سؤال التنوير سؤال الحداثة.....2

محمد الحنفي
2016 / 12 / 30

والتنوير، الذي أصبحت البشرية تبحث عنه، ليس هو التنوير بمفهوم عصر النهضة الأوروبية، الذي كان يحرص على إعداد الناس لامتلاك الرؤى، والتصورات المساعدة على مواجهة تحكم الكنيسة في كل مفاصل الحياة، نظرا لاعتماد الحكام، في ذلك الوقت، على امتلاك شرعية الحكم، بالاستناد إليها، وليس هو التنوير الذي يساعد الشعوب على إزاحة التضليل، الذي كان يمثله الاحتلال الأجنبي، أو تبثه، وتستمر الأنظمة الحاكمة المستبدة، والرجعية، والمتخلفة، التي تسلمت الحكم من الاحتلال الأجنبي، في بثه، وليس هو تنوير النهضة العربية، الذي سرعان ما اختفى، وتم نسيانه، ولم يعد له أثر في الواقع، نظرا لكونه كان يفتقد القاعدة المادية، التي تكسبه قوة الفعل، وقوة الاستمرار.

إن التنوير الذي نريده، هو التنوير الكاشف عن مخاطر أدلجة الدين بصفة عامة، وأدلجة الدين الإسلامي بصفة خاصة، هو التنوير الذي يكسب المتفاعلين معه، الوعي اللازم بخطورة أدلجة الدين على مستقبل الأجيال، والشعوب، وعلى دورها في نشر التظليم في المجتمع، أي مجتمع، حتى يكتسبوا القدرة على مواجهة كل أشكال الظلام، عن طريق نشر التنوير في الواقع الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي؛ لأنه بدون نشر التنوير، لا ينزاح الظلام المترتب عن التظليم.

والوعي بخطورة أدلجة الدين، يترتب عنه الوعي بخطورة تحول تلك الأدلجة، إلى مصدر للإرهاب المعنوي، الذي يتحول بالضرورة إلى إرهاب مادي، يقود إلى إبادة البشر، مهما كان هذا البشر.

ولذلك فالتنوير المناسب، هو الذي يؤدي إلى مواجهة مصدر الظلام، ومصدر الإرهاب، ومصدر التخلف، وهذا المصدر، هو أدلجة الدين، الذي يعرف في هذه المرحلة، بأدلجة الدين الإسلامي، التي صارت تعم كل بلدان المسلمين، وتنتشر حيث يتواجد المسلمون، وفي جميع القارات.

وهذا التنوير المناسب لهذه المرحلة، هو الذي يستطيع توضيح الرؤى، والتصورات، التي تنخرط في مواجهة الظلام، والظلاميين، وفي تفكيك الخطاب الظلامي، دون أن تنخرط في مواجهة الدين، أي دين، كشأن فردي، بمافي ذلك الدين الإسلامي، الذي يجب التعامل معه كشأن فردي، مهما كان هذا الشأن الفردي إسلاميا، أو مسيحيا، أو يهوديا، أو غير ذلك. وعلى التنوير، والتنويريين، أن ينخرطوا في توضيح حقيقة الدين، وحقيقة أدلجة الدين، حتى تميز الجماهير الشعبية الكادحة، بين الدين لله: (وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدا)، وبين الدين المؤدلج، المنتج للسياسة، ويتم تكوين أحزاب سياسية على أدلجته، ليصير مستغلا أيديولوجيا، وسياسيا، وليصير الدعاء في الدين المؤدلج لغير الله. والهدف، هو تأبيد الاستبداد القائم، أو العمل على فرض استبداد بديل.

وبهذا التوضيح القائم على أساس التنوير، الذي يعمل على بثه التنويريون، نستطيع أن نعمل على الفصل النهائي بين حقيقة الدين، وحقيقة أدلجة الدين، بين الدين الذي يصير وسيلة لعبادة الل،ه وبين أدلجة الدين التي تصير وسيلة للوصول إلى السلطة، حتى يتبين للمومنين بأي دين، الحق من الباطل، ومن أجل أن لا يعتقدوا: أن أدلجة الدين، هي عين الدين، وبأن ما تدعو إليه أدلجة الدين، هو ما يدعو إليه الدين، وأن الدين، أي دين، ينسجم مع ما تدعو إليه أدلجة الدين. وهو ما يترتب عنه فساد الدين، وفساد العبادة، وظهور الطوائف المؤدلجة للدين، والصراع فيما بينها، من أجل السيطرة على تمثيل الدين، وعلى الحكم باسم الدين.

