سؤال التنوير سؤال الحداثة.....1

محمد الحنفي
2016 / 12 / 28

إن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن، ونحن نتناول موضوع: (سؤال التنوير سؤال الحداثة)، هو سؤال:

أي تنوير، لأية مرحلة؟

وأي حداثة، لأي واقع؟

وأية علاقة بين التنوير، والحداثة؟

وأي تطابق ممكن بين التنوير، والحداثة؟

وكيف يصير الواقع المتنور حديثا؟

وما مدى انعكاس شيوع التنوير، والحداثة على الناس، في مجتمع معين بصفة عامة، وعلى الجماهير الشعبية بصفة خاصة؟

وقبل الدخول في مناقشة هذه الأسئلة المطروحة علينا، لا بد أن نعمل على تحديد مفهوم التنوير، ومفهوم الحداثة.

إن التنوير، حسب ما تفيده بنية الكلمة، التي جاءت على وزن التفعيل، وهو ضد التظليم، على وزن التفعيل أيضا، يؤدي على إشاعة نور العقل، وعكسه التظليم، الذي يؤدي إلى إشاعة ظلامية العقول، التي تحول دون إعمال العقول البشرية في الواقع الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، حتى تبقى الرؤيا الظلامية هي السائدة في ذلك الواقع، في الوقت الذي يعمل التنوير على إعمال العقل، أو على إعداد المجال، لإعمال العقل، على أسس واقعية / علمية، وفكرية، وفلسفية، ومادية، بعيدا عن كل ما يمت إلى الظلامية بصلة، لنصل إلى أن التنوير، هو عملية معقدة، تعمل على إعداد الشروط المناسبة، لإعمال العقل، انطلاقا من الواقع، في تجلياته المادية، والمعرفية، والعلمية، والفلسفية، وغير ذلك، لإتاحة الفرصة، أمام خلخلة الفكر السائد، القائم على أساس اعتماد الغيب، في تجلياته الميتافيزيقية، وسيادة الجهل، وانعدام المعرفة العلمية، والتنكر للفلسفة، واعتماد أدلجة الدين، لإنتاجة الظلامية، وإدخال الواقع في سراديب تلك الظلامية. وهذه الشروط المناسبة لإعمال العقل، لا بد فيها من:

1) نقد الواقع، وإبراز جوانبه الإيجابية، والسلبية، والعمل على تنمية ما هو إيجابي، وتجاوز ما هو سلبي، في افق أن يتحول نقد الواقع، إلى تقويمه ماديا، ومعنويا، سعيا إلى تحقيق التحول النوعي، المنسجم مع إعمال العقل المادي / المعرفي / العلمي / الفلسفي، الساعي إلى مصادرة الظلام، والظلامية من الواقع، كتعبير عن مصادرة كل أشكال التخلف الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، التي يحل محلها التقدم، والتطور، في كل مجالات الحياة.

2) بث المعرفة العقلية في الواقع المعرفي، والعلمي، والفلسفي، وفي مختلف المجالات الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، حتى تصير تلك المعرفة، متمكنة من فكر، وممارسة الأفراد، والجماعات، التي ترتبط بمجال بث المعرفة العقلية، في أفق الانخراط الفردي، والجماعي، في إنتاج المعرفة العقلية، والترويج لها في الواقع المختلف، وبكل الوسائل الممكنة، حتى تصير المعرفة العقلية من مكونات الواقع المادي، والمعنوي، الذي يصير أساسا، ومنطلقا، للتحديث في مستوياته المختلفة، على مدى عمر الواقع المادي، والمعنوي.

3) الاهتمام بتدريس العلوم، في مختلف المستويات التعليمية، وبتدريس فلسفة العلوم في المستويات المتقدمة من التعليم الثانوي، والجامعي، والعمل على الترويج لها في الأوساط العلمية المختلفة، وفي أوساط المتعلمين، أنى كان مستواهم، وفي أوساط المجتمع ككل، حتى يتأتى للمعرفة العلمية، والفلسفة العلمية، أن تصيرا جزءا لا يتجزأ من بنيات الواقع المادي، والمعنوي، الذي يصير محتضنا للفكر العلمي، وموظفا للفلسفة العلمية، في التعامل مع تحولاته المختلفة.

