قانون العشائر يعيق تطور الدولة المدنية

عبدالخالق حسين
2016 / 12 / 27

منذ اغتصاب البعث للسلطة عام 1968، وخلافاً لشعاراته البراقة المعلنة لتوحيد الشعوب العربية في دولة واحدة، إلا إن العكس هو الذي حصل، إذ تم تفتيت الشعب الواحد إلى كيانات عشائرية، أي العودة إلى ما قبل تكوين الشعب والدولة. وقبل ثمان سنوات كنتُ قد كتبت في هذا الخصوص مقالاً بعنوان (العشائر والدولة)(1). وسبب عودتي لهذا الموضوع الخطير هو محاولة البرلمان العراقي بسن قانون العشائر الذي يهدف إلى بعث الحياة في العشائرية وشرعنتها، وجعلها إحدى مؤسسات الدولة التشريعية، وهي خطوة لإعادة العراق إلى ما قبل تأسيس الدولة المدنية، ناهيك عن الدولة الديمقراطية الحديثة التي نطح إليها. ولهذا قمت بإعادة كتابة مقالي السابق وتحديثه إلى ما يناسب الظرف الحالي الذي يمر به العراق وهو مبتلى بحروب الردة في مواجهة عصابات (داعش) التكفيرية الإرهابية، وغيرها من عصابات الجريمة المنظمة.

وكالعادة في سن أي قانون، يتذرع المطالبون به بالدستور والإدعاء أن سن هكذا قانون هو استجابة للدستور، بينما في الحقيقة هو مخالف للدستور كما أكد ذلك الخبير القانوني، الأستاذ طارق حرب في تصريح له أن (مشروع قانون العشائر المعروض في البرلمان لمناقشته “مخالفا للدستور”، مؤكدا أنه سيمكن بعض زعماء القبائل من “التجاوز” على القانون، ويعزز من التمرد القبلي ضد الدولة ومؤسساتها الحكومية بذريعة وجود قانون خاص بها حيث تزايدت شكاوى كثيرة من الاطباء والمعلمين والموظفين العموميين بعد تعرضهم للاعتداء والتهديد من قبل بعض العشائر.)(2، 3)

العشائرية في التطور الحضاري والاجتماعي
العشائرية هي مرحلة من مراحل تطور المجتمع البشري في التاريخ، تمتد جذورها إلى آلاف السنين، وهي مرحلة انتقالية من مجتمع الصيد والمشاعة البدائية في العصور الحجرية، إلى مرحلة تكوين الشعوب والدول. ولذلك فهي بلا شك، تعد مرحلة متقدمة على ما قبلها، ولكنها متخلفة بالنسبة لما بعدها.
يقول كارل ماركس في هذا الصدد: "أن تطور المجتمعات البشرية يحصل خارج وعي الانسان، وأن قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج واصطراعهما هي القوى المحركة للتاريخ والتحولات الاجتماعية".

وعليه، فإن بقاء العشائرية مرتبط بالضرورة بوسائل وعلاقات الانتاج، أي بمرحلة الإقطاع. فأوربا مثلاً كانت مقسمة إلى دويلات المدن، يقودها رؤساء القبائل وأصحاب الاقطاعيات الزراعية الكبيرة. وقد انتهى الاقطاع في أوربا بولادة الرأسمالية والثورة الصناعية. ونتيجة لظلم الاقطاع فقد هاجر الفلاحون (أبناء العشائر) من قراهم إلى المدن، وتركوا الزراعة وانخرطوا بورشات العمل وغيرها في المدن، مما أدى إلى نمو الرأسملية ومعها الطبقتين، العاملة والبرجوازية، متزامناً مع إنهيار الاقطاع وزوال دولة القبيلة ودويلات المدن، وفسح المجال لتكوين الشعوب والدول القومية أو الوطنية على أنقاضها.

ومن كل ما تقدم نستنتج أن هذه التحولات لا علاقة لها بنوعية القومية، عربية كانت، أم فارسية أو أوربية ، بل لها علاقة بقوى وعلاقات الإنتاج واصطراعمها، أي القوى المحركة للتاريخ والتحولات الاجتماعية.

والعرب قبل الإسلام كانوا قبائل معظمها متنقلة وفي حروب دائمة فيما بينها على موارد الصحراء الشحيحة. والإسلام هو الذي وحَّدَ هذه القبائل وصهرها في شعب، وأسس لهم دولة، فأحال طاقات القبائل القتالية فيما بينها إلى حروب وفتوحات خارجية بدافع الفوز بالدارين، الغنائم في الدنيا والجنة في الآخرة. ولا يعني هذا أن العشائرية والقبلية قد انتهت في عهد الدولة الإسلامية، لأن عملية التخلي عن هذه المكونات الاجتماعية يستغرق وقتاً طويلاً، ولأن وسائل وعلاقات الانتاج في الدولة الإسلامية لم تتغير كثيراً عما كانت عليه قبل الإسلام.

