحا وتنتهي بعد السادسة مساءا.
لكن الأهل يجدون في هذه المشقة شكلا من أشكال المقاومة، وتأكيدا على الروابط الأسرية التي لا يمكن لأي إجراءات أن تحد منها، زيارة الأم لابنها لها آثارها، تؤثر به ويؤثر بها، فهي الكائن المانح للحب والذي ينبع منه الحنان، عاطفتها لا يمكنها أن تضبطها أمام من تحب، أمام ابنها البعيد عنها قسرا، يصف لنا الراوي هذه المشاعر قائلا: "تمنيت أن ينتهي وقت الزيارة، أن تنشق هذه الأرض وتبتلعني ولا يعود لي أي أثر على هذه الأرض، أن أطير وأتلاشى مع ذرات الرياح، أن أتحول لأي شيء بعيد عن هذه العيون التي أعشقها وهذا الجسد الذي أود لو ينصهر مع جسدها للأبد.
قالت من بين دموعها، أبق لي الحلم على الأقل ...قلت لها: هذا السجن أكبر من أن نتجاهله، لكن الحب يلغي فكرته "تهزمه" بدأت تتحمس، كانت تحارب لأجل حبها ببسالة دون أن تنزلق إلى التوسل" ص102 و103، ما قاله "سعيد عبد الله" عن أمه يعطي مؤشرا عن حجم هذا الحب والمشاعر الذي تحمله، وأيضا مقدر حبه لها، فالحب متبادل بينهما، فهي بالنسبة له ليست كأي شيء آخر، كأي إنسان، ومن هنا وجدناه يسترسل في وصف مشاعره عندما وجد من يحبها بحالة ليست طبيعية.
ولكنه بعد أن تجاوز انفعاله الحاد اتجاهها، وتخلص من مشاعره تكلم بمنطق المحب.
زيارة الأم ستضيف رافد جديدا من روافد الصمود وبعث الأمل لدى الابن، فها هي تحدثه بخلاصة فكرتها عن السجن فتقول: "السجن ما بسكر على سجين!!" ص117، بهذه الكلمات وما تحمل من أفكارا/معاني عن ضرورة تجاوز/تجاهل واقعه السجن يجد الابن دربا جديدا عليه أن يسلكه، وبعد هذا الاكتشاف الذي قدمته الأم تكون مشاعر الابن بهذا الوصف، "تمنيت لو أني أملك فقط أن أعانقها وأن ألوذ بحضنها عن هذه القاعدة الباردة" ص ص117، ما يحسب لهذه الأم أنها ليست بكائية، وليست تحمل حنان وعاطفة وحسب، بل وأيضا تحمل فكرا مشعا باعثا للأمل ومحفزا على الصمود والبقاء.
بعد موتها يكتشف "سعيد عبد الله" أشياء عنها لم تخطر على باله، فموتها كان يمثل مرحلة صعبة، ولم يكن يقدر على الإقرار بهذا التغير الذي حصل له، وكأنه من خلال عدم الاعتراف بما حصل من تغيرات/غيابها، يريد أن يستمر تدفق الأمل والحنان الذي منحته إياه الأم فيقول عن موتها: "وأنا الذي كنت أعرف أن أمي ماتت قبل الإعلان عن وفاتها، بقيت أرفض تصديق هذا، وأن الموت تمكن منها، وأنها سترافق وستذهب معه ولن تعود لتراني وتزورني في السجن " ص128، كائن خارق مثل الأم لا يمكن التسليم بفقدانه، وحتى بعد وجود كافة الدلائل المادية على ذلك، فهي من أوجدت الأشياء الخارقة في ابنها، فلا يمكنها أن يزول أثرها في المنظور القريب، فالعطاء، حب، عاطفة، حنان، فكر، إحساس ـ لا يمكنها أن تزول أو أن تفتقد بين ليلة وضحاها، من هنا نجد الإصرار على عدم الاعتراف بفقدانها، فأفعالها وتأثيرها وكلماتها وعاطفتها ما زالت حاضرة وفاعلة، فكيف يمكن أن يسلم بفقدانها.
"عبلة" المرأة التي أحبها "سعيد عبد الله" تحدثه عن أمه بعد أن كانت ترجع من زيارته، حامله معها زادا جديدا من الأمل والحب له، فتخبره عن أمه وكيف كانت تترك زيارتها له مزيدا من الحب والأمل، فتقول عنها: "كانت تعود من زيارتك سعيدة ومشرقة ومجرد رؤيتك وسماع صوتك كان ينسيها عناء السفر ومشقة الزيارة والانتظار، والإجراءات المذلة، ما إن تعود حتى تبدأ بالحديث الذي لا ينتهي عنك، وعن جمالك، وشجاعتك وكيف أصبحت نسخة طبق الأصل عن والدك ... تحولت إلى محور حياتها وعالمها ولا يوجد امرأة أو رجل لا يعرف كل تفاصيل عنك" ص132، "سعيد عبد الله" لم يكن يعرف هذه الأخبار عن أمه، لم يكن يعرف مكانته عندها، فقط كان يعرف مكانتها فيه، من هنا نجده يكتشف هذه المعادلة التي كان يجهلها، فالأم كانت تعطي أكثر مما تخيل، أكثر مما يحس به، فهي لم تكن تندبه عند الناس، بل تمجده وترفع من شأنه، جاعله منه مثلا للرجولة والعطاء وللشجاعة.


الحكم


يقدم لنا الراوي عبارات تمثل خلاصة تجربته في المعتقل ونظرته للحياة، ومن خلال هذا العبارات يمكننا أن نأخذ الحكم والعبر والطريقة التي يجب أن يتعامل بها المعتقل مع هذه التجربة المريرة، فهي مرحلة من أصعب المراحل التي يمر بها الإنسان، وليس باستطاعة الجميع أن يخرج سالما منها، من هنا يمكننا أن نعتبر هذا العبارات حكم يستفاد منها في أي تجربة اعتقال لأي إنسان أينما كان.
"الوحدة ليس أن تكون وحدك دون شريك، هي أن تبدأ كل شيء من جديد دون أن تجد أمامك أي أثر أو رمز يلهمك ويصوب دربك، هي أن تعيد رسم حدود وتخوم عالمك دون دليل" ص10.
"الزنزانة عالم ضيق، وعلى الإنسان أن يبدأ بالتعامل مع هذا الواقع بشكل منفرد، وحيد، وعليه أن يتكيف مع التغيرات في لطعام والنوم وقضاء الحاجة، عدم وجود من يتحدث معه. هذا معنى الوحدة بالنسبة للمعتقل.
"نحن لا نتحرر من شيء إلا عندما نقع في عبودية شيء آخر" ص32، تأكيد على ضرورة البحث في كل ما نقوم به، وعدم التسليم بالمسلمات، مهما بدت منطقية، وضرورة البحث والنبش في كل شيء.
"ففي السجن تتشابه الأشياء ظاهريا الكل سواء، المهم أن تخرج منتصرا وبطلا، أما البطولة في أروع حالاتها فهي لا تتعدى قدرتك على الحفاظ على صورتك وطبيعتك الأولى، وعدم الانزلاق إلى مهاوي اليأس والتوحش" ص48، تأكيد على الضغوط التي يتعرض لها السجين، وعلى ضرورة التمسك بالأخلاق والأفكار والمعتقدات التي اعتقل من أجلها
"...سألته ذات مرة إن كان فكر بدل كسر ساعده بالانتحار، قال: عندها لم أكن لأفكر بهذا، أنا لا أرغب بمغادرة الحياة بل معانقتها بقوة وعيشها بملئها" ص56، رغم قسوة الحياة في المعقل، يبقى الأمل بالحياة وما فيها من هناء حلم يجب أن لا نتخلى عنه في كافة الظروف والأحوال.
"كثرة الخيبات لا تعلم شيئا ولا تردع، ونحن أثناء حاجاتنا للآخرين لن نجرؤ على تعلم الدرس الأكثر إلحاحا والذي علينا أن نتعلمه لأننا نرجو ألا يكون ما نخشاه حقيقة، ونبقى نرفض التصديق" ص58، يبقى التشبث بالأمل مهم، رغم حجم ونوعية الانتكاسات التي نتعرض لها، فهو من يساعدنا عن تجاهل الواقع البائس والقاسي، فالأمل يجب أن يبقى حيا فينا.
"هنا والآن يتضح لي أن البرد عدو أكثر شراسة من الجوع، فالجوع قد يحولك إلى حيوان مفترس، بينما البرد فيضعك على حافة الجنون، يفقدك القدرة على التفكير والحركة، ويصف كل الأشياء ضدك وتشعر أنها تعاديك" ص70، معلومة مهمة لكن من يكون في زنزانة منفردة تفتقد لأبسط المتطلبات الإنسانية، توفير المكان المناسب للحياة، فالجوع يمكن أن يجعل الإنسان يبدي تفاعلا معه، أما البرد فإنه يقضي على أي فعل يمكن أن يبديه الإنسان.
ويقول احد المعتقلين "أبو شمس" حكمته عن سجون الاحتلال: "أن السجن هو الذي حرم هؤلاء الشباب من تحقيق أحلامهم وأنهم جديرون بهذه الألقاب وأن السجن لا يجب أن يكون سببا لموت الأحلام واندثار المشاريع" ص81، حقيقة يجب أن نتبعها لكي لا نقتل الأحلام التي بناءها السجناء، وعلينا إبقاء تلك الأحلام حية ونابضة فهم.
"بدت حياة السجن مترفة وباذخة مقارنة بحياة الزنزانة، رفضت أن أفكر بهذا الشكل خشية على آدميتي ولكي لا أقزم أحلامي... لم أشأ أن أحقر حياة الإنسان بحيث يصبح السجن مكانا يمكن اشتهاءه، إنه مكان شيء ولا شيء يمكن أن يجعله أفضل" ص85، بعد التحقيق وما يتعرض له المعتقل من أشكل وأنواع التعذيب يكون/يمثل السجن حالة من الرفاهية مقارنة بما كان في فترة التعذيب، وهذا الأمر ينطبق أيضا على الانتقال من الزنزانة الانفرادية إلى السجن، وهنا ينبهنا الكاتب إلى ضرورة عدم الأخذ بهذه الظاهرة، فالسجن لا يمكن أن يكون مكان ملائم للإنسان، مهما بدت فيه الحياة مقبولة إذا ما قارناها بواقع أسوء.
وعن طبيعة الأحكام العالية التي يصدرها الاحتلال على الفلسطينيين يقول عنها "الراوي": .. أقصد أن هذه الأحكام تداس لمجرد الوصول لاتفاق أو إذا ما حدثت عملية تبادل أسرى... إنها أحكام سياسية رادعة لا علاقة بينها وبين العادلة" ص87، توضيح لطبيعة محاكم الاحتلال التي لا تتعامل مع الفلسطيني بعدالة، بل ضمن سياسية هي أقرب إلى فكرة (الرهائن) الذين يمكن أن يتم استبدالهم بأي جندي يتم أسره في المستقبل، وهذا توضيح وتفسير لطبيعة عمليات تبادل الأسرى التي يقوم بها الاحتلال، فهي ظاهريا تبدو لصالح الفلسطيني، لكنها في حقيقية الأمر لصالح الاحتلال الذي أتخذ سلفا رهائن بشرية لكي يقوم بعملية التبادل.
"أن الموت ليس أصعب من الخيانة، إننا نهرب إليه ونلوذ به من الذل والهجران" ص105، تحليل لمفهوم الموت، الذي يكون ملاذا من حياة غير سوية يعيشها الإنسان، بينما الخيانة تحمل معنى (الحياة بقسوة) بسبب الفعل المرتبط بها، وكأن الراوي يحذرنا حتى من هذا التفكير، فهو فعل غير قابل للمحو أو النسيان، وهذا الأمر يتفق مع ما جاءت به رواية "شرق المتوسط" لعبد الرحمن منيف، الذي أكد قسوة وبشاعة أن يخون/يتخلى الإنسان عن أخلاقه.
"عندما نرى الألم وهو يفتك بالآخرين نتساءل كيف لا يموتون، فقط شدة الألم والمعاناة تكشف لنا كم هي جميلة هذه الحياة وكم نريدها، وإلى أي درجة قادر هذا الجسد على التكيف والاحتمال في سبيل البقاء على ظهرها مثل دودة تافهة، لو قال لي إنسان أني سأمر بهذا العذاب وأني سأنجح في البقاء حيا لما صدقته" ص142، حقيقة واقعية تعتمد على التجربة وليس التنظير، فالحياة وما فيها تجعل الجسد قادرا على تحمل كل أشكال وأنواع التعذيب، حتى أننا نجد هذا الإنسان ـ بعد أن يتجاوز حالة التعذيب التي مرة بها ـ يستغرب كيف استطاع الصمود فيها وتجاوزها، وهذا تأكيد على أن هناك قدرات كامنة في كل إنسان، يستطيع من خلالها أن يتجاوز أي مرحلة
يمكن أن يمر بها.