4) إعادة النظر في البرامج الدراسية، من أجل رفع مستوى الأداء المعرفي، والعلمي، في الواقع المادي، والمعنوي، من خلال رفع مستوى التلاميذ، والطلبة المنتمين إلى واقع معين، يفعلون فيه، ويتفاعلون معه، يؤثرون فيه، ويتأثرون به، بحكم الحرص على أن تصير البرامج التعليمية، وسيلة لرفع مستوى الواقع المعرفي، والعلمي، والعقلي.

5) إخضاع الواقع للنقد البناء، سواء تعلق الأمر بالواقع الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، من أجل إبراز الجوانب الإيجابية، والعمل على استثمارها، والجوانب السلبية، من أجل العمل على تغييبها في الممارسة اليومية، خاصة، إذا كان النقد الممارس، نقدا علميا، بهدف جعل الواقع مستجيبا للحاجة إلى التطور، في جميع المجالات؛ لأنه بدون ممارسة النقد البناء، والعلمي، والموضوعي، لا نستطيع تسليط الضوء على مختلف جوانب الواقع، ولا نستطيع الكشف عن الجوانب الإيجابي،ة والجوانب السلبية، ولا نستثمر ما هو إيجابي في الواقع، ولا نتجنب ما هو سلبي، كما لا نستطيع العمل على تطوير الواقع في الاتجاه الصحيح.

6) العمل على مناهضة أدلجة الدين، مهما كان هذا الدين، نظرا لأن الأدلجة، تقود إلى التضليل، وتعمل على بث الظلامية في الواقع، الذي يصير خاضعا لمنطق اللا عقل، مما يؤدي، بالضرورة، إلى إغراق الواقع في التخلف الفكري، والعقلي، وجعله عاجزا عن الاستجابة إلى متطلبات التطور الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي؛ لأن أدلجة الدين، وما يترتب عنها من تضليل، وبث الظلامية في الواقع العيني، تتناقض مع منطق التطور، ومهما كان هذا التطور، الذي يصير معاقا، بفعل التضليل، والظلامية، واللا عقل.

7) التمييز بين الدين، الذي لا يتعارض مع منطق التطور ،وبين أدلجة الدين، التي تعيق منطق التطور، وتقف وراء هذا التخلف الحاصل في المجالات الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية؛ لأن الدين الذي لا يتعارض مع التطور، ولا ي يعيقه، يجعل المتدين به منفتحا على الواقع، وأدلجة الدين التي تتعارض مع التطور، وتعيقه، تجعل المستلب بها منغلقا ضد الواقع. فالدين شأن فردي، باعتباره إيمانا بعقيدة معينة، وأدلجة الدين، شأن جماعي / حزبي، يحاول فرض معتقد معين، انطلاقا من تأويل معين، لنصوص دينية معينة، يحول الدين من مجرد معتقد، إلى أيديولوجية منتجة للمواقف السياسية، تجعل الدين / الأيديولوجية، متحكمة في كل مفاصل الحياة.

8) اعتماد نظام ديمقراطي شعبي، انطلاقا من دستور يضمن سيادة الشعب على نفسه، الذي يتمكن بتلك السيادة من تقرير مصيره الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، عن طريق الاختيار الحر، والنزيه، للمؤسسات التشريعية، والتنفيذية، والحرص على أن تكون المؤسسة القضائية، مستجيبة لطموحات الشعب، حتى يتم التمكن من إيجاد مؤسسات تقريرية، وتنفيذية، وبناء دولة ديمقراطية شعبية، تحرص على تطبيق القوانين المعمول بها، والتي يتم الحرص على ملاءمتها مع الإعلانات، والمواثيق، والاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان.

وبذلك، نجد أن نقد الواقع، وبث المعرفة العقلية فيه، والاهتمام بتدريس العلوم في مختلف المستويات التعليمية، وإعادة النظر في البرامج الدراسية، وإخضاع الواقع للنقد البناء، والعلمي، والعمل على مناهضة أدلجة الدين، مهما كان هذا الدين، والتمييز بين الدين الذي لا يتعارض مع منطق التطور، وبين أدلجة الدين، المعيقة له، واعتماد نظام ديمقراطي شعبي، هي بمثابة عوامل، تساعد على إنضاج الشروط المناسبة لإعمال العقل، في ظل ما يجري في الحياة الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، القائمة على إعمال العقل العلمي، والموضوعي، المنتج للأفكار المساهمة في تطور العقل، والواقع في نفس الوقت، مما يساهم في نشر التنوير، وإزاحة الظلامية، أو التظليم.