وللعشيرة وظيفة سياسية واجتماعية واقتصادية مهمة أملتها ظروف موضوعية، وهي حماية أمن وسلامة أبنائها ومصالحهم المادية من العدوان الخارجي. لذلك يدرك ابن العشيرة بالفطرة أن سلامته مرتبطة بسلامة العشيرة، وعليه أن يتفانى في الدفاع عن مصلحة عشيرته إلى آخر رمق لكي تدافع العشيرة عنه. لذا فالعلاقة بين الفرد والعشيرة تشتد وتضعف حسب قوة الدولة، ودورها في ضمان أمن ومعيشة أبناء الشعب. ففي عهد الدولة العثمانية مثلاً، لم تكن الحكومة مهتمة بأمن البلاد وشؤون الناس، بل كان كل دور الحكام منصباً على جمع الضرائب وإرسالها إلى العاصمة إسطنبول. ولهذا السبب لم يكن أمام العراقيين غير اللجوء إلى عشائرهم والتماسك فيما بينهم لضمان أمنهم وسلامتهم بقيادة شيخ العشيرة. وكانت هذه العشائر في حرب دائمة فيما بينها، ومع الحكومة العثمانية أيضا،ً والتي كانت تشجع أحياناً الحروب بين القبائل من أجل إضعافها، وتنحاز إلى هذه القبيلة أو تلك حسب المصالح وتبدل الأحوال.

واستمرت الحالة هذه إلى تأسيس الدولة العراقية الحديثة والتي كانت نتيجة لثورة العشرين التي قام بها أبناء العشائر يقيادة رؤسائهم وفتاواى رجال الدين الشيعة. و لم يكن سهلاً على مؤسسي الدولة العراقية وقوات الاحتلال البريطاني استمالة القبائل لها بين عشية وضحاها، بل شابت العلاقة توترات حصلت خلالها صراعات دموية، بدأت بحرب الجهاد ضد الاحتلال، لتليها ثورة العشرين. واستمرت العلاقة متوترة بين الدولة والعشائر خلال النصف الأول من العهد الملكي، حيث كانت بعض النخب التي تتناوب على السلطة، ما أن تصير في المعارضة حتى وتلجأ إلى تحريض العشائر ضد الحكومة. وكان موقف الحكومة حرجاً في البداية إذ كانت تعاني من ضعف. و نستنتج مما سبق، أن هناك علاقة عكسية بين الدولة والعشيرة، أي كلما ضعفت الدولة استقوت العشيرة، والعكس بالعكس.

تحويل الشيوخ إلى اقطاعيين
لم يكن شيوخ العشائر إقطاعيين أو مالكي الأراضي الزراعية قبل تأسيس الدولة العراقية، بل كانوا عبارة عن وجهاء وأمراء على أبناء عشائرهم التي تجمعهم وحدة الدم والقرابة. ولكن كمحاولة من الإنكليز والحكومة العراقية في استمالة الشيوخ، وزعوا عليهم الأراضي الأميرية وحولوهم من شيوخ عشائر يحمون أبناء عشائرهم، إلى إقطاعيين وجلادين لهم. كما وسن الإنكليز قانون حكم العشائر الذي خوَّل الشيوخ حكم ابناء عشائرهم والنظر في دعاواهم وحل منازعاتهم وفق هذا القانون، أي العرف العشائري. وإذا ما عرفنا أن نحو 70% من أبناء الشعب كانوا يسكنون الريف آنذاك، فهذا يعني أن نحو 70% من الشعب العراقي في العهد الملكي لم يكونوا خاضعين للقوانين المدنية. ويعلق الباحث حنا بطاطو على ذلك، أن هذه التفرقة في الحكم بين سكان المدن والأرياف كان من أهم معوقات التقدم الحضاري في العراق.