المرأة

تضاف الحبيبة/ الأنثى إلى الأم كعامل باعث/محفز على الأمل، فهي من تمنح الرجل عناصر السعادة والفرح، من هنا تم استحضارها في الرواية، "عصمت منصور" تعمد تقديم رؤيته كاملة للمتلقي، بحيث لا يجعل شيئا في الخفاء، فالمرأة تأتي حاملة بعناصر الأمل بعد الأم، وأحيانا يمكنها التفوق على مكانة الأم.
الراوي يستحضر المرأة مقاربا/مقارنا إياها مع الزنزانة، هكذا يبدو للوهلة الأولى، لكنه في حقيقة الأمر أرد غير ذلك، أرد أن يكشف لنا حقيقة رؤيته عن المرأة وما كانت المقاربة/المقارنة إلا تبريرا/تعليلا لتلك العلاقة، وإلا ما الداعي لذكرها في هكذا موضع.
يتأكد لنا هذا الأمر من خلال حديثه عن "عبلة" وأيضا من خلال تقمصه لوضع/حالة المرأة وكأنه يتحدث في العقل الباطن عن هذا التأثير الذي تركته فيه، فهي تمتلك الكثير من الغموض رغم ما تبديه من اقتراب، "... النساء اللاتي يدركن أسرار أجسادهن ويحتقرن ستر جمالهن ومكامن الرغبة تحت ستار من الحشد والتحفظ، وفي لحظة يهبن جسدهن بكل سخاء لشريكهن الذي اخترنه ويدعن له أن يكتشفهن، للتضاعف اللذة كلما ضغط بأطراف أصابعه أو شفتيه أو تسقط نظراته على نقطة حساسة من جسدها" ص29، بهذا الكلام يؤكد "سعيد عبد الله" رؤيته عن المرأة ففيها من الغموض ما يجعلها أشبه بقارة كبيرة، بحاجة إلى مزيد من البحث لاكتشاف ما فيهن، وما يمنحنه من لذة وفرح للرجل.
ويكمل قوله كخبير في العلاقات الجنسية عن المرأة: "أثارتني هذه الأفكار كنت كمن يضطر لمعاشرة امرأة بشعة بينما الكون يغص بالجميلات" ص49، الراوي يؤكد معرفته بالعديد من النساء من خلال هذا الكلام، فعلاقته لم تقتصر على واحدة فقط، بل هناك العديد منهن، من هنا وجدناه يتكلم بهذا الكلام الذي ينم عن الخبرة والمعرفة بجنس النساء.
ويحدثنا عن تفاصيل جسد المرأة، بالمعرفة تقتصر على المختصين بعلم المرأة فقط: : "عندما تخلع راقصة محترفة، ثيابها قطة قطة، لا تكشف عن جمالها وتبرز مفاتنها وتشد أنظار معجبيها فقط، بل تجعل كل جزء من جسدها منفصلا ويعاش لذاته" ص91، أفكار تبين حجم القدرة على تحليل مفاتن المرأة، فهي تمتلك في كل جزء من جسدها عناصر الإثارة والإغواء، والراوي يدعو إلى التوغل بهذا العالم لنكشف ما فيه من عوالم مجهولة، فهي عالم يستحق الاكتشاف.
وعندما يقابل "عبلة" من خلف الزجاج السميك، المانع لملامسة الجسد، نجده يتجاوز هذا الجدار الزجاجي بهذا الشكل، "حتى الزجاج الشفاف الذي يفصل بيننا لم يتمكن من حجب رائحة عبقها التي استيقظت بداخلي دفعة واحدة" ص128، تأكيد على ما تثيره المرأة من غريزة في الرجل، فلا يمكن لأي حواجز أن تحجبها، فهي كالهواء/كالشمس لا يمكن لأحد أن يحجب نورها شعاعها.
مسألة تقمص الرجل لحالة المرأة يشير إلى ذلك التأثير الذي تركته فيه، ويؤكد على حالة التوحد/الجمع التي حدثت وستحدث بينهما، فحالة التقمص تؤكد حضور المرأة في العقل الباطن، أي أنها تحتل أهمية خاصة واستثنائية لا يمكنه التخلي/التخلص منها، فهي شيء حيوي وضروري وأساسي بالنسبة له، "لقد كنت مثل امرأة تضطر لأن تجهض جنينها الميت في رحمها، لتبقى حتى بعد أن تقذفه من أحشائها تشعر بنبضه وتحس بوجوده بداخلها" ص162، ليس من السهل استخدام هذا التعبير على رجل، فهو لم يمر بمثل هذا الوضع، ولم يسبق لأي رجل أن مر به، لكن علاقة الراوي بالمرأة وتوحده معها حتى أصبحا جسدا واحدا ورواحا واحدة، جعله قادرا على هذا التشبيه..
"كنت كأي فتاه اغتصبت بوحشية وبعد أن انتهكوا جسدها ألقوا بها دون رحمة على قارعة الطريق المظلم الأصم، كنت مستباحا ومهانا وحزينا" ص165، هنا أيضا يتم تقمص حالة الأنثى في وضع مزري وصعب، وهذا يمثل تعاطف الراوي مع المرأة، وكأنه من خلال هذين التقمصين يريدنا أن نتعاطف معها، فهي بوضعها السابق، إن كانت في حالة الإجهاض أو في حالة الاغتصاب تمثل حالة إنسانية توجب علينا التعاطف معها.

الرمز

رغم أن الرواية واقعية وتتحدث عن تجربة حقيقية، عاشها "عصمت منصور"، إلا أنه استطاع أن يستخدم الرمز بشكل جيد، مما أطفى على الرواية لمسة جمالية تتجاوز الطرح المباشر، فعندما يمر من جانب "أبو شمس" نجده يقوم، "أحنيت رأسي باحترام وحزن" ص167، رغم أن الراوي حدثنا عن هذا الرجل بواقعة إلا أنه هنا أخذ بعدا رمزيا، حتى أن استخدم أسم "أبو شمس" فيه من الرمزية ما يكسر واقعية الرواية.
وبعد أن ينهي فترة السجن الانفرادي نجده يعبر عن هذه الحالة بوصف غارق في الرمزية، "كنت أرفع رأسي صوب السماء وأحدق في الأفق البعيد، أبحث عن الشمس بين الغيوم السوداء المنثورة كريش عائم على سطح الماء، وأبتسم وأنا واثق أنها هناك وإن لم أرها" ص168، بهذا الشكل كانت الرواية قد تخطت الواقعية المطلقة واطفت عليها لمسة جمالية، بحيث لم تعد أسيرة لتجربة اعتقال، بل باعثة أمل وحاملة دعوة للحياة.

السارد

الراوي في الرواية كان "سعيد عبد الله" لكن "عصمت منصور" استطاع أيضا أن يتحرر من هذا الثقل الذي يمثله الأسير من خلال إعطاء "عبلة" حيز من رواية الأحداث كما هو الحال في الصفحات 132 -134، ورغم أنها قليلة إذا ما قارناها بما رواه "سعيد عبد الله" إلا أنها تمثل أيضا تكسيرا وتجاوزا للواقعية الرواية، وكان يمكن للكاتب أن يجعل "عبلة" أكثر فاعلية وحيوية في الرواية لو منحها مزيدا من الحديث، وأراح بطله "سعيد عبد الله قليلا.
الإسرائيلي

العديد من الكتاب الفلسطينيين عندما يتحدثون عن الإسرائيلي يتكلمون بواقعية، بمعنى عدم اعتمادهم على أفكار مسبقة، أو ايدولوجيا خاصة، بل من خلال العلاقة المباشرة به، من هنا نجد أحيانا يكون هذا التناول يعطي الوجه السلبي للإسرائيلي، وأحيانا الجانب الإيجابي، وهذا التوجه عند الكتاب الفلسطينيين يؤكد موضوعيتهم وواقعيتهم وابتعادهم عند الأفكار والصور الجاهزة عن الآخر.
"عصمت منصور" كان من الموضوعيين في تناوله للإسرائيلي، حيث قدمه لنا بصورة إيجابية، فقال على لسان أحد الإسرائيليين: "أنه يقدر من يحارب لأجل هدف كبير وفكرة" ص62، فالراوي تعمد أن يكون صادقا في تناوله للإسرائيلي بصرف النظر إن كان هذا ينسجم مع الطرح العام الفلسطيني أم لا، فهو نقل لنا الصورة التي تعامل معها بكل تجرد وبعيدا عن أي تحامل أو أفكار مسبقة عن للإسرائيلي.
فنجد فيما قاله هذا الإسرائيلي المحكوم أحكاما عالية، بقناعته بعدالة النضال والوطني الفلسطيني، وهو يثمن هذا النضال الذي يحمل أفكارا كبيرة وطموحا وطنيا، على النقيض منه هو الذي سجن على قضايا أخلاقية أو جنائية.

نذكر بأن الرواية من منشورات وزارة الثقافة الفلسطينية، سلسلة أدب السجون، الطبعة الأولى 2011.


























كتب "وليد الهودلي" أربع روايات عن السجن، "ستائر العتمة، وكان يمكنه أن يكتفي بها، لأن ما بعدها جاء نسخ/تكرار لها، فالكاتب لم يضيف ما هو جديد في الروايات التي تكتبها، "ستائر العتمة ج2، أمهات في مقابر الأحياء، الشعاع القادم من الجنوب" ويبدو بأن الكاتب وجد روايته الأولى قد وجدت لها حضورا عند المتلقين فعمل على استنساخها بعناوين أخرى.
من اشكال الاستنساخ/التكرار إلغاء التنظيمات الأخرى من الحضور في الروايات الأربعة، استخدام ثقافة دينية من خلال القرآن الكريم والاحاديث النبوية من قبل كافة الشخصيات، المعتقل/البطل، المحقق، السجناء الأمنيين، وايضا عندما يتحدث عن المجتمع، نجده مجتمع مؤمن يمارس الطقوس الدينية بكل ما فيها.
ولهذا عندما تحدثنا عن العمل الأول "ستائر العتمة" قلنا عنه بأنه عمل روائي مميز، وهو فعلا مميز، فنكاد لا نجدر أي رواية فلسطينية ولا حتى عربية تتحدث عن المعتقلات من منظور ديني إسلامي، فهو العمل الأول الذي وضع مكانية للرواية الإسلامية عن السجون، وهنا نحدد عمل روائي وليس نصوص أو شعر أو سيرة أو مذكرات.
لكن بعد اطلاعنا على بقية الروايات تفاجأنا سلبيا، لتكرار الفكرة واللغة والمشاهد واللغة الواحد التي يستخدمها شخوص الرواية، ومن باب الأمانة الأدبية ارتأينا أن نقدم ما كتبناه عن تلك الأربع روايات كما جاء ـ في وقت التعقيب عليها، دون أي تغيرات.
الإيمان والصمود في رواية







