أعياد الميلاد وصناعة الفرح

جعفر المظفر
2016 / 12 / 28

أعياد الميلاد وصناعة الفرح
جعفر المظفر
لا أحد ينكر أن تاريخ المسيحية كان حافلا بالكثير من العقائد والأفكار والممارسات التي جلبت على المسيحيين أنفسهم صورا لا توصف من الدمار ووضعتهم في جاهلية لم يكن أمامهم لغرض إجتيازها إلا أن يكونوا علمانيين سياسيين ويتركوا المسألة الدينية للشخص نفسه.
إن العلمانية هي الحل, وأن ما نعيشه من كوارث طائفية كانت أوروبا ذاتها قد عاشتها بشكل أشد في اثناء حرب الثلاثين عاما, تلك التي حدثت بين الكاثوليك والبروتستانت, والتي بدأت دينية ثم تحولت إلى سياسية لغرض سيطرة الدول على أراضي بعضها البعض, وأدت إلى مقتل نصف البشر في عموم القارة.
أما اليوم فإن الجميع في الغرب, ومنهم المسيحي وكذلك الملحد واللاديني الربوبي, يحتقلون باعياد الميلاد وما صارت ترمز إليه.
اكثر هؤلاء, وملحدوهم في المقدمة, يتعاملون مع رمزية المناسبة. لقد أفلحوا في أن يخلقوا صورة للمسيح هي غير تلك التي صنعتها المؤسسة الدينية ذاتها. لقد باتوا صناع فرح أما نحن فما زلنا صناع مآسي.
لدينا صورة مجسمة لطرفين, واحد ملحد وأخر يصلي إذا شاء في بيته وكنيسته ويترك الشارع للفرح الملون. حتى المسيح فقد قام من ميتته ليورث الفرحة : فقهيا تستطيع أن تناقش المقولة على ضوء نوعية إيمانك بأن المسيح بشر وليس إله, وهو كان قد صٌلب وإنتهى أمره ولم يقم من ميتته, أو كان قد شٌبه لهم كما يذكره الإسلام. المسالة ليست هنا, إذ لا أحد في اعياد الميلاد في الغرب يناقشك حينما يتسوق أو حينما يرسم للأطفال صورا وقصصا ملونة عن السانتا كلوز أو حينما يتبادل الإنخاب والقبل عند منتصف الليل, عن ما إذا كان المسيح إلها أو بشرا, أو عن الطقوس المسيحية, فلقد تركوا ما لله لله وجعلوا ما للبشر للبشر ثم أفلحوا من خلال العلمانية السياسية ان يبنوا مجتمعا يؤمن به الإنسان بما يعتقده دون إكراه.
إنهم صناع فرح .. لقد رفضوا أن يظل المسيح ميتا, ووفر لهم ذلك فرصة أن لا يبكوه طول العمر حتى كأنهم بعثوه حيا مرة أخرى لكي يفرحوا بيوم قيامته. أما نحن فهناك من بات يخبرنا اليوم أن محمدا لم يمت ميتة طبيعية, وإنما أستشهد بعد أن تم قتله بالسم, وهكذا يشاء هذا البعض أن يحرموا المسلمين من فرحتهم بعيد ميلاد نبيهم, وهي فرحة على قد الحال, إضافة إلى مشهد الفتنة الذي يرسمه إدعاء كهذا.
فهل يستطيع التيار العلماني بين المسلمين أن يكون صانع فرحة. أعتقد أن المسألة ليست بهذه السهولة, لكن مع ذلك فإن العلمانية,إذا كتب أن يكون لها القرار, فإنها تستطيع التحكم بطبيعة الحياة اليومية وتحييد الموروث العنفي الصدامي إجتماعيا بحيث تخف تدريجيا الحاجة الماسة إلى الحزن والبكاء. وقد يكون لنا سانتاكلوزنا الخاص بنا, أو قد يكون لنا جميعا سانتاكلوز واحد.
وفي كل الأحوال سيعلمنا ذلك كيف نبدأ العام الجديد بفرحة لا بقرحة.