لا حل إلا بالعلمانية

ضياء الشكرجي
2016 / 12 / 29

لا حل إلا بالعلمانية

dia.al-shakarchi@gmx.info
استمرار التردد في طرح شعارنا وهدفنا لتحقيق العلمانية للعراق، أصبح غير مبرر، وغير مقبول، وغير نافع.
حسنا فعل الحزب الجديد (التيار الاجتماعي الديمقراطي) إذ أكد على علمانية التوجه، ولو مرة متواضعة واحدة، وذلك في المادة الأولى من نظامه الداخلي التي تشتمل على التعريف بالنص الآتي: «ويتمثل [أي الحزب] ثقافياً بسيادة وأولوية النزعات المدنية الحرة الفردية والعقلانية والعلمانية التي تحترم حرية المعتقد الديني وتقوم على التمايز بين وظائف المؤسستين الدينية والسياسية [كتعبير آخر عن مبدأ الفصل بين الدين والسياسة].»
ولكن هذا لا یكفي، بل لا بد أن نؤكد على علمانيتنا ونثقف عليها ونروج لها ونزيل الشبهات المثارة حولها، كلما كانت هناك فرصة ومناسبة لذلك. فلا إفصاحنا عن هويتنا كعلمانيين سيقلل من مؤيدينا، ولا عدم إفصاحنا عنها سيزيد من مؤيدينا. الناس تعرفنا، أصدقاءنا وخصومنا يعرفوننا، ومن يؤيدنا يؤيدنا ومن يعارضنا يعارضنا، فلو كان مؤيدونا لا يمثلون إلا 10%، فإن عدم إفصاحنا عن هويتنا العلمانية لن يكون سببا لجعل نسبة المؤيدين 40%. فإذا كنا نتجنب استخدام العلمانية من أجل أن يمنحنا الإسلاميون شهادة حسن سيرة، أقول أهدفنا نيل هذه الشهادة من الإسلاميين والطائفيين والفاسدين؟ فلنذهب إذن إلى هذه الأحزاب، ونطلب الانتماء إليها، بعد أن نطلق لحانا، ونزيّن أيماننا بخواتم العقيق اليماني، ونكوي جباهنا بطمغة سيماء السجود. وإلا فإن الذين نرضيهم بعدم طرح هويتنا العلمانية بوضوح، هم بالأساس ليسوا جمهورنا ولن ينتخبونا، مهما أبعدنا عن أنفسنا صفة العلمانية، ثم هم عندما يتاولون الحديث عنا في دوائرهم الخاصة يسموننا بالعلمانيين.
تأخرنا ما يقارب العشر سنوات، والآن لا بد من نبدأ بإطلاق شعارنا بأن الدولة العلمانية هدفنا، وبأن الدولة العلمانية ليست دولة كفر وإلحاد، ولكنها أيضا ليست دولة تديّن وورع وتقوى، بل هي دولة المواطَنة، دولة المواطن المتدين، والمواطن غير المتدين، المواطن الشيعي، والمواطن السني، وهي دولة المواطن المسلم والمواطن المسيحي والمندائي والإيزيدي والبهائي واليهودي والزرادشتي، دولة المواطن المؤمن، سواء الديني أو اللاديني، والمواطن الملحد. دولة تدافع عن حقوق وحريات المتدينين، ليزاولوا التعبير بما شاءوا عن تدينهم ويمارسوا شعائرهم وطقوسهم في أماكن العبادة وفي دورهم، وتدافع عن حقوق وحريات الذين يريدون أن يكونوا في حل من الالتزامات الدينية، على ألا تكون هناك أي تحديدات للحريات، باستثناء وجوب وقوفها، أي الحريات، عند حدود حريات وحقوق وراحة الآخرين، وعند حدود حفظ النظام العام والصالح العام والذوق العام، والذي لا يجب أن يعني بالضرورة ذوق الأكثرية، بل ذوق القاسم المشترك الأعظم.
في الوقت التي تكون الدولة العلمانية دولة لكل المواطنين، وتكفل لهم حرياتهم وتصون حقوقهم، تقول للمؤمن، كما تقول للملحد، لا تقحما إيمانكما ولا إلحادكما في الشأن السياسي. وتقول للشيعي، كما تقول للسني، لا تقحما شيعيتكما وسنيتكما في الشأن السياسي. وتقول للمتدين، كما تقول لغير المتدين، لا تقحما تدينكما أو عدم تدينكما في الشأن السياسي. اعبدوا ربكم أو من شئتم وما شئتم في بيوتكم وفي بيوت عبادتكم. فالسياسة والدولة ليستا مسؤولتين عن إيمانكم وعدم إيمانكم، إلا بمقدار مسؤوليتها عن حفظ حريتكم في ذلك، كما وإنها ليست مسؤولة عن التزامكم الديني وعدم التزامكم، فإذا اعتقدتم إن هذه الالتزامات مطلوبة منكم من الله، فأنتم مسؤولون عن تدينكم والتزامكم أمام ربكم، فاجعلوا ذلك بينكم وبين ربكم، ولا شأن للدولة بتدينكم ولا بعدم تدينكم، مع وجوب مراعاتكم لمشاعر وذوق وعقائد الآخرين، كثروا أو قلوا، لأن هذه المراعاة هي من أهم واجبات مكارم الأخلاق، إذا التزمتم بأن الدين جاء بالمقام الأول ليتمم مكارم الأخلاق. فمجال الدولة أمن الناس، وخدمة الناس، وتوفير الرعاية الصحية للمجتمع، ورفع المستوى المعاشي للناس، لاسيما للفقراء، ومكافحة الفقر، ورفع مستوى التعليم، وتنظيم وسائل المواصلات الحديثة، وحفظ حريات الناس وحقوقهم، وقبل وبعد كل هذا استئصال الفساد ومقاضاة الفاسدين.
وليكن معلوما ألا تلازم بين علمانية التوجه وقضايا الإيمان وعدم الإيمان والالتزام الديني وعدم الالتزام، فهناك متدينون علمانيون، بل رجال دين علمانيون، وإن كانوا لا يسمون بذلك، من حيث أنهم يتطلعون إلى دولة مدنية وليسوا مع الدولة الدينية، ولا يرون، أي هؤلاء المتدينون أن تدينهم يمنع من إيمانهم بوجوب الفصل بين الدين والدولة، وبين الدين والسياسة، بل بين الدين والشأن العام عموما. وهنا أذكر ما كتبته في أول تحولي إلى العلمانية عام 2006، بأن «العلمانية هي الحاضنة الأفضل لقضايا الدين وقضايا الوطن».
29/12/2016