"ستائر العتمة"
وليد الهودلي
هناك العديد من الأعمال الأدبية الفلسطينية التي تحدثت عن الاعتقال في السجون الاحتلال، لكن القليل منها أخذ صفة الرواية، ويعود ذلك إلى أن الكتابة الروائية بحاجة إلى قدرات خاصة متعلقة بفن كتابة الروائية، "فستائر العتمة" احد هذه الاستثناءات القليلة التي تتحدث عن تجربة الاعتقال بشكل روائي، وإذا أضفنا إليها رواية عائشة عودة "أحلم بالحرية" نكون أمام تجربتين في الرواية، الأولى تتحدث عن تجربة رجل بعد اتفاق أوسلو، والثانية كانت قبل الاتفاق، الأولى امتازت بالحديث عن التعذيب النفسي ودور المخبرين "والعصافير" في تحصيل الاعترافات، والثانية تحدثت عن دور البطش والتعذيب الجسدي غير الإنساني في انتزاع الاعتراف ومن امرأة، في العملين تكون نهايتهما صمود المعتقل والانتصار على الجلاد، وهذا يختلف مع العديد من الأعمال الروائية العربية التي تحدثت عن الاعتقال، حيث كانت حالة الانهزام هي سيدة الموقف في تلك الأعمال، كما هو الحال في رواية "شرق المتوسط" عبد الرحمن منيف، و"الوشم" لعبد الرحمن مجيد الربيعي، ورواية "الهؤلاء" لمجيد طوبيا، ورواية "صورة الروائي" لفؤاد حداد، فالعديد من الروايات العربية قدمت المعتقل كمهزوم أمام بطش النظام الرسمي العربي، لكن في الأعمال الرواية الفلسطينية تحديد، قدم لنا المعتقل بصورة الصامد، الذي لا يأخذ منه حق ولا باطل، فكانت رواية "المحاصرون" لفيصل الحوراني تعد احد أهم الأعمال الروائية الفلسطينية التي قدمت جانب صمود المعتقل أمام بطش النظام الرسمي العربي، فهي تمثل الصورة المشرقة لفدائيين الذين أسسوا بداية العمل الثوري الحقيقي، إن كان ضد الاحتلال أم ضد النظام الرسمي العربي.
يقدم لنا "وليد الهودلي" طرق التحقيق الحديثة التي يتبعها الاحتلال، إذ يرسم لنا بصورة واقعية أشكال وأساليب التحقيق المستخدمة من قبل الاحتلال، فالرواية تمثل دروسا في كيفية مواجهة المحقق والانتصار عليه، وتتوازى مع كتاب "فلسفة المواجهة" الذي يعد مرجعا أساسيا لكل المناضلين، من هنا كان الراوي غارق في الواقعية، حيث ركز كل مجهوده وهدفه على أن يكون هذا العمل يستفاد منه لكل من يفكر في مواجهة المحتل.
هذا العمل الروائي الوحيد الزاخر بفكرة الإيمان الديني ودوره في تحقيق الصمود، وتجاوز فترة تحقيق استمرت لمدة تسعون يوما كاملا، فكان "عامر" في كل مرحلة من مراحل التحقيق يستحضر آيات من القرآن الكريم، أو من الثقافة الدينية مدعما ذلك بتجربة الاعتقال السابقة لكي يتجاوز الحالة التي يمر بها، وفعلا نجح في تجاوز كل مراحل التحقيق حتى بعد أن تم العودة إلى أساليب التعذيب القديمة وما فيها من بطش وشراسة
دوافع النضال
بداية التقدم للعمل الفدائي كانت بشكل ردة فعل على ما يقوم به جيش الاحتلال من أعمال تنكيل بحق الشعب الفلسطيني، فيحدثنا "عامر" عن تلك المشاعر التي مر بها قائلاً: "أصبح القتل والإجرام يمارس كل يوم.. أرواح الشهداء تصعد، دماء الجرحى تسيل.. الدمار وإهلاك الحرث والنسل .. باختصار شديد، لم يعد الصمت محتملا.. كان لا بد من التشمير عن ساعد الجد" ص11، إذن كانت أعمال الاحتلال الوحشية اتجاه الفلسطينيين هي الدافع والمحرك عند "عامر" للقيام بعمل ما، يرد فيه على جرائم جيش الاحتلال.
وهذه المقدمة تجيء كتعليل، كتوضيح، كتبرير، كدفاع عن النفس، وليس بدافع القتل أو إلحاق الأذى بالآخرين، من هنا يحدثنا الراوي الرئيسي "عامر" عن هذا الأمر موضحا لنا بان الظروف هي من تدفع الإنسان إلى
فعل أشياء صعبة وقاسية وليست من طبيعته.
هواجس المعتقل
لا بد أن تكون بداية أي مرحلة اعتقال تحمل بين ثناياها العديد من الهواجس، فالمتعقل يبقى إنسان، ورغم أن معتقلنا يحمل تجربة سابقة، إلا أن الاعتقال يبقى يشكل تجربة لا يحب أحدا أن تعاد بالمطلق، لما فيها من ضغط نفسي وجسدي، من هنا كانت هناك هواجس عديدة تمر بذهن "عامر" تدفع به في غياهب المجهول، "... كيف سيصلون إلى الاعتراف دون أن يرونا نجوم الظهر والعصر.. هل بإقعادي في الزلزلة يتصورون أن أنبس لهم ببنت شفة... يا لهم من أغبياء" ص12، بهذه الأفكار يحدثنا بطل الرواية، فتبقى المشاعر الإنسانية حاضرة فيه ولا يمكنه أن يكون ذلك البطل الخارق الذي لا يفكر بالمخاطر التي تنتظره.
فيقول عن الفرق بين الحرية والمعتقل ".. يأتون بك من بعيد، حيث فضاء الحرية الواسع، ويحشرونك بين جداران ضاغطة وخانقة" ص12، بهذا الكلام يحسم "عامر" الفرق بين الحرية والمعتقل، فالفرق شاسع بين الحالتين، وبالتأكيد لا احد يريد أن يكون في الحالة الثانية، لما فيها من تأثيرات سلبية على الإنسان.
ظاهرة الإيمان والتدين
كما قلنا سابقا تعد هذه الرواية من الأعمال الروائية القليلة التي قدمت الجانب الديني بصورة ايجابية وكعامل أساسي لصمود بطلها، وهي تؤكد على أن الدين والإيمان هو عامل ايجابي عندما يكون المعتقل مسلحا به، فأول عامل قام به "عامر" الدخول في الصلاة لما لها من تأثير نفسي ايجابي على من يقوم بها، "قم إلى الصلاة يا عامر، أرح نفسك في رحاب الله" ص15، وعندما يشتد الضغط النفسي عليه من قبل المحققين الذي يتناوبون على فريستهم، يكون الإيمان أيضا إحدى الوسائل الرئيسة للخروج من هذا المأزق، "... حسنا عندي فكرة رائعة، سأغرق قلبي وروحي بذكر الله... لا إله إلا الله.. ما في القلب إلا الله.. حسبنا الله ونعم الوكيل" ص42، في كافة مراحل التحقيق كان الإيمان والتدين حاضرا وبقوة، وكأن الراوي يقول لنا بأن الصمود والإيمان يقترنان معا، ولا يمكن لتحقيق الأول دون وجود الثاني.
من هنا وضمن هذا التدين والإيمان استخدم المحقق أيضا الفكر الديني ومفهوم الإيمان كعامل هجوم على المعتقل لإضعافه ومن ثم سحب الاعتراف منه، فنجد المحتل رغم ثقافته الدينية اليهودية يتحدث بمنطلق الفكر الديني الإسلامي وكأنه ابن هذا الدين وليس من أتباع اليهودية، "ـ صباح الخير سيد عامر.. أعرفك على نفسي "كابتن شلومو" .. بداية هل صليت الفجر؟
ـ ما رأيك أن نبدأ يومنا ببركات الصلاة..
ـ أريد الوضوء
ـ تفضل" ص50، بهذا المدخل السمح الذي يظهر الإيمان والاهتمام بالبالغ بالقيام بتعاليم الدين يتقدم "شلومو" من "عامر" وكأنه بكلامه هذا يتقرب نفسيا وعاطفيا من عدوه، فيريد أن يطمئن المعتقل وأن يكسب عاطفته لكي يوقع به في المصيدة.
فنجد الخطاب الديني حاضرا عن المحقق عندما يستدعي زوجة "عامر" كوسيلة ضغط عليه لكي يعترف، فنجده يستخدم هذه اللغة، "ـ أتدري ماذا سنفعل معك إن لم تقولي ما عندك؟ أتنسين انك بنت وقد أصبحت بين أيدينا ..؟ أن نفعل ما نشاء، نحن نذكرك فقط..(والذكرى تنفع المؤمنين) ص 81، إذن المحقق لا يتوانى عن استخدام أي لغة وأي ثقافة وأي خطاب في سبيل الوصول إلى الاعترافات، حتى لو كانت ثقافة تتناقض مع ثقافته تماما.
لكن بعد أن يتم تجاوز هذه المرحلة بنجاح، نجد المحقق يتحدث بهذه الروح: "المطلوب الآن، أن تخلص روحك من هذا العذاب، وروح اعز الناس على قلبك.. يا رجل (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة)، أليست هذه من دينكم" ص85، إذن الثقافة الدينية حاضرة ومستخدمة من قبل المحقق، فهو على استعداد للحديث بأي لغة وأي ثقافة في سبيل تحيق هدفه، نزع الاعتراف.
ويعود "شلومو" إلى ذات اللغة التي يفهمها "عامر" لكي يجعله يخطو الخطوة الأولى نحو الهاوية، فيقول له محاولا إقناعه باستخدام جهاز كشف الكذب: "ـ إنها مبادرة شخصية مني ..(قال بلى ولكن ليطمئن قلبي) أليست هذه من القرآن؟" ص97، من يستمع إلى المحقق يفتكره من المؤمنين بالقرآن، فهو يستخدم لغة وثقافة عدوه لكي يشعره بالاطمئنان أولا ثم يدفعه نحو الاعتراف، فلغة الخطاب مهمة لإضعاف الخصم.
وعندما تبدأ أساليب التعذيب الجسدي "لعامر" نجده يستحضر موقف بلال بن رباح كمثل يستفاد منه ويعزز حالة الصمود في وجه الجلاد، "...وكان يصرخ أحيانا من الألم الشديد.. بمقولة بلال الخالدة: أحد، أحد" ص139، بمثل هذه الثقافة استطاع "عامر" أن تجاوز كافة مراحل التحقيق وان ينتصر على المحققين، رغم ما يملكونه من خبرة في مجال التحقيق وانتزاع الاعترافات.
القرآن الكريم
هناك العديد من الآيات القرآنية جاءت في الرواية، ونكاد لا نجد ثلاث صفحات بدون وجود آية قرآنية أو ثقافة دينية، فمفهوم الدين الإسلامي كان حاضراً عند الراوي، فالثقافة الدينية وعملية الصمود تشكلان أهم العناصر التي تناولتها الرواية.
فكان "عامر" يمثل رجل الدين والمناضل في ذات الوقت، من هنا كانت الآيات القرآنية تتدفق في كافة مراحل الاعتقال وبكثافة، "إذ يغشاكم النعاس منة منه" ص56، "جئتك من سبأ بنبأ عظيم" ص57، "إذا جاءكم فاسقا بنبأ فتبينوا" ص59، "إن تحمل عليه يلهث، وإن تتركه يلهث" ص60، الشواهد القرآنية عديد كما قلنا وهذا يعطي الرواية صفة "رواية إسلامية" إن اعتبرنا بان هناك أعمال رواية إسلامية.
الحيوانات
غالبا ما تأخذ صورة الحيوانات الصورة السلبية، فالعديد من الأعمال الأدبية عندما تذكر الحيوانات تكون حالة البطل أو الراوي في غاية السوء، وهو يستخدمها كتعبير عن اشمئزازه وحنقه على الواقع، واعتقد بان رواية "حين تركنا الجسر" عبد الرحمن منيف الذي جعل "زكي النداوي" يصب لجام غضبه على كلبه "وردان" ورواية "مفتاح الباب المخلوع" لراشد عيسى، تمثلان أهم نموذج لهذه الظاهرة.
"وليد الهودلي" يؤكد هذا الأمر فالحيوانات تأخذ الصورة السلبية، فيصف لنا المحقق بهذا الوصف: "اقسم أن سم هذه الأفعى الملساء أسوء من تلك الأفعى الرقطاء" ص94، فهنا اخذ المحقق صورة الأفعى والتي تمثل العدو والقاتل في ثقافة كافة الشعوب وينسبها للجلاد، وكأنه يختزلها في شخص المحقق، "فعامر" في هذا التشبيه يريد أن يعطي الصورة السلبية المطلقة لجلاده، فاستخدم صورة الأفعى.
ويشبه المحقق الذي استخدم أسلوب العنف بهذا الوصف، "ثم تجد هذا القرد يتعب من كثرة الهز فيتوقف لاهثا" ص138، صورة ساخرة للمحقق وأيضا تحقيرا له، فالقرد يجسد صورة المسخ وأيضا يحمل معنى التحقير.
وعندما يتكالب على "عامر" مجموعة من الجلادين يصفهم: "خمسة أحاطوه، وتناوشوه كما تتناوش الضباع فريستها" ص139، نجد الراوي استخدم ذكر الحيوانات بشكل ملفت للنظر عندما بدأ التعذيب الجسدي، وكأنه بدأ يشعر ـ في العقل الباطن ـ بما يعانيه بطل الرواية "عامر" فانعكس ذلك عليه من خلال هذا الاستخدام للحيوانات كتعبير عن حنقه على هؤلاء المتوحشين.
استحضار التاريخ والمعاصر
أثناء الصراع لا بد من استحضار كل العوامل المساعدة على تحقيق النصر، من هنا تم استحضار التاريخ العربي الإسلامي الزاخر بالعديد من المواقف التي يمكنها أن تكون عوامل صمود، فأثناء التحقيق المستمر الذي قام به أربعة من المحققين، "داني وبنيامين وشلومو وإيلان" كان لا بد "لعامر" أن يستحضر مواقف من التاريخ ليدعم فكرته عن هؤلاء المحققين فيقول عنهم: "وكان أحيانا يراهم بوجوههم التي اخذ فيها الحقد مواقعه، وكأنهم زعماء بني قريظة والنضير وقينقاع، عندما كانوا يجتمعون للتآمر على الدعوة الإسلامية" ص71، هذا الاستحضار كان يقدم دعما فكريا ومعنويا "لعامر" لكي يتجاوز هذا الهجوم المتواصل والمكثف من قبلهم.
وأيضا نجده يستحضر فكرة القرآن الكريم عن اليهود الذي اعتدوا في السبت، من خلال نصب شباك صيد السمك يوم السبت وإخراجه من الماء يوم الأحد، وهذا الأمر تم التفكير به مليا عندما قابل "عامر" رفيقه في العملية "إبراهيم" فأراد الاطمئنان عليه لكنه خشية أن تكون هناك أجهزة مراقبة "تذكر قصة تحايلهم على صيد الحيتان يوم السبت، وتذكر حملات الاعتقال التي كانوا يستغلون فيها يوم السبت" ص87، إذن كان التاريخ يخدم "عامر" في صموده وتجاوز ما يعانيه من تعذيب.
الصور الفنية
رغم موضوع الرواية الصعب، الاعتقال والتعذيب، إلا أن الكاتب استطاع تجاوز هذا الموضوع المؤلم له ولنا، وقدم لنا صوراً أدبية تستحق التأمل والتوقف عندها، فمن هذه الصور تذكر "عامر" لطبيعة فلسطين الخلابة لكي يريح نفسه بعض الشيء مما سببه له المعتقل من ألم، "تذكر يا عامر عندما كنا نخرج إلى الجبال المجاورة، تداعب وجوهنا نسائم الهواء الطلق، نمتع أبصارنا بالجبال، ذات الحلل الزيتونية الخضراء.. تتهادى بين أغصانها شلالات الشمس الذهبية، تعانقها بعشق أبدي" ص64 و65، بهذه الوصف للطبيعة كان "عامر" يريح نفسه ويخرجها من المعتقل، وهو أيضا أراحنا نحن المتلقين لهذا المشهد، فمثل هذا التصوير لا بد أن يترك فينا أثرا ايجابيا، ويجعنا نستمع بمثل هذا المشهد الخلاب.
قدرات التصوير الفنية لم تقتصر على الطبيعة وحسب، بل أن الكاتب قدم لنا صورا للمعتقل لكي نشعر بحجم الجحيم الذي يعيشه "عامر"، "وراء تلك الجدران الصماء، يلوثون كل شيء، يسمع المرء ويرى كل ما هو قبيح، جدران كقطيع العذاب لا تفقه إلا جملة واحدة، خنق أنفاس البشر، الشمس تفيض يدفئها، وتجود بضوئها على الكائنات، ما عدا تلك البقع الصغيرة التي بنوها لتعذيب بني الإنسان" ص 98، بهذا الصور المتناقضة بين الشمس وما تحمل من ضياء ومعنى للحرية والفضاء المفتوح، وبشاعة المعتقل بجدرانه وظلامه ورطوبته، يجعنا الكاتب نتعرف على المفارقة بين الإنسان في الطبيعة وبين الإنسان في المعتقل، فالفرق هائل بين الحالتين، هناك عالمين متناقضين لا يلتقيان مطلقا.
أما وصف حالة المعتقل وما يعانيه من عذاب فكان من خلال هذا المشهد المؤلم، "ظهرك إلى الأمام، مع تقيد يديك إلى الخلف.. انه عذاب بطيء، يسافر بك سفرا شاقا، لساعات طوال تغيب فيها شمس إنسانية الإنسان، تنكشف، وتغرق في بحر لجي من الظلمات، تهاجمك أشباح الظلام، وخفافيش هذا الليل الطويل من كل جانب" ص140، اجزم بان مثل هذا الوصف للمعتقل يجعلنا نرفضه بكل عزيمة حتى لو كان يمارس ضد أكثر الناس إجراما على وجه الأرض، فهو وصف يجعلنا نقف بوجه كل من يستخدم التعذيب، فبما بالنا أن كان هذا الأمر يمارس ضد بني جلدتنا.!
قبل الانتهاء من "ستائر العتمة" نقول بان هناك انسجام واضح بين العنوان والنص الروائي، فكان العنوان يوحي لنا بان المضمون سيكون عن ظلام المعتقلات، وهنا كان الكاتب موفق في تسميه الراوية، كما نجد صورة الغلاف تخدم مضمون النص، حيث هناك وجه رجل بذقن وأمامه قضبان حديدية.
الرواية من منشورات "المؤسسة الفلسطينية للإرشاد القومي" رام الله، فلسطين، طبعة أولى 2003



