قبائل المؤمنين والملحدين

سامي عبد العال
2016 / 12 / 30

من دواعي التعبير أنَّه حينما يُقال" مؤمن" تنتصب أمامه كلمة "ملحد". سواء أكان طرف المعادلة محدَّداً من قِبل الايمان الديني أم العكس بواسطة الالحاد. وربما أقدم حفرية لهذا الشأن في المدونات الدينية القديمة. أهل الإيمان وأهل الكفر، حزب الله وحزب الشيطان، أهل الجنة وأهل النار، أصحاب الضلالة وأصحاب الهداية، أعوان الحق وأعوان الباطل، طالبو الدنيا وطالبو الآخرة. والتفرقة ستظل مستمرة حتى الرمق الأخير من قوى الإنسان خيالاً وجسداً وبعد نهاية العالم. ربما تعود إلى أصل الحياة كما بدا لأنصار المعسكرين. وبطبيعة الحال يتلون هؤلاء وأولئك بأوصافٍ كثيرةٍ تبعاً لسياقات الثقافة التي تغذي سلطة التصنيف ومعطياته.
وأزعم أنَّ عمليات التناسل الحدي بين النقائض يمكن انقسامها إلى ما لا نهاية. ولا توجد أوجه لاستعمال الدين وممارساته وطقوسه ومعانيه لا يستوطنها هذا التنافر. وهو ليس مرحلياً تمهيداً للالتئام فيما بعد. لكنه يجري كبذور منفلقة يعتبرها الفريقان(المؤمنون والملحدون) غير قابلين للتعايش. ويستحيل أن يتزاوجاً، ناهيك عن أن يحيا حياة مختلفة. ولهذا كان الحل القريب هو إدامة الصراع المسعور لقتل الآخر مادياً أو رمزياً. حتى أنه قد دمرت مجتمعات بفضل هذه الأشياء. لأن سيادة النقائض في مجتمع ما لن تكون إلاَّ مرحلة ظلامه الكثيف. ها هو التاريخ العربي الاسلامي مشبع بالسرديات التي تمثل بجثث الأفراد والأخيلة والطوائف. فكثيراً ما يوصف بتاريخ الغزو والفتح والجهاد. وكلها مسميات يقبع فيها شيطان التصنيف بجميع أشكاله.
فرغم تطور الذهنية البشرية إلا أنها تعمل بجانبيها (الواعي واللاوعي ) بحتمية التمييز، الاستبعاد، الاقصاء. هذا يعود بها إلى آلاف السنوات الغابرة. عندما كانت حياة الإنسان تنغمر في قبيلته، لحمته العصبية باصطلاح ابن خلدون. إنه انتماء يحدد الهوية كاملة بلا قدرة على الانعتاق. لأن الخروج يعني موتاً في حالات ليست بالقليلة. ويصبح الأنا منصهراً في أثير الجماعة العرقية كأنه نسيج عضلي داخل وجودها. لا يشعر بالانشداد إلاَّ إلى مثيله، نظيره العضوي. ويصبح أيضاً عاجزاً عن الانفكاك من الحالة الجمعية التي تحدد مصيره وآليات عمله ورؤيته للكون والمصير.
إن القبائل والعشائر والعائلات لهي أقرب التكوينات أنثروبولوجياً للروابط العرقية والجنسية بين الجماعات. وهي الرغبة العنيفة في الاندماج الحسي بالمماثل. وليس المماثل الروحي ولا الإنساني قصداً إنما الالتصاق الجسدي الصراعي. ولو قربنا الصورة أكثر لوجدنا القبيلة متصلاً لحمياً بين مجموعة ذائبة في بعضها البعض تجاه كتلة أخرى. هي غالباً قبيلة مكروهة سواها. وأن الوقع المادي لحركة الأعضاء يكمن هذا الامتداد. وذلك بصرف النظر عن الاختلاف، التنوع. بل سيموت كل اختلاف من شأنه اثراء الفضاء الحر للعقول والأفراد والحقوق واللغات والآفاق.