كما وكان هذا التمييز أحد أهم الأسباب التي أدت إلى بروز الصراع على الحكم في العهد الملكي بين طبقة الإقطاع، المحكوم عليها تاريخياً بالزوال، والبرجوازية الصاعدة. فخلال العهد الملكي حصل تطور اجتماعي حيث نشأت البرجوازية الوطنية التي واجهت مقاومة عنيفة من طبقة الإقطاعيين في المشاركة في الحكم، إذ كان النظام الملكي قائماً على الإقطاع ومعتمداً عليه، حيث كان شيوخ الإقطاع مهيمنين على الإقتصاد من خلال امتلاكهم للأراضي الزراعية، وعلى صنع القرار السياسي من خلال هيمنتهم على البرلمان ونفوذهم في الحكومة. و في هذا الخصوص يذكر الدكتور منذر الشاوي في مقدمة لكتابه الموسوم (نظام برلماني ممسوخ قاد إلى ديكتاتورية ملكية)، قائلاً: "إن البرجوازية العراقية بدأت تنمو بشكل محسوس، إلا إن هذا النمو البرجوازي صادف وجود طبقة إقطاعية قوية، فلم تستطع الطبقة البرجوازية في ظل النظام الملكي من تنحيتها، ولم تحدث بينهما المصالحة التي تمت في العديد من دول أوربا الغربية بين طبقة ملاك الأراضي والطبقة البرجوازية."

وقد بلغ ظلم الإقطاع للفلاحين حداً لا يطاق، وعلى سبيل المثال لا الحصر، يقول الدكتور عزيز الحاج بهذا الصدد: " فيما كان الفلاح العراقي يتضور جوعاً، وينسحق ديوناً،…أهدى أحد كبار الإقطاع في العمارة سيفاً ذهبياً لعسكري بريطاني، وفي نفس الوقت كان زملاؤه في محافظة الكوت (واسط) يجوِّعون كلابهم الضخمة بإنتظار الإنقضاض في اليوم التالي على الفلاحين الذين عجزوا عن تسديد ديونهم أو جازفوا بالهروب من جحيم الأسياد. وكان دخل الفلاح الممتاز لا يتجاوز في السنة 5 دنانير قبل الحرب العالمية الثانية، وثلاثين ديناراً إثناءها، في حين كان إيراد بعض الشيوخ من غلة واحدة قد يتجاوز المائة ألف دينار. وكان الإقطاعي يفرض على الفلاح عشرات الأشكال من الضرائب والرسوم، ويستهتر بعائلته، فضلاً عن ظلم التجار ونهبها بالربا الفاحش." (د. عزيز الحاج، مع الأعوام، ص117).

فالجماهير المسحوقة وخاصة سكان الأرياف الذين كانوا يشكلون غالبية الشعب، كانوا يعيشون حياة بائسة ضحية الفقر والجهل والمرض، بسبب ظلم واضطهاد مشايخ الإقطاع لهم، مما أرغم الملايين منهم على ترك الفلاحة، والهجرة إلى بغداد والمدن العراقية الأخرى، مكونين أوراماً سكانية خطيرة على أطراف المدن، تنذر بعواقب اجتماعية وسياسية وخيمة. وهذا هو النتاج المباشر لاستفحال العشائرية.

ولذلك عندما حصلت ثورة 14 تموز 1958، كان من أهم مهماتها وأهدافها ضرب الاقطاع في الصميم، حيث أصدرت الثورة قرار إلغاء حكم العشائر، وبذلك جردت شيوخ العشائر من سلطتهم القانونية، وحررت 70% من أبناء الشعب من طغيانهم. والضربة الثانية جاءت لهم من خلال قانون الإصلاح الزراعي بضرب مصالحهم الاقتصادية. وبذلك حققت الثورة إنقلاباً إجتماعياً جذرياً في المجتمع العراقي، وهذه القوانين هي وحدها كافية لإعطاء سمة الثورة لما حصل يوم 14 تموز 1958، وما تلاه من عمر الثورة المغدورة. ومنذ ذلك اليوم بدأت النزعة الوطنية في نمو مطرد على حساب الانتماءات والولاءات الأخرى، مثل العشائرية والطائفية وغيرهما.

ولكن كما بينا في مناسبات عديدة، أن التطور الاجتماعي لن يكون على شكل خط بياني مستقيم إلى الأمام وإلى الأعلى، بل تحصل أحياناً انتكاسات وتراجعات. وقد حصل النكوص الأول بإنقلاب 8 شباط 1963، عندما هيمن التيار القومي العروبي على الحكم بإغتيال ثورة تموز وقيادتها الوطنية. وكما ذكرنا في أعلاه، كان المفروض من هذا التيار توحيد الشعوب العربية في شعب واحد (أمة عربية واحدة)، من المحيط إلى الخليج، كما هو المعلن في شعاراته، إلا إن الذي حصل عملياً، وخاصة في عهد حكم البعث بعد 1968، هو تفتيت الشعب الواحد وإعادته إلى ما قبل تكوين الدولة والشعب.