"ستائر العتمة" الجزء الثاني
وليد الهولي
يتحدث الكاتب في هذه الرواية عن شخصية فلسطينية يتم اعتقالها ادريا، وهذا الشكل من الاعتقال يلجئ إليه الاحتلال عندما لا يكون هناك تهمة واضحة على المعتقل، فيتم حبسه احترازيا تحت تسمية "اعتقال ادري" ويمكن أن يستمر هذا الاعتقال لمدة تزيد عن الست سنوات دون محاكمة، أو توجيه أي تهمة، وهي من أقذر أنواع الاعتقال، حيث يكون المعتقل في ظروف نفسية صعب، من خلال عملية تجديد/تمديد الاعتقال كل ثلاثة أو أربعة أو ستة أشهر، فعندما يكون المعتقل هيئ نفسه للإفراج، يصدمه قرار الحاكم العسكري الذي يعيده إلى نقطة الصفر من جديد، فيعاد إلى المعتقل لمدة جديدة، وهنا يكون العبء النفسي كبير واشق على المعتقل الداري من المعتقل المحكوم، فالأول لا يدري كم سيلبث في المعتقل، الذي يجدد كل فترة، أما الثاني فهو يعرف كم سيلبث لأنه حوكم وصدر بحقه الحكم.
في هذا الجزء يحدثنا "وليد الهودلي" عن شخصية "سعيد" الذي يتعرض للاعتقال، وكيف استطاع الصمود والانتصار على المحققين فمن خلال الثقافة الدينية التي يتمتع بها، كان يستحضر ما فيها من أفكار وشواهد تساعده على الثبات والصمود، من خلال منحه مقدرة على التكيف وتجاوز مرحلة التحقيق، من هنا نجد حضور قوي وكثيف للآيات القرآنية كما هو الحال في الجزء الأول من الرواية.
في هذا الجزء يتجنب الراوي إدخال شخصيات إضافية، وإذا ما استثنينا شخصية "عماد" و"سميح" اللتين لم يتجاوز الحديث عنهما أكثر من عشر صفحات، يكون "سعيد" هو البطل الوحيد في الرواية، فهو يهيمن على أحداثها من خلال سرده للعديد من فصولها، أو من خلال الراوي الذي لم يترك أي جانب في شخصية "سعيد" إلا وتناوله، حتى أن هناك جزء كبير من الرواية يحدثنا عن المنولوج الداخلي لشخصية "سعيد" وهذا الأمر يشير إلى أن هناك انعكاسات واقعية عاشها الكاتب/الراوي من خلال تعرضه للاعتقال لأكثر من مرة، من هنا كان ناجحا في توصيف حالة بطله "سعيد" فقد تناول العديد من الأفكار والهواجس التي يمر بها المعتقل.
إنسانية المعتقل
سنحاول إضاءة ما جاء في "ستائر العتمة ج2" محاولين الاختصار وذلك لتماثل موضوع الاعتقال في الجزء الأول والثاني، ونبدأ بالحديث عن إنسانية المعتقل، فهو إنسان له حقوق ويمتلك إحساس مرهف، فالراوي من خلال الإنسانية المعتقل، يردنا أن نشعر بما يعانيه، رغم إعجابنا بما يقوم به وما يحققه من صمود وانتصار، فهو ليس بالبطل (السوبر) الحديدي، بل إنسان، وهنا تكمن أهمية الحديث عن الإنسانية للمعتقلين الفلسطينيين، فعندما قام المحقق بتكبيل يديه خلف ظهره وجره أصابه هذا الشعور: "كان سعيد يتقطع ألما، وكأن نصالا تدق روحه عندما يرى نفسه بهذا الحال الذي يجر فيه كما تجر الدابة وتساق نحو المسلخ" ص47، فهنا أرد الراوي أن يؤكد أننا أمام إنسان يحمل مشاعر مرهفة، وأيضا أرد أن يعري المحتل وما يقوم به من معاملة غير لائقة بحق البشر وغير مقبولة حتى بالحيوان|
الحيوانات
العديد من الكتاب يتجهون نحو ذكر الحيوانات كتعبير عن حنقهم على الواقع الذي يعيشونه، فهي تساعد الراوي على توضيح وتعميق الفكرة التي يرد طرحها، وأيضا تعطي المتلقي شيئا من الرمزية التي يمكنه ربطها بالحدث أو بالشخصيات. فعندما قام جيش الاحتلال باصطحاب "سعيد" لأحد المباني للقيام بحملة مداهمة واعتقالات، لكي يوهموه بأنهم قد اكتشفوا مركز للمعلومات حساس، وصفهم بهذا الوصف "بعد ساعة من هذا السير لخفافيش الليل، توقفوا فجأة" ص95، فهنا رغم واقعية الحدث، حيث يقوم جيش الاحتلال بعمليات الاعتقال في الليل تحديد، إلا أن ذكر "خفافيش الليل" جاء ليخدم الصورة التي أرادها الراوي وأيضا اطفى لمسة فنية على وصف الحدث|
ويقدم لنا الراوي تفاصيل شخصية المحققين قائلا: "... المحقق الوسط بين اللين والعنف، خاض معه جولات طويلة من قبل، هذه المرة يجلس بين شابين يصوبان عيونهما الأربعة كطيور جارحة دون أن ترمش" ص117، فهنا أرد الراوي أن يعمق من تأثير المشهد على المتلقي فجعل المعتقل/الضحية طريدة تهاجم من قبل المحقق/طيور جارحة، فنجد تماثل بين واقع الحدث ـ المحقق والمعتقل ـ وبين الصورة التي رسمها لهم.
وعندما يقع المحقق في خطأ فاحا وذلك عندما يقوم "سعيد" بحديثه عن قيادات التنظيم المبهمة للمحقق فيصف هذه الخطوة بهذا الشكل، "رأى خصمه قد حرك حمارا، بدل حصان على رقعة الشطرنج، فرأى بأنه لا بد من تحريك فيل يهرس تحت قدميه هذا الحمار" ص119، بهذا التشبيه يخدم الراوي النص ويجعل تأثير الحدث اكبر في القارئ، وأيضا يجعله أكثر قبولا ويطفي عليه جمالية
المحقق
بصورة عامة الرواية تبين لنا طريقة التعامل غير الإنسانية التي يتعامل بها الاحتلال مع الفلسطينيين، فهناك أكثر من مشهد تحدث عن الألم والوجع الذي يسببه المحتل للمعتقل، ولكي لا نكرر ما قلناه في الجزء الأول سنكتفي بهذا المشهد، " قطعوا عليه برنامجه اللذيذ، اهتز الباب وماج، ليسفر عن وجوه كالحة تأمره بالنهوض، ثم تلقي عليه ظلامهم، سحبوه من دهليز لآخر" ص113، فهنا التعامل ليس مع إنسان، حيث عملية السحب تشير إلى شيء جامد أو حيوان، فالذي يجر بالتأكيد لن يكون إنسانا.
والنقلة النوعية التي تناول بها الراوي المحقق الاسرائيلي عندما تحدث عنه بعد انتصاره، فنجد ضابط التحقيق يعترف بهزيمته وبانتصار "سعيد" عليه
وعلى فريقه فيقول:
ـ إنه يزن كلماته بميزان من ذهب، لم نستفد من هذا اللقاء من أية كلمة، إنه سعيد في ضيافتنا، في فندق خمس نجوم
أخرجوه فورا وأعيدوه للسجن، انتهت مباراتنا معه، ويسعدني أن أعلن هزيمة فريقنا" ص133، اعتقد بان هذا الكلام لا يشير إلى نزاهة المحقق، بقدر الإشارة إلى انتصار "سعيد" على جلاديه، فرغم وجود (صدق) وحقيقة في كلام الضابط إلا أن الراوي لم يرد بالمطلق أن يكون هناك أي صورة أو إشارة تتحدث عن ايجابية لهذا المحتل، لكن السياق العالم للحدث جعل نقل ما قاله المحقق يخدم فكرة الانتصار التي أرادها الراوي.
الثقافة الدينية
"وليد الهودلي" يحمل ثقافة دينية، واعتقد بأنه من المتميزين بهذا الأمر، فنكاد لا نجد كاتب روائي فلسطيني يتحدث بهذه الروح وهذا الوضوح بالمسألة الدينية، فنجد العديد من الآيات القرآنية في النص، بحيث نكاد لا نجد صفحة بدونها، هذا عدا استحضار تجربة بلال بن رباح في أكثر من موقع في الرواية، "وجد نفسه يردد كلمة بلال الخالدة بعمق فريد لم يصل إليه قلبه من قبل: أحد. أحد. يا لها من كلمة جميلة" ص54، ويعد تكرارها في الصفحة 84 وأيضا في الصفحة 131، استحضار حالة بلال وما تعرض له من تعذيب في الجزء الأول والثاني وأيضا في المجموعة القصصية يشير إلى رسوخ وقناعة لدى الكاتب بأهمية التاريخ والاستفادة من تجارب السلف التي تعمق ربط الإنسان بماضيه وبعقيدته، فهنا تكون عملية الصمود ليست منعزلة عما فعله السابقون، بل هي جزء من تلك التجارب وأيضا مكملة لها، وهنا يكون التواصل والتكامل بين الماضي ـ التاريخ ـ والحاضر.
حكمة
يختزل الكاتب فكرة انتصاره على محتليه بهذه العبارة: "أغلب المشاكل لا تستطيع حلها إلا إذا خرجت منها ونظرت لها من الخارج" ص86، هذه فلسفة الصمود وكيفية مواجهة المحن والشدائد التي نمر بها، فعدم نجاح "عماد" في إيجاد الخطوط الأربعة الرابطة بين النقاط التسع كان نتيجة وضع تفكيره في النقاط فقط، وهذا الأمر ينطبق على كل المشاكل التي يتعرض لها الإنسان.
الصور الفنية
لا شك أن وجود صور فنية في عمل روائي يطرح قضية مؤلمة مثل الاعتقال يعد إبداعا، من هذه الإبداعات يقدم لنا الراوي هذا التصوير "وضاق عليهم أن يمد بصره في فيافي هذه الصحراء المديدة، فلعله يفسد هواءها بنظراته الإرهابية" ص9، يتمثل الإبداع في التصوير السابق من خلال ربط ما يقوم به الاحتلال بالطبيعة الصحراوية الشاسعة، فهي صحراء وتحمل معنى الجدب والقحط وصعوبة الحياة فيها، فجعل المحتل يحرم هذا المعتقل من مشاهدتها ـ رغم عدم جماليتها ـ خوفا من تلوثها بنظره يعد جرما إضافيا، ويشير/ينم عن قساوة وشراسة الاحتلال مع الفلسطينيين.
ونجد صورة فنية أخرى عندما وصف الوقت والزمن عند المعتقل "... أشكال المحققين وكلماتهم المهينة وصفعاتهم المشينة، أيامها الطوال الثقيلة التي يعدل احدها ألفا مما يعد الناس" ص15، فالزمن من أهم الأمور التي تهم المعتقل، فكل ثانية لها ألمها ووجعها على المعتقل، وأيضا لها أهميتها في انتهاء محنة المعتقل. فهذا التشبه "ألف سنة" يشير إلى حجم الضغط الواقع على الإنسان ورتابة مرور الوقت.
في النهاية نذكر بان الرواية من منشورات مركز بيت المقدس للأدب، رام الله، طبعة ثانية 2009، وتقع في 136 صفحة حجم متوسط، وهي تكاد تكون تكرار لما جاء في الجزء الأول، الذي كان أوسع وأشمل في الأحداث والشخصيات.























