ديانة اللا دين: الملحد في جلباب الداعية

سامي عبد العال
2016 / 12 / 28

أخر ما نتوقعه أن ينهض أحدهم داعياً للإلحاد كأنه دين. بمعنى أنه يعدُّ الديانات -ضمناً أو صراحة- موضوعاً للكراهية. وينبغي محاربتها رأساً بنفس منطقها المطلق. ليجري الأمر بهكذا وصفٍ عنيفٍ لا يُفهم إلاَّ بعتمته الدلالية. وفي ذلك يتخذ دعاة الالحاد كل السبل لإطلاق اللعنات وعبارات التزلج على ثلوج الديانات. من ثم كان الاعتبار الأيديولوجي في هذا الكلام وارداً كبديل يحل فجأة محل الدين. وسواء أكانت المسألة عن قصد أم لا فستتبنى دعوة كما لو تؤسس نحلة جديدةً. نحلة الالحاد، ديانة الخروج على كل لاهوت!! وجه الطرافة هو القيام بأعباء تفكيرٍ لا حلَّ من التعلق به. بحيث يرسم دائريةً حوله عبر صمت الأفكار ودلالة المفردات المستعملة.
المقال لا يدافع عن معتقد مهما يكن إنما يكشف عن كيفية الاعتقاد دينياً كان أم سواه. ويبرز الموقف اللاديني من جهة انطلاقاته وتحولاته النقيضة. وهذا يوضح افساح التجارب الإنسانية المختلفة، جوهر تجريبه مع كل آخر ممكن. وأن قدرة التحرر لدى الإنسان تحتاج طاقة نقدية أكثر جذرية. وبهذا ليس مهما ما يعتقده إنما بأية أسس يتم ذلك وكيف يتجاوزه، كيف يعي انغلاقه. علما بأن الانغلاق يصيب أكثر الأفكار تحررا من القيود أو كما يقال عنها.
هنا يُلاحظ أن الملحدين يدافعون بمبررات شبه لاهوتية- أو على غرارها- عن آرائهم. ويحصرون فهمهم للحياة والعالم والوجود في فئة معينة بخلاف سواهم. ويمارسون طقوساً عبادية هي التصورات الجارية حول النفي الدنيوي لماهية الإله ووجوده وعلاقته بالبشر. وطالما كان النفي جوهر المعرفة فالملحد لا يقرر شيئاً ذا أهمية في هذا المجال. لكنه يسلب وجوداً من موجود على صعيد الاعتقاد. والقضية الشائكة أن البراهين المقدمة تتمثل اعتقاداً ما لدحض السابق عليها. والغالب أنها تناوئ الدين بشكل جزئي، أو بالأدق تجزيئي. مما يعني أن الباقي من الدين يكمل بعضه البعض وينبت خلال المواقع المقتلعة الجذور. كما أن مفهوم الإله - باعتباره المقولة الأكبر- في تاريخ الإيمان يعطيه السلب دعامةً على صعيد النفي. كحال الصفات السالبة التي تعطى للإله علوَ معناه في الديانات الابراهيمية.
وبناء عليه يفرق هؤلاء الدعاة بين القضايا التي تخص الإلحاد والأخرى المرتبطة بالإيمان الديني. بين الكتابات الملحدة وغير الملحدة، بين الأشخاص الملحدين وسواهم، بين جوانب النصوص الإلحادية في مقابل النصوص الدينية. لكن لماذا يبدو هذا الكلام خارج الصلاحية الفكرية؟ بأي معنى "يؤتى الإنسان الحذر من مأمنه" كما تقول العبارة الشهيرة؟ هل هناك فارق منطقي في مجابهة الديانات بقوالب الإيمان الذي فرخ فيها تاريخياً؟
إنَّ الثقافة العربية تلعب دورها في استبدال اللاهوتي بالملحد والعلماني. لأننا في واقع عربي لا نملك فيه ثقافة متطورة جذرياً. وكم نبلغ من المسافات الطوال إزاء رفض الديانات... وفي النهاية نكتشف مواقعنا الطريفة منها. كلما أبعدناها عن ساحتنا وجدنا أنفسنا في الوسط من صراعاتها مع كافة الأطراف. والدين وحده باستطاعته الاتيان عائداً من صحراء التيه بلا غاية. لذلك يحتاج الإلحاد مراناً متواصلاً على سد الثقوب السوداء إذ يتركها فراغ الميتافيزيقي. لأن فيروساتها النفسية والمنطقية لا تهجر الذاكرة بسهولة. لأنها بالوقت المناسب ستكمل الصور الناقصة والممزقة من جذورها. تعشعش مع الظروف المستجدة للتفكير.
أخطر المواقف هذا الاختزال للإلحاد في نزعة أصولية. وهو جزء من التكوين المعرفي لمفاهيم الحقيقة والتأمل في مصير الإنسان وإمكانية التأله ذاته. وأنه في طبيعته خارج أسوار القيود والارتهان بالمطلق انسانياً وميتافيزيقيا. الإلحاد نزوع نحو التحرر الأوسع من أية اصولية بتنويعات أخرى. فأقدم مدونة في ذاكرة البشرية هي مدونة الدين. والتعامل معها بهذا التناطح الاستعاري لون من اضعاف للإلحاد لا تقويته.