وقد ساهم حكم حزب البعث، بفعالية في إحياء الطائفية والعنصرية والقبلية في العراق. ومن الإجراءات التي اتخذها حكام البعث في إحياء القبلية ونشر قيم البداوة، أن قام كل قيادي بعثي بنصب خيمة بدوية (بيت الشعر) أمام قصره المنيف، فيها موقد ودلال القهوة، رابطاً أمامها وإلى جنب سيارته المرسيدس، جملاً، والظهور في الأماكن العامة بالزي البدوي والريفي. وهكذا كان عهد حكم البعث هو عهد بعث الحياة في العشائرية وترويج قيمها البدوية وهيمنة الريف على المدينة وتفتيت الشعب وتجاهل القوانين المدنية ودور الدولة في حكم الشعب.

وفي التسعينات من القرن الماضي، وبسبب الحصار وانتشار الفقر، تفشت الجريمة بشكل واسع بحيث لم تستطع محاكم الدولة التعامل مع الأعداد الهائلة من القضايا الجنائية للنظر فيها، لذلك اتخذ صدام حسين خطوة أخرى في صالح العشائرية لكسب ولائها، فمنح شيوخها المزيد من النفوذ والامتيازات المادية، وصلاحيات واسعة في حل المنازعات بين الناس وفق العرف العشائري وبالطرق البدائية الرخيصة، بدلاً من المحاكم القضائية المدنية وقوانين الدولة، أي حصلت ردة حضارية بكل معنى الكلمة.

مخاطر وأضرار إحياء العشائرية
أود هنا التوضيح أني لا أدعو إلى إعلان الحرب على العشائر في الظروف الحالية القاهرة التي يمر بها العراق، ولا في أي وقت في المستقبل، فالعشائر واقع مفروض على الشعب وموروث من الماضي القريب والبعيد، ويمكن التعايش معها مؤقتاً، والإستفادة منها لتحقيق الأمن وإلحاق الهزيمة بالإرهاب وعصابات الجريمة المنظمة في الظروف الحالية، حيث الحكومة ضعيفة ومؤسساتها المدنية وقواتها المسلحة مازالت في طور البناء ولم تكتمل بعد ناهيك عن الاختراقات. فهناك الحاجة إلى دعم العشائر ورجال الدين وتوظيف كل ما في العراق من موروث إجتماعي لخدمة الشعب، والاستفادة منها في الظروف الحالية الطارئة. ولكن في نفس الوقت أرى من الواجب عدم سن قوانين من شأنها تكريس العشائرية والقبلية ونشر قيمها ونفوذها ومنحها دوراً في الدولة، وجعلها طفيليات تمتص رواتب ضخمة على حساب الملايين من الفقراء والعاطلين عن العمل. فالعشائرية على المدى المتوسط والبعيد، هي على النقيض من بناء الدولة المدنية، والتقدم الاحتماعي والسلم الأهلي. وبعبارة أخرى، يجب عدم السماح للظروف القاهرة المؤقتة السائدة الآن أن تكرس آثارها السلبية الضارة بالمجتمع على المدى الطويل.

خلاصة القول، العشائرية مرحلة من مراحل تطور المجتمع البشري في التاريخ تسبق تكوين الشعب والأمة والدولة، تُبعث فيها الحياة وتنشط في فترات ضعف الدولة والانحطاط الحضاري والانهيار الفكري، لذلك فقوتها تتناسب عكسياً مع قوة الدولة. وكادت العشائرية أن تختفي من المجتمع العراقي في السنوات الأخيرة من العهد الملكي وخلال ثورة 14 تموز، لولا حكم البعث الذي عمل على إعادة المجتمع إلى الوراء، إلى مرحلة القبلية. لذا فإحياء العشائرية وسن قانون لها وشرعنتها، عملية معوقة للتقدم الحضاري، وبناء المجتمع المدني، وتهدد السلم الأهلي، ودورها مناقض للدولة العصرية، وتؤدي إلى ظهور شريحة طفيلية من الحكام تشكل عبئاً ثقيلاً على ميزانية الدولة دون مقابل. والعشائرية لا توجد في الدول المتقدمة، بل في المجتمعات المتخلفة فقط، فهي مظهر من مظاهر التخلف الحضاري. لذلك نهيب بكل المواطنين الواعين رفض قانون العشائر.
ــــــــــ
روابط ذات صلة
1- د.عبدالخالق حسين: العشائر والدولة
http://www.al-nnas.com/ARTICLE/KhHussen/19mm.htm

2- حرب: قانون العشائر سيعزز التمرد القبلي والتجاوز على القانون
http://almaalomah.info/2016/12/10/political/111813

3- 200 طبيب عراقي في كربلاء يغلقون عياداتهم خشية القتل
http://www.alarab.com.qa/details.php?docId=59162&issueNo=295&secId=15