إلغاء الآخر في رواية
"أمهات في مقابر الأحياء"
وليد الهودلي
هذا العمل الروائي الرابع الذي يتحدث فيه الكاتب عن الاعتقال في سجون الاحتلال، واعتقد بان العمل الاول "ستائر العتمة" وهذه الرواية "أمهات في مقابر الأحياء" كافة لترسم للمتلقي صورة القمع والبطش الذي يمارس من قبل المحتل، فرواية "ستائر العتمة الجزء ألثاني تكرار/استنساخ للجزء الأول ورواية "الشعاع القادم من الجنوب، كانت ايضا استنساخ ل"ستائر العتمة" كما أن عملية تقمص شخصية المقاتل الجنوبي لم تكن موفقة من الكاتب، حيث لم يستطع أن يحرر شخصية "إسماعيل" في روايته من الثقافة الدينية السنية التي تهيمن على الراوي.
من هنا يمكننا أن نعتبر الرواية الاولى التي تتحدث عن حالة الاعتقال لرجل، وهذه الرواية التي تتحدث عن اعتقال امرأة كافيتان، ويمكننا أن نستوضح منهما كافة الافكار التي يراد طرحها، وأيضا نجد فيهما طريقة وأسلوب ولغة الكاتب، فليس من الجيد أن يتم كم/عدد من الانتاج على حساب النوع، وليس جيد للكاتب أن يكرر نفسه في أعماله الأدبية، لكن اعتقد بان الفكر الديني والخضوع لقرارات التنظيم الحزبي/الحركة الذي يهيمن على الكاتب جعله يعيد ويكرر تجربته في "الستائر الجزء ألثاني والشعاع القادم من الجنوب".
ما يحسب على هذه العمل أن الكاتب يعمل على إلغاء الآخر، والمقصود هنا الاتجاهات السياسية الأخرى، فالمتتبع لكل ما كتبه "وليد الهودلي" يجد عدم ذكر لأي تنظيم آخر باستثناء ذكر للتنظيمات بشكل عام في رواية "الشعاع القادم" وكان على هذا الشكل: ".. وعلى هذا اصبحت التنظيمات لا ترحب بحماس لمن يطرق بابها وكذلك فإنها لا تتمسك طويلا بمن اراد أن يستغني عن خدماتها" ص221، ودون ذلك كان التركيز على الجهة التي يتحدث عنها فقط، علما بأنه تناول في الشعاع والأمهات اتفاق أوسلو وتأثيراته على الأسرى، لكنه لم يذكر أي تنظيم بعينه.
كما إنه لا يذكر بالتسمية حركة "حماس" إلا في الموضع السابق فقط، اعتقد بان هذا ناتج عن الحرص/الهاجس الأمني المهيمن على الكاتب لكن وجود الكم الهائل من الاقتباسات القرآنية واستحضار العديد من الأمثلة الدينية تجعل المتلقي يتأكد بأنه أمام كاتب يتبنى الفكر الديني السني.
من مشاهد هذا الإلغاء حديث الراوية "سهام" عن الدوافع التي جعلتها تنخرط في العمل الفدائي الفلسطيني فتقول: "وكان الاجتياح المدمر الذي نفذه الجيش الاسرائيلي في جنوب اللبناني وحصار بيروت الدامي الذي ترك العاصمة اللبنانية دمارا وخرابا والمجازر التي توجت بمجزرة صبرا وشاتيلا... كل هذه الامور ذقنا مرارتها وتجرعنا علقمها لسنوات طويلة... جاء الوقت لأتحرر من كل هذه الأغلال وأنطلق لتحقيق الذات" ص5، إذن حصار بيروت وما تبعه من مجازر هو الدافع الرئيسي لانخراط "سهام" في العمل الفدائي، فما هو التنظيم الذي وجدته "سهام"؟ وهل كان في ذلك الوقت تنظيم اسلامي فلسطيني مسلح؟ هذه الأسئلة كان من المفترض على الراوية الإجابة عنها، لكنها تنقلنا مباشرة الى عملية التدريب والتي بلا شك كان خارج فلسطين المحتلة، علما بأن مكان التدريب لم يذكر بصراحة من قبل الراوية، لكننا نستشف بأنه في الخارج من خلال قولها: "دربوني على أشياء كثيرة من قيادة السيارة إلى قيادة الصاعق وتركيب العبوة الناسفة وحسن التطريز على المدفع الآلي ... دورة في الوعي الأمني وطرق الاتصال، وطرق الوصول الى السلاح... واحمل الرسائل المشفرة وأوصلها الى اصحابها على اسرع جناح ممكن" ص5و6، فكلنا يعلم عدم وجود مدافع في فلسطين المحتلة، وكل ما فيها لا يتجاوز البندقية ميم16 او كلاشنكوف، وأيضا عندما كانت قيادات العمل الوطني الفلسطيني في الخارج كانت تتم التوجهات العسكرية من خلال رسائل مشفرة، لكن الراوية تعمدت أن تلغي/تشطب هذه التنظيم الذي لم يكن اسلاميا في توجهاته ألفكرية بل كان وطنيا، فوجود فكرة الاسلام الذي يلغي كل ما قبله، "الاسلام يجب ما قبله" كانت حاضره في ذهن الراوية مما جعلها تتجاهل عن قصد او دون قصد هذه المسألة، علما بأنها تعني الكثير للمتلقي، وتوضح له الصورة الواقعية الاحداث.
هذا الإلغاء يتكرر الآن، وقت الحدث الروائي، داخل السجن، فنجد الراوية لا تذكر لنا سوى مشاهد وصورة المرأة المسلمة المؤمنة التي دائما يكون القرآن والذكر والفكر الديني حاضرا لديها، ومن الأمثلة على هذا التوجه، "قلت مهدئة: ـ هوني عليك أم النور.. وجعلنا بعضكم لبعض فتنة
ـ أنا لا اعرف سببا يدعو الى هذه الصورة النكدة من التعامل .. اعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
ـ لا تيأسي استمري في الحوار الهادئ حتى يفتح الله بينكما" ص42، اعتقد بان مثل هذه المثالية ـ إن وجدت ـ تكون محدودة لكن تعميمها في الرواية وجعلها النمط الوحيد السائد، يمثل صورة غير الواقعية للحدث، وإنما يهدف من ورائها الدعوة الفكرية أكثر منه تقديم حدث موضوعي.
ونجد الاقارب والأهل في الخارج أيضا يقدمون بصورة ناصعة وكأنهم ملائكة يمشون على الأرض "سألني عن المساجد ..الدعوة فيها .. شرح لي عن نشاطه في السجن.. مجالس الذكر والعلم، وعن أناس أطهار داخل السجون" ص66، جعل كل العناصر المحيطة بالنص تقدم بشكل يخدم فكرة ما، اعتقد بأنه يتماثل من طرح الواقعية ألاشتراكية التي تجعل المتلقي يمتعض من زخم الطرح الايجابي المطلق عند شخوص الرواية، والتي تكون صياغتها حسب التوجه الفكري اكثر مما هي من قناعة الكاتب.
وعندما يحدث خلاف داخل السجن نجد هذا الطرح المثالي: "ـ... ردت أم النور: السلامة من كل إثم والغنيمة من كل بر.
...قالت أم جهاد: يخل إلي سهام أنك كلك قلب أم، أم للجميع نحن وهن" ص94، الطرح المثالي اذا تكرر في كافة المواقف يجعل المتلقي يشعر بزيفه، يتأكد بأنه أمام دعاية فكرية، أكثر منه أمام نص روائي أدبي، وهذا ما يهيمن على العديد من المواقف والأحدث في الرواية.
ومن الصور المثالية التي قدمتها الراوية وتخدم فكرة إلغاء الآخرين هذا المشهد، "ولم تكن النساء في القيل والقال، وثرثرة الأنام ونزهة الكلام، وإنما كانت دوما في قال الله وقال الرسول، وفي الذكر والتسبيح، والحمد الذي معانيه تترءى في قلبها نورا وضياءا" ص67، التقديم بهذا الشكل يسلط الأضواء على جانب واحد فقط، الجانب الذي يتعاطى الفكر الديني، وما دون ذلك ليس لهم وجود/حضور، فهم مغيبين، وهنا تكمن خطورة هذا الطرح ليس هناك في معتقلات الاحتلال سوى حملة الفكر الديني فقط، من هنا يتم الحديث عنهم، فلو كان غيرهم موجود لتحدثت عنه الراوية "سهام".
وكتأكيد على هذا الإلغاء والتغيب تحدثنا الراوية عن صديقتها "أم رائد زلوم" فتقول عنها: " أبناؤها كلهم من الصالحين البررة، ... لا غرابة فهي زوجة عالم أزهري رحمة الله" ص60، عدم وجود أي فكر/شخص/حديث خارج النص الديني يعد عملية تقديم قاصرة/مقزمة/مشوهة للواقع الفلسطيني تحديدا، لو كان هذ الكلام مطروح عن المجتمع في السعودية لكان مقبولا، لكن الحال الفلسطيني مختلف تماما، فنجد في الأسرة الواحدة عدة تيارات سياسية، هذا فتح، وآخر جبهة، وذاك جهاد، وهذا قومي، وأخر شيوعي, وهكذا، أما عملية التشكيل وتقديم الحالة الفلسطينية بطيف واحد، أعتقد بأنه يضر بفلسطين وبالفلسطيني، ولا يقدم الصورة الزاهية والمتنوعة لنا.


الاستشهاد بالقرآن الكريم
هناك نوعين من الاستشهاد بالقرآن الكريم، الاول يتمثل بكتابة الآية كاملة، والثاني يكون بجزاء من الآية القرآنية، فالكاتب يتعمد جعل القرآن حاضرا في النص وأيضا مؤثرا في الشخصية المركزية لبطل الرواية، فتقول الراوية "لم يدع لي اعتقال خطيبي أي مجال للتردد في سلوك هذا الطريق... سأولهم كما يولموننا .. فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون" ص5، هنا تم استحضار الآية القرآنية لتنسجم مع عباره قالتها سهام، فعملية سرد الاحدث السابقة تمهد لطرح الآية.
وعندما يكون هناك حوار حول دور المرأة في المعتقل، نجد سهام تقول: "ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين" ص21.
وعندما تقابل سهام مدير السجن مهدده بالإضراب تقول له: "الشيطان يعدكم الفقر والله يعدكم مغفرة منه وفضلا" ص28، هناك العديد من الامثلة موجود في ص61 "والله غالبا على أمره ولكن اكثر الناس لا يعلمون" وص75 "قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين" "ألا بذكر لله تطمئن القلوب".
كل هذه كانت الآيات تستحضر كاملة، مما جعل المتلقي يشعر ـ أحيانا ـ بإقحامها في النص، على النقيض من الطريقة الثانية التي كانت اكثر إقناعا وأيسر/اسهل/ امتع للمتلقي عندما كانت تأتي ضمن سياق النص، فهي من ضمن كلام ألمتحدث فكانت تبدوا طبيعية، غير ملوية العنق، ومن الأمثلة على هذه الاستخدام "وكان الاسرى يفرج عنهم على دفعات، ومع كل دفعة تبلغ القلوب الحناجر ص8، فهنا كان استحضار الآية يخدم الفكرة، وفي ذات الوقت يشعر المتلقي بأنها جاءت على السليقة، هكذا، دون تخطيط.
"لم تكن التجربة الاعتقال سهلة، فقد بمراحل مريعة وينصهر لها الحديد، وتخر لها الجبال، إلا أن بني صهيون كالحجارة بل اشد قسوة بلا ريب" ص72، هنا كان تقديم آيتين معا ضمن ألحديث، ولم يشعر المتلقي بوجود إقحام/ شيء شاذ في الطرح لأنها جاءت ضمن السياق، وعلى العكس وجد القارئ فيها تدعيم للفكرة، وشكلا جديد ومميز في الطرح واللغة، وهذا يبين مقدرته الكاتب على الاستفادة وتوظيف النص القرآني بشكل يخدم الفكرة وشكل/أسلوب تقديمها.
المرأة
بما أن الراوية هي امرأة فكان لا بد من تقدم وجهة نظرها عن المجتمع الذي تعيش فيه، خاصة تلك المتعلقة بها كامرأة، هناك فكرة المرأة عن نفسها أخذتها عن ألمجتمع، لكنها تعمل على تكسيرها وقلبها رأسا على عقب، فتقول: "صحيح أنني فتاة ضعيفة محدودة القدرات ولكني الذي اكتنزه في قلبي .. سيولد إرادة تفوق إرادة الرجال" ص5، المرأة ضمن المجتمع تأخذ/تحمل الافكار التي يحملها، لكنها تقرر تجاوزها، رغم أنها ضعيفة، وهنا سيكون تجاوزها لضعفها/لواقعها يعد انجازا كبيرا، فهي أولا تجاوزت ضعفها، وثانيا تجاوزت الرجال، وبهذا تكون تخطت مرحلتين وليس مرحلة واحدة.
وتنتقد الراوية المجتمع الذي لا يتعامل مع المرأة إلا من خلال مصالح الفرد فقط، ومتجاهلا مصالح الوطن، ومصالح وهموم المرأة فتقول: " إذا كانت زوجة أن لا تخرج منه .. هي تبع له.. ملك يمينه.. طوع أمره.. لا تخرج عن شوره.. تحت السيطرة التامة.. لها هامش لكن ضمن التي لا تخرج عنها... يسمح لها أن تعمل مثلا مدرسة.. في هذا مصلحته له حيث راتب آخر الشهر بينما لا يسمح لها بالخروج لنشاط اجتماعي ص118، الراوية تطرح همومها وهموم جنسها في ظل نظام ابوي/ذكوري لا يترك هامش للمرأة لتتحرك فيه إلا من خلاله هو، فهي تابع مجرور لزوجها وللمجتمع، فليس لها حق في الخروج/العمل/ إلا ما يوافق عليه ولي أمرها وسيدها، الزوج.
وبعد أن تكسر الحواجز وتخترق كافة المحظورات التي وضعت أمامها نجدها تصل الى هذه الفكرة: "واضح أن التخلف والاحتلال يريدان للمرأة الفلسطينية إلا تخرج من حدود بيتها .. المرأة الفاعلة في مجتمعها تشكل خطرا على الاحتلال لأنه يرى أن يحارب نصف المجتمع خير له من أن يحارب المجتمع كله" ص12، يحسب لهذه العبارة ربط تحرر المرأة بحالة الصراع من الاحتلال، فالراوية طرحت دور الاحتلال في تعميق فكرة المرأة القاصر/الضعيفة، التي يجب أن تلزم بيتها، لتفرغ هو للنيل من الشعب الفلسطيني، بعد أن حيد نصفه وجعله ليس معنيا في الخوض الصراع0



أنسنة "سهام"
تقديم "سهام" بطريقة (السوبر) العظيمة التي تنتصر دائما، وتحمل الإخلاص والتفاني لفكرتها وعقيدتها، والطاهرة من كل ذنب او خطيئة، لا يخدم فكرة أنسنة البطلة فهي بهذا الشكل تكون خارج منطقة البشر، فهي تكون اقرب إلى ملاك أو قديسة، من هنا كان نجاح الكاتب عندما جعلها تحدثنا عما يجول في نفسها من صراع لضميرها فتقول عن نفسها: "أين ذنوبي؟ بماذا قصرت؟ كيف كانت أفعالي وأقوالي.. نواياي؟ أين الإخلاص فيها؟ قلبي وما حوى من فضائل ولآفات.. كم من الأعمال كان محركها ودافعها غير مرضاة الله؟ وإنما مرضاة الناس أو إظهار الذات على الآخرين" ص50، اعتقد بهذا الشكل قرب إلينا الكاتب بطلة روايته "سهام" وجعلها تبدو لنا بشرية وليست خارقة، فهي ليست كبطلات افلام الأكشن.