فالتنوير المناسب إذن، هو الذي يدخل في مواجهة مع التظليم، الذي تسعى التوجهات الظلامية إلى بثه في المجتمع، في أفق جعله قابلا بتسييد الرؤى الظلامية، وصولا إلى حكم الظلاميين.

ومعلوم أن التنوير عندما يسود في واقع معين، يصبح ذلك الواقع مستوعبا لكل مظاهر الحداثة، بمعناها الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، إلا أن هذه الحداثة، المترتبة عن بث التنوير في المجتمع، مفروض عليها طرح السؤال:

أي حداثة، لأي واقع؟

هل هي الحداثة البورجوازية التي كشفت عن تحالفها مع الإقطاع، من خلال تحول الإقطاعيين إلى بورجوازيين / إقطاعيين أو إلى إقطاعيين بورجوازيين: صناعيين، أو تجاريين، أو عقاريين، أو غير ذلك؟

هل هي حداثة البورجوازية الصغرى، التي أبانت عن انتهازيتها، وعن حرصها على تحقيق تطلعاتها الطبقية، وعن حملها لكثير من الأمراض التي تلازمها باستمرار؟

هل هي حداثة الاشتراكية، المرتبطة بطليعية الطبقة العاملة، وحلفائها للمجتمع، وبوجود حزبها الثوري، وبالعمل على نشر الفكر الاشتراكي العلمي، في صفوف الجماهير الشعبية الكادحة، وفي صفوف العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين؟

هل يمكن اعتبار الحداثة التكنولوجية المتقدمة، والمتطورة، والدقيقة، والإليكترونية، حداثة بالمعنى الصحيح؟

هل نعتبر انتشار المعمار الحديث، حداثة بالمعنى الصحيح أيضا؟

وهل مجرد تحويل المجتمع، من مجتمع زراعي، إلى مجتمع صناعي، حداثة؟

إننا عندما نتكلم عن الحداثة، يجب أن نراعي، في كل منها، شمولية أبعاد المفهوم الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، نظرا للعلاقة الجدلية القائمة بين هذه الأبعاد المختلفة، ونظرا لتكاملها فيما بينها، في إعطاء مفهوم الحداثة بعدا شموليا، حتى لا نعتقد أن الحداثة تتجسد في الاقتصاد وحده، أو في الاجتماع وحده، أو في الثقافة وحدها، أو في السياسة وحدها؛ لأن المفروض: أن منهج الحداثة، يجب أن يشمل جميع مجالات الحياة، حتى تستطيع القيام بدورها، في تغيير مجالات الحياة الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية. وبالتالي، فإنه لا يمكن الحديث عن الحداثة الاقتصادية، دون الحديث عن الحداثة الاجتماعية، ودون الحديث عن الحداثة الثقافية، ودون الحديث عن الحداثة السياسية؛ لأن مفهوم الحداثة، يشمل كل هذه الجوانب.

وإذا رجعنا إلى السؤال الذي يفرض نفسه علينا:

أي حداثة، لأي وقع؟

نجد أن الحداثة المطلوبة في هذه المرحلة، هي الحداثة بمفهومها الشمولي / التنويري في نفس الوقت، حتى تتناسب مع متطلبات الفعل في الواقع المحكوم بالرؤى الظلامية المختلفة. تلك المتطلبات التي تسعى إلى الاستفادة من التقدم المعرفي، والعلمي، والتيكنولوجي، لصالح تكريس الرؤى الظلامية، في كل مجالات الحياة الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، وهو ما يجعل المنظور الشمولي للحداثة، الذي يأخذ بعين الاعتبار، شمولية منظور التخلف الأصولي، والمؤدلج للدين، مهما كان هذا الدين، وخاصة إذا تعلق الأمر بأدلجة الدين الإسلامي، التي تقف وراء هذا التخلف المهول، الذي تعرفه بلدان المسلمين، على جميع المستويات: الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية. وهو ما يقتضي من الحداثة بالمفهوم الذي ذكرنا، ومن روادها، ومن العاملين على إشاعتها، أن ينخرطوا في عملية مواجهة الظلام، والعمل على نقض كل الأفكار الظلامية، التي تعمل على تظليم الواقع، حتى تنكشف طبيعة تلك الأفكار، التي يجب أن يتم الوعي بها، والعمل على مواجهتها، من خلال مواجهة الظلاميين ميدانيا، وفعليا، على أرض الواقع، في أفق اسئصال الظلامية، والظلاميين في نفس الوقت، من الواقع الذي يصير متقبلا لفعل الحداثة، بمفهومها الشمولي، التي تتيح الفرصة أمام إعمال العقل، في كل مناحي الحياة، وبمنهج علمي دقيق، يسعى إلى جعل الواقع في خدمة الإنسان، من خلال خدمة مصالح العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، حتى نستحضر، وبالعمق المطلوب، المفهوم الشمولي، ببعده الإنساني، لإخراج المجتمع من جحور الظلامية، والتظليم، إلى فضاءات التنوير، التي تتسع لكل الأفكار، التي ترفع الحيف عن الواقع، متلمسا للتطور الذي يستهدفه، من أجل احتضانه، والشروع في التفاعل معه، في أفق أن يصير متطورا، وفق منطق الحداثة، في شموليتها، وبمنطق التنوير، الذي يفتح أمامها فضاءات بدون حدود.

وعندما يتعلق الأمر بالحداثة، بمعناها البورجوازي، فإننا نجد البورجوازية التي أصبحت بدون حضور الجانب الإنساني، بسبب ما عرفته من تطور مهول، فيما يخص تركز الثروة، في يد قلة قليلة من الفئات البورجوازية، التي أصبحت الفئات العليا منها، تسحق الفئات الدنيا: اقتصاديا، واجتماعيا، وثقافيا، وسياسيا. وهو ما يمكن اعتباره مناسبة للقول: بأن الحداثة بمفهومها البورجوازي، اصبحت خالية من مضمونها الإنساني، لهمجيتها، ولوقوفها وراء انتشار التخلف، بمضامينه الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية، ونظرا لوقوفها وراء إفقار فئات من المجتمع، كما تشهد بذلك مختلف الإحصائيات الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، على المستوى العام، أو على المستوى القومي / الإقليمي، أو على المستوى المحلي، لنستخلص أن الحداثة البورجوازية، التي نتكلم عنها، تبقى حداثة متجسدة في تركيز الثروة، في يد قلة قليلة من المجتمع، قد لا تتجاوز، في بعض الأحيان: 1%، التي تستحوذ على اكثر من 50%، من الثروة العالمية، أو أكثر من ذلك بكثير؛ لأن الحداثة البورجوازية، التي كانت قائمة على ما هو إنساني، بعد ظهور البورجوازية الأوروبية، وفي صراعها مع الإقطاع المتخلف حينذاك، ومن خلال سعيها إلى الظهور بالحرص على العلاقات الإنسانية، بينها، وبين العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين. إلا أن ذلك الحرص، لم يعد واردا في هذه المرحلة، التي أصبحت فيها البورجوازية متوحشة. وهذا التحول في الجوهر، الذي عرفته البورجوازية، هو الذي قادها إلى التحالف مع الإقطاع، مما أدى إلى تحول البورجوازية إلى إقطاع، أو إلى تحول الإقطاع إلى بورجوازية، ليصير بذلك الإقطاعي، بورجوازيا، أو البورجوازي إقطاعيا، مما أصبح يعرف بالإقطاع الجديد، أو الفيودالية الجديدة، أو التحالف البورجوازي / الإقطاعي، الذي ينتفي فيه التناقض بين البورجوازية، والإقطاع.