والأكثر دلالة هو انبات معاني القبلِّية باسم الديانات والالحاد معاً. إنه أعمق تحول حدث على المفاهيم والنسب إلى وجودنا التاريخي منذ القدم. أن يتدفق الوجود الصراعي في انتماءات تغالب بعضها البعض بعناصر الاعتقاد والأيديولوجيا. لأن أسباب الانتماء لم تنته، عناصر الصراع تحورت، تغيرت في اشكال حداثية. وكانت ثمة مبررات للقفز نحو الأمام دوماً. وتلك المرحلة لها من الخطورة ما لها. لأن المبررات عامة رغم خصوصيتها، وكلية مع غرقها في وحل العصبية. كما أنها تحتمي بوسائط شفافة من المذاهب والفلسفات والرؤى. وتقطع شرايين الحياة في همس الأثير بحيث لا تكاد ترى. وانتقلت من مجرد قبائل دينية أو إلحادية مذهبية ذات طابع جيو سياسي محدود إلى بدائل عولمية على صعيد السياسات الدولة.
بالأمس القريب أشعل صمويل هنتنجتون في كتابه صدام الحضارات فتيل الحرب الحضارية باعتبار أن ثمة ديناً -هو الاسلام- أخطر على الحضارة الغربية من جميع الأديان الشرقية الأخرى. ليست المسألة هنا ما إذا كانت صحيحة أم لا -وهي كذلك بالنسبة للإسلام السياسي- لكن لأنه ساق مبرراته بطريقة غير دينية إزاء الدين. تجاوزاً يمكن اعتبارها إلحاداً سياسياً وإن كان نسغها لاهوتياً مسيحياً ثقافياً في شرايين الامبراطورية الأمريكية. وفعلاً تشكلت الفكرة في قرارات أممية ومنظمات دولية انتهت بالحرب على الإرهاب الديني في مقابل القيم المعاصرة لدول الغرب. إذن نفس الرأسين لقبيلتي الإيمان والإلحاد قد وجدا مكانهما لدى صانعي السياسة وأصحاب المشروعات العولمية بعد تدمير برجي التجارة العالميين. ثم كانت الصواريخ والمدمرات الأمريكية التي دكت العراق لا تفرق بين المؤمنين والملحدين. مع أن المزاعم الكبرى التي وراءها كانت القضاء على محور الشر وتحالفاته الإرهابية!!
لقد اتاحت العولمة أدوات افتراضية ووسائط خيالية استطاعت تكريس العنف المتبادل. وهو الموقف الذي لن يزيد الاثنين إلا تمسكاً بمواقع أقدامهما الشائكتين. بل والإمعان أكثر وأكثر في نشر الآراء العدائية بينهما. لقد تحصن الفريقان بمواقع الكترونية وعبر صفحات تويتر والفيس بوك والمدونات والصحف الالكترونية ومواقع النشر بنفس الآليات الاعتقادية بين الإيمان والإلحاد. لقد خصصت أرقام وشفرات لكل موقع لا يأخذها إلاَّ من أجاب عن أسئلة ايديولوجية تخص توجهات آراء الفريقين. إذن أمست الأرقام مفتاحاً قبائلياً واسطورياً كما هي في استعمال الألفاظ والعبارات ضمن الأساطير القديمة. إن أسطرة الايمان والإلحاد مازالت عملية تنسخ رمزيتها وأدواتها على كلا الجبهتين. لأن الانحشار في معارك حوارية ونقدية ضيقة بدون "عمل فلسفي ضخم" يتجاوزها ينتهي إلى احتذ اء الأهداف والوقوع في ذات الأخطاء.