.
وعندما قرر القاضي الافراج عنها بكفالة مالية، وجدنها إنسانة من لحم ودم، تشعر بالفرح وتهتم بالحياة الطبيعية البعيدة عن الصدام والصراع والاعتقال، "أشعر بأن ربيعا سيكسو كل تفاصيل حياتنا وأن الشمس ستعود ثانية دون أن تحول بيننا وبينها الغيوم السوداء" ص104، رغم وجود شيء من رمزية في كلامها، إلا أنها تجعلنا نشعر بأنها تحمل هموم المرأة التي تهتم بزوجها وببيتها وبحياة اسرتها، فهي تتوق الى الحرية والتخلص من هذا الصراع الناري مع المحتل وادواته.
كان يمكن للكاتب أن يعطي المزيد من هذا المشاهد، ويجعل بطلته تتحدث بحرية أكثر عما يعتريها من إحساس وعاطفة، اتجاه الزوج والأسرة، فهذا يقربنا اكثر من شخصية الراوية، وتقنعنا بذاتها، لكن وجدنا الرقابة الذاتية جعلته يحول دون ذلك، فلم تحصل على حريتها الكاملة كما أرادت، بل كان هناك المحظور والممنوع والحرام والواقع، وهذا يتنافى مع ما أرادته بطلة الرواية من تجاوز واقعها، وفرض ذاتها كامرأة في مجتمع أبوي ذكوري.
الزوج
بعد أن تحدثت "سهام" عن ذاتها من خلال الرجل/الكاتب، تقدم لنا صورة الزوج وما يمثله لها، فهي تريده أن يكون شعلة من العطاء والتفاني كما هي، فبعد أن قررت خوض الاضراب عن الطعام كانت تتوسم فيه، "زوجي هل تابع نشاطه وحركته أم ما زالت بلادة هدوئه ولامبالاته حاضرة" ص55، اعتقد بأن هذه المشاعر كانت صادقة وتلائم الحالة الصعبة التي تمر بها "سهام" فكانت تطمح بأن يكون زوجها شعلة من العطاء والعمل، يتحرك هنا وهناك.
وتقدمه لنا بصورة إيجابية صورة المجاهد الذي لا يتوانى عن تقديم كل جهد في سبيل قضيته، فتقول عنه: "زوجي العزيز وعلاقتي معه، ودخولي السجن أليس هذا ظلما له؟ رغم أنه من النوع المستعد للتضحية.. خرج من السجن بعد حبسة طويلة" ص50، إذا تمعنا في حديث "سهام" نجد هناك رقابة من الكاتب على شخصيتها، فالزوجة تقول عادة "زوجي الحبيب" و ليس "زوجي العزيز" لكن الكاتب أرد أن يخضع بطلته "سهام" لرقابة حالت دون أن تحصل على ما تريده من الحرية.
في مشهد آخر والذي يتحدث عن واقعة تسليم ابنتها عائشة لزوجها بعد أن أكملت السنتين، تؤكد لنا "سهام" تماثلها مع زوجها فتقول: "..حاولت إخفاء دموعي ولكنها أبت علي.. وضعت يدها في يد ابيها، انسلخت روحي من جسدي وذهبت معها ترفرف بجناحيها فوقها.. رأيت الدموع النادرة تلتمع في عيني زوجي وهو يودع النظرة الأخيرة التي كانت تحتويني بعمق لا آخر له" ص129، فهنا كانت "سهام" والزوج كلا منها قد التمعت عيناه، فلا هي المرأة الصلبة استطاعت أن تخفي دمعتها، ولا هو الزوج الذي خاض تجربة اعتقال استطاع.
الراوية مصرة على استخدام الرمز خاصة عندما يتعلق الامر بالحديث عن علاقتها بالزوج، فهي تنكر حريتها، لصالح القيود التي وضعتها لنفسها، فعبارة "النظرة الأخيرة التي كانت تحتويني بعمق لا آخر له" كانت تشير إلى الرغابة الجامحة نحو الزوج، الرغبة الجسدية أكثر منها عاطفية، فكلمة "تحتويني" تأخذ معنى الضم والسيطرة الكاملة على الجسد.
هذا الهروب من الحرية/المصارحة بوصف العلاقة الجسدية بين الزوج والزوجة كانت واضحا وجليا في هذا المشهد "..لا ادري كيف كان العناق فقد أذهب عني حرارة اللقاء كل تركيزي، لم يكن بوسعي في تلك اللحظات القدرة على تسجيل إيقاعاتها الدقيقة الشفافة والعميقة الموغلة في العمق.. ثم أفقت على نفسي وأنا أنظر الى عناقه لعائشة ص128، بهذا المشهد يتأكد لنا حجم الرقابة التي يضعها الكاتب على نفسه، ومن ثم على شخصية البطلة "سهام"، فكان من المفترض أن يعطي "بطلته" الحرية في وصف مشاعرها وإحساسها، فمثل هذا العناق لا يمكن أن يمر دون الحديث عن حاجة الجسد للجسد، فكما أن العاطفة مهمة، أيضا الجسد مهم، وحتى يمكن أن يكون هو الأهم في هذا الظرف تحديدا، حيث أن يدعم ويعمق العلاقة الروحية.
وهناك مشهد عن الزوج الذي يفضل أن يعترف للاحتلال بكل ما يريده، على أن تسجن زوجته أو تمس بسوء مما جعلها تبدو عبئا علية وليس سندا له، "هاله الأمر ولم يستوعب سجن زوجته.. انطلت عليه الحيلة وأبدى استعداده للاعتراف من أجل إطلاق سراح زوجته.
ـ يخاف على زوجته من الاعتقال" ص110، الزوجة كانت ثقلا على زوجها وليست مساعدا له، فالطرح الايجابي لهذا المشهد، الذي يؤكد ضرورة أن تكون المرأة كالرجل في النضال والجهاد، لكن هذا الطرح وهذا المشهد كان يتناقض مع الطريقة التي تحدثت بها البطلة عن زوجها، فكانت متخفية وراء خمارها.
الأب
كما قلنا في موضع سابق، الاب في الغالب يقدم بشكل سلبي او ناقص او يتم تغيبه نهائيا، وهذا ناتج عن العلاقة القائمة بين الاب والأبناء من جهة، وبين السلطة/الدولة/المجتمع والفرد من جهة ثانية، فهي علاقة قائمة على القمع والسيطرة والحرمان من خلال مفاهيم الممنوع والحرام والعادة والعيب.
البطلة تغيب والدها رغم محاولتها تقديمه بشكل ايجابي، فتقول: "أبي الذي تعلقت به طفله صغيرة وميزني في حبه من بين إخوتي وكنت صغيرته المدللة.. سافر عني بعيدا الى حيث الرفيق الأعلى" ص51، إذا دخلنا إلى ما في هذا الكلام نجد ما يلي، اولا: كان الاب غير عادل بين أبناءه، من خلال حبه الاكبر لسهام، ثانيا: موته الذي شكل نقصا وحرمانا لسهام من حنان الأب وثالثا: بهذا يكون الكاتب/البطلة قد غيبت الاب مما يشير ـ في العقل الباطن ـ إلى عدم رغبته/رغبتها بهذا الأب.
الاستحضار السلبي للتاريخ
الراوية تحاول أن تؤكد دور المرأة المسلمة في المعارك الحربية، فتستحضر معركة الجمل التي قادتها عائشة زوجة الرسول (ص) ضد علي بن ابي طالب، وكلنا يعلم بأن هذه الواقعة كانت كارثة على العرب والمسلمين، حيث ما زلنا ندفع ثمن ذلك النزاع حتى اليوم، لكن الثقافة الدينية تجعل الراوية تستحضر أي حدث/فعل ما دام متعلق بالصحابة وزوجات الرسول لتؤكد وتدعم وجهة نطرها "... في الاصل كانت المرأة ممثلة في امهات المؤمنين، تخرج مع الجيش وتشارك في المعركة.. وكانت تقود حملة سياسية كما فعلت عائشة عليها السلام" ص99، فهنا وقعت الرواية في خطأ كبير عندما استحضر هذا النموذج من مشاركة المرأة في السياسية والمعارك الحربية، وكأن الأجدر بها أن تستحضر دور خولة بيت الأزور بدلا من عائشة، حيث أن الأولى قدمت الشكل الايجابي لمشاركتها في المعارك، بينما الثانية قدمت الشكل السلبي.
المشاهد والصور المؤثرة
هناك مجموعة من المشاهد قدمها الكاتب تستحق التوقف عندها، لما لها من تأثير على المتلقي ولطبيعتها الإنسانية، فعلى سبيل المثل، عندما كان يأتي موعد الفسحة في السجن كان الطفلين، "نور وعائشة" يعبران عن فرحتهما بهذا الشكل، "عندما يفتح الباب تقف عائشة ونور ويصيحان بابتهاج وحبور "فورة فورة" ويندفعان أمام الأسيرات بطريقة تذكر بمدى ظلام السجن ومأساته ومصادرته حرية الإنسان" ص78، فهنا كان الطفل هو من يظهر لنا حجم المأساة التي تقع على كاهل الإنسان حينما يكون معتقل.
وهناك مشهد آخر بين "سهام وعائشة" يبن العلاقة الحميمة بينهما، وفي ذات الوقت هول القيود السجن عليهما، "...فتحت القيد شدته خارج الزنزانة .. أنا ابتسمت وعدت إلى عائشة حيث تنتظر وتتفحص ما يجري بكل ما لديها من عناية واهتمام، ضممتها إلى حضني بحرارة.. أطلقتها فوضعت يداها على يدي، وكأنها تسأل، أين ذهبت قيودك؟ لماذا كل هذا؟ لماذا يكرهونك كل هذا الكره؟" ص90، ففي هذا المشهد كان الأمر الطبيعي تقيد اليدين والرجلين، لكل حدوث الاستثناء، جعل الأمر مستهجن، فكان تخيل تساؤلات الطفلة تثير المشاعر، وتبين الضغط الذي يمارسه الاحتلال على المعتقلات الفلسطينيات.
وبعد أن يصدر قرار الافراج عن "سهام" مقابل دفع مبلغ عشرة ألاف شيكل، ويذهب الزوج لإحضار الفلوس، يجد القرار الجديد قد جاء من المخابرات الإسرائيلية بتمديد/تجديد فترة الاعتقال من جديد فتكون مشاعره على هذا النحو، "عاد ثقيلا حزينا يجر أقدامه وينظر للأمام نحو أيام كئيبة تنسحب من حياته بقسوة ولا يدري أتطول به أم تقصر كفلاح في شتاء لا مطر فيه، لا سحاب ولا شتاء سوى نذر خراب الحصاد" ص106، ربط الانتكاسة التي ألمت بها وبزوجها بعد التراجع عن قرار الافراج عنها، بحالة الفلاح كان موفقا ويخدم الفكرة ويعمق صورة المأساة الحاصلة لهما.
وعندما رفض القاضي بقاء "عائشة" مع أمها "سهام" في المعتقل كانت كلماته تأخذ هذا الوصف الرائع، " قال القاضي كلمته التي لو غمست في مياه البحر لأفسدته" ص128، تشبيه بليغ، يعبر عن حجم الانتكاسة التي ألمت بسهام.
وعندما تذهب الطفلة عائشة مع ابيها الى البيت وتجد الباب مفتوح تكون بهذا الانفعال "وكلما وجدت بابا مفتوحا اندفعت بسرعة وهي تقول: باب مفتوح .. لم تعتد الأبواب إلا وهي مغلقة" ص129، المفارقة بين الحرية والسجن يتمثل بكلام الطفلة، ونجد في كلماتها معنى الحرية وهول السجن.
كتأكيد على وجود حالة الصراع بين الفلسطيني والاحتلال كان الطفلة عائشة تبين لنا طبيعة هذا الصراع من خلال كلماتها الصادقة والبريئة فتقول: "في البقالة كانت تبتعد عن البضائع التي لا تحبها وتقول: "هذا إسرائيلي أنا بشتريش إسرائيلي ص131، وكانت تخاطب قطتها عندما تعزف عن تناول الطعام "كلي هذا مش إسرائيلي ص131، بهذه المشاهد تنقل لنا الراوية المعاناة التي تعاني منها المعتقلات الفلسطينيات في سجون الاحتلال وتظهر لنا المشاعر الإنسانية التي تتمتع بها، فهن لسن مجرمات، بل يحمل مشاعر إنسانية استثنائية يتميز لها عن الآخرين، الأحرار، فالسجن ينمي المشاعر الإنسانية ويجعلهن أكثر عاطفة وأعمق احساسا.
الأمثال
الراوية تستحضر مجموعة من الأمثال ألشعبية تريد من خلالها أن تؤكد فكرتها، إن كانت ايجابية أم سلبية، فتقول: "درهم شرف خير من بيت مال" ص31 كتأكيد على أهمية الكرامة الإنسانية، وتقول: "لا يحرث الأرض إلا عجولها" ص31 تعميق مفهوم الاعتماد على الذات وترك التمسك بالأوهام القادمة من الخارج.
"الكف ما بتناطح مخرز" ص35 مثل يقال لكي يكون الإنسان قابل/خانع/راضخ للواقع ومسلم ومستسلم له.
"هيك طنجرة بدها هيك ختم" ص77، تطابق فساد/سلوك القيادة مع الشعب.
"كالنار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله" ص96،
نذكر بأن الرواية من منشورات مركز أبو جهاد لشؤون الحركة الأسيرة، سنة الطبعة 2010،







هيمنة الثقافة الشخصية في رواية
"الشعاع القادم من الجنوب"

