لأن الله يرى!

فاطمة ناعوت
2016 / 12 / 29

========

سألتني المذيعةُ: "تكتبين منذ ستة عشر عامًا عن العدالة والمواطنة والجمال والتحضّر، ألم يُصبكِ الضجرُ وأنت ترين الأمورَ تسيرُ إلى الأسوأ، ولا أثر لما تكتبين ويكتبُ غيرُك؟ لماذا تكونين أنتِ الضحيةَ وتتعرضين للملاحقة القضائية والتهديد بالسجن والسُّباب والتكفير والحرمان من أسرتك شهورًا طوالا؟ هل يستحقُ الأمرُ كلَّ هذا؟!" وأجبتُها على الهواء بعفوية: "مصرُ تستحقُّ! جميعُنا أهان مصر، جميعُنا مُدانٌ لمصر!” والآن، في هذا المقال، أجيبُها بالقصة التالية.
تدخل السيدةُ الجميلة إلى الغرفة وتقول شيئًا للحاضرين. ولا أحد ينتبه لوجودها ولا حتى يسمع ما قالت. "أخفضوا صوتَ التليفزيون”. ولم يتحرك أحدٌ ليُلبّي طلبَها. تهتفُ بصوت عال: " من فضلكم، ليخفضْ أحدُكم الصوت!” ولا أحدَ يتحرك، كأنها ما تكلّمت! فتدخل وتخفضُ صوت التليفزيون بنفسها. وفي أحد المساءات كانت وزوجها مدعويْن على حفل. وبعد ثلاث ساعات حان وقت العودة للبيت؛ فبحثت عن زوجها الذي تركها ليتحدث مع أصدقائه. أشارت له مرّة ومرّة؛ لكنه لم ينتبه كأنها غير مرئية، وظل يتحدث إلى رفاقه! هنا أدركت أن زوجها لا يكاد يراها وهي واقفةٌ أمامه! “أنا غير مرئية!”، هكذا قالت لنفسها بحزنٍ. ثم تأكد لها الأمرُ حينما أوصلت طفلها ابن الخامسة إلى مدرسته يومًا، فسألته المعلّمةُ: "مَن السيدة التي أتت بك يا جاك؟" فأجاب الطفلُ: "لا أحد!" “يا إلهي! "أنا أصبحتُ لا أحد؟!” هكذا بدأت "نيكول جونسون" تُدرك أنها لم تعد مرئية. أصبحت من المُسلّمات البديهية في عيون أفراد أسرتها كأنما من فرط حضورها لم يعد أحدٌ يراها ! تؤدي مهامها اليومية كأمٍّ وكزوجة، لكنّ احدًا لا يشعر بوجودها! وبدأ الحزنُ يسكنُها. وقبل أن يتملّك اليأسُ من قلبها، أهدتها صديقةٌ لها كتابًا مُصوّرًا عن أجمل كنائس أوروبا. في صدر الكتاب إهداءٌ يقول: “بكل الإعجاب أُهدي كتابي إلى الفخامة التي شيّدتموها في حين لا أحد يراكم.” لن تعرف أبدًا أسماء البشر الذين شيّدوا تلك الكاتدرائيات الرائعة. تُقلِّب الصفحات تلو الصفحات لتتأمل صور الكنائس العملاقة الملوّنة، ثم تنزل بعينيك إلى أسفل الصفحات لتعرف أسماء المعماريين والبُناة، فتجد مكتوبًا أسفل كل صورة: المعماري والبنّاؤون: غير معروف". لقد أتمّوا أعمالهم العظيمة وهم يدركون أن أحدًا لن ينتبه إليهم. وهناك قصة حول بنّاء ظل ينحت في الحجر شكل طائر ضئيل على رأس عمود سوف يختفي تحت سقف الكنيسة. فصعد إليه رجلٌ وسأل النحّاتَ ساخرًا: “لماذا تُنفق كل هذا الوقت في تمثالٍ لن يراه أحد؟!” فأجاب النحّاتُ: “لأن اللهَ يرى.” أولئك يؤمنون أن الله يرى كل شيء. ظلّوا يذهبون يومًا بعد يوم ليمنحوا كامل أعمارهم في بناية معمارية ضخمة لن يشهدوا اكتمالها في حياتهم أبدًا. بعض الكاتدرائيات استغرق بناؤها أكثر من مائة عام. أكثر من عُمر أي شخص من أولئك البنّائين. قدّموا تلك التضحيات الجبّارة دون أي ضمانات مستقبلية. يشيّدون بناية لن يروها مكتملة ولن تحمل أسماءهم. وتساءل الكتابُ: “ربما لن نرى بنايات بتلك الروعة والفخامة بعد ذلك، لأن بشرًا قليلين الآن، مستعدون لتقديم تضحيات بهذا المستوى.” أغلقت السيدةُ الكتابَ الضخم وكأنها سمعت نجوى الله: “أنا أراكِ. أنت لست ‘غير مرئية‘ بالنسبة لي. ليس هناك تضحيةٌ لا أراها مهما صغُرت. أرى كل رغيفٍ يُخبَز. كلَّ خرزة تُخاط؛ وأبتسم مع كل غرزة. أرى كلَّ دمعة إحباط تُزرف من عينك حين لا تسير الأمور كما تشتهين. ولكن تذكّري دائمًا أنكِ تشيّدين بنايةً عظمى، لن تكتمل في حياتك، وللأسف لن يكون بوسعك أن تعيشي فيها. ولكن إن أتممتِ عملَك على النحو الأكمل، ستكون مشيئتي.” كثيرًا ما يكون مؤلمًا حين لا يرانا الناسُ. لكنه ليست مرضًا يمحو حياتنا. بل هو العلاجُ من مرض "التمركز حول الذات". إنه الترياقُ الذي يشفي غرورنا. حسنًا إن كانوا لا يرون. حسنًا إن كانوا لا يعرفون. تقولُ نيكول في كتابها "المرأةُ غير المرئية" The Invisible Woman: “لا أريد أن يخبر ابني أصدقاءه في الجامعة: "لن تصدقوا ماذا تفعل أمي من أجلي، إنها تصحو في الرابعة فجرًا لتخبز الفطائر وتخفق الزبد وتكوي الملابس.” حتى ولو كنتُ أفعل كل هذا لا أريده أن يذكرها. بل أريده أن يحبّ العودة للمنزل. وثانيًا أريده أن يقول لأصدقائه: “سوف تحبّون بيتي. حسنًا أنهم لا يرون. فنحن لا نعمل من أجلهم، بل من أجل الله. نحن نضحّي من أجله. إنهم لن يروا أبدًا، مهما فعلنا الحسن. دعونا ندعو الله أن تقف أعمالُنا كآثار فخمة في أوطاننا.”
الآن، ربما أكون قد أجبتُ سؤال صديقتي الإعلامية السعودية: "نادين البدير”. نعم، الأمرُ يستحق كلَّ هذا العناء. ربما لن نشهدَ في حياتنا ما نرجوه لمصرَ من تنوير وتحضُّر، لكننا نبني حجرًا في جدارٍ، سوف يُكمله مَن يأتي بعدنا.