بارانويا كاليغولا تصيب نتنياهو

توفيق أبو شومر
2016 / 12 / 28

استمعتُ إلى خطاب نتنياهو بمناسبة، عيد الحانوكاه اليهودي، هذا العيد، رمزٌ من رموز انتصار اليهود في القرن الثاني قبل الميلاد على الاحتلال اليوناني للقدس، وتدمير الهيكل الثاني، وإلغاء الدين اليهودي.
خطب نتنياهو في مجموعةٍ من الجنود المصابين في حروب إسرائيل، عقب ساعات من قرار مجلس الأمن، اعتبار المستوطنات الإسرائيلية خرقا للشرعية الدولية، يوم 23/12/2016، هذا القرار أفزع حكومةَ نتنياهو، ليس بسبب مضمون القرار فقط، بل كان مصدرُ الفزعِ يعودُ إلى تمرد أمريكا على إملاءات إسرائيل وغطرستها. قال:
"إن روح، يهودا المكابي، بطل عيد الحانوكاه، الثائر على اليونانيين تُحلِّق فوقنا هذا اليوم، تحولت المنظومة الدولية كلها إلى مطاردة إسرائيل، بدلا من مطاردة المجازر في سوريا، سنستدعي سفراء كل الدول التي ساندتْ القرار لتوبيخهم على ما فعلوه" أضاف، وهو يضيء الشمعة الثانية للحانوكاه في حائط البراق:" إن الدول التي هنَّأتنا بعيدنا، صوَّتَتْ بنعم لقرار إدانة الاستيطان في جبل الهيكل، ما هذا التناقض؟! لقد وقعت الحرب هنا في زمن يهودا المكابي، فقد كان الهيكل لنا في تلك الفترة!"
لم يكتفِ نتنياهو كعادته، بتهديد الفلسطينيين، بل انتقل إلى تقريع أمريكا وزعمائها الديموقراطيين، وهو أيضا انتقل إلى تهديد كل الدول التي صوتت لصالح القرار الدولي، فألغى زيارة رئيس أوكرانيا، وأوقف الدعم عن السينغال، ولم يتوقف عند ذلك، بل إنه قرَّر أن يُهدد الأمم المتحدة كلها، فطلب من وزارة خارجيته إعادة تقييم علاقات إسرائيل مع الأمم المتحدة! حتى أن الكاتب، ديفيد هروفتش كتب مقالا بعنوان: "نتنياهو يشنُّ حربا على العالم!"
لم يبق على نتنياهو إلا بعض الخطوات ليُشابه بطل مسرحية الفيلسوف الفرنسي، إميل زولا، مسرحية، كاليجولا، إمبراطور روما في القرن الأول الميلادي، الذي ظنَّ أنَّه إلهٌ، فشرع في تدمير الآثار في القدس، ونصب له تمثالا كبيرا فيها! وعيَّنَ حصانَه عضوا في برلمان روما، بعد أن طرد أحد معارضيه!
برعَ سياسيو إسرائيل في توظيف الأساطير الدينية لتخدم أهدافهم، وأجروا عليها تغييراتٍ تلائم طبيعة المرحلة التي يعيشون فيها.
ما أزال أذكر كيف وظَّف (الإمبراطور)نتنياهو، بمعونة الحاخام السفاردي الراحل، عوفاديا يوسيف، عيد البوريم، أو أستير، أو عيد المساخر، للتحذير من إيران النووية، لأنَّ أحداث الأسطورة الدينية جرت في بلاد فارس، وها هو يوظف قصة عيد الحانوكاه، عيد النصر على الأعداء، بقيادة يهودا المكابي(الضارب بالمطرقة) فيما يجري من أحداث، ويستبدل الظالم بالمظلوم.
فالأعياد اليهودية في معظمها إما أنها انتصارات على الأعداء وتشفِّي بهزائمهم، وإما أنها فرصة لاضطهاد الواقعين تحت الاحتلال، فبمناسبة عيد الحانوكاه (السعيد على اليهود فقط)! أصدر وزير الدفاع قرارا بوقف كل أشكال التنسيق مع الفلسطينيين، أي بسجنهم في وطنهم وأرضهم، وهذا الأمر من السجَّان يدخل في إطار أبشع الجرائم التي يرتكبها المحتلون في حق خمسة ملايين فلسطيني مُحتل، والتي لو وثَّقها المظلومون كاتهامات لكان لها الأثرُ الأكبر في الرأي العام العالمي، وفي مؤسسات الحقوق في العالم، مع العلم أن كل الأعياد اليهودية، بشارتُها الأولى للأسف تبدأ دائما بما يلي:
إغلاق المعابر في وجهنا، ووقف إمدادات الوقود والطعام، ومنعُ التجول والسفر، لتكتمل فرحة المحتلين بعيدهم السعيد! وفي الوقت نفسِه، يستقبل متطرفو الحكومة في إسرائيل تهاني العالم لهم بهذا العيد، باعتباره عيدا سعيدا مُباركا عليهم فقط، وكئيبا على أصحاب الأرض!!