وليد الهودلي
ليس صعبا أن يتم تقمص شخصية واقعية، وتقديمها بشكل أدبي وليد "الهودلي" حاول تقمص شخصية أحد المناضلين من جنوب لبنان في روايته "الشعاع القادم من الجنوب" لكنه لم يستطع التحرر من ثقافته الدينية ألسنية فكان يضع/يستخدم ثقافة بدل ثقافة إسماعيل ألشيعي وهذا يحسب على الرواية وليس لها.
المطلع على روايات الكاتب يجدها في مجملها ـ إذا ما استثنينا رواية ليل غزة الفسفوري ـ تتحدث عن الأسرى، فهو لم يستطع أن يتحرر من حالة الاعتقال وآثارها رغم كتابته لخمس روايات، ومجموعة قصصية واحدة، وهذا ليس بالأمر المحمود أدبيا، فالكاتب عليه أن يتناول أكثر من جانب في أعماله وينوع في شخصياته الروائية، لكننا نقف أمام حالة كرست ابداعها الادبي لهذا الموضوع دون سواه، ولسنا هنا في مجال فرض آرائنا على الكاتب بقدر توجيه نصيحة، له أن يأخذ بها او يتركها.
كما هو الحال في الروايات السابقة نجد حضور قوي للقرآن الكريم، فالكم الهائل من الاقتباسات القرآنية تجعل المتلقي يتأكد بأنه أمام توجيه فكر ديني واضح ويخدم فكرة واحدة، الفكرة الدينية دون سواها، وطبعا هذا أيضا يحسب على الرواية وليس لها.
ولسنا هنا في مجال المقارنة بين ادب السجون لكن شاءت الظروف أن نتناول قبل فترة ليست بالبعيدة، أعمال "سعيد حاشوش" في روايات "درب الفيل، والتمثال، ولا شيء يشبه ألمسيح" وهذا الاعمال يتحدث فيها الكاتب عن تجربته في السجون لكنه تميز بأن أضاف عليها شخصيات متباينة، تختلف عن قوميته، من خلال استحضار الكردي، وعن وطنيته من خلال الفلسطيني، أو ايدولوجيته الماركسية، من خلال الثقافة ألدينية، فكان بهذا لا يلغي الآخر، بل على العكس يدعم فكرة تكامل النضال، ويعمل على توحيد الصفوف بدعوة غير مباشرة، فكان في الاعمال الثلاثة يوحد الجهود والطاقات ضد الظلم وكأنه يرسم/يضع هدف محدد وعلى الكل المساهمة في التوجه إليه.
هيمنة ثقافة الكاتب على بطل الرواية "اسماعيل"
لكي لا يكون كلامنا بلا سند، سنحاول الاشارة الى بعض المشاهد الروائية لهذه الهيمنة، والتي تسيطر على الكاتب، والتي لم يستطع التحرر منها. فيقول أثناه مروره بحقل مكاثي الفقوس: "الذي بلغ أشده، واستوى على سوقه ليعجب المتسوقين" ص15، طبعا هذه لا يضعف النص لكننا إذا علمنا بأن هذا القول قد قيل مع ما يماثله في الروايات السابقة، نشعر بأننا أمام لغة واحدة، لكافة ألشخصيات بصرف النظر عن توجهها الفكري.
وأثناء المعركة نجد إسماعيل يستحضر أجزاء من آيات قرآنية مثل، "بلغت القلوب الحناجر وأنا ألهج "مولاي.. أنت ولي الذين أمنوا.. ثبتنا وأنصرنا على القوم ألكافرين ص33، من المعروف أن الثقافة الدينية القتالية عند ألشيعية تعتمد أساسا على المعركة التي خاضعا "الحسين بن على بن ابي طالب" في كربلاء، ففي هذه المعركة تمت المواجه بين مجموعة لا تتجاوز ثلاثة وسبعون فردا من أهل بيت الرسول (ص) مقابل ما يزيد على الثلاثة ألاف مقاتل من جند زياد بن أبيه، فهنا كانت عملية المفاوضات بين فئة "الحسين" القليلة وبين الجيش الجرار، لكن "الحسين" قال كلمته المشهورة "هي هات منا الذلة" وقرر خوض معركة محسومة سلفا، لكن النخوة والشهامة وقوة العقيدة جعلته يخوض المعركة والتي كانت نتيجتها، مقتله وكافة الرجال الذي معه، وسبي النساء وجرهن من كربلاء الى دمشق، حيث مقر معاوية بن ابي سفيان، هذا الاستحضار للفكر القتالي عند الشيعة هو المهيمن والدافع والمحفز لخوض الحروب والمعارك، لكننا لا نجد في الرواية مطلقا أي ذكر لثقافة الشيعة القتالية، باستثناء هاتين الوقفتين ألمختصرتين "ويحدثنا عن أهل البيت عليهم السلام ومواقفهم العظيمة" ص22، وعندما يوجه المحقق في فترة التحقيق يقول: " تريد أن ترهبني ..كربلاء جديدة" ص122، فإذا ما تجاوزنا هاتين العبارتين نكون أمام شخصية متماثلة ومنسوخة عن الشخصيات في الروايات السابقة، فكل ما تكلم به "إسماعيل" يؤكد عدم تشيعه لأهل ألبيت بل هو سني قلبا وقالبا.
ويقع الكاتب في خطأ فاضح لسنية بطله "إسماعيل" عندما يقابل وفد من المحققين جاءوا على أنهم وفد طلاب وليس محققين فيقول لهم: "... ـ لا هذا حديث لأمير المؤمنين علي بن ابي طالب ـ رضى الله عنه ـ ص89 وكلنا يعلم بأن بعد كلمة "علي" يقول الشيعة "عليه السلام" لكن كاتبنا لم يستطع أن يتحرر من ثقافته، وبقى أسيرا لها، أو لم يجرؤ على كتابة "عليه الإسلام لتعارضها مع معتقده الديني.
بهذا الاقتباس نكون قد وضعنا النقاط على الحروف، علما بأن الكاتب كان باستطاعته أن يجعل "إسماعيل" مقاتل في حزب الله لكنه سني، فالحزب لا يشترط لمقاتليه أن يكون متفقين معه في عقيدته، فهناك تنظيم خاص للمقاتلين ممن لا يتبنون/ينتمون للطائفة ألشيعية وهم كثر، فكان يمكن للكاتب أن يجعل من بطل روايته "الشعاع القادم من الجنوب" سني يقاتل في صفوف الحزب، وبهذا يتجاوز العديد من الهفوات التي وقع فيها، مما جعل النص غير مقنع، وكأن الشخصية الرئيسية تلبس ثوبا ليس لها.
الشخصيات السلبية تتحدث بثقافة دينية
وما يحسب على الرواية ايضا جعل العديد من الشخصيات ألسلبية المحققين و(العصافير)، تتحدث بثقافة دينية، وسنعطي بعض الأمثلة على هذا الخطأ من خلال ما يلي: "ـ تعلم عندنا في اسرائيل طب متقدم يحي العظام وهي رميم" ص48، هذا الكلام جاء على لسان المحقق الإسرائيلي فكأنه بهذا القول يحمل ثقافة دينية اسلامية لا لبس فيها، فمن أين جاء بهذه الثقافة؟
اعتقد بأن الكاتب فرض ثقافته على شخصيات الرواية ولم يستطع ألتحرر منها، ففرض ثقافته على شخصيات الرواية، مما جعلها تتلكم بلغته هو وليس بلغتها.
ويقول ايضا على لسان ألمحقق "أسمع مني كي أرد عليك شبابك.. إني لك ناصح أمين.. ماذا قلت؟ " ص53، فهنا ايضا نجد هيمنة ثقافة الكاتب على شخصية المحقق.
ويقول على لسان محقق أخر "سنتشرف بمعرفتك اليوم إن شاء الله" ص57، فهذا ايضا يشكل تشويه للشخصية، التي تتكلم بلغة واحدة، فكل الشخصيات السلبي منها والايجابي يستخدم الثقافة الدينية في كلامه.
ومن الاخطاء قول ألمحقق " ـ ... بأننا نعرف عنك كل شيء، فكيف تريد أن نطلق سراحك ونحن نعلم أنك مخرب من مخربي المقاومة؟!" ص59، الاسرائيلي لا يقول مقاومة بل "المنظمة/الحزب/ الجبهة/التنظيم" لكن الكاتب ايضا لا يستطيع أن يتجاوز ثقافته فكان دائما يرفع من ثقافة الشخصيات ألسلبية لتقترب بمنطقها وثقافتها من الشكل الايجابي.
ويقول على لسان المحقق: "ـ إلا يوجد عنكم في القرآن "لا يكلف الله نفسيا إلا وسعها. ... إلا يوجد في القرآن رخصة لكم "إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان" ص61، فنجد فما سبق ثقافة دينية متقدمة وراقية يتحدث بها المحقق، وهذا يتنافى مع الطبيعة المحقق الذي وإن كان يتخفى وراء بعض الاقتباسات من القرآن، إلا إنه من الصعب أن يكون بهذه التطور الثقافي ودقة الاستخدام للثقافة الدينية.
ويقول الطبيب الإسرائيلي "عال العال.. صحتك تتحسن بإذن الله" ص67، من أي جاءت "بإذن الله" ليس من المفترض أن يتكلم لطبيب الاسرائيلي بلغته هو، لا بلغة وثقافة الكاتب؟.
ويقول الطبيب أيضا "... توكل على الله" ص68، اعتقد بان هناك لغة غير مناسب مستخدمة من قبل شخصية الطبيب، ولا تشير إلى ماهيته بتاتا، بل على النقيض من ذلك، تجعله ـ نسبيا ـ شخصية مقبولة لدينا، رغم تقديمه بصورة المحقق المتخفي وراء مهنة الطب.
ويقول الطبيب أيضا "..وغادرتك الآلام من غير رجعة بإذن الله" ص73، لا دري لماذا كل هذه العبارات موجودة وينطق بها شخصية معادية وتحمل ثقافة مناقضة للثقافة الدينية التي يحملها المعتقل؟.
ويقول احد اعطاء الوفد الطلابي: "وجادلهم بالتي هي أحسن" ص84، ليس من المستصاغ أن نجد اقتباسات من القرآن الكريم عند شخصية إسرائيلية، فرغم كل من تحمله من ثقافة يمكن أن تجيرها لصالح انتزاع الاعترافات من المعتقل، إلا أن استخدامها بهذا الزخم وهذا الشكل يضعف النص ويشوه تركيبة الشخصيات.
وهناك شخصية الحشاش الذي كان معتقلا مع "إسماعيل" في نفس الزنزانة نجده يتكلم بثقافة دينية وكأنه رجل دين فيقول: ".. لا تتعب نفسك.. انتظر حتى يأتي وحده.. هؤلاء صم بكم لا يسمعون" ص143، هذا شاهد آخر من الرواية يؤكد عدم قدرة الكاتب على تحرير شخصيات الرواية من ثقافته ككاتب، وجعلها تتحدث بلغته هو.
ضعف الحبكة
هناك بعض الاحداث أخطأ بها الكاتب وتجاهل/نسى طبيعة الشخصية التي رسمها لنا، يحدثنا عن "إسماعيل" الذي اعتقل وهو في بداية الثامنة عشر، والذي حدثنا عن علاقته بأمه وعائلته فقط، فنجده يقول: "سمعت صغيرتي منال تتأتي بكلماتها المقتضبة رأيت الدموع في عروقها" ص191، "إسماعيل" لم يكن متزوج، فمن أين جاءت صغيرته؟.
ويتحدث احد (العصافير) مع "إسماعيل" المنتمي لحزب الله الشيعي بهذا الكلام: "ـ ولكن هذا لا يكفي .. يجب أن تسعى لإقامة دولة لا إله إلا الله" ص133، رغم أن العبارة جاءت على لسان (العصفور)، إلا أنه كان من المفترض على مثل هؤلاء الاشخاص الذين يقومون بدور المحقق على علم بثقافة المعتقل، فحزب الله لا يطرح في برنامجه إقامة دولة لا إله إلا الله، هذا موجودة في برنامج الإخوان المسلمين وحزب التحرير أي الجماعات الحزبية ألسنية، وليست موجودة في برنامج حزب الله، فكان على الكاتب أن لا يقع بهذا هذا الخطأ المعرفي.
ونجد اثناء الحوار الدائر بين المحقق و"إسماعيل"، ضعف في بنية الحوار من خلال استخدام المحقق ثقافة دينية من القرآن الكريم "إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان" ص115، فنجد نفس المحقق يقول بعد هذه الكلام مباشرة: "من هم اصحاب الأخدود ص116، بهذا الشكل يضعف الحوار ولا يعود مقنع المتلقي.
وهنا نستذكر الادب الاشتراكي الذي كان يقحم العبارات الماركسية اقحاما في النص بحيث تبدو باهة وغير مقنعة للمتلقي، واعتقد بأن الكاتب وقع في هذه الاقحام ايضا.
الأب
كما قلنا في موضع سابق هناك عقدة الأب عند العديد من الكتاب فهم إما يغيبونه من النص او يقدمونه بشكل سلبي، الكاتب في هذه الرواية ـ في العقل الباطن ـ اكد ايضا على هذه المسألة ـ تغيب أو الاب السلبي/الناقص ـ من خلال جعل الأب أصم، بينما كانت الام بكامل عافيتها، وكأن الكاتب بطريقة ـ لا شعورية ـ أرد أن ينال من مكانة الأب رغم أنه تحدث عنه بصورة إيجابية، لكن عندما جعله يعاني من حالة عدم الكمال ـ أصم ـ كان يخدم التقديم غير السوي للأب، ويتفق مع الكثير من الكتاب بهذه الشأن.
السخرية
اجمل ما في العمل وجود مشهد سخرية من الاحتلال عندما كان سؤال المحقق حول من هم الذين اشتركوا مع "إسماعيل" في القتال فكان هذا الحوار "ـ حسنا من كان معك؟
ـ كان معي الله..؟
ـ وغير الله...؟
ـ أنا لا اشرك بالله أحدا ص74، اعتقد بان هذا الحوار كان اجمل ما في الرواية، وكان يمكن لها أن تخرج من ثوب الواقعية الاسلامية من خلال هذه النماذج من الحوار، لكن ثقافة وعقلية وتجربة الكاتب الواقعية كلها تحول دون ذلك.
الرواية من منشورات البشير للنشر وتوزيع، مركز يافا للنشر وتوزيع رام الله، الطبعة الثالثة، 2004.