ليس هناك شيء يعيد الدجمائية اللاهوتية من باب خلفي مثل تلك المواقف. حيث يكون هناك تكفير إلحادي مثل التكفير الديني، وهناك إيمان معرفي على شاكلة الإيمان اللاهوتي وهناك مركزية عقلية بطريقة مركزية الإيمان...وهكذا. ورغم هذا يقال إنها مواقف إلحادية لا تعترف بالدين. وأنها تتحسب وقوعاً في شراكه الخفية. أية مفارقة تلك أن يسقط هؤلاء لافتات الدين بتكرار نفس المضامين؟ ولربما يكررون ذات العناوين في كؤوس مختلفة ليس إلاً. كخمر قديم يسكب داخل زجاجات براقة كأنها تقدم لأول مرة. بينما هي ذات الخمر التي عُتقت وأضحت هكذا.
لعل المنحى الأخلاقي الذي يغلف التوجه السابق لهو سبب العودة. بدليل هذا السباب والشتائم لأشخاص الدين وعلاقاته ومعاركه ونصوصه ورموزه. و أخطر ما في ذلك الالحاد الأخلاقي هو انجرار الرؤى اللادينية إلى الشتم والقذف. فهذا يفرغ طاقات الكراهية تجاه عنف الديانات ووصايتها. لكنه في نفس الوقت يؤجج صراعاً بعناوين متنكرة. إن مكر الديانات هو حصر الالحاد في زاوية ضيقة. وذلك لمقايضته بخطاب آخر هو هو(الدين) ذاته الذي يشكل معاييره ويحكم عليه. إن أعمق الأساليب غير الواعية أن يعطيك الطرف الذي تحاربه سلاحاً يعرف كيف يبطله. ويمتلك أهدافه الأبعد وقطع غياره الثقافي واللغوي والنفسي.
نقد الدين كما يقول ماركس هو النقد الجذري على الأصالة. ليس لأنه ديناً يُقابل بالإلحاد بل بسبب حيل وألاعيب الأفكار الدينية التي تنهض رفاتُّها كلما سنحت الفرصة ثانية. ونظراً لكونها تخترق الذهنيات خارج مجالاتها المعتادة. وبالتالي علينا الوقوف أمام مفارقات لا تنتهي. وربما هي سمة تخص مضامين الدين حصراً. فالغياب والحضور، الأنا والآخر، الإيمان والكفر، الحقيقة والكذب، الخير والشر.. جميعها ليست ثنائيات إنما جينات تحمل جميع صفات العقائد الدينية كاملة. فإذا ظننا أسقاط متعلقاتها أو كلها فإنَّها تجتَّر الصفات المورثة للدين إجمالاً دونما بقيةٍ.
ومن حين لآخر يأتي أصحاب الإلحاد معلنين تخلصهم من الدين نهائياً. كيف ذلك؟ وبأي معنى؟ إذا أردنا التخلص من شيء علينا التخلص من طبيعة التدين نفسه!! أي إمكانية التدين داخل حيوانية الإنسان؟ لماذا يتعلق الجهاز الإدراكي للإنسان بمنظومات الدين وطقوسه؟ ولا يهيل التراب على الميتافيزيقا كأنها سطح بأعلى الدماغ البشري. فتكمن وتظهر داخل كائنات صورية ونفسية تحت عناوين مختلفة اسمها الإلحاد. ماذا يعني شخصاً ملحداً وهو يدرك كونه كذلك؟ لا شيء إلا أن يتحول الإدراك إلى إيمان ثابت. وشاء أم أبى لا يمنع نفسه من التقوقع خلف ترسانة عقائد تجر الدين من نافذة تالية.
ربما هذا ما يكشف أهمية تأسيس الالحاد على معايير مختلفة وعلى رؤى مفتوحة بشكل لا نهائي. وأن الوعي النوعي لها لابد من تعريضه لعمليات نقد متواصلة. ولن يتم ذلك خارج الدين(كل دين). لأن الأخير كما قلنا يخلع أطره على النقيض له. إنه التحدي الأساسي لكل تفكير تجاه الدين. ولهذا أشار جاك دريدا أن الدين لا يُفكَّك. ذلك رداً على سؤال حول الإلحاد من عدمه. وليس يعني ذلك عدم التدين إنما لأن الدين حالة شخصية تماماً. ليس لها منطق قابل للتعميم. وطالما هي كذلك فإنها لا تلفظ التناقضات على غرار الأنساق الفلسفية والفكرية. لكنها قادرة على ابتلاع كل تناقض داخلي لمصلحة آليات الإيمان والأداء الكلي للمعتقدات.
منظومات الدين كمنظومة الحياة تهضم النقائض والمغالطات لصالح بقائها الممتد. ولهذا لا يوجد تاريخٌ بمنأى عن تحولات الدين. والدين بدوره يؤجل القرار الحاسم للبت في وجوده. لأنَّ أي رأي واختلاف مهما تكن مبرراتهما سرعان ما يجدا مكانهما المقبول داخل ذهنية المتدين. إذن كيف يتعامل الملحد مع هكذا تلون أكثر صمتا ومكراً؟ بأي مفهوم يقفز من هذه الدوائر والمتاهات المتصلة؟ إن تقمص دور "الملحد الداعية" لأكبر علامة على غياب هذا المعنى.