هكذا انتشرت الروابط الافتراضية والأيقونات والصور الديجيتال لأصحاب الاتجاهين. ليغدو التناقض واسعاً على نطاق العالم الافتراضي ومرادفاته. ولتتحول القبائل من أجساد عضوية ثقافية إلى أنسجة خيالية. ولم يكن الأمر في طريق التخفف من الاحتقان اللاهوتي الصراعي لكنه جعل الملاحقة بين الاثنين على أشدها. فكأن المؤمنين يجتاحون مواقع الملحدين مع الشتائم والسباب اللا أخلاقي. وبالعكس امتشق الملحدون عصا السخرية من العقائد الدينية الضيقة. والقراءة لهذا الحال تكشف كم تقلص المنطق العقلاني الثري في فهم قضايا الدين والحقيقة والإنسان.
تأتي قبائل الملحدين والمؤمنين ضمن إطارها التاريخي هذا. ونحن ندرك أن الثقافة الشائعة حول الحوار والنقد والتعبير لم تكن إلا صناعة ثقيلة لشروط التخلف وأنظمته السارية بين جميع الاتجاهات بلا تفرقة. فإذا كان ثمة شيء مشترك بينا القبيلتين فهو طرائق التعامل والنقاش بينهما. لم يكن ثمة انفتاح فكري بل ضاقت المساحات واثخنت الأفكار بغرائز الفتك بالمخالف وقتله.
وراء ذلك كله منطق اقصائي هو منطق: " إما ....أو". إما الإيمان.. أو.. الالحاد، إما الدين.. أو.. اللادين، إما أنا... أو.. لا أحد سواي. ذلك المنطق يخفي التكوين القبائلي الدموي. حيث لديه قدرات هائلة على التكيف مع الأنظمة الحداثية وما بعد الحداثية للعنف والكتابة والحقائق. وبحكم اللغة فإن " إما" ليس اختياراً فحسب بل وجوداً حتى الموت، حتى الفناء، حتى التلاشي. إنه ينقل عملياته العنيفة خارج إطار التفكير المثالي والأسطوري. ليلتحم بمقولة ديكارت: أنا أفكر إذن أنا موجود. ويصبح الأنا هو الحجاب السميك الذي يكمم الآخر ويقضي عليه. والقصة بعيده عن الترميز أو الرأسمال المعرفي. وإن كان الأخير أكبر مخازن البارود الذي يزودها بالاستمرارية. كيف يمكن ابطال مفعول هذا المنطق التناقضي؟ هل ثمة آفاق مغايرة تلغي الاستقطاب الحاصل؟
الإلغاء يكمن دوما في الطرف الثالث، الرابع، الخامس، بلا توقف. كل ثنائية يأتي تعطيلها من هذا الموقع السري خارج – داخل وجودها المتناقض والعنيف. إنه التفكير السالب negative thinking الذي لا ينحاز سلفاً لهذا أو لذاك. ويبقى مسئولاً عن احداث التنوع، الاختلاف، التفكيك، التغيير، الاختراق، التدمير لأي استقطاب اكراهي. فإذا كان الإلحاد توجهاً ايديولوجياً ضد ديني anti- religious فإنه لن يقدم إجابات مفتوحة على معضلات العنف الديني. لكنه سيستدعي كل إرهاب مقابل، أي سيستثير عداء المضاد البيولوجي له. ولذلك ينبغي أن يكون فيضاً، اغراقاً، غمراً من الانفتاح اللانهائي... هو حياة الإنسان بما هو إنسان.
والعلة البعيدة أن الإيمان الديني لن يتحرر سوى بتحرير مفاهيم الإله. بمعنى ينبغي تحرير الإله من قبضة العنف والأيديولوجيا. من تصورات الوجود الماهوي لأفعال الإيمان بأنماط تاريخية معينة. وحتى إذا قبل الإنسان اللا إيمان فلن يمكنه ذلك إلا بتدمير الصور التاريخية والقمعية للإله. ولهذا يحرص الأخير(الإله) على البقاء في حيز المطلق، مساحة التأله السالب الذي لا تكافئه معان بحد ذاتها. بل تعجز اللغة عن الاتيان به في قوالب اللغة المعتادة والجاهزة. وبالتالي فالسؤال المهم: لماذا يلعب الإلحاد نفس اللعبة اللاهوتية؟!