العلمانية و الدين

مولود مدي
2016 / 12 / 28

ان فصل الدين عن السياسة و امور الحكم يحقق صالح السياسة و الدين في وقت واحد, فحشر التعاليم الدينية في الامور السياسية يفقد الدين قداسته, كما يصبح الدين عامل تفرقة بين الناس عوض ان يكون عاملا في توحيدهم لان الناس لا يمكن ان تتفق على دين واحد.
ان ظاهرة الخلط بينما هو سياسي و ديني اصبحت ماركة مسجلة في العالم الاسلامي بلا منازع .. فبعدما تخلصت اروبا من هذا الفكر منذ نهاية حرب الثلاثين عاما ( 1618-1648) ظهرت العدوى في العالم الاسلامي بعد سقوط الخلافة العثمانية فانفجر العالم الاسلامي بافكار سيد قطب و المودودي و غيرهم .. يكفي فقط القاء نظرة على ما حدث للسودان بسبب اسلمة الدولة. و الصالح الذي يتحقق للسياسة من فصلها عن الدين هو عدم ظهور انظمة قمعية ديكتاتورية متسربلة بالدين التي هي اخطر من الانظمة العسكرية.
لقد تسبب الخلط الارعن بين الاسلام و السياسة ظهور حكام مجرمين و سفاحين على شاكلة المنصور الذي عذب الامام ابي حنيفة النعمان لان هذا الاخير رفض منصب القضاء فتم جلده حتى ورم راسه و هو في السبعين من عمره من طرف اعوان المنصور الذي قال يوما (انا الاسلام و الاسلام انا ) فكل انسان لا يفهم الاسلام على شاكلة هذا الشخص يعتبر كافرا مستوجب القتل.
هذا قليل من كثير فلو نتصفح تاريخ الامبراطوريات التي قامت في التاريخ الاسلامي و تغطت برداء الاسلام من اجل الحكم و السلطة فلن نجد اي انتقال ديمقراطي للسلطة بين الحكام المسلمين .. فالانتقال و تسليم السلطة يتم بالسيف و قطع الرقاب و ضرب كل محاولة سلمية في عرض الحائط .. فبسبب حب السلطة و الحكم اغتيل ثلاث خلفاء راشدين ( عمر بن الخطاب, عثمان بن عفان , علي بن ابي طالب ) دون ادنى مراعاة لمكانتهم الدينية و قربهم من رسول الاسلام .. لقد حصد السيف الكثير من رؤوس المسلمين اكثر مما حصد في الغزوات.
ان كل اجتهاد تم بادلة شرعية بينت ان الاسلام ترك السياسة للناس ليتدبروا فيها حسب حاجتهم قوبلت بالتكفير و التقتيل .. فالقاضي و الامام علي عبد الرازق ( الذي ايده الامام الجزائري عبد الحميد ابن باديس) نادى بفصل الدين عن السياسة في كتاب الاسلام و اصول الحكم و اثبت بطلان وجوب الخلافة بادلة شرعية واضحة من القران و احاديث رسول الاسلام تم تكفيره و تكفير كل من ايده... محمد عبده و مادراك تم تكفيره بسبب ارائه التنويرية.
ان الدين يعتنقه البشرعن اختيار و قناعة و لا تعتنقه مؤسسات الدولة التي يجب ان تبقى حيادية لانها وجدت لقضاء مصالح الناس و ليس لحمل الناس على التدين و التمذهب ولكن المرفوض هو تجاهل الدين كعامل مهم في بناء ضمير الناس و اخلاقهم و لكن الفرق عظيم فالدين و غايته لا تتغير و لكن السياسة تتغير بتغير الزمان.
ان العالم الاسلامي الذي يعاني في كل المجالات بطريقة غير مسبوقة و خاصة الاحترابات الطائفية بين مختلف الطوائف الدينية تساندها القوى الامبريالية بزعامة الولايات المتحدة التي تغذي هذا الصراع و الداعمة للاسلام السياسي من اجل السيطرة على موارد الشرق الاوسط بدعم من الدول الوهابية الخليجية بالمال و البترودلار و بالفكر الوهابي الذي يشجع التكفير و القتل ضد الطوائف الاخرى لا حل له الا باقامة انظمة سياسية علمانية تترك الدين للناس ليختاروا ماذا يعتنقوا وليس بالدول الدينية فكيف نريد اذا ان يتعايش السني مع الشيعي و البهائي مع الدرزي في سلام؟ كيف ستتوحد الجبهة العربية ضد الامبريالية الامريكية و حلفائها و العدو الصهيوني الذي لا يتورع في تقتيل الفلسطنيين؟ ان هذا الحلم لن يتحقق الا تحت يافطة الدولة العلمانية المدنية التي تقيم العلاقات بين افراد الشعب على اساس المواطنة.