وإذا كانت الحداثة البورجوازية بمفهومها المتطور، أصبحت غير واردة، فإن حداثة البورجوازية الصغرى، المطالبة بالحداثة، في شروط معينة، والمتنكرة للحداثة بمعناها الصحيح، في شروط أخرى، والمريضة بالممارسة الانتهازية، في طبيعتها، والحريصة على تحقيق تطلعاتها الطبقية، والمتملقة، والممارسة للتسلق الطبقي، والتي قلما تنتحر طبقيا، من أجل الارتباط العضوي، بالعمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، لا يمكن أن نعتبرها إلا معرقلة لإمكانية انبثاق حداثة حقيقية، بالمعنى الصحيح للحداثة، التي لا تأخذ منها البورجوازية، إلا ما ينبئ ببمارسة انتهازيتها، وما يساعد على تحقيق تطلعاتها الطبقية، وما يمكنها من التسلق الطبقي السريع، وما سوى ذلك، ستذهب الحداثة إلى الجحيم. وهو ما يعني: أن الحداثة بمفهومها الصحيح، غير واردة في المفهوم البورجوازي الصغير، ما لم تكن متنكرة للحداثة، في حالة تحولها إلى ممارسة الحزبية، على أساس أدلجة الدين، أي دين، خاصة إذا كانت هذه الأدلجة تستهدف الدين الإسلامي بالخصوص، من أجل تحويل الدين، أي دين، إلى وسيلة لتحقيق التطلعات الطبيقية، عن طريق الاستغلال الأيديولوجي، والسياسي، للدين، لإنتاج الفكر الظلامي، الذي يعتمد لتجييش المضللين، وراء المؤدلجين، من البورجوازية الصغرى، الذين يعتمدون على ذلك التجييش، لتحقيق أحد هدفين: إما الوصول إلى السلطة، وإما ممارسة الإرهاب المادي، والمعنوي، على المجتمع ككل، بما في ذلك التفجيرات الإرهابية، وهو ما يعني، كذلك، أن البورجوازية الصغرى، لا يمكن التعويل عليها في عملية التحديث، ما لم تنتحر طبقيا، وما لم تتخل عن انتهازيتها، وعن حرصها على تحقيق التطلعات الطبقية، وعن ممارسة التسلق الطبقي، وعن استغلالها أيديولوجيا، وسياسيا، للدين، أي دين، بما في ذلك الدين الإسلامي، للوصول إلى السلطة، عن طريق الحرص على تأبيد الاستبداد القائم، أو على فرض استبداد بديل، أو ممارسة الإرهاب المادي، والمعنوي، بما في ذلك التفجيرات الإرهابية، التي وقفت وراء حصد الآلاف من الأرواح البريئة، ووراء هذا الخراب، الذي كاد يكون شاملا لمعظم البدان العربية، وباقي بلدان المسلمين.

وإذا كانت الحداثة بمفهومها البورجوازي، في ظل سيادة الاستغلال الهمجي، هي السائدة، وإذا كانت حداثة البورجوازية الصغرى، تلفها مجموعة من الأمراض، التي تحول دون تحولها إلى حداثة فعلية، تقف في وجه مؤدلجي الدين، أي دين، بما في ذلك الدين الإسلامي، وما ينتجونه من ظلام، وظلامية، فإن الحداثة بمعناها الاشتراكي العلمي، تعني الانتقال إلى جعلها تفيد معنى الوعي الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والمدني، والسياسي، بمعناه الطبقي، وفي جدلية كل اشكال الوعي فيما بينها، ومع الواقع، في تجلياته المختلفة؛ لأن الحداثة بمعناها الاشتراكي العلمي، بالإضافة إلى كونها حداثة الوعي الطبقي، فهي حداثة الفكر، والممارسة، في جدليتهما، وحداثة التغيير الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، في جدليته، كذلك، مع الواقع، في تجلياته المختلفة، وحداثة الحكم، الذي يصير للشعب، وحداثة الدستور، الذي يصير شعبيا ديمقراطيا، وحداثة التحول في صيرورة الواقع، في خدمة العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، وحداثة التوزيع العادل للثروة الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية.

والكلام عن الحداثة، هكذا، وبدون تحديد، ما هو إلا شكل من أشكال التضليل، والتعويم، وفي أفق تجاوز كل ذلك: فالحداثة تعني كل جديد، يتم إعداده على أساس تلاشي القديم، على مستوى الفكر، وعلى مستوى الممارسة، وعلى المستوى السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، والمعرفي، والعلمي، والفلسفي، والتكنولوجي، والإليكتروني، وغير ذلك من ألوان الحداثة المادية، والمعنوية. وبالتالي: فإن الحداثة تعني التطور، والتجاوز، في افق إيجاد بناء جديد للدولة، ولمفهومها، الذي يصير منسجما مع التحولات الإيجابية، التي تعرفها التشكيلة الاقتصادية / الاجتماعية، على جميع المستويات، التي تعمل على إبراز الجديد، مكان القديم، في إطار التحول المستمر، الذي لا يعرف التوقف أبدا، والذي يتم في إطاره طرح القديم، وتجاوزه، واحتضان الجديد، والتفاعل معه.