البطل المطلق في رواية
"الأسير 1578"
هيثم جابر
يقول الشاعر "محمد حلمي الريشة": "أن شهوة الجنس وشهوة النشر متماثلة" فما بالنا أن كان هذا الناشر معتقل، بالتأكيد سيكون هناك اندفاع أكثر نحو النشر، هذه الرواية كان يمكن لها أن تكون أكثر تألقا، لما فيها من صور فنية ولغة أدبية تؤكد قدرة الراوي على التعامل مع الرواية بلغة راقية، لكنه في المقابل يقدم لنا لغة عادية جدا، وكأن هناك كاتبان النص الروائي، الأول متألق والثاني مبتدئ.
من هنا انعكست لغة الراوي على المضمون وعلى سرده للأحداث، فكان بطل الراوية بطل مطلق، لا يشعر بالتراجع ابدا، ودائما يتقدم ويواجه، ولا يضره شيء، فيواجه قاضي محكمة الاحتلال بكلمات قاسية تشير إلى تهوره أكثر مما تشير إلى بطولته، "ـ أين محاميك؟ ألا تريد أن تقول شيئا؟
، ليس لي محام .. ولا أريد أن أوكل أي محامي، لأنني ببساطة قلتها لكم، أنا لا اعترف بشرعية هذه المسرحية التي تسمونها محكمة، ... أنتم القتلة الذي تلطخت أيديكم بدماء أطفالنا ونسائنا ... أريد أن أسأل هذا الجلاد الذي وصفني قبل قليل بالقاتل والإرهابي والمجرم، كم فلسطينيا قتلت من ابناء شعبي؟ ... احفر تحت بيتك الموجود الآن في أم خالد أو تل الربيع أو أم الرشراش أو غيرها من مدن بلادي التي استوليتم عليها بالقتل والإرهاب، أحفر هناك ستجد رائحة أجدادنا تفوح من تلك الأرض" ص178 و179 بهذا الشكل يقدم لنا الراوي بطله، فهو بطل خارق، لكنه أيضا متهور، لا يحسن الحديث وتقدير الموقف، وهذا ما يحسب على الرواية، ونجده أيضا تعشقه الحبية إلى حد أنها قررت أن تنتظره بعد أن حكم عليه "بالمؤيد وعشرين عاما أخرى" ص180.
ما يحسب للراوية أنها تقدم تاريخ مفصل عن واقع الأسرى في سجون الاحتلال والنضالات التي خاضوها، كما أنها تقدم المرأة بشكل ايجابي وفاعل، وكما قلنا هناك صور فنية رائعة تمثل قدرة الراوي على استخدام اللغة الأدبية الجميلة.
المكان
لا يمكن أن يكون مكان الاعتقال مناسب للحياة، فهو خصص لإيقاع أكبر قدر من الأذى بالأسرى، "..عبار عن غرفة طولها مترين أو أكثر وعرضها متر ونصف بالكاد تتسع لشخصين، كان يوجد بداخلها "كردل" لقضاء الحاجة" ..فقد تم طلاؤها بلون الاسمنت القاتم وجدرانها خشنة، وبها ضوء أحمر خافت جدا" ص26، وصف المكان يشير إلى عدم تناسبه مع الحياة الإنسانية، فهو ضيق، لوانه قاتم، خشن الملمس، لا يوجد فيه ضوء، هذا هو مكان الأسير في سجون المحتل.
مثل هذا المكان لا بد أن يكون له تأثيرات على صحية على المعتقلين، يصف لنا الراوي هذه التأثيرات قائلا: "...تمكث فيه شهورا عدة لا تبدل ملابسك، حتى يصاب لأسير بالأمراض الجلدية في أغلب الأحيان" ص40، المكان في المشهد السابق يسهم في جلد المعتقل أيضا كما هو حال المحقق، فهو مؤذي ويسبب الألم للأسير.
ونجد تأثير السجن لا يقتصر على الأمراض الجسدية وحسب، بل يطال أيضا اللغة/الألفاظ/العبارات/المصطلحات التي يستخدمها لمعتقل، "أحيانا يمشي أسير مع أسير آخر ولا يجد ما يقولونه، ولا حتى كلمة واحدة طوال فترة الفورة، .. حيث لحروف واللغة محدودة داخل السجن" ص114، إذن هناك تأثرات سلبية في اللغة/المفردات تحاصل في المعتقل، فهي تجعل اللغة تنضب كما هو حال الجسد الذي يتم اضعافه وارهاقه داخل الجدار.
الوقت والزمن
أيضا الوقت يشكل عامل ضغط وثقل على المعتقل، يصف لنا الراوي الوقت بهذا الوصف: "الوقت متوفر بالجملة داخل السجن... تتوقف الساعات والدقائق، حيث يدخل الوقت في مرحلة اللاوقت" ص50، الوقت يكون شكل من اشكال التعذيب التي يتعرض لها المعتقل، لعدم مروره، لبلادته، لتآمره على المعتقل الذي يريده أن ينقضي بسرعة والآن.
يؤكد الراوي على بلادة الوقت في المعتقل فيقول: "حيث يتوقف الزمن ويتوقف الوقت مع دخولك السجن، ويبقى عمرك هو عمرك، تدخل ابن عشرين عاما، يتوقف الوقت وتتوقف عقارب الساعة" ص90و91.
الوقت/الزمن من العناصر التي تؤذي الإنسان خاصة عندما لا يقدر أن يتحكم فيه، فيكون الوقت هو المسيطر/الحاكم والإنسان هو المحكوم، ومفروض عليه أن يخضع له:
"لا عين لنهار .. ولا نور شمس
عقارب الساعة تأبى أن تدور
وزمن متوقف في صمت القبور
هنا .. المكان مكفهر وقاتم" ص112، افتقاد الراوي لمظاهر الحياة الطبيعية، وما فيها من شمس تشرق كل يوم، وليل وما فيه من نجوم وقمر، كل هذا يجعل الوقت غير مجدي، لا يتماثل/لا يشبه الوقت الذي عرفه في الخارج، فهناك الكثير من الأمور التي تشير إلى مضي الوقت، لكن في المعتقل لا يوجد أي من هذه المظاهر مطلقا.
يختم لنا الراوي رؤيته عن الوقت فيقول: "والأصعب من الموت هو انتظار الموت، والأصعب من الشوق هو انتظار اللقاء" ص164، فالانتظار هنا هو الوقت، الزمن الذي يجلد ويوجع عندما نريده أن يمضي، ويأبى إلا أن يكون بليدا، جامدا كصخرة في قعر لوادي.

التحقيق
من اصعب الفترات التي يتعرض لها المعتقل، لما يواجه فيها من تعذيب بمختلف الاشكال والاساليب، يتداخل فيها التعذيب الجسدي والتعذيب النفسي، خاصة إذا عرفنا أننا أمام محقق يحتل الأرض ويقمع الإنسان، "مكبل اليدين منطفئ العينين، كان يغتصب النوم من جفن الليل الحالك يوقظه صوت محقق ضخم الجثة، حلق الرأس معكوف الأنف تفوح منه رائحة الحقد والإجرام والشماتة، .... حيث كان يقف أمام ضعفه وحيدا، في تلك الغرفة الصغيرة، التي لا شيء فيها سوى طاولة وكرسي، حيث كان مشبوحا، يداه إلى الوراء اضافة إلى تكبيل القدمين" ص3، أذا تمعنا في المشهد السابق نجد ضيق المكان، وصغر حجم المعتقل، وفي المقابل نجد ضخامة المحقق وبشاعته، فالصورة توحي بوجود شيء غير متجانس، الضخامة مقابل الصغر، ونجد بأن هذا الجسد الصغير مكبل اليدين والقدمين، مقابل رجل ضخم حر اليدين والرجلين، مما يجعل الصورة توحي بالمفارقة بين الضحية/الصغيرة/المقيدة، وبين الجلاد الضخم والحر.
محاكم الاحتلال
العديد من الكتاب تحدثوا عن مسارح محاكم الاحتلال، فمحاكمهم ليست أكثر من قاعات مسرح يتم فيها التمثيل واعطاء كل شخصية دورها في المسرحية، حيث يكون المخرج هو ضابط التحقيق، هو المؤلف والمشرف على العمل، يرسم ويوجه ويضع الحركات وما على الأعضاء الفرقة المسرحية إلا التقيد بما يكتبه/يقترحه ضابط التحقيق.
الراوي قدم لنا صور عن هذا المحاكم التي يعطي احكاما قاسية وبعيدة عن المنطق: "...الحكم على المتهم بالسجن المؤيد إضافة إلى عشرين عاما بتهمة القتل والتحريض والمس بالأبرياء العزل، إضافة إلى شهرين آخرين بتهمة اهانة المحكمة، رفعت الجلسة" ص180، ليس في هذه التهمة مبالغة، فهناك من حوكموا بأكثر من عشر مؤبدات، وهناك من تم اعتقاله لأكثر من ست سنوات دون توجيه أي تهمه له، وهو ما يطلق عليه السجن الاداري، الذي يحكم فيه على المعتقل ستة اشهر قابلة للتجديد، والتجديد قد يستمر لأكثر من عشر مرات.
المرأة
المرأة من العناصر الأساسية التي تخفف من حالة الضغط على الإنسان، لما فيها من نعومة قادرة على إزالة القسوة والألم الواقعة على الرجل، ولا شك أن التفكير/استحضارها وقد الشدة يهدئ النفس.
أكثر من تحديث عنه الراوية هي المرأة، حتى أنها تجاوزت الأم، وتقدمت عليها في الحديث، وهذا يشير إلى تعلق الراوي بالمرأة أكثر من الأم، فالرسائل التي وجهها إلى الحبيبة في نهاية الروية تؤكد هذا الحضور والمكانة التي تحتلها.
يستحضر الراوي المرأة وقت الشدة وفي الوقت الذي يكون الضغط عليه كبير، فأثناء التحقيق نجد حضورها يبعده/يخلصه مما هو فيه، "لقد رحل بفكره وقلبه خارج تلك الجدران المعتمة وترك محققه يتحدث ويهدد ويتوعد وحده وكأنه يتحدث مع جدران، وراح يتذكر أول يوم له في لجامعة، حيث كان أسعد يوم في حياته حين التقى خطيبته التي يحبها ويعشقها" ص31، رغم أن المشهد يحمل شيئا من المثالية خاصة فيما يتعلق بالمحقق، فهو يعرف متى يتكلم ومتى يمتنع، ومتى يكون الأسير قوي ومتى يكون ضعيف، ومع هذا يؤكد لنا الراوي دور المرأة في التخفيف عنه أثناء التحقيق.
وأثناء السجن نجده يكتب لها رسائل غرام، وبلغة ناعمة وهذا الأمر يحسب للراوي، الذي تحولت لغته إلى مكانة رفيعة ومتألقة: "إلى قمري الذي غاب عني أياما وشهورا، وكأنه الدهر كله هذه المرة الأولى التي تغيبين عن عيني فترة طويلة، تلك الشهور كانت قاحلة" ص72، نجد اللغة تأخذ في الرقي والرفعة، خاصة إذا ما قارنها بتلك التي تحدث بها في مواقف أخرى، وكأن استخدامه اللغة الجميلة قرين بالحديث عن المرأة، ولتأكيد هذا الأمر نقدم هذا الشاهد: "هو يفرح بالبرق ويطرب للرعد، وينتشي قلبه برائحة المطر، وأريج الشوق الذي يجتاح النفس، خلف قتامة المشهد ينطلق شوقه في أثير المساء، يبحث عن وجهها الفتان في زحمة الصور.. عله يقتات من عيناها، ما يعينه على السير في تلك الطريق الطويل المؤذية إلى وجه الشمس الأخضر" ص84، في هذه الألفاظ ما يجعلنا نتوقف عندها، لكي نعرف/نحلل حالة الراوي، فهو يحب العنف، ولهذا وجدناه يفرح للبرق والرعد، رغم الصوت المزعج والضوء المؤذي لهما، لكنه أيضا يحب المطر، الخير، فسقوط لمطر يحمل صورة ناعمة ومحببة للنفس، فالراوي يعيش حالة متناقضة، تتراوح بين القسوة والنعومة، لكنه بعد هذا يكون منسجم تماما مع الطبيعة، مع الخير، مع الجمال، مع المرأة فيستخدم الفاظ ناعمة وهادئة وراقية، "يبحث عن وجهها الفتان في زحمة الصور.. عله يقتات من عيناها، ما يعينه على السير في تلك الطريق الطويل المؤذية إلى وجه الشمس الأخضر" إذا استثنينا لفظ "المؤذي" من المقطع السابق نكون أمام نص مطلق الجمال، بمعنى أن الالفاظ التي استخدمها الراوي تخدم الفكرة، فكرة النعومة والخير والحب والعاطفة، وهذا يشير إلى قدرة المرأة على تخليصه مما هو فيه، وعلى الأثر الايجابي التي تضعه وتركه في الرجل.
فهذا الرجل الذي تجتمع فيه حالات التناقض والذي يحمل شيئا من العنف داخله، نجده بهذه النعومة وبهذه اللغة الهادئة، فكان تحويل لون الشمس إلى اللون الأخضر أكبر دليل على هذا الأثر التي تركته في الأسير. فيا لها من كائن عجيب وعظيم تلك القادرة على خلق مثل هذا التحول الايجابي.
ونجده يهيم مع اللغة بحيث نستشف منها ـ دون متابعة المضمون ـ بأن الحديث متعلق بالمرأة فيقول "يمسك رسائلها.. يقبلها.. يفتحها .. يقرأها .. يبحث عنها بين الكلمات العارية على شاطئ بحر فرحته المؤقتة" ص85، أيضا نجد لغة ناعمة وهادئة تعبر عن اللقاء/الانسجام بين المضمون والشكل، الفكرة والأداة، اللفظ والمعنى.
ننهي هذا الأثر للمرأة في لغة الراوي بمقطع من رسالة بعثها: ".. لك حرية الاختيار بين أزهار البنفسج وبين طول انتظار، ربما حان الوقت كي تتحرري من فضاءاتي المتعبة، وأزقة قيدي المرهقة, ربما حان الوقت كي تحلقي بعيدا في الفضاء الرحب.
ولك الخيار أن تحط أشرعتك في أي مرفأ تختارين، ولك أن تحلقي شرقا وغربا يسارا ويمينا، وترتشفي الورود الشاخصة أبصارها نحو أجنحة الغمام يستطيع عطرك أن يقطف شذى ما يختار من أزهار" ص197 و198، اعتقد بأن أهم ما في الراوية الأثر الذي تركته المرأة على الراوي، والذي انعكس على لغة السرد، بحيث اطفى على الرواية لمسة جمالية، تخفف مما فها من قسوة ومغالاة.
الرواية من منشورات المكتبة الشعبية ناشرون، نابلس فلسطين، الطبعة الأولى 2016


















المراجع
علي الخليلي، "الأقفال تدور في الأبواب، منشورات صلاح الدين، القدس كانون ثاني 1980.
فيصل حوراني، المحاصرون، المؤسسة الفلسطينية للإرشاد القومي، رام الله، فلسطين، الطبعة الثانية 2004.
مشهور البطران، وجوده في درب الآلام، دار البيان، بيت لحم، فلسطين، الطبعة الأولى 2002.
عا€ئشة عودة، أحلام بالحرية، مواطن، المؤسسة الفلسطينية لدراسات الديمقراطية، رام الله، فلسطين، الطبعة الأولى 2004
عا€ئشة عودة، ثمنا للشمس، مواطن، المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية، رام الله، فلسطين، الطبعة الأولى 2012.
أسامية العيسة، المسكوبية، مركز أوغاريت الثقافي، رام الله، فلسطين، الطبعة لأولى 2010.
هشام عبد الرازق، فرسان الحرية، وزارة الثقافة الفلسطينية، الطبعة الأولى 2008
حسن فطافطة، خريف الانتظار، وزارة الثقافة الفلسطينية، سليلة أدب السجون، الطبعة الأولى 2010.
عصمت منصور، سجن السجن، وزارة الثقافة الفلسطينية، سلسلة أدب السجون، الطبعة الأولى 2011.
وليد الهودلي، "المؤسسة الفلسطينية للإرشاد القومي" رام الله، فلسطين، الطبعة أولى 2003
وليد الهودلي، البشير للنشر وتوزيع، مركز يافا للنشر وتوزيع رام الله، الطبعة الثالثة، 2004.
وليد الهودلي، مركز بيت المقدس للأدب، رام الله، الطبعة ثانية 2009.
وليد الهودلي، مركز أبو جهاد لشؤون الحركة الأسيرة، سنة الطبعة 2010.
هيثم جابر، الأسير 1578، المكتبة الشعبية ناشرون، نابلس، فلسطين، الطبعة الأولى 2016